السبت، 22 أغسطس، 2009

غرور المعتدلين



قد يكون من الغريب أن أبدأ الكتابة فى هذا المقال و جزء من عنوانه يبدو زئبقياً, لسبب بسيط, ألا و هو أن مفهوم الإعتدال قد أصبح نسبياً بيننا, إنه مفهوم متنازع عليه بين أطراف شتى و أطياف عدة تختلف مع بعضها البعض فى الأيديولوجية و المرجعية, فكان حقاً عليها التنازع على هذا اللقب.

بدايةً نشير إلى أن التيارات الأساسية المعروفة-فى العمل السياسى على الأقل-هى تيارات:اليمين و اليسار و الوسط, و لكن هل نبالغ إذا قلنا أن داخل كل تيار منهم نفس التقسيمة الثلاثية: يمين و يسار و وسط أيضاً؟

نعم, فناهيك عن كون كل تيار يعتبر نفسه الفكر الأصوب و الأقرب للإعتدال فى حين يجنح غيره للتطرف, فإن التيارات الجزئية نفسها يمكن تقسيمها إلى:1- تيار يمينى(متشدد متمسك بأفكار و عقيدة حزبه و لا يقبل فى أغلب الأحوال الحوار مع التيارات الأخرى), 2- تيار يسارى(عنده القدرة على الحوار مع الآخر و تقبل أفكاره و لكن هذا فى الأغلب على حساب معتقداته الأصلية فتكون مواقفه متميعة فى آخر المطاف), 3-تيار وسطى(يجمع بين التمسك بمرجعيته و بين القدرة على الحوار مع الآخر مع الحفاظ على الثوابت, و هو النموذج الذى نتمنى أن يسود داخل كل التيارات الرئيسية).

قبل أن نستطرد نوضح أن ما وصفناه بالتيار اليسارى المتميع ليس له علاقة بالتيار اليسارى الرئيسى الموجود على الساحة, بل هو تيار جزئئ موجود داخل كل تيار من التيارات الرئيسية, و كذلك نركز على أن الدعوة لسيادة التيار الوسطى ليست من أجل إقصاء اليمين و اليسار الرئيسى, بل ندعو لسيادة التيار الوسطى الجزئى حيث يجتمع الحفاظ على الثوابت مع القدرة على إستيعاب الآخر و إحترامه و الحوار معه و التعاون معه وصولاً للمصلحة العامة, و فى النهاية يصبح الخلاف فى الرؤى خلافاً صحياً يثرى الأمة, و الأفكار لا تهزمها إلا أفكار أخرى على أية حال.

نعود لعنوان المقال, و لنجعل التيار الإسلامى هو محل دراستنا, و فى حين يعتبره معارضوه يمينياً متطرفاً, يعتبر التيار نفسه وسطياً بطبيعة الحال, و نغوص داخل التيار لنجد داخله تياراً جزئياً يمينياً متطرفاً جامداً متجمداً يرفض الآخر و يتشدد و يتنطع لأقصى درجة, و فى أقصى درجات تطرفه يرفض حتى المنتمين لنفس للتيار و يصنفهم بأنهم(ليسوا من الفرقة الناجية), و تنتمى لهذه الفئة الحركات التكفيرية و جماعات العنف و بعض الجماعات التى تلصق نفسها عن خطأ بإسم السلف.

ثم تيار وسطى يجمع بين التمسك بالسنة و التراث و قيم السلف الصالح, و بين الإنتباه لقيمة الإجتهاد و ضرورة الأخذ بمعطيات العصر و فقه الواقع و فقه الموازنات, مع أهمية الحوار مع الآخر و عدم رفضه, و الحوار مع المنتمين لنفس المعسكر قبل الحوار مع الآخر, و لا تنتمى لهذا التيار جماعة بعينها, بل ستجد هذا الفكر موجوداً داخل المنتمين للتيار السلفى, و كذلك داخل جماعة الإخوان المسلمين, و عدد من علماء الأزهر و غيرهم.

أما التيار الأخير, فهو التيار المتميع, إنه التيار الذى يقدم الحوار مع الآخر و تسويق فكرته على التمسك بثوابت هذه الفكرة أساساً, و بسبب هذا الخلط ينظر للإنتقادات الموجهة له نظرة فيها إنهزامية, فيسعى إلى نفى هذه الإنتقادات بأن يطبق أجندة العدو جزئياً لكى يثبت للجميع أنه معتدل و حلو و غير متطرف, ثم يستدير لأخوته المنتمين لنفس معسكره فيسلخهم بألسنة حداد, و يصفهم جميعاً بأنهم السبب فى تشويه صورة الإسلام, و أنهم الرجعية و التخلف و الجمود و التطرف, إنها كلها مصطلحات طالما سمعناها من أعدائنا و لكننا نستغرب أن نسمعها بنفس القسوة تصدر من أناس من جلدتنا و يتكلمون بألسنتنا, و إلى هذا التيار ينتمى بعض من نراهم على شاشات التلفاز من دعاة و بعض أساتذة الأزهر و بعض قيادات الحركة الإسلامية!!

و فى نهاية المطاف تجد هؤلاء المتميعين يخرجون علينا بخطاب ليس له لون و لا طعم لكن له رائحة كريهة, خطاب متميع لا تعرف له مرجعية محددة, خطاب يحاول أن يمسك العصا من المنتصف حسب رؤيته, لكنه لا يدرك أن العصا ليست واحدة, فيمسك فى النهاية بطرف عصا و طرف عصا أخرى تماماً, و من المستحيل أن يدمجهما معا.

لذا لا تستغرب إذا وجدت بعض المنتمين للتيار الإسلامى إسماً يخرج عليك بتصريحات و دعاوى أشبه بالتى إعتدنا سماعها من متطرفى العلمانيين, إن لم يفوقوهم فى بعض الأحايين, و هكذا يدفعهم الغرور إلى الإنزلاق فى هذه المنزلقات و السقوط فى فخ التميع, و هو تميع فى أمور لا يجوز فيها إلا التحديد و الثبات و الوضوح.

إنك إما أن تكون مسلماً وطنياً مؤمناً بدينك و وطنك و أمتك و إما أن تكون غير ذلك, لكن لا تستطيع أن تجمع بين النقيضين و تدعى الإيمان و تدعو إلى التطبيع فى الوقت ذاته, هذه هى الميوعة بعينها.

و ليس بأدل من كون أعدائنا يصفون كل من يوافقهم فى الرؤى و ينفذ أجنداتهم بأنهم (معتدلون), و صرنا نسمع عن المفكرين (المعتدلين), و الدول (المعتدلة), فى مواجهة المتطرفين و الدول المارقة.

من الغرور أيضاً, النظر بإستخفاف إلى نصائح الآخرين و لو كانوا أكثر منا علماً و خبرة, و لو كنا على يقين من حبهم لنا و حرصهم علينا, لكن على الرغم من ذلك يقود الغرور إلى التمسك بالرأى و عدم منح العقل فرصة للتفكير فيما يسمع من غيره, و لم يسمع طالما أن الغرور قد جعل حوله غلافاً و سوراً, و كل ما هو كائن داخل هذا السور فهو الصواب لأنه الإعتدال و التنور بعينه, و ما عداه رجعية.

من غرور المعتدلين أيضاً, أنهم من كثرة إيمانهم بأنهم معتدلين, قد ينزلقوا إلى النظر إلى مخالفيهم بنظرة فيها إستهانة أو إستهزاء, إستهزاء بمن يرون أنهم متشددين, فيسخرون من كل ما يفعلون حتى رغم كون الخلاف فى أغلب الأحايين فى الفروع, و كذلك النظر بنوع من الإستعلاء إلى المفرطين و الغافلين, و كلتا النظرتين خطأ فادح.

إن من ينظر لذنوب غيره بنظرة إستعلاء, و لا يحمد ربه على أن عافاه و حفظه من الوقوع فيها, لن يلبث إلا أن يقع فى تلك الذنوب بنفسه واحداً تلو الآخر, بل ربما فاق فيها من كان يستعلى عليهم.

أما هذا الذى يسخر من مخالفيه و هم من نفس معسكره, أما سمعت قول الله(( يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قومٌ من قومٍ عسى أن يكونوا خيراً منهم)) أم أن الإسلام قد تحول فى نظرك إلى تنظير و آراء و جدال و تنسى الأساس الثابت و هو كتاب الله, ما معنى أن ينتقد البعض النقاب نقداً لاذعاً بصورة أسوأ من إنتقادات دعاة السفور, فى حين أنه يكفى أن تترك كل إنسان و قناعاته ما دام الأمر محصوراً فى نطاق الفروع و ليس الأصول, أليس الأولى أن توجه هذه الجهود لدعوة الآخر للأصل بدلاً من العراك مع أخيك فى الفرع؟

إلى متى سنظل نقرأ عن الإسلام أكثر مما نقرأ فى الإسلام ذاته؟ نقرأ لمفكرى الإسلام الكبار و العظام و نرتقى بكلامهم عقلياً و فكرياً و ننضج و نكبر أعماراً فوق أعمارنا, نقرأ للغزالى و القرضاوى و عمارة و هويدى و غيرهم, لكن لا نقرأ تفسيراً لكتاب الله أو نعيد قراءة السيرة, أو نقرأ فى الفقه و التوحيد.

ما هذا الخلط, نقرأ كتاب الله و نمر بكثير من آيه مرور الكرام لأننا صرنا لا نحسن العربية, و لا نهتم بقراءة و معرفة تفسير ما لا نفهمه, و لا نقرأ كتاب الله بوعى و تدبر, بل لا نقرأه من الأصل إلا من العام إلى العام, و كل هذا لكى نأخذ بكل حرف حسنة, و الحسنة بعشر أمثالها!!

يا كل من تظن نفسك معتدلاً, لا تغرن بنفسك, و لا تظنن بنفسك الخير, لا تظن أنك قد وصلت, فالطريق طويل, و لا تظنن أنك قد علمت, فمن ظن أنه قد علم فقد جهل.

أيها المعتدل, إن ظننت أنك معتدل, فراجع نفسك من وقت لآخر, إعرض نفسك على ثوابت و مرجعيات ما تؤمن به, و قس مدى قربك و بعدك عنه, و أحكم بنفسك على نفسك, لترى إلى أى حد قد وصلت فى الميوعة.

قد بدأ هذا المقال بالنظر إلى تيارات بأكملها و إنتهى بقياس الفرد الواحد, فالآفة تبدأ من الفرد و تسرى فى الجماعة, و تعم الجماعة و تؤثر على الفرد, و أياً ما كانت, فالغرور يعمى البصيرة و يجعل المرء يسىء قياس خطوته, فحذارى ثم حذارى.

قد قرأت عبارة بليغة من قبل, العبارة تقول: إذا رأيت فى إخلاصك الإخلاص, فإعلم أن إخلاصك فى حاجة إلى إخلاص, من أجل هذا إنتبهوا جميعاً أيها المسلمون, فلا تغرنكم الحياة الدنيا, و لا يغرنكم بالله الغرور.