الجمعة، 13 مارس، 2009

محمد


المشهد الأول:
قدم رسول الله المدينة فلما دخلها جاء الانصار برجالها ونسائها فقالوا الينا يا رسول الله فقال دعوا الناقة فإنها مأمورة فبركت على باب أبي أيوب فخرجت جوار من بني النجار يضربن بالدفوف وهن يقلن نحن جوار من بني النجار يا حبذا محمد من جار فخرج اليهم رسول الله فقال أتحبونني فقالوا أي والله يا رسول الله فقال وإنا والله أحبكم وانا والله أحبكم وأنا والله أحبكم .
عندما أتذكر هذا المشهد لا يسعنى إلا أن ابتسم و أنا أشعر بمدى حنو سيدنا رسول الله على أطفال المسلمين, و على حبهم الفطرى له, و على حبه الكبير لنا.
لو كنت طفلاً على عهد النبى, بالطبع كنت سأنال من هذا الحب, لكن حسبى أننى كمسلم أحتل مساحة فى قلب رسول الله, و أصابتنى دعوته من قبل أن أولد, حتى و لو لم يرنى.
المشهد الثانى:
أُتى النبي الكريم صَلى الله عليه وسلم بشراب فشرب منه وعن يمينه غلام وعن يساره أشياخ، فقال للغلام: "أتأذن لي أن أعطي هؤلاء". فقال الغلام: لا ، والله لا أؤثر بنصيبي منك أحدًا. فتلَّه ( أي وضعه ) رسول الله صَلى الله عليه وسلم في يده.
ما الذى دعا الغلام لفعل هذا؟ هل هى أنانية و قلة ذوق؟ بالطبع لا, إنه الحب.
و أنظر لرسول الله الذى إستأذن الغلام و إحترمه و لم ينهره, و أنظر لبلاغة الغلام و كيف عبر عن حبه لشخص النبى.
و كم تأثرت عندما اتصل بى شخص عزيز على ليدعونى على الغداء عنده, اعتذرت بلطف بأنى قد أكون مرتبطاً بموعد آخر, فكان رده:أنت وعدتنى أن تأتى عدة مرات, فإعتذر عن موعدك الاخر, فإنى لن أؤثر بنصيبى منك أحدا!!
المشهد الثالث:
بكي رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله الصحابة: ما يبكيك يا رسول الله ؟ قال: ( اشتقت إلي إخواني ) قالوا : أولسنا إخوانك يا رسول الله ؟ قال : ( لا أنتم أصحابي، أما إخواني فقوم يأتون من بعدي يؤمنون بي ولم يروني ).
نحن قد أتينا بعدك يا رسول الله, وُلدنا مسلمين لآباء مسلمين, فصرنا مسلمين بالوراثة و لكن يعلم الله أنه كلما عرفناك أكثر, أحببناك أكثر, و لقد آمنا بك و لم نرك, فهل نستحق مع كل ما نحن فيه أن نكون أخوانك؟
ربما قد أكون مفرطاً و غير جاد فى حبى, لكن كلامك هذا يعطينى الأمل.
لأنك تحبنا يا رسول الله.
المشهد الرابع:
كانت أمنا عائشة أم المؤمنين تسأل رسول الله:يا رسول الله كيف حبك لي؟ فقال صلى الله عليه وسلم : مثل العقدة في الحبل ٌ فكانت رضي الله عنها تسأله كيف حال العقدة؟ فيجيب هي على حالها.
ما أعظمك يا رسول الله !أهكذا كنت تحب زوجك؟
نعم, فكونك قائداً لأمة لا يتناقض مع كونك زوجاً عطوفاً, و رؤوفاً, و رقيقاً, و محباً لزوجك.
يعلم الله أنى هكذا سأحب امرأتى, فقط سأحتاج أن أكون محمداً, و أن تكون هى عائشة.
المشهد الخامس:
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس وكان أجود الناس وكان أشجع الناس ولقد فزع أهل المدينة ذات ليلة فانطلق ناس قبل الصوت فتلقاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم راجعا وقد سبقهم إلى الصوت وهو على فرس لأبي طلحة عريفي عنقه السيف وهو يقول( لم تراعوا لم تراعوا)
هذا رسول الله الذى وقف يوم حنين و قد تفرق الناس من حوله ليقول بأعلى صوت:(أنا النبى لا كذب, أنا إبن عبد المطلب), بأبى أنت و أمى يا رسول الله, ما أشجعك, و ما أقواك, إنى بمجرد قراءتى لهذه القصة أشعر بالأمان.
المشهد السادس:
عندما أسر المشركون سيدنا زيد بن الدثنة بعد وقعة الرجيع, سأله أبو سفيان قبل أن يقتلوه: " أنشدك الله يا زيد ، أتحب أن محمداً عندنا الآن في مكانك تضرب عنقه، وأنك في أهلك، قال: والله ما أحب أن محمداً الآن في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه، وإني جالس في أهلي، فقال أبو سفيان : ما رأيت من الناس أحداً يحب أحداً كحب أصحاب محمد محمداً ".
المشهد السابع:
و فى صلح الحديبية, وفد عروة بن مسعود من قريش ليتفاوض مع رسول الله, وجعل يُكلِّم النبي- صلى الله عليه وسلم- ويرمق أصحابه، فوالله ما انتخم النبي- صلى الله عليه وسلم- نخامةً إلا وقعت في كفِّ رجلٍ منهم.. فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمر ابتدروا أمره، وإذا توضَّأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلَّم خفضوا أصواتهم، وما يحدِّون إليه النظرَ تعظيمًا له.
فرجع عروة إلى أصحابه فقال:" أي قوم، والله لقد وفدت على الملوك، كسرى وقيصر والنجاشي، والله ما رأيت ملكًا يُعظِّمه أصحابه كما يُعظِّم أصحاب محمدٍ محمدًا، والله ما انتخم نخامةً إلا وقعت في كفِّ رجل منهم فدلك بها وجهه و جلده.
إن الحب الذى نكنه لرسول الله صلى الله عليه و سلم حب غريب, لن أقول إننا جميعاً نحبه بصدق, فإن المحب لمن يحب مطيع, و لذا فإن محبة الكثير منا له ليست جادة, لكن فى قرارة نفس كل مسلم و لو كان عاصياً, حب رسول الله راسخ.
يكفى أن تقص على أى إنسان سوى بعض المشاهد من حياة رسول الله, فلا يملك إلا أن يعجب به, و يعظمه, و يبجله, و ..و يحبه.
حب رسول الله راسخ فى قلوب جميع المسلمين, الحب الذى يوحدهم, به وحد الله العرب بعد أن كانوا قبائل متفرقة, إختاره الله لكى يوصل لنا الرسالة و يعلمنا الإسلام, إختاره الله و إصطفاه لكى ينقلنا من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد.
حب رسول الله المصطفى المختار عامل مشترك بين كل المسلمين على إختلاف ألوانهم و ألسنتهم, إن أنس لا أنس هذا العجوز الماليزى الذى كان يطوف بجوارى حول الكعبة, كنت أدعو ثم بدأت أصلى على رسول الله بصوت مرتفع:صلى الله على محمد, صلى الله عليه و سلم, فإذا به يدير رأسه إلى و هو يبتسم و يردد معى:صلى الله على محمد, صلى الله عليه و سلم.
لا أكتب هذا الكلام بترتيب معين, و لا أريد أن اردد أن حبنا الحقيقى لرسول الله يجب أن يتمثل فى التمسك بسنته و التطبيق العملى لها, فليس منا من لا يعلم هذا فى قرارة نفسه, لكن هذه الأسطر دفقة حب لصاحب الرسالة, و محاولة لإنعاش الحب و إيقاظه فى قلب غافل لاه, ليس حب رسول الله فقط, و لكن الحب بشكل عام, نتعلمه من محمد الرسول, و القائد, و الأب, و الزوج, و الإنسان.
إن حياة رسول الله مليئة بالمشاهد التى نتعلم منها, و التى ترقق قلوبنا و تبث فيها الأمل, و الرحمة, و الإصرار, و الأمل, و الحب.
كلما قسى قلبك, افتح كتاب الله, و اقتبس من نور النبى, اقرأ قليلا فى سيرته لتنتقل إلى عالم آخر, ثم إعمد إلى إيقاظ من حولك, ذكرهم بالقول و بالكتابة, و لا تجعل هذا مقتصراً على يوم الثانى عشر من ربيع الأول من كل عام, فالحب لا يمكن إختزاله فى يوم واحد, الحب الحقيقى يعيش و يدوم.
الحب ليس كلاماً فقط, ربما يكون الكلام أسهل وسيلة للتعبير عنه, لكنه ليس كلاماً فقط.
أحبك يا رسول الله, و حتى لو لم أكن صادقاً فى هذا الحب بتقصيرى, فإنى أعلم أنك تحبنى.
اللهم صل على محمد, و على آله و صحبه أجمعين.
صلى الله على محمد
صلى الله عليه و سلم.

الجمعة، 6 مارس، 2009

ثقافة التصنيف

أعود بعد إنقطاع طويل لأتكلم من جديد عن ثقافة أخرى,هى برايى إحدى الثقافات التى نحتاج أن نتخلص منها,ألا و هى:ثقافة التصنيف.
و لعلكم تتساءلون عن كون التصنيف شيئاً نحتاج أن نتجنبه, و لست أتكلم هنا عن المبدأ بشكل عام, فقد اتفقنا من قبل أن تعميم الأحكام هو من أكبر الأخطاء, لكن ربما توضح الأمثلة المعنى الذى أبغى الوصول اليه.
فمن أمثلة التصنيف المذموم الذى هو موضوع هذا المقال, هو ما يقوم به عدد من الشباب الملتزم, و خصوصاً الأخوة المنتمين للتيار السلفى, من تصنيف كل من يقابلهم حسب الانتماء السياسى, و المذهبى, و العقائدى, و الدينى.
و كأن دراسة العقيدة قد صارت وسيلة فقط لكى يمشى الإنسان فى الشارع و يصنف كل من يقابله,فهذا أزهرى اشعرى, و هذا ماتريدى, و هذا صوفى نفر منه فرار السليم من الأجربِ!!
أما هذا الفتى الذى يتكلم معى عن ضرورة المشاركة السياسية و العمل الدعوى جنباً غلى جنب, فهو من الإخوان, فدعك منه و مما يقول.
و هذا الذى يحثنى على المشاركة فى المظاهرات و الإعتصامات و إستخراج بطاقة إنتخابية فهو ثورجى من حركة كفاية, تلك الحركة التى تضم خليطاً من الإخوان و اليساريين و المستقلين و الناصريين, فدعك منهم أجمعين!!
و أنت يا صديقى اليسارى الذى يفتخر بعلمانيته و فكره المستنير فى مواجهة الظلاميين الرجعيين, إنك بمجرد أن ترى أمامك شخصاً ملتحياً فإنك تصنفه كيمينى متأخر, و ترى أنه بأفكاره المتخلفة لا يساير الزمن, و لا يواكب التطور, و أنه ليس له القدرة على فهم الأمور و رؤيتها كما تراها, طالما أن هذه اللحية تحيط بوجهه, أو أن هذه الطرحة تغطى رأسها.
هل وصل المعنى الذى أتكلم عنه؟
إننى عندما أتحدث مع إنسان ما, و أعرف إتجاهه الفكرى, و مذهبه الدينى أو السياسى, و من ثم اضعه تحت تصنيف معين, و يكون نتيجة هذا التصنيف أن أرفضه كليةً و اضرب بآرائه كلها عرض الحائط, فهذا خطأ فادح, و ظلمٌ بين.
هذا الخطأ هو إمتداد لثقافة أخرى تكلمنا عنها من قبل, و هى ثقافة الإختزال, فقولبة البشر فى قوالب جامدة, و إختزالهم فى صور يرفضها العقل هو قصور فى الرؤية و ظلم فى الحكم, و هو التطرف فى حد ذاته سواء كان من يعتنق هذا الفكر يمينياً أو يسارياً, و الحقيقة أن كل الأفكار و الثقافات الخاطئة ترتبط ببعضها البعض بسلسلة بشعة, كما أن الفكر السليم و الثقافات النيرة ترتبط ببعضها بحبل متين.
قد أختلف معك فى نواحٍ عدة, لكن هل هذا يعنى أن كل ما يخرج منى هو خطأ بالتبعية, هذا إذا بلغ بك الغرور حدً يجعلك تظن أنك قد احتكرت الحقيقة لنفسك أنت و كل من يرى رايك؟
يا من تضع لمن أمامك تصنيفاً, و ثم بناءً على هذا التصنيف تحدد موقفك منه, من أنت لتحكم على البشر من مجرد مقابلة, و من أنت لتحكم على بطلان تفكير غيرك بالكامل لأنه يختلف عنك فى الرأى, أو المذهب, أو الإنتماء السياسى, أو حتى الدين؟

قد يكون 99% مما اقوله خطأ, لكن لا يوجد إنسان كل ما يصدر منه شر أو خطأ, كما أنه لا يوجد بالتبعية إنسان كل ما يصدر منه خير أو صواب, لسنا إما ملائكة أو شياطين, و لسنا بيضاً أو سوداً, فبين هذين اللونين مساحات متسعة و درجات متنوعة من اللون الرمادى.
إذا كان تصنيفك لى دافعاً لك لكى تضعنى فى إطار ترفض به كل ما يصدر منى, فليسامحك الله, و ليهدنى و إياك.
كل شىء فى الدنيا يندرج تحت تصنيف معين, طالما أن هذا الشىء كائن و موجود و محدد, و الإنسان الذى لا نستطيع أن نصنفه هو إما إنسان غامض لدرجة لا تستطيع معها تحديد توجهه, أو إنسان متميع ليس له مبدأ أو هدف محدد.
من أجل هذا ضع لى أى تصنيف تشاء, قل عنى أنى إسلامى أو علمانى, قل عنى أنى سلفى أو إخوانى أو صوفى, قل عنى أنى يسارى أو يمينى, لكن عندما تضع لى هذا التصنيف, لا تضع على علامة(إكس) و ترفض بالتبعية كل ما يصدر منى.
نصيحة لكل من يمتلك قلماً يضع به علامة صح او خطأ على غيره, أنظر لنفسك أولاً, و عندها ستعلم أنه ليس هناك من خير خالص أو شر مطلق, و قد تمتلك الحق فى أن تصنف نفسك, أو أن تظن أن غيرك يندرج تحت تصنيف معين, لكنك لا تمتلك ابدأ الحق أن تنفى عنه صفة الإيمان, أو العقل, أو الفكر لمجرد أنه يعتنق رأياً, أو مذهباً, أو ديناً لا يتماشى و ما تراه حضرتك.