الاثنين، 21 يوليو، 2008

العرب و مصر:فتح أم غزو؟

لم أكن أتصور أنى سأكتب عن هذا الموضوع, لأنه من البديهيات بنظرى, و عادة ما أجد هذه الشبهة تتصدر بعض كتابات المستشرقين, مخالفين بها ما أثبته التاريخ, و مخالفين بها أى روح موضوعية.
لكن وجدت أن هذا الموضوع قد طُرح بالصدفة على أحد المجموعات البريدية, و قام أخ فاضل بالإعتراض على وصف مصر بالدولة(العربية), و تساءل عن سبب الغاء هوية مصر و تاريخها من أجل عدة آلاف من العرب قاموا بغزو مصر بقوة السلاح من 1400 سنة؟!!!
و عندما تفضل بعض الأخوة بالرد, وجدت الأخ الفاضل قد صرح قائلاً أنه: يحلو للبعض أن يسمى الغزو فتحاً. هذا غير الكلام عن عنصرية العرب.
و لهذا أود أن ألفت نظر الأخ الفاضل-و غيره ممن يتبنى هذا الرأى الى الحقائق التالية:
*إن الإختلاف حول لفظ الفتح أو الغزو يتوقف على الجانب الذى نقف فيه, لكن إذا مررنا بالأحاديث النبوية التى تكلمت عن مصر, و اخترنا منها هذا الحديث:((إنكم ستفتتحون مصر, و هى أرض يسمى فيها القيراط, فإذا فتحتموها فأحسنوا الى أهلها, فإن لهم ذمة و رحما, أو قال: ذمة و صهرا)) صدق رسول الله صلى الله عليه و سلم, و الحديث وارد بصحيح مسلم.
و بما أن الأخ السائل اسمه (محمد), فأحببت أن أذكره بهذا الحديث, فليس لفظ الفتح لعباً بالألفاظ من أحد.
*المنصفين من المستشرقين قد استخدموا نفس المصطلح-الفتح-فى وصفهم لدخول العرب لمصر, و يمكن مراجعة بعض الكتب الشهيرة فى هذا المجال مثل: (فتح العرب لمصر)للدكتور ألفرد بتلر, و( الدعوة الى الاسلام )لتوماس أرنولد, و (حضارة العرب) لجوستاف لوبون, و غيرهم.
و الغريب أن المنصفين من كتاب الغرب لم يتجنوا على الفتح العربى بمثل ما نتجنى نحن عليه, و اذا قارنا بين سلوك العرب فى مصر, و سلوك أى غازى, يتضح الفرق, و التاريخ يشهد.
*المشكلة ليست فى الألفاظ-فتح أو غزو- بقدر ما هى مشكلة فى المفهوم, فوصف الفتح بأنه عربى هو وصف مبتسر, بل و عنصرى, فالعرب الفاتحين فى هذا الوقت لم يكونوا ينظرون لأنفسهم على أنهم عرب يحاربون قوميات أخرى, بل على أنهم مسلمون يحملون رسالة الى بقية الأمم, و مسئولية هى:إخراج العباد من عبادة العباد الى عبادة رب العباد.
*عند التحدث عن العرب الفاتحين هؤلاء, هل ننسى أنهم صحابة رسول الله صلى الله عليه و سلم, هل ننسى أن منهم عمرو بن العاص و عبادة بن الصامت و الزبير بن العوام و أبى الدرداء و غيرهم؟
إن بعض المستشرقين المغرضين يصرون على الوصف العنصرى(الفتح العربى), ليكون هذا مقدمة لشىء أبعد و هو الطعن فى الفاتحين, ثم نتبعهم بحسن نية و ننسى أننا بهذا نطعن فى صحابة الرسول الكريم, الذين حملوا الينا الرسالة, و من اسلم منا فإن إسلامه فى موازين حسنات هؤلاء.
إن مصر قد تعرضت خلال تاريخها الطويل الى الاحتلال من قوى و حضارات مختلفة, غزانا الهكسوس, و الآشوريين, و النوبيين و الليبيين, و الفرس,ثم الاغريق, و بعدهم الرومان.
مع كل هؤلاء, لم يتغير لسان مصر, و لم يعتنق المصريون أديان الغرباء, بل إن من الغرباء من عبد آلهة المصريين, مثل البطالمة.
الديانة المسيحية دخلت مصر و اعتنقها المصريون قبل أن تصبح ديناً سائداً للإمبراطورية الرومانية, و حتى بعد ذلك لاقى المصريون منهم أقسى صنوف الاضطهاد بسبب اختلاف المذهب, و لم يغير المصريون مذهبهم.
حتى أتى المسلمون, و حررونا من ظلم الرومان, و أعادوا العدل الى الأرض, و رأينا ذلك, فاعتنق منا الإسلام من اعتنق, و ظل بقيتنا على دينه الى يومنا هذا.
و صارت مصر عربية الهوية فى نهاية المطاف, قبلت مصر الإسلام مصحوباً بالعروبة, التى هى هوية أكثر منها بجنس.
إذا ماذا يجدى الآن إثارة تساؤلات مثل هذه؟ ألا ينبغى ألا ننساق وراء دعوات الانسلاخ من الهوية, و نميز الغرض الحقيقى منها؟
ألا يجب أن نعقل أن الأمر أبعد من مجرد الطعن فى جنس الفاتحين, لكنه تمهدة للطعن فى عقيدتهم؟
إنى بالطبع لا أتهم الأخ السائل بهذا, فإنى أحسبه على خير, و لكنى أرى أنه بحسن نية يردد أقوال المغرضين من المستشرقين و أعوانهم.
و تبقى فى النهاية مقولة:عنصرية العرب, و القومية العربية.
فلا يخفى عنكم أن دعاوى القومية فى العصر الحديث قد نشأت فى أوروبا و نمت خصوصا فى القرن التاسع عشر, و إستوردناها كمثيلاتها من الأفكار الغريبة على مجتمعاتنا, و التى ليس لها جذور فى تربتنا.
و هكذا وجدنا من يقومون بما أسموه(الثورة العربية الكبرى) ضد الأتراك و الحكم العثمانى, و ليس بخاف عنكم دور الاستعمار الغربى فى إذكاء هذه الروح العرقية لهزيمة دولة الخلافة.
ثم وجدنا من يرفع راية القومية العربية ظنا منهم أنها السبيل الوحيد لضم صفوف العرب, ناسين أن الرسول الأكرم لم يوحد قبائل العرب تحت راية العروبة, و لكن تحت راية لا اله الا الله.
و هكذا, فإن الطعن فى دعاوى القومية نفسها,و التى لم تحقق ما أرادت, لا يجب أن ينسحب بالطعن فى العرب أنفسهم, و ننسى أن الله إصطفى منهم خير البرية.
و إذا كان سلوك بعض العرب فى عصرنا هذا متسماً بالعنصرية, فهذه من الخيبة العربية المعاصرة, التى هى إحدى صور تراجعنا فى كافة المجالات, و بعدنا عن روح الدين, فلا يجب أن نؤاخذ الكل بذنب البعض, و ليس الإنسلاخ من العروبة هو الحل, و على من يطرحون هذا الحل أن يقدموا الينا البديل, و لا أظننا سنجده.
إننا كمصريين لا يجب أن نكون ممزقين بين الوطنية المصرية, و القومية العربية, و الهوية الإسلامية, فهناك أولويات يجب أن نعيها, يجب أن نعى من نحن حقاً, و لكن لهذا حديث آخر.

------------------------------------------------------------------------------
تحديث
بعد كتابة هذا المقال, قرأت مقالين للأستاذ فهمى هويدى يتناولان نفس الموضوع, رداً على محاضرة ألقاها أسقف قبطى يعتبر أحد القيادات الكنسية فى مصر, و تناول فى محاضرته مسألة الفتح الاسلامى بنفس الفكر و الأسلوب المغرض, مما يضع دليلاً عملياً على وجود مخطط وراء طرح هذه الافتراءات, و كذلك نرى بوضوح من يقف وراءها.
أنصح بقراءة هذين المقالين القيمين: طعنة للجماعة الوطنية , العيش المشترك له شروط
و أختم برأيٍ قد قرأته منذ زمن للشيخ محمد الغزالى رحمه الله
يقول الشيخ:((جاءت المسيحية لمصر و انتشرت,فاعتنقها من اعتنقها, و بقى من بقى على الوثنية, و لم يقل عاقل و لا مجنون لمن تنصر إنك قد فقدت وطنك بتنصرك!!
ثم جاء الإسلام, فأسلم من اسلم, و بقى من بقى على نصرانيته, فلماذا يريدون أن نفقد وطننا بإسلامنا؟؟!!))

الاثنين، 14 يوليو، 2008

العامل الحفاز

قبل أن تنخدع بالعنوان, فليس هذا المقال حصة فى الكيمياء, و لكن لأن الكيمياء ما هى إلا علم ملىء بالأسرار التى قد تعبر بطريقة فلسفية عن بعض نواحى حياتنا, و لأن حياتنا نفسها ليست الا سلسلة من المعادلات و التفاعلات, كان من الطبيعى أن أستخدم هذا المصطلح الكيميائى.
لا أعتقد أنى بحاجة لشرح ماهية العامل الحفاز الكيميائى, و لا تقل لى أنك لا تدرى لأنك كنت فى القسم الأدبى-الا لو كنت أدبى فى 2 اعدادى فهذا شىء آخر-المهم, العامل الحفاز فى الكيمياء هو مادة تضاف الى عناصر التفاعل لكى تزيد من سرعة التفاعل ذاته, لكنها لا تتأثر بذاتها, حيث يمكن استعادتها فى نهاية التفاعل.
و من البشر من يمكن اعتبارهم عوامل حفازة بدورهم, من البشر من له تأثير على غيره, بحيث يبث فيه طاقة ايجابية و منشطة, و يجعله يتقدم للأمام بدوره, لكنه فى الوقت ذاته يبقى على حاله, و لا يتقدم بدوره.
من البشر من تستطيع أن تلجأ اليه كلما احتجت الى نصيحة, أو الى مستشار حكيم, لكن اذا نظرت لحاله وجدت أنه يحمل حكمة يفيد بها غيره و لم يفد بها نفسه.
من البشر من يعتبر دوره فى الحياة أن يكون ناصحاً أميناً, و مرشداً و موجهاً, لكنه مع ذلك لا يمشى للأمام مع من يرشدهم و يوجههم و يسدى اليهم النصائح!!
و هنا يتبادر للذهن سؤال, هل هناك خلل فى هذه النوعية من الناس؟ أم هل هؤلاء من الذين قد ينطبق عليهم قول الله تعالى ((يأيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون,كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون))؟
بداية يجب أن نوضح أن هذا الصنف الذميم من الناس ليس المقصود فى هذا المقال, فنحن هنا لا نتكلم عن المنافقين و لا الكاذبين, لا نتكلم عن الذين يظهرون أمام الناس و هم يلبسون ثياب التقى و يأمرونهم بالمعروف و لا يفعلونه, أو ينهونهم عن المنكر و لا ينتهون عنه.
لكن أريد أن ألفت النظر لتوجيهات نبوية, فقد علمنا رسول الله صلى الله عليه و سلم أن الدين النصيحة, كما قال لنا : لا تحقرن من المعروف شيئاً و لو أن تلقى أخاك بوجه طليق.
نعم, لا تحقرن من المعروف شيئاً, كلمة بسيطة منك, أو نصيحة صغيرة اذا خرجت من قلبك بإخلاص و صدق, قد تترك فى نفس متلقيها أثراً لا ينمحى, بل قد تغير حياته الى الأبد, و مثل الكلمة الطيبة كالشجرة الطيبة اصلها ثابت و فرعها فى السماء.
صديق لى ركب مرة مع سائق تاكسى و تجاذبا أطراف الحديث, و تطرقا الى مسألة الفتن التى يزخر بها زمننا, فقال صديقى:فى هذا الزمن نحتاج أن نلزم هذا الدعاء النبوى:اللهم يا مقلب القلوب و الأبصار ثبت قلوبنا على دينك.
مرت الأيام, و قدراً ركب صديقى مع نفس السائق, و تذكره, فقال له السائق:هل تذكر حديثنا؟ لقد علمتنى دعاءً أسأل الله أن يجعله فى ميزان حسناتك, و ما زلت أدعو به من يوم لقيتك, و أحسست بمعناه عندما ركب معى زبون غير مسلم و أخذ يستدرجنى فى الحديث و يلقى لى بعض الشبهات,فتعوذت بالله و لزمت هذا الدعاء أكثر, فجزاك الله خيرا!!!
الغريب أن صديقى هذا لم يكن مواظباً بدوره على هذا الدعاء, لكنه فى حواره مع الرجل ألقى هذه البذرة, و لاقت بفضل الله تربة تنمو بها.
و من هنا أصل لسؤال هام: هل يجوز أن ننصح الناس بأشياء من الخير, و نحن لا نفعلها؟
فى رأيى أن هذا كله متعلق بالنية, يعنى يوجد بالتأكيد فارق كبير جدا بين من يدعو الناس للخير رياءً و سمعة, و كى يظهر أمام الناس غير ما يبطن, و بين من يدعوهم الى الخير و هو ينوى صادقاً أن يفعله عما قريب.
نعم, فربما يدفعك دينك و إيمانك الى بذل النصح لإنسان فى موقف يحتاج النصيحة, لكن يدخل لك الشيطان من مدخل أنه لا ينبغى لك أن تنصح غيرك قبل أن تلتزم أنت, و فى النهاية لا تنل أى من الحسنيين:فلا أنت أسديت لأخيك النصيحة فكسبت ثوابه, و لا أنت التزمت بها بدورك.
اذا وقفت فى مثل هذا الموقف, فكن ايجابياً و لا تتردد, و إن سخر منك أحد لأنه يرى أنك لست مؤهلاً لأن تعظ غيرك و أنت نفسك بحاجة للوعظ ,فلا يكن هذا دافعاً لك الى السلبية, بل اجعل من هذا دافعاً داخلياً لك لكى تحسن من نفسك, و تلتزم بما تدعو غيرك لفعله, لأن هذا موقف أخلاقى قبل كل شىء: لا تنه عن خلق و تأتى مثله........عارٌ عليك إن فعلت عظيمُ
كى يزيد احترامك لنفسك لابد أن تلتزم بما تدفع غيرك لفعله, و ان لم تكن فعلته بعد و لكن لديك النية الصادقة لذلك فى القريب العاجل فانصح و لكن لا تسوف و تنتظر هذا القريب العاجل الى الأبد, فأنت لا تعلم متى يحين الأجل.
الخلاصة: حاول أن تتخلص من دور العامل الحفاز, كن شريكاً فى التفاعل, و لا تتوانى عن اصلاح نفسك بالتوازى مع اصلاح الآخرين, أما اذا كنت سلبياً, فلن تصلح نفسك, و لن تصلح الآخرين, أو على الأقل ستصلح الآخرين و تدفعهم الى الأمام ثم لن تجد أحداً تدفعه لأن الجميع قد سبقوك و أنت واقف فى مكانك, و هذا تذكرة لنفسى قبل أن يكون تذكرة لأى أحد.
و الله من وراء القصد.

السبت، 12 يوليو، 2008

ثقافة التبرير

ربما يتعجب البعض من العنوان, أن ينضم التبرير الى قائمة الثقافات التى نحتاج لإعادة النظر فيها, بل و تغييرها, لكن إصبروا على قليلاً.
أحب فى البداية أن أذكركم أن كثير من الأشياء قد تحتوى على الخير و الشر معاً: فحسنها حسن, و قبيحها قبيح.
و من هذا المنطلق نستطيع أن نقسم التبرير بدوره الى نوعان: تبرير محمود, و تبرير مذموم.
و نحتاج فى البداية أن نسأل أنفسنا سؤالاً: لماذا نلجأ كبشر الى التبرير؟
فى أحيان كثيرة قد نقدم على بعض التصرفات التى نظن أن غيرنا قد يسىء فهمها, و يفسرها تفسيراً خاطئاً, لذا قد نبادر بإعطاء بعض التبريرات لهؤلاء الذين نحرص على ألا يظنوا بنا ظناً سيئاً, حتى قبل أن يسألونا.و بالمناسبة, الإنسان ليس بحاجة لأن يسوق تبريرات لكل الناس.
و فى الواقع, فإن هذا يضايقنى فى بعض الأحيان, ففى حين أجد أن هذا الموقف مفهوم و متقبل عندما أفعله أو يفعله معى شخص ليس على علاقة وثيقة بى, بحيث أنه قد ينزلق الى خانة سوء الظن لأنه لا يعلم شخصيتى جيداً و لم يعاشرنى بالقدر الكافى, إلا أنه عندما تجد شخصاً قريباً منك-عمك أو خالك أو حتى أمك!!-يبررون لك بعض أعمالهم, فعندها يكون هذا شىء عجيب حقاً-بالنسبة لى على الأقل-و قد يعطى انطباعاً بعدم وجود ثقة فى عقل الطرف الآخر, يعنى ببساطة , تخيل إن أخوك عمل موقف بالنسبة لك هو عادى, ثم وجدته يقدم لك تبريراً كأنه حريص على ألا تسىء فهمه, ساعتها أنا شخصياً أتضايق لأنى لا أتصور كيف يظن أخى أنى سأظن به ظن سوء أو أسىء تفسير نيته؟!!و هذا إتهام لعقلى و نيتى قبل أن يكون إعتذار منه!
ما علينا, ننتقل لغرض آخر من أغراض التبرير, فإن كانت النقطة السابقة تناقش التبرير عن تصرف شخصى و ذاتى, فإننا كثيراً أيضاً ما نقدم على تبرير تصرفات أشخاص آخرين, حتى قبل أن يقوموا هم بذلك, فلماذا إذاً؟
يحدث هذا عندما ينتقد أحد ما تصرفات أحد الأشخاص الذين نحبهم, فيكون رد فعلنا هو أن نبرر هذا التصرف, و هذا إما لعلمنا المسبق بالأسباب التى أدت الى هذا التصرف, أو لحبنا و ثقتنا فيمن نحبهم ,و لقربنا منهم و فهمنا لشخصيتهم و حسن ظننا بهم, و كلها عوامل تجعل المرء يحسن تفسير التصرف و يبرره لنفسه قبل أن يبرره لغيره.
يعنى مثلا, قد يأتينى شخص و يقول لى أنا غاضب من فلان, لأنى سمعت أنه قال كذا, و لأن هذا الفلان المذكور قد يكون صديق حميم, و لفهمى لطباعه و شخصيته من طول عشرتى معه, فإنى قد أتفهم الأسباب و الظروف التى أدت به لأن يقول هذا, و ساعتها أستطيع أن أبرر تصرفه و أدافع عنه بكل شجاعة, و أرد غيبته و أوضح لمن ينتقده حقيقة الموقف.
الى هذا الحد, ربما تتفقون معى أن هذا يندرج تحت بند:التبرير المحمود, فماذا عن محور هذا المقال, ماذا عن التبرير المذموم إذاً؟
التبرير المذموم يحدث عندما يكون ديدنك-أى عادتك-أن تبرر كل أفعالك حتى لو تيقنت داخلياً أنك على خطأ, و تظل تدافع و تجادل بلا منطق بدون أن يكون لديك شجاعة الإقرار بالخطأ, و لا فضيلة الإعتراف بالحق.
التبرير المذموم أيضاً يكون عندما تبرر مواقف الآخرين على طول الخط, دون تفكير و لا وعى, فقط لأنك تحبهم و تتعلق بهم, و كأن هذا وحده كاف لكى يكونوا معصومين من الخطأ!!
لا يا عزيزى, ليس هناك بشر معصوم من الخطأ, و آخر المعصومين هو رسول الله صلى الله عليه و سلم, فلا قداسة لأحد من بعده, و ليس هناك من لا نستطيع أن نتوجه له باللوم و الانتقاد-بالحسنى طبعاً-و ليس هناك من يسير طوال الوقت دون عثرات أو كبوات أو هفوات.
إن الإسلام يعلمنا ألا نتعصب للرجال و لا لأعمالهم, فإننا نتبع الحق وحده, و قد يكون فلان حبيب إلينا, و لكن ينبغى أن يكون الحق أحب إلينا من فلان, و الإسلام يعلمنا أيضاً أن نعرف الرجال بالحق, لا أن نعرف الحق بالرجال.
إن التبرير المذموم فى هذه الحالة ما هو إلا إنعكاس للتعصب للرأى و للمذهب و للرجال, و أى تعصب مرفوض فى الإسلام, و نكرر أنه لا عصمة و لا قداسة لأحد من بعد الرسول الأكرم, لكن نذكر أيضاً أن الإحترام واجب لكل من يستحقه, لكن بلا تعصب له, و لا إنقياد أعمى لآرائه, و كأنه منزه عن النقص, و أعلى من الخطأ!!
و من التبرير المذموم أيضاً, تبرير الرجل أخطاء قومه و أهله على طول الخط و لو لو يكن الحق معهم, و هذا بدوره إنعكاس لنوع آخر من التعصب, إنها العصبية القبلية المنتنة التى حاربها الإسلام, و ذمها الرسول, لأنها من أخلاق الجاهلية, إنها إنعكاس للمبدأ الجاهلى:إنصر أخاك ظالماً أو مظلوما!!
ذكر العلامة أبى الحسن الندوى فى كتابه القيم:ماذا خسر العالم بإنحطاط المسلمين:(أن العرب فى الجاهلية كانوا يتعصبون للقبيلة و كان شعارهم:انصر أخاك ظالماً أو مظلوما, فلما جاء الإسلام و هذب طباع أتباعه, قال الرسول صلى الله عليه و سلم نفس المقولة:إنصر أخاك ظالماً أو مظلوماً, حينها كان تساؤل العربى المسلم:أنصره مظلوما يا رسول الله, فكيف أنصره ظالما؟, فأجاب الرسول الأكرم:أن تمنعه من الظلم, فذلك نصرتك إياه).
و إنك عندما تبرر تصرفات أخيك و تدافع عنه إتباعاً للحمية و العصبية, فإنك حينها تتبع المعنى الجاهلى, لا المعنى الإسلامى, و تضر أخاك بدلاً من أن تنفعه.
و الأولى يا أخى أن تتثبت من الوقائع أولاً, فإن وجدت الحق مع أخيك فدافع عنه و جادل عنه-بالحسنى-كيفما تشاء, لكن إياك ثم إياك أن تسوق المبررات و تدافع بلا هوادة و أنت تعلم أنه على باطل.
و أسوأ أنواع المبررين قاتبة, هم المنافقون الذين يبررون أفعال الحكام الظلمة, و يزيفون الوعى و يكذبون على الشعوب و يسوقون مبررات واهية فى صورة مسكنات يحاولون بها خداع الناس و إمتصاص غضبهم, و يفعلون هذا بشكل عجيب, ربما لا يخطر على بال الحاكم نفسه!!!
نعم, فهناك ملكيون أكثر من الملك, و هناك من يزيف الواقع و يتفنن فى سوق المبررات بطرق عبقرية تفوق فكر الحكام أحياناً, و هؤلاء موجودون فى بلاط كل حاكم, و هذا الأسلوب هو وسيلة كسب عيشهم و رزقهم, نعم هذه هى وظيفتهم فى الحياة: أن يبرروا كل تصرفات الحاكم و يزينوها و يضعوها فى قوالب جذابة و يقدموها للشعب فى صورة خادعة لكى يبتلعها و يصمت.
ستجد من هؤلاء وزراء و صحفيين و كتاب و مثقفين-للأسف-يفعلون هذا لأن وجودهم من وجود النظام, و يبجلون الحاكم الذى هو صنمهم المعبود, و يقدمونه للناس كأنه إله لا يخطىء, و كل تصرفاته إنما هى من حكمة بالغة تحتاج لتوضيح كى تصل لعقول أبناء الشعب البسيط, و فى حال كان هناك خطأ سافر لا سبيل لتبريره, فإن هذا خطأ أحد الأتباع, فحاشا أن يخطىء الحاكم المبجل!!!

الخلاصة:إذا كنت فى موقف يدعوك لأن تقدم تبريرا لتصرف قمت به, أو تصرف قام به غيرك, فلو سمحت كن موضوعياً و منصفاً, قل الحق و لو كان مراً, و لا تكن من الأصناف المذمومة التى تنافح عن نفسها و عن غيرها فى الحق و الباطل بلا تمييز, فقط بسبب التعصب, و لا تكن أيضاً من هذا النوع الأخير الذى يبرر تصرفات الظالمين و الفاسدين, فتجمع بين التعصب, و الكذب, و النفاق.
و الله من وراء القصد.

--------------------------------------------------------------------------------
أخوتى و أخواتى, أذكركم و نفسى بأننا فى شهر رجب, يعنى خلاص هانت و بعد قليل سنجد رمضان قد بدأ, و نحتاج أن نستعد له إيمانياًَ من الآن, أذكركم بنفسى بهذا, و أدعوكم لمتابعة مشروع:100 يوم حتى رمضان على هذا الموقع.
اللهم بلغنا رمضان, و تقبل الله منا و منكم.

السبت، 5 يوليو، 2008

ثقافة الإختزال

إذا كنا قد تكلمنا من قبل عن أننا بحاجة لتغيير كثير من الثقافات السائدة فينا كشعب, فلعل ثقافة الإختزال هذه من أهمها.
و لكى تكون الصورة واضحة, فلابد أن نضرب بعض الأمثلة:
-قيام بعض الملتزمين بإختزال الدين فى صورة عبادات, و فى الوقت ذاته ينسون أن الإسلام:عقيدة و شريعة و عبادات و معاملات, و للأسف الطرف الأخير فى المعادلة تجده مفقوداً بشكل عجيب عند عدد من المحسوبين على التيارات الإسلامية المختلفة, فتجدهم يُنفرون الناس بسلوكهم العنيف, أو بضيق خلقهم, و فى بعض الأحيان سوء خلقهم!!!, و يمكنك زيارة بعض المنتديات على الانترنت و مراقبة نوعية الحوار و كيفية تعامل بعض المتدينين مع المخالفين لهم فى الرأى-حتى فى الفروع و القضايا الخلافية-و حسبنا الله و نعم الوكيل.
-من جانب آخر, نجد من يختزل الدين فى الأخلاق فقط, و يهمل العبادات!!, و فى الوقت ذاته يصر على أننا يجب ألا نختزل الإسلام فى المظهر الخارجى فقط(يقصد الحجاب للنساء و اللحية للرجال), و مع أننا نتفق معه فى ذلك تمام الإتفاق, فالظاهر لابد ان يكون انعكاساً للباطن, إلا أننا نعجب لوقوعه فى نفس المأزق,يعنى الإختزال!!!
-إذا ظننا أن هذا الخطأ الشائع موجود عندنا فقط فنحن مخطئون, فما زال كثير من الناس فى الغرب ينظرون الينا بنفس النظرة الإختزالية, و هكذا فإن المسلمين أجمعين هم إرهابيون و قتلة, أما الإسلام فهو دين شرير يدعو لسفك الدماء, و بغض النظر عن من يغذى هذه النعرات و ينشر هذه ألأكاذيب فى الغرب(سواء من أعداء الإسلام بحقدهم,أو بعض المنتسبين الى الإسلام بجهلهم),فإن من يستجيب لهذه الرؤية إنما يفعل هذا لأنه أولاً يختزل المسلمين كلهم فى صورة بعض من يضر الإسلام بقلة وعيه, ثم يختزل الإسلام نفسه فى صورة أتباعه, رغم أننا فى أحيان كثيرة أبعد ما نكون عن الإلتزام بتعاليم الإسلام و أخلاقياته أصلاً.
-مثل آخر, ترى من ينقب فى التاريخ الإسلامى و لا يستخرج منه إلا أخبار الجوارى و الشعراء و الخلفاء المستهترين, تلك القصص التى يمتلىء بها كتاب الأغانى, لكنه يعمى عن دور المسلمين فى نشر العلوم, و دورهم فى الحضارة الإنسانية, و ينسى صفحات الفخر فى اليرموك و عمورية و ملاذكرد و حطين و عين جالوت, و لا يذكر إلا الصراعات المذهبية و فترات الركود.و بذلك يختزل التاريخ فى أسوأ ما فيه, و يقدمه بهذه الصورة المبتسرة, فيزيف وعى الأجيال.
-فى الحالة المصرية, فإننى أقابل أيضاً صنفين من الناس أعانى معهم كثيراً, لأنهم يختزلون الدولة فى شخص الحاكم و النظام, و بذلك ينزلقوا لمنزلقين على قدر كبير من التباين:
فهناك من يحب مصر جداً, لكنه لا يفرق بين مصر و بين حاكم مصر, فيرى أى إنتقاد للحاكم هو بمثابة إنتقاد للبلد نفسها, و كذلك أى إنتقاد لسياسة من سياسات الحكومة هو بمثابة سبة لمصر, و يتحول الى شخص يسعى لتبرير كل تصرفات الحكومة أياً كانت-حتى موضوع الضرائب العقارية و سياسة القمح و تصدير الغاز-و ذلك بطريقة يعجز عنها جهابزة الحزب الوطنى, و لى صديق عزيز من هذا النوع لا أحب الخوض معه فى السياسة لأنه لا يريد أن يتخلص من هذه الثقافة, و آخر مرة تكلمنا كدت أفقد أعصابى معه عندما بدأ فى مدح زكى بدر و أحمد عز إذ ذكرا أمامه!!
أما الفصيل الثانى,فهو أيضاً يحب مصر بشكل كبير, و أيضاً لا يفرق بين مصر و حاكمها و حكومتها, فيصب جام غضبه على البلد و أهل البلد و اللى جابوا البلد, و ينسى أن البلد و ناسها-الذين هم أهله بالمناسبة-لا يستحقون كل هذا الغضب منه, فمصر و شعبها أعظم من أن تختزل فى صورة عصابة من الفاسدين و المنتفعين و الظالمين, و من يصر على هذا الإختزال مثله كمن لم يقدر على الحمار فتشطر على البردعة(لاحظ أن تعميم وصف الفاسدين و المنتفعين و الظالمين على كل من ينتمى للحكومة هو بدوره نوع من التعميم, الذى هو نتيجة للفكر الإختزالى).
نعم, فالاختزال يؤدى بدوره الى أخطاء أخرى, و التى منها تعميم الأحكام بصورة عشوائية, فكل الناس على خطأ, أو كلهم يغرقون فى الفساد, أو كل الناس لاتفهم, و هى فعلاً طريقة ظريفة جداً لكى يريح الإنسان دماغه و لا يفكر, و يجلس مثل الباشا و يدين الجميع.
الإختزال يسبب قصوراً فى الرؤية, و من ثم قصوراً فى الفهم, و القرارات التى تبنى على الصورة الإختزالية هى قرارات خاطئة بالضرورة, لأنها قائمة على رؤية جزء من الحقيقة, فهذا هو المعنى الحرفى للإختزال:أن ترى الحقيقة فى صورة مبتسرة,ثم تضع كل البيض فى نفس السلة.
من جانب الآخر, يؤدى الاختزال الى تطرف فى الفكر, نعم فعندما أرى جزءاً من الحقيقة و أقتنع به فإنى أتطرف فكرياً, و أعادى من يخالفنى فى الرأى, و تشتد الخصومة اذا كان يعانى من نفس الرؤية القاصرة, و فى النهاية لا ندرى أن كل منا يختزل الواقع و يعتقد انه يمتلك الحقيقة كلها!!!
إذاً, عندما يرشق عدد من الفلسطينيين حرس حدودنا بالحجارة, و يحاولون اقتحام الحدود, و يعبرونها فعلاً, فإن الشعب الفلسطينى كله معتدى و لا يحفظ الجميل لمصر, بل و يريد احتلالها!!
و عندما نجد بعض التافهين يكتبون السموم عن مصر فى مقالاتهم و صحفهم, و نجد تافهين آخرين يعاملون المصريين بنوع من الصلف و التعالى, فإن كل العرب جرب, و مصر أشرف من أن تنتسب لهم!!!!
أما عندما يتورط بضعة شباب من أبناء سيناء فى التفجيرات الارهابية-التى نعلم من وراءها-فإن أهل سيناء كلهم يختزلوا فى هذه الحفنة من الشباب ليصبحوا جميعاً عملاء و مهربى مخدرات و بلا انتماء, و لا حول و لا قوة الا بالله.
و أحب أن ألفت النظر أن النظرة الاختزالية غالباً ما تؤدى بصاحبها الى الوقوع فى براثن اليأس و الاحباط, فلا يرى الا النصف الفارغ من الكوب, و يعجز عن رؤية أى إنجاز, و لا يرى الا الخراب و الفساد, حتى يصل لمرحلة متقدمة من هذا المرض-و متأخرة من الحالة الفكرية-يتحول فيها الى شخص رافض لتصديق أى شىء إلا الصورة المختزلة التى ثبتها فى ذهنه.
و من خطايا الإختزال أيضاً, محاسبة الأشخاص بطريقة ظالمة, فتختزل أعمالهم كلها فى عمل واحد, إما عمل عظيم فترفعه الى مصاف الأبطال ثم تبدأ فلا تقديسه, أو عمل حقير فتلعنه ما حييت, و لا تذكر عنه إلا كل سوء.
فمنا من لا يرى فى جمال عبد الناصر إلا رمزاً للقمع, و سبباً فى النكسة , و ينسى دور الرجل فى القضاء على الاستعمار و دعم حركات التحرر فى الوطن العربى و دول العالم الثالث, و بناء السد العالى.
و منا من لا يذكر للسادات إلا العبور العظيم و نصر أكتوبر و استرداد الأرض, و ينسى اعتقالات سبتمبر وخطايا الانفتاح و أحداث يناير77.
و بالمناسبة, لست من عشاق عبد الناصر, و لا الكارهين للسادات, لكنى أؤمن أن على الإنسان أن ينظر للأمور نظرة وسطية, و لا ينسف تواريخ الرجال و الأمم بإختزالها فى بعض الإنتصارات أو بعض الإنكسارات.
و عند الحديث عن الشخصيات المؤثرة, فإنى أشبه من يلوك فى سيرتها بحيث ينسب لها كل خبيث و يعمى عن أى خير, بصنف النساء المذكور فى الحديث النبوى, الصنف الذى يكفر العشير(الزوج), تعيش الدهر معه فى سعادة, فإذا رأت منه ما يسوءها قالت له:ما رأيت منك خيراً قط!!

إن الإختزال و إن كان يُمارسه البعض بلا وعى منهم, و دون قصد, إلا أن هناك من يحاول تثبيت الصورة الاختزالية فى أذهاننا لأغراض خاصة.
و فى ظل الهجوم القوى على الإسلام و المنتسبين اليه و الداعين لتطبيق الشريعة, فإن جهات كثيرة-من ضمنها الحكومة-تستعمل وسائل غير شريفة, منها أن تختزل التيار الاسلامى بكل أطيافه فى صورة الفئات المتطرفة التى تكفر المجتمع, و تستحل الدماء و الأموال, و رغم ان أى باحث منصف يدرك جيداً أن حجم هذه الفئة فى المعسكر الإسلامى ليس كبيراً-و تقلص بشدة بعد الضربات الأمنية و حركات تصحيح الفكر-لكن لتخويف الناس يتم اختزال كل الاسلاميين فى صورة الارهابى!!!
و العيب كل العيب أن تسمح لغيرك بغرس صور قاصرة و مبتسرة و مختزلة فى رأسك, فيتمكن من توجيهك كما يوجه السائس الحصان.
و جدير بالذكر أننا لا ندعى أن التيارات الاسلامية المختلفة فى الساحة تخلو من الأخطاء و الرؤى الاختزالية بدورها, لكن من الظلم بمكان أن ترمى انساناً بجرائم ارتكبها غيره.
و جدير بالذكر أيضاً أن داخل التيارات الاسلامية من يختزل التيار اليسارى كله فى صورة الشيوعيين الملحدين, و كذلك الحال بالنسبة للعلمانيين, فلا يفرقون بين العلمانى الذى يتحفظ على تطبيق الشريعة لأفكار و مخاوف معينة فى نفسه-ليس هذا المقال محل ذكرها-و بين العلمانى الذى يرفض الدين نفسه, و يستهزىء بالرسالة و النبوة.
و الذى يفوت كل هؤلاء, أن كل تيار, و كل فكر, به من السعة -أو الاتساع بمعنى أصح-ما يجعل داخله أجنحة و تيارات أخرى, من أقصى اليمين الى أقصى اليسار.
و أملى, أن يكون للتيارات الوسطية, داخل كل فكر, من الوعى و الرغبة الصادقة فى الإصلاح ما يمكنها من تغيير ثقافة الاختزال, و تعويد الناس على قبول الآخر, على ثقافة قبول المخالف, و على عدم تعميم الأحكام, فلسنا فى حالة تسمح لنا بتضييع الوقت فى صراعات داخلية, نتيجة لقصور الرؤى, و الاختزال.
و قد يرى البعض أن مقابل الإختزال هو أن أوزع المسئولية على الطرفين,و أن يكون رد فعلى إزاء كل من يقول رأياً أختلف معه هو أن أرد عليه بذكر مثال لشخص آخر وقع فى نفس الخطأ, و أذكر مثالاً للتوضيح: يتحدث البعض عن بعض الأخطاء للحكومة, فيخرج علينا من يقول:لماذا لا تنظرون الا لهذه الأخطاء و تنسون كل الإنجازات السابقة, ثم إن ما نفعله لا يحدث عندنا فقط, بل يحدث فى دول كذا و كذا و كذا, و فى أمريكا كمان!!و نعم هناك فساد, لكن هناك أيضاً فساد فى دول كذا و كذا, و أمركيا برضه!!!
لا يا عزيزى, ليس معنى ألا تكون مختزلا هو أن توزع الأخطاء على الجميع, هذا من قبيل ترييح الزبون, و إنامة الوعى و الضمير, و كأننا يجب ألا نعترف بوجود قصور طالما أن غيرنا يعانى من نفس القصور, و هذا نوع من المغالطة لا يؤدى فى النهاية إلا لعدم الوصول لحل للمشكلة الأساسية.
أعود و أقول, يجب أن تكون نظرتنا للأمور وسطية, الصح أعترف بأنه صح و أصفق له, و أدعمه, حتى لو كان من فعل من لا أطيقهم أو أعترف بشرعيتهم, طالما أنه يصب فى الصالح العام.
و الخطأ أصرخ بعلو صوتى قائلاً أنه خطأ, و يجب تصحيحه, و ليس معنى أن بعض الدول بها مجاعات أن نسكت على وجود أزمة فى الخبز, و ليس معنى أن هناك دول كبرى بها فساد أن نكف عن المطالبة بالتغيير و محاربة الفساد.
إن الإسلام أكبر من أن يختزل فى عبادة واحدة و تُهمل بقية أركانه, و هو أعظم من أن يختزل فى صورة المنتسبين اليه,و المسلمين أحق بألا يؤاخذوا بذنب جماعة واحدة, أما مصر فهى أعظم من أن تُختزل فى صورة فرد أو حزب, فنحبها بحبهم, و نلعنها ببغضهم.
الخلاصة: لو سمحت, لا يكن تفكيرك أبداً قاصراً, و لا تجعل رؤيتك للأمور رؤية مبتسرة و مختزلة, و لا تتسرع فى الأحكام, و لا تعمم الأحكام على الجميع, فالحياة بها مساحات كبيرة من الألوان فلا تختزلها فى الأبيض و الأسود فقط, و إذا كنا نريد أن ننهض بهذا البلد, فلنتعاون على التخلص من هذه الثقافة, ثقافة الإختزال, حتى نتمكن من رؤية الأمور بوضوح على حقيقتها, و قبل ذلك, حتى نتمكن من رؤية بعضنا البعض, على حقيقتنا أيضاً.

الجمعة، 4 يوليو، 2008

عاشوا فى خيالى-4-الدكتور عبد الوهاب المسيرى(الفارس الذى ترجل)


ربما تظل تقرأ و تسمع لشخص طوال حياتك, و فى النهاية لا يترك بداخلك أثراً, و تنسى كل كلماته.
و ربما تسمع كلمة واحدة من شخص آخر, أو لا تقرأ له الا أقل القليل, لكنه يترك داخلك أثراً, و تتعلق روحك به.
و من النوع الثانى, كان الدكتور عبد الوهاب المسيرى-رحمه الله-بالنسبة لى.
أكتب عنه اليوم مخالفاً للترتيب الذى كنت أضعه فى ذهنى لهذه السلسلة, لكن قلبى هو ما يدفعنى للكتابة, قلب حزين على رحيل هذا الفارس النبيل, أسكنه الله فسيح جناته, و جزاه عنا خير الجزاء.و لا بأس أن يتحول هذا المقال فى أغلبه الى مرثية للرجل, فمثلى أقل من يكتب عن مثله, لكن أعتقد أن لى على الأقل بعض الحق فى أن أرثيه.
بدايةً, أعترف أنى لم أقرأ كثيراً للأستاذ المسيرى, أغلب قراءاتى له بضعة مقالات و كتاب أو اثنين, لكن فى هذا القليل الذى قرأت وجدت عقلاً مفكراً متميزاً, له قدرة تحليلية عميقة, و نظرة فلسفية للأمور, تجعلك تعبر بعقلك آفاقاً جديدة لم تكن لتصل لها وحدك.
لا أستطيع أن اقول أن أسلوب الدكتور المسيرى يتميز بالبساطة, على العكس, فكتبه ليست من النوع الذى تقرأه و أنت مسترخى, بل تحتاج للإنتباه و التركيز و أنت تقرأ, فغالباً ما تجد فى عبارة من عباراته مفهوماً جديداً تماماً على عقلك, أو معنى لم يخطر ببالك من قبل, و دائماً ما أشبه هذه الحالة بالنسبة لى, بأن عقلى كان به باب مغلق حتى فتحه هذا المعنى الجديد فأدخلنى على عالم لم ادخله من قبل.
و الأستاذ المسيرى فنان فى استخدام المصطلحات و التعريفات-ربما لطول الفترة التى قضاها فى تأليف موسوعته الشهيرة-و كثيراً ما تجده يستخدم مصطلحات علمية أكاديمية ترتفع بعقل القارىء-لو وعاها و فقهها-الى مصاف الدارسين, و ليس هذا الأمر قاصراً على كتبه, فنفس المنهج الأكاديمى التحليلى موجود فى مقالاته التى تتميز بالدسامة و العمق الشديد, و تحتاج لقراءتها بنفس القدر من التركيز.
الجميل فى عالمنا الراحل, أن تخصصه الأكاديمى العلمى و الذى حاز فيه على درجة الدكتوراة, لم يكن الدراسات العبرية أو تاريخ العبرانيين, فتخصصه هو الأدب الانجليزى, لكن على حد علمى, فإن أحداً من المتخصصين فى اليهودية و الاسرائيليات لم يفد المكتبة العربية و القارىء العربى بمثل ما أفادها الدكتور المسيرى, و لو لم ينجز فى حياته غير موسوعة:اليهود و اليهودية و الصهيونية, لكفى.
و الأمر لم يقتصر على الاهتمام بالعدو الاسرائيلى فقط, فللدكتور اسهاماته الفكرية فى تخصصه الأكاديمى بالطبع, و عن الحضارة, و عن العلمانية, و حتى الأطفال اهتم بهم و كتب لهم قصصاً!
و من أكثر ما لفت انتباهى فى الدكتور المسيرى, أنه مثال للعالم الذى لا ينفصل عن قضايا و هموم وطنه و أمته, سواء فى الداخل أو الخارج, و موقفه من القضية الفلسطينية و الصراع العربى الاسرائيلى واضح وضوح الشمس, سواء فى كتبه و مقالات, أو فى التصريحات التى كان يلقيها فى وسائل الإعلام, و الرجل لم ترهبه رسائل التهديد التى توالت عليه من الحاخام المتطرف مائير كاهانا و غيره, عندما علموا بنيته فى كتابة الموسوعة, كان عند الرجل من الشجاعة و الإيمان ما جعله يواصل المشوار الى النهاية, بل و يكتب كتباً أخرى عن القضية قبل و أثناء -و حتى بعد-انتهاؤه من الموسوعة.
أما على الجانب الداخلى, فليس أقل من كونه معارضاً مستقلاً شريفاً انحاز كمثقف الى الجماهير التى خرج منها, و كان المنسق العام الثانى للحركة المصرية من أجل التغيير(كفاية), لم يحفل بكونه مريضاً بالمرض الخبيث, و لم يستسلم لمتاعبه الصحية و مشاغله العديدة, فآثر ألا يكتفى بالتنظير و أن يشترك فعلياً-حتى فى المظاهرات-ربما ليضرب مثلاً لغيره.
و كنت قد كتبت فى مقدمة هذه السلسلة عن خاطرة قرأتها فى مقدمة موسوعة الدكتور المسيرى, تكلم فيها عن المراجع و المرجعية, و قلنا أن المرجعية هى عبارة عن الأشخاص و الآراء و الأفكار التى تشكل وعى الكاتب و تسهم بشكل كبير-مواز للمراجع-فى الصورة التى يكتب بها الكاتب و يعرض فكره, و قد تنوعت مرجعيات الدكتور ما بين مسلمين و غير مسلمين, عرب و أجانب, مؤمنين و ملحدين, فبينما تجد أسماء مفكرين عظام مثل:رجاء جارودى , و على عزت بيجوفيتش, تجد أيضاً ماركس , الذى اعتنق أفكاره لفترة فى بداية حياته ثم انتهى به المطاف بكونه أحد أكبر المفكرين المؤثرين فى العالم الإسلامى, و المتعلقين بهمومه, حتى و لو لم يكن محسوباً على التيار الاسلامى.

و الحقيقة أن فكرة رحيل العظماء من مفكرينا كانت تراودنى مؤخراً, كنت أتساءل عن الخسارة التى ستحل بالأمة, و بالفكر المستنير, و بالصحوة الاسلامية, عندما يذهب الجيل الموجود حالياً, فمن البديل لعلماء و أساتذة مثل القرضاوى و فهمى هويدى و المسيرى و محمد عمارة و العوا و البشرى(مع حفظ الألقاب للجميع) ؟
لكن كان الجواب الذى أقنع به نفسى: أن المدير الناجح, هو الذى يربى كوادراً ناجحة, تستطيع ملء الفراغ الذى يتركه عندما يرحل, بحيث يستمر العمل بدون أن يختل.
أما المدير الذى يمسك بكل شىء فى يده, و لا يربى وراؤه جيلاً يستطيع أن يحمل الراية من بعده و يكمل المشوار, فهو مدير فاشل بكل المقاييس, نعم, ليس أفشل من مدير أو مسئول أو حاكم لا يهتم بأن يترك شخصيات قادرة على ملء الفراغ الذى سيتركه, و يقول:لا أجد حولى من يستطيع أن يكون نائباً لى , أو أترك له موقعى!!
و من هذا المنطلق, فإن أساتذتنا هؤلاء جميعاً, مديرين ناجحين, فقد كانوا أولاً نتاج تربية جيل من قبلهم كان من رواده الشيخ الغزالى رحمه الله, الذى أثر بفكره فى كل من يعمل فى الحقل الاسلامى, و أساتذتنا هؤلاء بدورهم لهم تلامذتهم و مريديهم, الذين يتلقون منهم العلم مباشرة, و يخضعون لتربيتهم. هذا غيرى الآلاف من التلاميذ غير المباشرين, الذين تشربوا رؤيتهم من كتبهم و مقالاتهم و أحاديثهم, هؤلاء التلاميذ هم أنا و أنت يا قارئى العزيز.
و أحسب أن الدكتور المسيرى كان بدوره مثالاً للمدير الناجح, و سمعته فى حديث تليفزيونى يتحدث عن اللقاء الأسبوعى الذى يعقده فى احدى الجمعيات, و التلامذة الذين هو فخور بهم و على اتصال دائم بهم و يرى فيهم الأمل و أذكر منهم د.هبة رؤوف عزت.

عندما وصل الإمام الشافعى لمصر, اطلع على فقه إمام أهل مصر:الليث بن سعد, فقال:الليث أفقه من مالك, لكن أصحابه لم يقوموا به, أى لم ينشروا فقهه بالشكل الذى يليق به.
فإن كنا نعتبر أتفسنا من اصحاب المسيرى, فلنقم بعلمه, الذى نسأل الله أن يجعله فى ميزان حسناته.
إنى أؤمن أن خير ما نخلد به ذكرى الرجل, هو ألا نهدر علمه, نعم, نحتاج أن نتزود أكثر من علمه, فكتبه عن الصهيونية و موسوعته هى من أهم ما يكون لمعرفة العدو, هذا غير انجازاته فى المجالات الأخرى التى لها أكبر الأثر فى الارتقاء بالعقل و فتح آفاق جديدة له.
نعم قلوبنا كلها حزن عليه, لكن هذا حال الدنيا, و مصيبتنا فى رسول الله (ص) هى أعظم مصيبة, اذا فلنجفف دموعنا, و لنكمل المسيرة و لنتحمل المسئولية التى أصبحت على عاتقنا, حتى لا نفاجأ فى يوم بأن الساحة قد خلت من القادة, و أن الجنود قد ألقوا السلاح.
و ليست القراءة للعظماء فقط هى ما نحتاجه, بل نحتاج أن ندرس الظروف التى شكلت هؤلاء العظماء, و ندرس الأفكار التى شكلت وعيهم, حتى نستفيد من هذه التجارب على المستوى الشخصى, و من هذا المنطلق أدعوكم لمتابعة هذه القراءة الجميلة لكتاب الدكتور المسيرى:رحلتى الفكرية -سيرة غير ذاتية غير موضوعية, و الذى تعرضه أختنا شمس الدين فى مدونتها جناحى الطائر, جزاها الله خيراً.
و لتحميل بعض كتب الدكتور , اليكم هذا الرابط من مدونة الحضارة العربية
أسأل الله أن يرحم الدكتور المسيرى, و أن يعيننا على تحمل المسئولية من بعده و من بعد كل أساتذتنا, حتى نقوم بعلمهم, فهم يستحقون ذلك, و الأمة تستحق أكثر.

الأربعاء، 2 يوليو، 2008

بين تغيير الثقافة,و ثقافة التغيير

لعل من أمتع المحاضرات التى حضرتها فى الكلية, كانت محاضرة فى مادة (إدارة المشاريع الهندسية) أخذناها فى السنة النهائية. و بعيداً عن الأرقام و المنحنيات و المعادلات, فإن هذه المحاضرة كانت تناقش مبدأ الإدارة من الناحية النظرية, و بدأ الدكتور محاضرته بسؤال:ما الفرق بين الحضارة Civilization,و الثقافة Culture؟
أختصر ما قاله الدكتور:(الحضارة هى مجموع إنجازات الشعوب, و التى نرى أثرها فى مجالات عدة :العلوم, القوانين و التشريعات, المعمار...الخ, فهى شىء باق حتى لو مر الشعب بفترة توقف فيها عن المساهمة فى الحضارة الانسانية.
أما الثقافة, فهى مجموع القيم السائدة فى المجتمع, و هى شىء قابل للتغيير, لكن فقط يحتاج للصبر و بعض الوقت.
مثلاً: اذا شاهدتم أحد الأفلام القديمة, ربما وجدتم فيه لقطة يلتف الناس فيها حول الراديو, و يسمعون الأخبار بإنصات و إهتمام, لكن الصورة الآن تغيرت كثيراً, عندما يعود أى شاب منكم الى بيته, و يمسك الريموت, ما أول محطة يسعى لمشاهدتها؟
أجاب معظم الشباب فى نفس واحد:ميلودى(للأسف)
قال الدكتور: أرأيتم؟فى فترة زمنية حوالى 35 سنة تم تغيير ثقافة الشعب و نمط حياته و توجيهه الى ثقافة أخرى, ثقافة الإهتمام بالأفلام و الأغانى و الكرة, و ذلك لصرف انتباهه عن أشياء أخرى) انتهى كلام الدكتور.
لمست هذا الموضوع بنفسى بعد التخرج مباشرة, كنت أحضر كورس فى أحد البرامج المتعلقة بالتخصص, و فى مرة وردت كلمة Exclusive(حصرى) فى سياق البرنامج, قال المحاضر:هذه الكلمة ترونها كثيراً,أليس كذلك؟ قلت:نعم, عندما تبث الجزيرة خبراً حصرياً, فضحك اصدقائى و قالوا: جزيرة ايه يبنى, احنا بنشوفها فى ميلودى و مزيكا.(و لا تعليق)
ما علينا, أدخل فى الموضوع
فأعتقد أنه ليس منا من لا يوافق على أن هناك ثقافات كثيرة خاطئة سائدة فى مجتمعنا المصرى فى زمننا هذا.
ثقافة الفهلوة, ثقافة عدم الاتقان(عك و ليس كله كويس), ثقافة عدم احترام المواعيد, ثقافة الأسبقية و عدم التحضر و عدم القدرة على الوقوف فى طابور.....الخ
أشياء كثيرة سلبية موجودة فينا نحتاج أن نغيرها, نحتاج أن نحطم هذه القيود التى تكبلنا, لأنها تعوقنا عن أى تقدم, و تمنعنا من أى نجاح.
و لعل من أهم الثقافات التى نحتاج لتغييرها:ثقافة الخوف.
نعم, فحتى الخوف أصبح ثقافة, ثقافة تم زرعها فينا منذ زمن, نتيجة لسنوات عديدة من سياسة تكميم الأفواه, و كبت الحريات, و الإعتقالات و الذى منه.
و هى ثقافة تحتاج لتغيير, فلن يستطيع أى شعب التحرر, طالما أنه غارق فى مستنقع من الخوف و الجبن.
لا ندعو للتهور, و لا للإلقاء بالنفس فى التهلكة, بل على الإنسان أن يكون عاقلاً و متوازناً و ذكياً فى تصرفاته, و لكن الجبن و الخنوع ليس من الذكاء فى شىء, إنه المورث للسلبية و الإحباط و هلم جرا من الثقافات التى تحتاج للتغيير بدورها.
اذاً, قلنا أن هناك ثقافات عديدة تحتاج للتغيير, و بالطبع فإن على عاتقى و عاتقك, على عاتق كل شاب مؤمن و مثقف و محب لوطنه و أمته, على عاتق كل شجاع و شريف, تقع مسئولية التغيير, لأن الناس بحاجة لمن يصحح لهم المفاهيم, و يوقظ فى قلوبهم الإيمان و التفاؤل, و ينشر روح الإيجابية و المشاركة, و يطرد اليأس و الإحباط و التشاؤم و السلبية, و لئن تقاعس المصلحون عن أداء دورهم,فمن سيقوم به إذاً؟ فلنفضها سيرة و لنقل على بلدنا السلام.
هنا أتعرض للنقطة الثانية, و هى ثقافة التغيير, و التى تحتاج أن تنتشر بين المصلحين أنفسهم قبل أن تنتشر بين عوام الناس.
قرأت مؤخراً فى كتاب للأستاذ فهمى هويدى رأياً عن أسلوب التأثر بين الحاكم و المحكوم, و ملخصه (أن هذا التأثر واقع فى اتجاه واحد,من أعلى لأسفل, من جهة الحاكم الى المحكومين, و المثال على هذا من كلام لأحد أئمة السلف:كان الخليفة الوليد بن عبد الملك صاحب معمار و بناء, فكان الرجل يلقى الرجل يسأله عن البناء و القصور, و كان سليمان بن عبد الملك صاحب طعام و نكاح, فكان الرجل يلقى الرجل يسأله عن الطعام و النكاح, أما عمر بن عبد العزيز فكان صاحب عبادة, فكان الرجل يلقى الرجل يسأله عن ورده و عبادته, و كم قرأ من القرآن فى هذا اليوم)انتهى.
نعم, فالناس على دين ملوكهم, و (إذا صلح الحاكم صلحت الرعية), و إذا كان رب البيت بالدف ضاربا,فشيمة أهل البيت......
فالتأثير واقع لا محالة من الحاكم الى المحكومين, حتى لو كان هذا الحاكم من غير جنس أهل البلد-قوة احتلال يعنى-فالشعب المستعمَر واقع تحت تأثير الغزو الثقافى من قوة الإستعمار, و قد تحدث ابن خلدون عن هذا فى مقدمته تحت عنوان (ولع المغلوب بتقليد الغالب).
لذا, اذا كان الحكم فاسداً, وجدت الفساد منتشراً فى المجتمع, اذا كان الحاكم ثورياً شجاعاً, وجدت روح الثورة و الشجاعة تنتشر فى شعبه, أما اذا كان ضعيفاً خانعاً غير واثق بنفسه, يرى نفسه قزماً إزاء القوى العظمى, فستجد روح الانهزامية تسرى بين الناس .
اذا كان الحاكم فاشياً مستبداً ظالماً, وجدت الظلم متنقلاً بين الطبقات, من كل طبقة للطبقة التى تحتها, وصولاً الى مستوى الأسرة الصغيرة, فتجد من رب الأسرة فى بعض الأحيان أحادية فى التفكير, ونزوعاً الى العنف والقسوة, والتخويف والارهاب , نعم لا تندهش, ستجد الناس ينتقدون الظلم و يبشعونه و يسبون الظالم و يدعون عليه, ثم تجدهم فى الوقت ذاته يمارسونه على من هم أدنى منهم, و هم يظلمون أنفسهم قبل أن يظلموا أحداً آخر.
إنها حالة إنفصام حقيقية فى الشخصية, تحدث بسبب الفساد الهابط من أعلى, و كلما هبط درجة اتخذ شكلاً آخر و تكيف مع البيئة التى يعيش فيها, حتى يستقر و يرسخ فى القاع.
و فى عصرنا الحديث, فإن إنتقال الثقافة الفاسدة أصبح أيسر و أسهل, فالفساد و الضلال صار له كهنته و دعاته الذين يبشرون به و ينشرونه قدر استطاعتهم, كى تظل الأوضاع على ما هى عليه, و يظلوا فى أماكنهم.
كهنة المعبد هؤلاء ليسوا بالضرورة رجال سياسة فقط, ستجد معهم سرايا ممن يقدمون أنفسهم لنا على أنهم (مثقفو الأمة), و هم يبشرون بثقافات غربية دخيلة مستوردة غريبة عنا, و ستجد كتائب من الإعلاميين, و الفنانين-مع الاعتذار للفن-و الكتاب و الصحفيين, كل هؤلاء يسخرون جهودهم و طاقاتهم ليكونوا فى خدمة الفاسدين, و لينشروا الثقافة التى يريدونها.
و هنا تقع المسئولية على ضمير الأمة الحقيقى, على الذين عندهم من الوعى و الإيمان ما يحصن عقولهم ضد الغزو الفكرى, و يعطي قلوبهم مناعة ضد هذه الأمراض, فهم الأمل الوحيد للقضاء على الثقافات الفاسدة, و نشر مفاهيم أخرى, هم الذين يجب عليهم أن ينشروا ثقافة التغيير, و هم الحلقة المفقودة التى تقع فى منتصف المسافة بين القمة و القاع.
بالمناسبة, لا أريد من القارىء أن يختزل كلمة التغيير فى مفهوم (تغيير النظام الحاكم), بل الأمر أعمق من هذا, إنى أتكلم عن تغيير المنظومة المجتمعية و الثقافات الفاسدة بشكل كلى, و النجاح فى هذا هو الذى سيؤدى بدوره الى التغيير للأصلح على كل المستويات وصولاً لمستوى القمة.
و قد دخلت فى نقاش منذ زمن عن طبيعة التغيير, هل هو تغيير من قمة الهرم أم من قاعدته, هل هو من أعلى أو من أسفل؟
و ما أذهب اليه, هو أن التغيير من أعلى الهرم شىء خيالى بعض الشىء, و مقوماته ليست متاحة على الدوام, هذا غير أن من يصل للقمة و ليس عنده قاعدة قوية يرتكز عليها, سيظل مهزوزاً و غير مستقر, ففى الوقت الذى يحتاج فيه لتضافر كل قوى شعبه لتسير معه فى الاصلاح, فإنه سيجد نفسه يحتاج الى الانتظار حتى يصلح ما أفسده من قبله, و عموماً, ففى البناء لا تبدأ بتشييد السقف قبل أن تضع الأساس أولاً.
لذا فقناعتى هى أن التغيير يجب أن يبدأ من القاعدة, نعم, يقوم المصلحون ببذر البذور, و نشر الوعى, و إيقاظ الأرواح و القلوب, يقومون بإصلاح ما أفسده المفسدون, سيحتاج تغيير الثقافة الى صبر و وقت كما قلنا, فليكن, فالثقافات الفاسدة لم تنتشر بدورها بين يوم و ليلة, بل أخذت ما شاءت من الوقت حتى رسخت, و من الطبيعى أن يحتاج ازاحتها الى نفس الوقت,إن لم يكن أطول.
و بجانب هذا, نحتاج ألا نقطع الأمل فى إصلاح الرأس, ليس بالدعاء دون العمل, بل واجب على كل مفكر و عالم و صاحب رأى أن يبلغ رأيه بشجاعة لأولى الأمر, فإن إنصاعوا للحق, فسيجرون معه المحكومين, و إن استمروا على فسادهم, فعسى أن تكون شجاعة المصلح أبقى فى نفس المحكوم من فساد الحاكم, و لنتذكر موقف الإمام أحمد بن حنبل فى محنته المشهورة, و فى النهاية ذهب المفسدون الى مزبلة التاريخ, و بقى موقف الإمام مشرقاً يعطى الثقة للمصلحين بقية العصور.
نحتاج أن ندرس جيداً سير المصلحين و أفكارهم و رؤاهم فى التغيير, نحتاج أن نتعلم من تجارب الأمم التى حولنا , و كيف نجح من نجح منهم فى التغيير للأفضل,و ما الأشياء التى نستطيع أن نقتبسها منهم و نطبقها فى حالتنا. نحتاج أن ندرس تاريخ أمتنا نفسه بشكل أعمق, و نأخذ منه الدروس و العبر, و نرى كيف تعامل أجدادنا مع الفساد و الظلم. نحتاج لأن نفهم ديننا الفهم الحق, و نلتمس منه الوسائل الأمثل للإصلاح.
لن نستطيع أن نساهم فى الإصلاح إذا كنا ضعفاء لدرجة أننا نستسلم لتيار المغريات من حولنا, و ننزل للمستوى المنحط الذى يُراد لنا, اذا استسلمنا للثقافات الفاسدة الوافدة و نبذنا ثقافتنا و قيمنا.
كيف ننشر التفاؤل إذا كنا متشائمين محبطين؟
كيف ندعو للأمل اذا كنا يائسين؟
كيف نبشر بالنصر إذا كنا نعيش فى هزيمة نفسية؟
كيف ندعو للعودة للهوية و رفض الثقافة الوافدة, اذا كنا أنفسنا متأثرين بالغرب لدرجة أن بعضنا يكتب العربية بحروف لاتينية, و يحسن التعبير بالإنجليزية و يخطىء فى الكتابة بالعربية؟
كيف نغرس فى قلوب غيرنا الإيمان, و لما يدخل الإيمان فى قلوبنا؟
لن يتأتى كل هذا إن لم يصاحبه البدء بالنفس, و ثقافة التغيير قبل أن نحاول أن ننشرها فى المجتمع, يجب أن نطبقها على أنفسنا أولاً, و القاعدة القرآنية الخالدة واضحة بهذا الشأن((إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم)).
سيظل الحق و الباطل فى صراع الى يوم الدين, فلنكن جنود الحق, و السهام التى ترمى فى صدر الباطل, فلنكن القناديل التى تضىء للناس حياتهم, و تزيح الغشاوة من على أعينهم, و الران من على قلوبهم, و لنتحمل خلال ذلك سخرية الساخرين, و شماتة الحاقدين, و عداوة الظالمين, و الله معنا ما دامت نوايانا خالصة لله.
و أسأل الله أن يكون فى هذا الكلام تنشيطاً لهمم المصلحين, و أن يجعل لنا دوراً-و لو مجرد وضع لبنة-فى طريق الإصلاح, فلعلنا نكون جيل النصر المنشود, إذا فعلنا ما علينا, و أدينا واجبنا, و أخلصنا النية.
أما اذا تقاعسنا, و ركنا الى الدعة, و صرفنا جهدنا فى الخطابة و التنظير و السفسطة دون الفعل,و شتتنا جهدنا فى الجدل و الصراخ و الخلاف, فسنظل نحرث فى البحر, و ستغرقنا أمواجه فى النهاية.