الثلاثاء، 24 أغسطس، 2010

الجماعة


تابعت منذ بداية رمضان مسلسل(الجماعة) فقط من باب الفضول لرؤية الصورة التى سيظهرهم عليها وحيد حامد-الذى له سوابق فى السخرية من الإسلاميين فى أعماله التليفزيونية و السينمائية. و لما كان الكاتب قد عرض مجموعة مراجع قد إستند لها فى جمع مادة العمل و فى مقدمتها كتاب(مذكرات الدعوة و الداعية)للإمام حسن البنا مؤسس الجماعة, فقد عمدت إلى قراءة الكتاب لمعرفة مدى قرب الكاتب أو بعده من الأحداث التى خطها الإمام الراحل بنفسه, و بعد أن أنهيت قراءة الكتاب, و بعد رؤيتى لطريقة عرض الأحداث سواء التاريخية المتعلقة بسيرة مؤسس الجماعة و الرعيل الأول لها, أو المتعلقة بالجماعة فى عصرنا الحالى, فإن لدى العديد من الملاحظات السلبية و الإنتقادات لأنى أرى الكثير من التجنى على شخص حسن البنا الذى لا أملك إلا أن أحترمه و أقدره لما قدم للإسلام و الدعوة الإسلامية, و الذى كان أستاذاً لكل الحركات الإسلامية الحديثة فى العالم كله, و الذى يعتبر بحق فى مقدمة مجددى القرن الرابع عشر الهجرى, و ليس الذب عنه من واجب الإخوان المسلمين فقط لأن قيمته أكبر من أن تختزل داخل جماعته فقط. كما أن جماعة الإخوان و إن لم أنتم إليها, و إن كنت أختلف مع بعض أساليبها و توجهاتها الحالية, فإنها لا تستحق هذا القدر من التجنى و المغالطات التى ظهرت فى المسلسل, و التى سأعرضها فى الأسطر التالية:

-بدايةً, فقد عمد الكاتب إلى المباشرة الشديدة فى جمله الحوارية فيما يتعلق بإنتقاد الجماعة, فلسان حال منتقدى الجماعة من أبطال المسلسل يقول:هذه جماعة من الأفاقين الكذابين النصابين المخادعين مدعى التدين الذين يلبسون مسوح الرهبان و يتاجرون بأحلام و آمال الناس و لا غرض لهم إلا الوصول للسلطة لتحقيق مآربهم الخاصة!!!

-منتقدو الجماعة فى المسلسل لا يقتصر إنتقادهم على الجماعة وحدها, بل نجد إنتقادات لمظاهر متعددة مثل النقاب مع التعريض الخفى بالحجاب, و نجد التغنى بالزمن الجميل الذى كانت المرأة لصيقة بالرجل و مختلطة به فى كل المجالات و منها التشجيع فى مباريات كرة القدم-و كأن هذا غير موجود الآن, و كأن الإخوان قد ساهموا فى منعه أصلاً- هذا غير إظهار العديد مما يسعى الإسلاميون لنشره و يمثل قيوداً عليهم بأنه ردة ثقافية و إنتكاسة حضارية.

إنها صورة المسلم المعتدل الجميل الوسطى من وجهة نظر وحيد حامد, المسلم كما يريده النظام الحاكم, و لعلنا نذكر الأسرة المسلمة(المعتدلة)التى ظهرت فى فيلم الإرهابى, حيث النساء غير محجبات بل و متبرجات, و الأبناء لا يصلون, و الإبن يشرب البيرة!!!! أما ما خرج عن هذا الإطار فهو التطرف سواء كان تطرفاً بحق أم الإلتزام الإسلامى الصحيح.

-الصورة التى أظهر فيها معاملة ضباط أمن الدولة(الخمس نجوم) للإخوان الذئاب المتوحشين هى صورة طريفة بحق و لا تحتاج لتعليق.

-يصر وحيد حامد طوال المسلسل سواء فى العرض التاريخى أو المعاصر, و كذلك فى أعماله كلها على إطلاقها على إظهار الإسلاميين فى صورة المتشنجين ضيقى العقول الذين لا يملكون من العلم إلا قشوره, و تجد هذا الإسلامى دوماً عندما يتكلم أمام غيره يجد من ينبرى له (فيسكه)و يذكره بأنه مسلم و يفهم فى الإسلام أكثر منه, و أن الإسلام ليس كما يقول, ثم ينبرى فى عرض الإسلام المعتدل الذى ذكرناه آنفاً.

-نعرض الآن لذكر الجانب المتعلق بالإمام حسن البنا, و أنا أوقن أن الحقيقة المتعلقة بأى شخصية لا يمكن أن تعرف بالكامل من قراءة الكتب التى تروى سيرته, بله كتاب واحد, لكن على الأقل فإن مصادر معلوماتنا عن الفترة الأولى من حياة حسن البنا لن تخرج عن ما كتبه حسن البنا نفسه فليس لنا مصدر غيره, و قد نتسامح مع كاتب الدراما التاريخية حينما يتخيل سيناريو و حوار يعرض من خلاله الحدث التاريخى, طالما أن السيناريو و الحوار لم يخالف الوقائع التاريخية, و طالما أنه يسير فى الخط التاريخى للأحداث و يلتزم بروحها, لكن الكاتب فى حالتنا هنا لم يلتزم الموضوعية و لا الأمانة فى النقل, بل أسقط مشاعره و رؤيته الخاصة عن الإخوان على الجماعة منذ رعيلها الأول و على شخص مؤسسها.

لقد أظهر حسن البنا فى صباه فى صورة إرهابى صغير, صبى متشنج عنيد لا يستمع لمن هو أكبر منه, له ميل للعمل السرى, و ليس عنده ما يكفى من العلم الشرعى (فهو يعمد إلى الإلتحاق بالمدرسة الإعدادية قبل أن ينهى حفظ القرآن الكريم), أما فى شبابه فهو ذات الشخصية المتشنجة التى لا تراعى العلماء, و التى تسحر الناس بلب حديثها رغم أن كله قشور!!!و لا تعدم من ينبرى له بالنقد المباشر الجارح مسفهاً له و لرأيه و معرضاً بقلة بضاعته من العلم!!!

لقد إخترع الكاتب واقعة أظهر فيها حسن البنا فى صباه و قد حول لعبة (عسكر و حرامية)إلى(مؤمنين و كفار), و نسى نفسه فى اللعب و إشتد على زملائه حتى ترك أثر الضرب فى وجوه زملائه, و هى قصة لم ترد بالمذكرات. ثم جاء لموضوع جمعية الأخلاق التى أسسها و زملاؤه و كانوا يرسلون الخطابات لأصحاب المعاصى من باب الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر, و فى حين إستخدم الإمام فى كتابه لفظ(النهى الشديد عن المعاصى)فإن ما ظهر فى المسلسل هو التهديد و الوعيد و الإرهاب!!

أقدم البنا الصغير فى المسلسل على دخول المدرسة الإعدادية و ظهر و كأنه زاهد فى إكمال حفظ القرآن الكريم, فى حين أن الرجل يذكر فى مذكراته أنه قد تعهد بمواصلة الحفظ خلال الدراسة, ثم عرض المسلسل حدثاً لم يرد له ذكر فى المذكرات, ألا و هو سؤال شيخه الشيخ زهران له عن التبرعات التى يجمعها و من هو الرقيب عليه فيها, و ذلك فى إطار الغمز و التعريض بالتبرعات التى تجمعها الجماعة عبر تاريخها و طرق صرفها و الملف المالى للجماعة عموماً, و قد تكرر ذلك الأسلوب, فنرى الإمام بعد سنوات فى الإسماعيلية فى جلسة مع أتباعه و هم يفكرون فى طريقة يجمعون بها التبرعات من الناس لإقامة مقر لهم, فيخبرهم أنه إذا كانت الدعوة لبناء مسجد فسيهب الناس للتبرع, و يظهر فى المسلسل و كأنه قائم على التبرعات بنفسه, و فى مقابلة له مع البارون الفرنسى مدير شركة القناة يبدو فى مظهر المتسول و هو يقول للمترجم(متخليه يبحبح إيده شوية), فى حين أن الرجل فى مذكراته قد ذكر بأنه أخبر البارون بأنه ليس المخول بجمع التبرعات و أنه سيرسل له مسئول جمع التبرعات للمسجد ليتسلم قيمة التبرع لوضعها فى الصندوق!

و فى حلقة أخرى يظهر عدد من إخوان الإسماعيلية فى حالة ثورة على تعيين حسن البنا مسئول عن الجماعة فى الإسماعيلية لا يرضون عنه, و يذكرون أنه قد إختاره لكونه طيعاً فى يده, ثم يتساءلون فى ثورة عن الموارد المالية للجماعة فى الإسماعيلية و التى تذهب لشعبة القاهرة, و يبدو حسن البنا و هو عاجز عن الإجابة مثلما ظهر فى مشاهد مختلفة, حيث عمد الكاتب إلى إظهار عجزه عن الرد أمام مخالفيه و أنه يلجأ للمراوغة و التهرب و الإنحناء للعاصفة حتى تمر فى حال الضعف, أو قمع المخالفين فى حال القوة مثلما أظهر المسلسل تسليطه لأتباعه على مخالفيه لينهالوا عليهم بالضرب!!!

و فى مشهد ساذج يظهر شيخ أزهرى يريد أن يثبت قلة بضاعة صاحبنا من العلم و أنه يتكلم فقط فى القشور فيسأله سؤالاً ألمعياً غاية فى الأهمية ألا و هو:ما إسم والد سيدنا إبراهيم؟!! و كأن الإجابة من أركان الإسلام, و يظهر المسلسل أنه الإمام قد عجز عن الرد فى حين أن الكتاب يذكر الواقعة بشكل عكسى تماماً.

أما واقعة إشتراك الإمام فى مجلس بدار الشيخ الدجوى و هو من كبار علماء الأزهر وقتها, و التى أظهرته فى المسلسل بصورة الشاب المتشنج الذى لا يكن إحتراماً للعلماء الذين قاموا بدورهم بالتقليل من شأنه و التحدث معه و كأنه صعلوك, فقد ظهرت فى الكتاب بصورة مخالفة, فقد تحدث الشاب بحماسة فى المجلسين و لكن كانت نهاية المطاف أن إتفق الحضور على ضرورة القيام بشىء و قاموا برفع الأكل عن المنضدة و إحضار ورق و اقلام لكتابة أسماء الشيوخ و الشخصيات التى يمكن الإستعانة بها, و أثمر هذا عن عمل مجلة إسلامية بإسم مجلة الفتح!!

و فى مشهد مستفز نجد البنا فى أولى خطواته للدعوة بالمقاهى و هو يقوم بإلقاء جمرة أمام الناس ليفزعهم و يخوفهم من نار جهنم بصورة منفرة تثير الإنتقاد بشدة, و هى قصة لم ترد فى الكتاب الذى ورد فيه أنه كان يشير لأصحابه أن أهم ما يجب أن يحرصوا عليه فى الخروج للدعوة هو حسن إختيار الموضوع و طريقة العرض و الدعوة بالحكمة و اللين و الموعظة الحسنة!!!

و لما كانت دعوة الإخوان فى نظر وحيد حامد خروجاً عن الإسلام المصرى الوسطى المعتدل من وجهة نظره, فقد أظهر فى أحد المشاهد إجتماعاً بين الشيخ رشيد رضا و الشيخ محب الدين الخطيب و الإمام حسن البنا خلاصته أن الدولة السعودية الناشئة تدعم الجماعة و فكرها و تشجعها على نشر منهجها, و غنى عن الذكر أن هذا مما لم يرد فى الكتاب و ليس عدم وروده بالدليل الوحيد على نفيه, لكن من جهة أخرى أين دليل إثباته؟!!

إن دليل إثباته الوحيد من وجهة نظرى هو النغمة المستمرة التى طالما سمعناها من النظم الحاكمة عن الدعم الخارجى للإسلاميين و أنهم ينفذون أجندات خارجية لحكومات رجعية, و هو ما حاول الكاتب إسقاطه على الجماعة منذ بدايتها!!!

الخلاصة أن وحيد حامد قد أسقط كل الإتهامات و السلبيات التى يسوقها النظام الحاكم و أبواقه على جماعة الإخوان, أسقط كل هذا على مؤسسها الأول ليبين أن هذه السلبيات متجذرة فيهم لأنها صميم دعوتهم و أساسها, و ما عرضناه فى الأسطر الماضية هو قليل من كثير قد جاء فى 13 حلقة من مسلسل ما زال يعرض, و يا ليت الكاتب قد ركن إلى الموضوعية فإنتقد السلبيات التى يراها الناس العاديون فى بعض-و ليس كل-أعضاء و شباب الجماعة الحالية, لكنه بدأ ذلك من أول السطر حتى وصل بأن شبه حسن البنا بالحسن بن الصباح زعيم جماعة الحشاشين الباطنية!!!

لقد عمد وحيد حامد لإختراع أحداث لم تحدث من الأصل, أو عرض وقائع قد حدثت بصورة مبتسرة لإيصال صورة سلبية, و شارك مع المخرج فى إظهار البنا فى صورة إنسان مراوغ لئيم متطرف مضطرب النفسية!!!

إن المتابع للمسلسل إما مؤيد لتوجهه فسيزداد فرحاً برؤية هذا التوجه على الشاشة, أو معارض لتوجهه فسيصاب بالغيظ و حرق الدم, أو ليس عنده فكرة عن الموضوع من الأساس, و أظن أن الإنسان العادى الذى لديه قدر من التمييز سيشعر بمدى التحيز و عدم الموضوعية, و لو أن الزن على الآذان أمر من السحر.

ليس دور هذا المقال أن يفند كل إفتراءات المسلسل, فهذا دور جماعة الإخوان التى يحق لها أن ترد على كل أكذوبة و تفندها بالمراجع و الوثائق, و لكن يعز على أن أرى كل هذا التجنى و الإسقاطات فى هذا الإطار الفج السطحى, و أن يكون الإسلاميون فى قفص الإتهام و كأنهم مجموعة من الضباع.

إن جماعة الإخوان ليسوا بالحملان الوديعة, و لكنهم ليسوا بالذئاب التى تظهر فى المسلسل, و الإمام الشهيد حسن البنا ليس بالملاك المعصوم بطبيعة الحال, و لن يكون بأية حال بالشيطان الذى يظهروه لنا, و لو لم تكن دعوته قد خرجت بإخلاص, ما بذل فيها كل هذه الجهود و التضحيات, و ما كان لها هذا الأثر العميق فى مصر و العالم كله من وقته و حتى يومنا هذا.

و لله الأمر من قبل و من بعد.