الثلاثاء، 7 ديسمبر، 2010

مع سيد قطب مرة أخرى



ربما يُعد سيد قطب-رحمه الله-واحداً من أكثر من أثاروا الجدل حولهم بعد موتهم, فنجد من يرفعه لمرتبة القداسة, و من يتهمه بالظلامية و أن كتاباته نظرت للتطرف و الإرهاب.و بين هؤلاء و هؤلاء, ظُلم الرَجل.

و لقد كتبنا سابقاً عن الرجل محاولين أن نعرض بإيجاز شديد أهم أفكاره التى دعا لها فى أهم كتبه:معالم فى الطريق, و كيف أن هذا الرجل قد أستشهد فى سبيل فكرته و إيمانه, و ما أكثر ما كُتب عن قطب و أفكاره سواء هجوماً أو دفاعاً, و لقد كان من ضمن المنتقدين لبعض أفكاره-أو على أخف وصف(المتحفظين عليها) بعض كبار أساتذتنا الذين نحبهم و نجلهم و نقدرهم, و منهم شيخنا الدكتور سويف القرضاوى, و أستاذنا المستشار طارق البشرى.

هذا بجانب ما لقيه الرجل من إنتقادات من داخل جماعته جماعة الإخوان المسلمين نفسها.إنتقادات حدت ببعض من خالفوه إلى التبرؤ منه و من أفكاره.و البعض منهم شط فوصف أفكاره بنفس الأوصاف التى إستخدمها النظام و كتبته و مخالفى الإسلاميين عموماً.

و من الجلى أن أهم ما أثار الجدل من أفكار الرجل هى فكرتى الجاهلية و الإستعلاء, فملخص فهم منتقدى و مخالفى قطب لهاتين النقطتين أنهما دعوة للإنفصال و الإنعزال عن المجتمع, الذى هو كافر بالأساس!!

و نعرض هنا على سبيل المثال لا الحصر بعض الكتابات التى عبرت عن هذا الفهم (بإعتدال):

يقول د.طارق البشرى فى كتابه(شخصيات و قضايا معاصرة):

"تبعاً لما روى فى الستينيات, أن الرئيس عبد الناصر لما قرأ كتاب المعالم, أدرك أن ثمة تنظيماً سرياً معادياً له نشأ-أو على سبيل النشوء-بموجب هذا الكتاب.

و عندما عثرت على نسخة من الكتاب قرأته و فى ذهنى السؤال عما إذا كان من الممكن إستخلاص وجود حركة سياسية تنظيمية من كتاب ثقافى يتحدث عن قضايا مجردة و لا يشير إلى النظام السياسى القائم.و حتى إن كان كاتبه ذا فكر و ماض سياسى, فإن الطابع الغالب على فكره و حركته هو أنه أديب و مفكر و ليس حركياً و لا منظماً.

تراءت لى الإجابة عن سؤالى وقتها لا فى المعانى المباشرة لعبارات الكتاب, و لكن فى التشكيل الذهنى و الوجدانى الذى يخرج به قارىء الكتاب من قراءته كله.الكتاب لا يقول لقارئه أرفض هذا النظام و خاصم هذا الحاكم و هاجم هذه الأوضاع, و لكنه ينتهى بالقارىء إلى أن هذه الجماعة ليست جماعتك, و هذه الأمة ليست أمتك.و يقول له:إنك الصواب و الكل خطأ, و أنت الثابت و الكل نابت و طارىء.و كما لو كان يقول له:إنفصل يا أخى,إبتعد, إياك أن تندمج, بل إياك حتى أن تتصل"منقول بتصرف.

و فى كتاب آخر(الحركة الإسلامية ، رؤية مستقبلية) عبر المستشار البشرى عن نفس الفكرة بقوله:

"إن سيد قطب صاحب فكر يختلف كثيرا عن فكر حسن البنا رحمهما الله … فكر حسن البنا فكر انتشار وذيوع وارتباط بالناس بعامة ، وهو فكر تجميع وتوثيق للعرى . وفكر سيد قطب فكر مجانبة ومفاصلة ، وفكر امتناع عن الآخرين . فكر البنا يزرع أرضا ، وينثر حبا ، ويسقي شجرا ، وينتشر مع الشمس والهواء . وفكر سيد قطب يحفر خندقا ، ويبني قلاعا ممتنعة عالية الأسوار".

و الحق أنى أرى بدورى أن أغلب من أساء فهم الرجل-عن حسن نية-إنما فعل هذا لأنه حكم على أفكاره بما جرى من أحداث بعد وفاته, و بما تسرب إلى أفكاره من سموم بثها النظام الحاكم.

فقد إستغل النظام موجة التطرف الدينى و العمليات الإرهابية التى بلغت أوجها بإغتيال الرئيس السابق السادات, ثم إنحسرت لتعود مرة أخرى بقوة فى أوائل التسعينات, لكى يسم الإسلاميين عموماً-و جماعة الإخوان خصوصاً-بنفس التهمة:الإرهاب, و كانت أفكار سيد قطب فى نظرهم هى مفرخة التطرف, كما أن فكرة الجهاد الإسلامى فى نظر الغرب هى الإرهاب بعينه, فالمنطق مشترك فى الحالتين.

و الحكم السليم على أى حدث تاريخى يقتضى قراءته من خلال السياق لا إنتزاعه منه, قراءته مع قراءة ماضى الحدث و خلفياته, و حاضر الحدث و المحيط به, و حين يتحول هذا الحدث لماض سيكون له دور فى تشكيل ما بعده, و سيكون هذا (البعد) بدوره ضمن السياق, طالما أن المستقبل مترتب عليه, و مرتبط به.

و الحدث الذى نعرضه فى مقالنا هو أفكار كتاب المعالم, و ماضى الحدث و خلفيته السابقة هى فهم قطب للإسلام و العقيدة, و كذلك إنخراطه فى جماعة الإخوان التى وجدها تتلاقى مع إتجاهه الإسلامى الأساسى, ثم دخوله المعتقل و التنكيل به و بإخوانه من النظام.

أما حاضر الحدث, فهو إستمرار للماضى, فهو ما زال فى السجن يتعرض هو و إخوانه لنفس الإضطهاد و التنكيل, و قد ربط أفكاره بالواقع المحيط, فخلص إلى النتائج التى سطرها, عرض المشاكل كلها, ثم رسم الحلول التى يراها, و إنتهى إلى ما سماه:الطريق.

و من الظلم بنظرى أن يحملنا الظن أن كتاب المعالم كان من نبه ناصر لفكرة وجود تنظيم, و الكتب التى تروى تاريخ تلك المرحلة و تاريخ التعذيب فى سجون ناصر توضح بجلاء كيفية إكتشاف التنظيم و نشأته و طبيعته من الأساس.

و من الظلم أن نحمل قطب ذنوب أناس لم يفهموا كلامه أو لم يقرأوه من الأساس, و إعتزلوا العالم كله و فجروا و قتلوا و إستباحوا الدماء, و لم يقل فرد منهم أنه يتبع فكر الرجل أصلاً.و نحن نعلم أن التعذيب الفاجر الذى كان يُمارس فى السجون فى تلك المرحلة هو من أفرخ التطرف, لا أفكار الرجل.

و قد يظن ظان أن السجن قد أثر على أفكاره بالسلب فزادها إنعزالية و رفضاً للمجتمع, فى حين أن الرجل لم يكن و لن يكون آخر من يدخل السجن, فقد سبقه إبن حنبل و إبن تيمية و إبن القيم و غيرهم كثير, و كتب العديد منهم كثير من إنتاجهم الفكرى بالسجن, و لم يتهمهم أحد بهذه التهمة.

إن الجاهلية التى وصفها هى الإنحراف عن الحق, و هو الواقع الذى نعيشه بكل بساطة, أما الإستعلاء فهو إستعلاء المؤمن بإيمانه عن كل ما حوله.إنه الإستعلاء الذى ورد فى قوله تعالى ))و لا تهنوا و لا تحزنوا و أنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين((.و لو قرأت كلام الرجل ما وجدت فيه وصفاً لأفراد المجتمع بالكفر البواح, و لا دعوةً للقارىء بأن يعتزل المجتمع و ينفصل عنه.

إن منهج الرجل لم يتعد عرض المرض و تشخيصه, و تحديد سبل علاجه, و أبرز هذه الأمراض هى الجاهلية التى يعيش فيها المجتمع, و ليس معنى الجاهلية أننا نعيش بين أبى جهل و أبى لهب, و إنما نعيش بين حسن و محمود و لكنهم فى غفلة و على قلوبهم ران.

و كما قلنا سابقاً, يبدو أن عيبه هو أنه كان يسمى الأمور بمسمياتها, فكانت الحقائق التى رآها و عرضها ثقيلة على الأسماع, صادمة للكثير, رغم أن منهج الرجل لم يتعد أن يميز بين الأبيض و الأسود.

إلى هنا إنتهى الرجل و لا نزيد عن هذا,و لقد قرأت مقالاً جيد العرض للأخ إبراهيم الهضيبى عنوانه:الفرق بين البنا و قطب كالفرق بين السلم و الحرب, و أختلف مع هذا المقال, أتعلم لماذا يا أخى؟

لأن الفرق بينهما-بخلاف الأسلوب-لم يكن أكثر من أن البنا كان حركياً أكثر منه منظراً, و كانت ظروف عصره تسمح له بهذا, و إستطاع أن يجمع بين الإثنين بقوة و سلاسة, و مات و قد دخلت دعوته كل قرية بمصر.

أما قطب فقد كان منظراً بالأساس, و لم تكن ظروف عصره تسمح له بأكثر من هذا, و لم تكن قدراته تسمح له بأكثر من هذا أيضاً, لم يكن له كاريزما البنا و لا قيادته, لكن كان لديه عقله و إيمانه, و أفكاره التى أراد أن ينير بها أبصار إخوانه.

كان البنا إستكمالاً لمدرسة الأفغانى و محمد عبده و رشيد رضا, لكنه كان التلميذ النجيب لكل هؤلاء و تفوق عليهم بالكيان الذى أسسه, و كان التلميذ النجيب له-و ياللمفارقة-الخمينى قائد الثورة الإيرانية.

أما قطب, فلم يشذ عن هذه المدرسة من حيث الروح, و إنما تميز عليهم فى طريقة العرض و نحت المصطلحات, و لكنه لم يكن له تلامذة نجباء, أو أن أصحابه لم يقوموا به كالليث.

ثم نجد مصطلحاً و لقباً جديداً و هو لقب:القطبيين.أطلقه مخالفو قطب على مؤيدى فكره كما أُطلق لقب(وهابى)على أتباع الإمام محمد بن عبد الوهاب, و الرجلان كلاهما لم يأتيا ببدعٍ من الدين, أو يؤسسا لفرق جديدة خارجة عن صحيح الإسلام حتى يتم تمييزهم و تمييز أتباعهم و مؤيديهم بسمة محددة.

إن إحترامى لفكر الرجل و إشادتى به لا يستدعى أن يصفنى أحد بأنى (قطبى), فأنا لست إلا رجلاً مسلماً, و كذلك كان قطب, و لم يفعل الرجل إلا أن عرض رؤية-أزعم أنها ليست خاطئة-للإسلام و للمجتمع و لما ينبغى و ما لا ينبغى أن يكون.

إن الجدل حول شخص الرجل لن ينتهى, فالمعلومات التى يعرضها مناصروه و مخالفوه قد تتقاطع أحياناً و تتناقض أحايين أخرى, فالأخ الهضيبى يعرض عدة أمثلة لرفض قطاعات من الجماعة و قياداتها وصولاً إلى المرشد حسن الهضيبى –رحمه الله-لأفكار قطب, فى حين نجد الأستاذ أحمد عبد المجيد فى كتابه(الإخوان و عبد الناصر:القصة الكاملة لتنظيم 1965)يذكر لنا أن الهضيبى وصف الكتاب بأنه:كتاب عظيم, و أوصى الإخوان بقراءته.و فى موضع آخر يقول:ما قاله صاحب الظلال هو الحق الذى لا شك فيه!!.و فى نفس الصفحة(ص87) يذكر آراء الحاجة زينب الغزالى و الشيخ عمر التلمسانى بنفس الروح الإيجابية.

و لهذا فإنى لا أهدف من هذا المقال إلى مزيد من الجدل حول شخص الرجل الذى أفضى إلى ربه, و إنما نناقش الفكرة المجردة, و أيضاً لأنه يعز علينا أن يظلم الرجل و فكرته بعد أن آمن بها حتى أستشهد فى سبيلها.و يعز علينا أن تكون الآراء السلبية التى كتبت عنه دافعاً للشباب المسلم على العزوف عن قراءة آرائه.

أدعوكم لقراءة كتاب المعالم بدون التأثر بأى أفكار سابقة, و لعل هذه القراءة تصحح المفاهيم المبتسرة الخاطئة حول الكاتب و كتابه, و من المثير أن نعرض فى الختام هذه الفقرة من كتاب الحركة السياسية في مصر 1945:1953 للمستشار طارق البشرى:

" لقد قيل ان سيد قطب في " معالم في الطريق" بلغ قمة الرجعية لأنه حكم على مجتمعنا كله بالجاهلية. ولكن فهم " معالم في الطريق" في إطار منطق الدعوة الإسلامية، يكشف أن سيد قطب لم يغل في الرجعية، بل غلا في المقاومة، لأنه بذل مجهوده في إيضاح كيفية اعداد كتيبة الصدام للعودة الى للإسلام. وأبان في "لا اله الا الله" معنى الإنخلاع عن المجتمع الحاضر بكل رموزه وقيمه ومؤسساته. واذا كانت "الجاهلية" هي نظام ما قبل الإسلام ، فإن سيد قطب عندما وصم المجتمع الحاضر بالجاهلية، يكون في تصوره قد نقل الدعوة ونظام الإسلام المدعو له من الوراء الى الأمام، من الماضي الى المستقبل، أي جعل الإسلام مستقبليًا دعوة ونظامًا. "