السبت، 31 مايو، 2008

عاشوا فى خيالى-2-مالك بن نبى و القابلية للإستعمار


ربما يُعد اسم مالك بن نبى غريباً على أذهان البعض, و ربما ظن من يقرأ اسمه لأول مرة أنه اسم لفقيه مسلم عاش فى القرون الوسطى مثلاً, فإذا كان هذا حالك, فاعلم أن مالكاً هو فيلسوف جزائرى مسلم عاش فى القرن العشرين, و توفى فى السبيعينيات بعد أن ترك تراثاً فكرياً عظيماً, و عدد من النظريات أهمها نظرية القابلية للإستعمار, و التى سنحاول مناقشتها هنا بشىء من التفصيل.
فى العديد من الكتب التى قرأتها,وجدت من كتابها اشارات للمفكر الراحل, و ذكر موجز و عابر لبعض آرائه, و لكن لم يقع فى يدى أحد كتبه كى أتعرف على فكره بشىء من التفصيل, و لم يحدث هذا الا مؤخراً و الفضل لمدونة عالم الكتب التى تحتوى على العديد من كتبه, و كان من حظى أن حملت كتاب شروط النهضة الذى جذبنى عنوانه, و كان -لحظى أيضاً-هو أهم كتبه , و الذى ناقش فيه النظرية سالفة الذكر.
فى هذا الكتاب الذى كُتب فى الأربيعينيات, حاول المفكر الراحل أن يعرض للمسلمين الشروط التى يراها واجبة لنهضة الأمة, و ذلك فى وقت كان العالم الإسلامى كله تقريباً يرزح تحت نير الإستعمار, و تعرض ابن نبى الى ذكر التجربة الجزائرية التى كان أساسها اتباع الآية الكريمة ((إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم)) , و التى آمن أنها هى السبيل الوحيد للخلاص.
تكلم الكاتب عن الحضارة, و الفرق بين الحضارة الغربية المادية, و الحضارة الإسلامية القائمة على الروح و العقل, و أن عناصر أى حضارة هى معادلة=انسان+تراب(مادة)+وقت.
و كان أهم ما عرضه المفكر الراحل فى كتابه هو نظرية القابلية للإستعمار, و نستطيع أن نلخص رأيه فى هذا السطر(لكى لا نكون مستعمرين,يجب أن نتحرر من القابلية للإستعمار).
القابلية للإستعمار بكل بساطة, هى حالة نفسية تمر بها الشعوب المُستعمَرة, ناتجة من الهزيمة النفسية و المعنوية من المُستعمِر الذى لا يتوانى عن نشر الروح الانهزامية بين أفراد الشعوب التى يستعمرها, و يعمل على تزييف وعيهم و إقناعهم فى اللاوعى لديهم بأنه لا سبيل لتطورهم و نهوضهم إلا إذا إتبعوا سبيله فى الحياة, و بهذه الطريقة تظل الشعوب المُستعمَرة فى حالة تبعية دائمة للإستعماريين, لأن الذل و الهوان و مسخ الهوية الوطنية و الضعف و الإستكانة و اليأس كلها قيود يقيدنا بها المُستعمر حتى لا ننهض و نتحرر.
و من وجهة نظر مالك بن نبى, إن الشعوب التى تخضع للإستعمار تتحمل بعض هذه المسئولية , و تصبح شعوباً قابلة للإستعمار و تسمح لأمم أخرى أن تحتلها و تقودها و تمسخ هويتها, لأنها بكل بساطة تستسلم و تستكين , و لا تحاول أن تتعلم من الدروس, و تغير الأوضاع التى أدت بها للوصول الى هذه الحالة من الهوان.
هذا هو ملخص نظرية الكاتب, و فى رأيى أن هذا الكتاب الذى كُتب فى ألأربيعينيات فى ظل عالم مسلم خاضع لإستعمار غربى أوروبى , يظل محتفظاً بقيمته فى القرن الواحد و العشرين.
فبعض الناس ترتبط عنده كلمة الإستعمار إرتباطاً شرطياً بحقبة زمنية معينة, تنتهى بعقد الخمسينيات الذى شهد تحرر معظم الدول المُستعمرة فى آسيا و أفريقيا, كما يرتبط اللفظ فى ذهنه بأشخاص كان لهم دورهم فى قيادة حركات التحرر فى بلادهم كغاندى فى الهند مثلاً, أو بمن تخطوا حدود بلادهم و ساندوا حركات التحرر فى العالم الثالث كله كجمال عبد الناصر.
و يكون واهماً من يظن أن الإستعمار الذى تكرر كثيراً فى خطب عبد الناصر و أغانى عبد الحليم قد انتهى و زال, ربما رحل الإستعمار بجنوده و جيوشه, و لكنه ترك وراؤه جيوشاً من أنواعٍ أخرى, دعاة على أبواب جهنم, و هم من جلدتنا و يتكلمون بألسنتنا.
فالإستعمار لم يرحل بجيشه من أرض إلا بعد أن تأكد من أنه ترك فى مواقع السلطة و التوجيه مسوخاً لا حظ لهم من الدين أو الوطنية, يقودون بلدانهم بالحديد و النار لتنفيذ مخططات و أجندات غربية, فمن حكام يفتحون أبواب بلدانهم لجيوش من المنصرين, و فى الوقت ذاته يقمعون كل من يحاول إحياء الشريعة و نشر الصحة الإسلامية, الى حكام و مثقفين يسيرون فى ركاب الغرب, و يتخذون من العلمانية ديناً, و من الإسلام عدواً, حتى صار همهم الأكبر هو محاربة و محو كل ما يمت للإسلام و الهوية الإسلامية بصلة, و لإن كان أتاتورك -الذى قيل عنه أنه بعد أن كانت تركيا فى مقدمة الشرق جعلها فى مؤخرة الغرب-أقول أنه لإن كان من أوائل من نفذ أجندة الإستعمار بحرفية تامة,بل و حتى بأكثر مما حلم به الإستعمار, فإنه على الأقل كان واضحاً, و ليس كحكام آخرين لبسوا ثياب المؤمنين و ادعوا أنهم غيورين على الإسلام, و نصت دساتير بلادهم على أن الإسلام المصدر الرئيس للتشريع, بينما القول موسى و العمل فرعون.
نعم رحل الإستعمار بجنوده, و لكن بعد أن جند عملاءً له على أراضينا, من حكام,و مسئولين فى دوائر صنع القرار,و مفكرين, و إعلاميين, بل و فى قلب من يضعون مناهج التعليم, كل هذا لكى تظل شعوبنا على حالها,فى حالة إستعمار, فتبقى خاضعة, خانعة, تابعة,تُسرق منها ثرواتها و هى تصفق بل و تشكر السارق, و تلتمس منه الحماية و تطلب منه الرضا, بل و تستعديه على أخوتها.
نحن ما زلنا نعيش فى حقبة الإستعمار يا سادة, ربما قد نسى البعض أن هناك بلد اسمه فلسطين ما زال مستعمراً بأكمله, و أننا نتفاوض على شبر و ننسى أن بقية الأرض ملكُ لنا, ربما بعد بضعة سنوات يتعود بعضنا على الوضع الراهن فى أفغانستان و العراق, و ننسى أن الكفاح المسلح الذى أخرج الاستعمار من بلداننا فى الخمسينات و الستينات هو السبيل الوحيد لإنهاء هذا الوضع.
ما زلنا نعيش فى حقبة الإستعمار, طالما أننا نرزح تحت قيود السلبية و الهوان, و نترك أمورنا رهن بمشيئة هذا أو ذاك, و نصفق لأبنائنا الذين يحسنون العد و وصف الألوان و الأشياء بالإنجليزية, و عندما نسألهم عن معانيها بالعربية لا يستطيعون, نصفق لهم بعد أن مسخنا هويتهم!!!
ما زلنا نعيش فى حقبة الإستعمار طالما أن مناهج الدين تُعدل, و التاريخ يُزيف, و المصلح مطرود, و المفسد معبود.
ما زلنا نعيش فى حقبة الإستعمار طالما أن الوهن فى قلوبنا قد ثبت, و أن شعلة الجهاد قد خبت.
لكن مع كل ما نعيش فيه من سلبيات, يجب ألا نيأس, و نؤمن بأن المستقبل لهذا الدين.
و أنه لا سبيل لتغيير أحوالنا إلا بتغيير ما بأنفسنا, يجب أن نتخلص من القابلية للإستعمار.
و يمكن للقارىء مطالعة الكتاب المذكور و غيره من كتب المفكر الراحل من مدونة عالم الكتب
و للمزيد عن المفكر الراحل, يمكن زيارة هذه المدونة التى تحمل اسمه
أسأل الله أن ينفعنا بما علمنا,و أن يعيننا على تغيير أحوالنا و ما بأنفسنا الى الأفضل, و أن يستخدمنا و لا يستبدلنا, و أن نكون جيل النصر المنشود, إنه ولى ذلك و القادر عليه.
و إلى لقاء آخر مع شخصية أخرى بإذن الله.

الجمعة، 30 مايو، 2008

عاشوا فى خيالى-1-الشيخ محمد الغزالى(شيخى الذى لم أقابله)


عندما أفكر فى العلماء و المفكرين و الأشخاص الذين أثروا فى شخصيتى و عقلى و تفكيرى,فإن الشيخ محمد الغزالى-رحمه الله-يأتى فى مقدمة هؤلاء.
و إن كانت العملية التعليمية تتطلب علاقة بين مدرس و طالب, أو شيخ و تلميذه, فإن الشيخ محمد الغزالى هو شيخى الذى لم أره و لم يرنى, و العلاقة التى ربطت بينى و بينه هى كتبه العديدة التى تزين مكتبتى.
منذ طفولتى, و أنا أسمع اسم الشيخ الغزالى يتردد فى بيتنا, و خصوصاً من جدتى رحمها الله, و لا يقترن الذكر الا بكل تقدير و احترام, و ما زلت أذكر مشهد من نشرة الأخبار التى أذاعت نبأ وفاة الشيخ العظيم فى السعودية, بعد حضوره مهرجان الجنادرية الثقافى هناك, فى عام 96 على ما أذكر, و كم حزن عليه الناس وقتئذ.
كنت ما زلت صغيراً-ربما فى المرحلة الاعدادية-و لكن لفت نظرى ان مكتبتنا تحتوى على العديد من كتبه,لا أذكر ما أول كتاب قرأته له, لكنى ادرك جيداً أنى قد شغفت بأسلوب الشيخ فى كتابته, فهو ليس شيخاً تقليدياً, و لا أذكر أنى قرأت له كتاباً مخصصاً فى العبادات أو العقيدة مثلاً, لأن معظم كتاباته كانت تصب فى خانة الإصلاح:إصلاح ما أصاب الفكر الإسلامى من جمود, و مناقشة القضايا الفقهية و حاضر مصر و العالم الإسلامى فى زمن إجتمع فيه الهجوم على الإسلام مقترناً بحالة تردى و هوان كبيرة للمسلمين.
أول ما أسرنى فى فكر الشيخ الغزالى, هو اعتدال الرجل و وسطيته , و فقهه و ذكاؤه, و قوته و شجاعته, و بساطته و بلاغته, و يكفى أن ترى صورة عادية له لكى تشعر بأن هذه الصفات مجتمعة به, فالذكاء يلمع فى عينيه, و القوة ظاهرة فى قسماته, و البساطة و عدم التكلف باديان عليه.
يكتب الشيخ الغزالى كتبه عادة فى صورة مقالات مجتمعة , تمتاز بالبلاغة و الايجاز, فلا تمل و أنت تقرأ, بل تلتهم الكتاب فى تشوق و أنت مأخوذ بكم المعلومات التى يضمنها الكاتب ثنايا الحديث, فمن رأى فقيه قديم هنا, الى شرح حديث هناك, الى فهم جديد لمبدأ قرآنى و كأنك تقرأ الآية لأول مرة, و فى نهاية الكتاب دعوة للمسلمين و حث لهم على الأخذ بأحد شروط النهضة, أو التخلى عن سبب من أسباب الخذلان.
من أهم كتب الشيخ الغزالى كتاب قذائف الحق, و هو كتاب ممنوع فى مصر-بل فى أغلب البلدان العربية- لخطورة المعلومات التى ضمنها, و هو قذائف بالفعل, و أذكر انى قرأته و عمرى حوالى 15 سنة, و كم تأثرت وقتها لدى قراءتى للتقرير الرهيب الذى تضمنه الكتاب عن مخطط الكنيسة القبطية فى مصر, و أيضاً التقرير الذى تضمن كيفية القضاء على دعوة الاخوان المسلمين فى العهد الناصرى من خلال خطط شيطانية تؤدى فى النهاية لإفساد وعى عموم المسلمين فى مصر و تجهيلهم بدينهم على المدى البعيد, و كل هذا للقضاء على فكر معارض بعينه!!!و يمكن للقارىء ببحث بسيط على الانترنت الحصول على نسخة من الكتاب ليقرأ بنفسه .
أزعم أنى قبل أن أقرأ للشيخ الغزالى كنت ماضياً فى طريق التعصب للرأى, و عدم قبول الرأى الآخر, و ربما لو لم أقرأ لهذا الرجل و الذين على شاكلته لتحولت الى (قفل) كبير, و لكن الشيخ الذى أمضى عمره فى معارك فكرية مع أناس يختلفون معه فى الفكر الى أقصى درجة, لم يكن أبداَ كذلك, على العكس, كان يفند آراء الخصوم بشكل علمى ذكى فقهى دقيق, و كان أكثر ما يضايقه هو الأغبياء و المتنطعين و المتشددين, لأنهم ربما كانوا أضر على الدعوة و الدين من هؤلاء الذين يهاجمونه من المعسكرات الأخرى, و ما زال الشيخ الغزالى يلاقى هجوماَ -حتى بعد مماته-من هؤلاء و هؤلاء.
كان الشيخ مهموماً بحال الأمة كلها, و كان دائم التحذير فى كتاباته من الهجمات التى يتعرض لها ديننا و أمتنا على كل الجبهات,سواء من الداخل أو الخارج, فمن متشددين و متنطعين محسوبين على الدعوة و هم ينفرون الناس عن الإسلام بقلة فقههم و ضيق آفاقهم, الى مسلمين بالإسم و محل الميلاد فقط, لكن عقولهم سارت فى ركاب الغرب و تحولوا الى أبواق تروج لبضاعته, أو أدوات تنفذ مشاريعه, و هم إما مفكرين و مثقفين, أو حكام و مسئولين.
هذا عن الجبهة الداخلية, أما على الجبهة الخارجية, فكان دائم التحذير من مخططات الصليبية العالمية و الاستعمار الغربى الصليبى و ربيبته الدولة العبرية, و جيوش المنصرين الذين يعملون فى الدول الإسلامية, و المؤلفات التى يصدرها المستشرقين و التى يدسون فيها سموماً و أكاذيب لتشويه حقيقة الدين و التاريخ الاسلامى.
و اذا كان الشيخ قد دأب على الكتابة عن كل هذه الهجمات و ابرازها, فإنه كان يفعل هذا لإيقاظ الناس و توعيتهم بما يدبر لهم و لدينهم, و رغم أنه عاش فى زمن شهد تراجعاً عاماً للمسلمين فى كافة المجالات, فإنه كان دائم الأمل و التفاؤل, و كان يدرك جيداً أن المستقبل لهذا الدين.
ترك الشيخ الغزالى تراثاً فكرياً عظيماً, أكثر من خمسين كتاباً, اذا بدأت بقراءة كتاب له ستدمن أسلوبه و ستنتقل الى غيره,و من اهم كتبه برأيى:
قذائف الحق.
قضايا المرأة بين التقاليد الراكدة و القيم الوافدة و الذى ناقش فيه قضايا المرأة المسلمة من منظور معتدل مفنداً حجج المضيقين عليها, و واقفاُ بحزم فى وجه المتحررين.
السنة النبوية بين أهل الفقه و أهل الحديث, و الذى طالب فيه بأن يكون من يتصدى لشرح السنة النبوية فقيهاً, و أن يعتنى بالمتون بجوار الأسانيد.
من هنا نعلم, و هو رد راق على كتاب (من هنا نبدأ)للمفكر الراحل خالد مخمد خالد, و الذى كان قد شط فيه قليلا عن الطريق, و لكن الشيخ الغزالى فند آراء صديقه خالد محمد خالد بأسلوب علمى راق مهذب كان من أثره عودة الكاتب الكبير الى الحق.
دستور الوحدة الثقافية بين المسلمين
معركة المصحف
دفاع عن العقيدة و الشريعة ضد مطاعن المستشرقين
صيحة تحذير من دعاة التنصير
مستقبل الاسلام خارج أرضه
و غيرهم الكثير و الكثير من الكتب و المقالات
مهما كتبت عن شيخى, فلن أوفيه حقه, رحمه الله, و أسأل الله أن ينفعنا جميعا بعلمه,و أن يجعله فى ميزان حسناته, و أن يكون فكره سبباً فى تنوير بصيرة الشباب, و نبراساً لمن سيكون على عاتقهم اصلاح شأن هذه الأمة,اللهم آمين.

الأحد، 25 مايو، 2008

عاشوا فى خيالى-المقدمة


أستعير هذا العنوان من اسم كتاب للراحل عبد الوهاب مطاوع
فى هذا الكتاب ذكر الكاتب الراحل نماذج لبعض الشخصيات التى أثرت فيه بسيرتها,بعضها حقيقى كتوفيق الحكيم, و الفاجومى-أحمد فؤاد نجم-,و بعضها خيالى كشخصية فورست جامب Forrest Gump
و سأحاول فى هذه السلسلة التى أنتوى كتابتها بإذن الله الحديث كذلك عن بعض الشخصيات التى أثرت فى تفكيرى و ساهمت فى تشكيل وجدانى و شخصيتى. لن أعرضهم بترتيب أهميتهم بالنسبة لى, و لن أتكلم عن سيرتهم الذاتية و تاريخ حياتهم, فهذا شىء يمكن لأى فرد أن يعرفه من خلال النت-من موقع ويكيبديا مثلا.
كل ما سأحاوله هو عرض مبسط لبعض ملامح فكر هذه الشخصية,و هذا فى نظرى هو الأهم .
ليس من الضرورى أن تكون قد قرأت كتباً كاملة,أو سلسلة مؤلفات لكاتب ما كى تستفيد منه و ينطبع بتأثير على شخصيتك, أو يضىء مصباحاً فى ركن مظلم من عقلك, بل ربما كان لمقال أو مقدمة كتاب نفس الأثر.
و أعرض فى هذا المجال رأياً كنت قد قرأته فى مقدمة موسوعة (اليهود و اليهودية و الصهيونية) للدكتور عبد الوهاب المسيرى, لم تسنح لى الفرصة الا لقراءة المقدمة فقط حتى الآن, لكن فى هذه المقدمة تكلم المؤلف عن المراجع التى استند اليها فى تأليف الموسوعة, فكان خلاصة رأيه هو التالى:
إن مؤلفى الكتب و الموسوعات قد دأبوا على كتابة (ثبت بالمراجع) التى استندوا لها عند الكتابة, لكنه يرى أنه من الأهمية بمكان أن يذكر أيضاً (المرجعية), و ليس المراجع فقط.
و المرجعية هى نتيجة الأفكار التى تراكمت و ترسبت داخل المؤلف من كل ما مر به و تأثر به خلال عمره من آراء و مذاهب مفكرين أثرت فى شخصيته و شكلت هويته و أسلوب تفكيره, و قد ذكر د.عبد الوهاب العديد و العديد كان منهم حتى كارل ماركس الذى تأثر به فى مرحلة من حياته.
و هكذا, فإنى سأحاول أن أعرض بعض من كانوا بالنسبة لى المرجعية, مع تفاوت كل منهم فى المقدار الذى ساهم به فى تكوين شخصيتى.
و أسأل الله أن يكون ما أكتبه نافعاً, و دافعاً لغيرى أن يقرأ لهؤلاء الذين عاشوا فى خيالى
و الى اللقاء فى التدوينة التالية مع أول هؤلاء.

السبت، 17 مايو، 2008

لبيك اللهم لبيك


لبيك اللهم لبيك....لبيك لا شريك لك لبيك...إن الحمد و النعمة لك و الملك...لا شريك لك لبيك

من منا لم يردد هذا النداء, و هو يتابع مناسك الحج على التليفزيون كل عام, و يتمنى أن يجعل الله زيارة بيته الحرام من نصيبه؟

من منا لم يخفق قلبه كلما رأى صورة للكعبة, أو للحرم النبوى الشريف, و كأن مغناطيساً يشده الى هناك؟

الحمد لله الذى أكرمنى بتحقيق هذا الحلم, أولاً بالحج فى موسم الحج قبل الماضى, و مرة أخرى بعمرة أنعم الله بها على فى الأسبوع الماضى.

لا أريد فى هذه السطور أن أقص ما جرى لى من أحداث فى الرحلتين, لكن سأحاول بإيجاز عرض بعض الخواطر و المشاعر التى اعتملت بنفسى بعد هذه التجربة العظيمة:

أولاً:إن الحج و العمرة فى عدة جوانب منهما يتشابهان مع عملية الولادة:

فالولادة رغم كل ما يصاحبها من ألم و إرهاق, سواء خلال شهور الحمل وصولاً للحظة الولادة ذاتها, فإن الأم لا تتردد فى خوض هذه التجربة مرة أخرى , متناسيةً أى ألم و أى مشقة, و كذلك الحاج, بعد أن ينهى مناسك الحج بكل ما تحتويه من مشقة و إرهاق, فإنه ما إن ينهيهها حتى يتوق لتكرارها مرة أخرى, حتى قبل أن يغادر الديار المقدسة!

و هو مثل الولادة لأن الحاج و المعتمر يخرج من حجه و عمرته -إذا قبلها الله-نقياً من الذنوب, كما يخرج المولود الى هذه الحياة.

ثانياً:إن قرار الحج أو العمرة-شأنه شأن أى قرار فى الدنيا- ليس بيدى و لا بيدك, إنما هو بيد المولى سبحانه و تعالى, فعندما يأذن الله لك, ستتلاشى أى عقبة و لو وضع أهل الأرض لك عقبات و عراقيل فى طريقك, و إذا لم يأذن الله لك, لن تدخل الحرم و لو كان معك واسطة من ملك السعودية نفسه. و تستطيع أن تسمع قصصاً كثيرة عن هذا, و لابد أن تمر أن نفسك بمثل هذه المواقف, و أسأل الله أن تنتهى تجربة أى منا بتيسير الأمور بالزيارة و الوصول و القبول و لو بعد لأى و مجهود.

ثالثاَ:ربما كان من أهم أهداف الحج هو جمع هذا الكم الهائل من المسلمين من كل مكان فى الأرض, على إختلاف ألسنتهم, و ألوانهم, و أجناسهم , فى مكان واحد, فى أبسط الثياب, لا يتمايزون إلا أمام الله بالتقوى, و إن العين لتدمع حقاً حين ترى هذه الأعداد الهائلة من البشر, و حين تسمعهم و هم يحاولون الدعاء باللغة العربية و ينطقونها بصعوبة, و حينها يشعر الإنسان بنعمة أنه ولد فى بلد يتكلم العربية, و أنه يستطيع قراءة القرآن و الدعاء بدون ترجمة, و هى نعمة لن نشعر بأهميتها إلا إذا كنا مكان أخوتنا من المسلمين الأعاجم.

رابعاً:إن زيارة الأماكن المقدسة تبعث فى نفس الزائر قدراً من السكينة و الراحة , و لا أكون مبالغاً إن قلت أيضاً(الإنتعاش), و أحياناً يجلس المرء فى الحرم لا يفعل شيئاً غير النظر إلى الكعبة-التى سمعت أن مجرد النظر لها عبادة و الله أعلم-و هذا النظر و التأمل لبيت الله يجعل فى النفس سكينة و راحة غريبة, و كذلك الحال فى المسجد النبوى, يسند المرء ظهره لعمود و ينظر أمامه الى صفوف لا تنتهى من الأعمدة, و لا يفعل شيئاً سوى التفكر بصفاء, نتيجة للسكينة و روحانيات المكان.
خامساً:هذه الزيارة مسئولية, لأن المرء يبدأ بعدها فى التفكير فى كل خطوة يخطوها حتى لا يفسد عمرته أو حجه, فلا يتكلم مثلاً عن تجربته بتفاخر أو غرور فيحبط عمله بالرياء, و لا يرتكب كبيرة فيبدأ فى تسويد صفحته التى بيضها بالحج أو العمرة, و بالطبع ليس منا من هو معصوم من الخطأ, و الحال التى نصير فيها بعد الحج أشبه بحالنا بعد 30 يوما من التضرع و العبادة فى رمضان, نخرج متأثرين و قد عاهدنا الله على التوبة, لكن كل بنى آدم خطاء, و نسأل الله إن لم نكون معصومين من الأخطاء,ان يعصمنا من الخطايا.

سادساً:على المرء أن يسعى قدر جهده أن يؤدى هذه الفريضة و هو شاب بكامل صحته, لأنها مرهقة حتى للشباب, فما بالك بكبار السن و المرضى و العجزة؟! و قد رأيت أناس فى أعمار متقدمة, و بظروف صحية صعبة, و سبحان من قدرهم على أداء الفريضة فى حالهم هذا, لكن أن تؤدى الفريضة و أنت قادر, خير من أن تؤديها و أنت معتمد على غيرك.

أسأل الله أن ييسر للجميع زيارة بيته الحرام, و مسجد رسوله صلى الله عليه و سلم, و أن يتقبل الله هذه الزيارة و يجعلها خالصة لوجهه الكريم بلا رياء أو سمعة, و أن نعود بعدها أنقياء من الذنوب, و أن يعيننا الله على أنفسنا حتى لا نسود صفحاتنا بأفعالنا السيئة مرة أخرى, إنه ولى ذلك و القادر عليه, اللهم آمين.

الاثنين، 5 مايو، 2008

هل باع الفلسطينيون أرضهم لليهود؟

كنت أرغب حقاً فى الكتابة عن هذا الموضوع, استكمالاً لتدوينة (الضحك على العقول بإسم الوطنية) , التى تكلمت فيها عن تزييف الوعى الذى يمارسه بعض الناس معنا-سواء من بنى جلدتنا أو الأعداء الخارجيين-لجعلنا نتخذ مواقف ضد أخوتنا و ننسى من هم أعداؤنا الحقيقيين.
و من ضمن وسائلهم ترويج الكثير من الأكاذيب لقتل أى تعاطف مع القضية و نسيانها, و لعل من أهمها أكذوبة(بيع الفلسطينيين لأرضهم) , و كأن اليهود قد حصلوا على الأرض بشكل شرعى, و بذلك لا داع للتفكير فى تحرير الأرض, و كأن حرب48 لم تكن, و كأنه لا توجد مشكلة لاجئين, و لماذا نتكلم عن حق العودة بعد كل هذا؟
و لحسن الحظ وجدت أن أخى و صديقى الحميم محمد صاحب مدونة آل ياسر قد نشر تدوينة بعنوان (فلسطينى باع أرضه...يا ولاد) , و تكلم فيها بشكل واف عن هذه القضية.
و فعلاً, أعتقد أن أبسط سؤال نسأله لمن يكرر هذا الكلام كالببغاء: من أين أتى كل هؤلاء اللاجئين إذاً؟
إننا إذ نسمح لأنفسنا بتصديق مثل هذه الترهات, فإننا نقدم أكبر خدمة للعدو, بل و نعطى له الشرعية, و ربما يكون تصديق البعض لهذه الأكاذيب وسيلة يتخلصون بها من العبء النفسى و المسئولية تجاه هذه القضية, و لتكن هذه الشماعة إحدى وسائل إراحة الضمير إزاء التقاعص عن أداء الواجب.
أعتقد أن علينا أن نفكر جميعاً فى الرد على كل الشبهات و الأكاذيب التى يرددها سواء أعداؤنا أو المتأثرين بهم من بنى جلدتنا, حتى لا تترسخ هذه المعلومات الخاطئة فى نفوس أبنائنا , و لأن الزن على الآذان أمر من السحر, فستتحول مع الزمن الى قناعات لدى الكثيرين, و هذا ما يرغب فيه أعداؤنا, و لا نتمناه نحن لا لأنفسنا, و لا لأهلينا, و لا لأبنائنا.

السبت، 3 مايو، 2008

الإضراب-كلاكيت تانى مرة


مرة تانية, لا حديث للناس إلا عن الإضراب
هذه المرة تختلف عن سابقتها, لأن كلا الطرفين-المضربين و الحكومة-سيحاولان الاستفادة من دروس الإضراب السابق.
و تختلف أيضاً لإشتراك قوى سياسية فاعلة فى الإضراب,و من أهمها طبعاً جماعة الإخوان.
بغض النظر عن اتفاقنا أو اختلافنا مع دعوى الإضراب بهذه الطريقة, و بغض النظر عن إقتناعنا بأن هذا سيحدث فرقاً أم لا, لكن ربما تتفق معى أن فى مثل هذه الوسائل رسائل قوية للنظام الحاكم.
ربما لا يتفق البعض مع بعض الوسائل و الدوافع, لكن أرى أنه لا داع لتسفيه هذه الفكرة.
فى رأيى , أن من أولى خطوات التحرر, هو كسر حاجز الخوف لدى شعبنا.
و ما يحدث فى مصر منذ الأربع سنوات الأخيرة, هو إنضمام حشود وراء حشود إلى معسكر الرافضين للخوف و الإرهاب و الفساد الحكومى.
نعم, يختلف بعضنا عن بعض فى الوسائل و المرجعيات, لكن هناك هدف, أو بالأحرى رغبة واحدة لدى الجميع, ألا و هى التغيير.
و إن كانت الساحة تفتقر لشخصيات محورية يلتف الناس حولها, كى تقودهم الى الخلاص, فإن غياب الشخصية قد نستعيض عنه بوجود فكرة أو رغبة أو هدف مشترك , يوحد الناس من حوله.
و فى الوقت ذاته, وجود أناس وظيفتهم إرشاد بقية الجموع و تنبيههم إذا حادوا عن الطريق و جانبهم الصواب فى الأسلوب الأمثل للتغيير.
و عموماً, فإن الشعوب و الحركات و الأمم عموماً إنما تتعلم من تاريخها و تجاربها بل و أخطائها الشخصية, أكثر مما تتعلمه من تجارب الآخرين.
لا أشعر بقلق كبير مما سيجرى غداً-و أرجو أن يصدق ظنى-لأن القائمين على الإضراب على حد علمى كانت دعوتهم الرئيسية هى (خليك بالبيت), و ليست دعوة عمومية للتظاهر.
لا أتمنى أن تحدث أى صدامات أو تخريب, لكنى أتمنى أن تصل رسالة واضحة للكل بما فيهم الحكومة, أن عجلة التغيير لن تقف, فإما أن نتغير للأفضل, و إما أن ينسحق من يقاوم التغيير تحت ثقل هذه العجلة.
تدعى القيادة السياسية أنها تتابع دوماً تطورات الشارع و أزماته و همومه, و أن محدودى الدخل على البال دوماً, فإن كان الأمر هكذا, فلا شك أنهم يعرفون مقدار (الحب) الذى نكنه لهذه القيادة الحكيمة!
و تصرفات النظام توضح لنا الحب المتبادل, و الكذب الذى نراه فى صفحات ألأهرام و الجمهورية, أو برنامج البيت بيتك مثلاً يوضح لنا أيضاً القوة الحقيقية التى يتمتع بها هذا النظام, و الرؤية تتضح مع كل كذبة.
ليس بعيداً أن نرى غداً مع حشود الأمن حشوداً أخرى من (المطبلاتية) و عبدة النظام, و سيكون دورهم الرئيس هو ضرب من يفكر فى التظاهر, إضافةً إلى تشنيف الآذان بهتافات و قصائد فى حب مبارك, كما حدث فى يوم الأربعاء الأسود 25-5-2005.
ليس بعيداً أن نرى النظام يلجأ لإستخدام البلطجية مرة أخرى, كما حدث فى الإضراب السابق, و كما يحدث فى كل انتخابات.
بالتأكيد سنرى الإعلام الرسمى يعرض صوراً لإزدحام الشوارع, و لقاءات مع ناس ينكرون أنهم سمعوا عن الإضراب اساساً.
لكن بالتأكيد أيضاً أن الحكومة التى ما زالت تعيش فى زمن السيطرة على المعلومات لن تستطيع أن تخفى الحقيقة, و كل من يسعى لمعرفة الحقيقة بأدق التفاصيل سيعرف من أين يأتى بها.
أسأل الله أن يمر يوم غد, بل و كل يوم على بلدنا و أمتنا بسلام, و أن يعيننا الله على تغيير أنفسنا حتى نستطيع أن نغير حالنا, و نحرر بلادنا.