الأربعاء، 9 مارس، 2011

مشاهد من الثورة المصرية-2-جمعة الغضب 28 يناير



حرصت فى هذا اليوم أن أصلى الفجر جماعةً حتى أكون فى ذمة الله حتى أُمسى.دعوت الله كثيراً بالثبات و أن ينزل علينا السكينة و أن يرزقنا الإخلاص حتى إذا ما جاء أجل أحدنا فى هذا اليوم لا يُحرم الأجر و ثواب الشهادة.نمت سويعات بعد الصلاة ثم إستيقظت لأفاجأ بإنقطاع الإتصالات على شبكة المحمول.بدا أن الأمن مستعد لحرب شاملة استخدم فيها كل الأسلحة.اتصلت بأعز صديقين لى على هواتفهم الأرضية كى نحدد أين نلتقى.تقابلنا فى سموحة و وجدت تواجداً مكثفاً لقوات الأمن بجوار جامع حاتم و أيقنت أن هذا المنظر سيتكرر بجوار كل مسجد كبير.إنطلقنا لسيدى جابر و وجدنا نفس المنظر, فاتفقنا على أن نصلى الجمعة فى المسجد الكائن بشارع سوتر خلف المكتبة حيث أنه أقرب مسجد من منطقة القائد إبراهيم.

جلسنا نستمع للخطبة, لم أنتبه لما قيل فيها.أخذت أتأمل فى الأعداد حولى و أتخيل الوضع لو خرجت مظاهرة من كل مسجد.بعد الصلاة سرت و أًصدقائى بحذاء سور أرض كوتة حتى وصلنا لشارع شامبليون و سرنا به حتى وجدنا مظاهرة تتكون عند تقاطع الشارع مع الترام.التحمنا بالمظاهرة و علت الهتافات بسقوط مبارك و هتفنا لأول مرة:الشعب يريد إسقاط النظام.كانت المعركة عند جامع القائد إبراهيم قد بدأت بأن قامت قوات الأمن بإلقاء القنابل المسيلة للدموع على المصلين فور الإنتهاء من الصلاة.كان هذا التصرف الأرعن مثيراً لحنق الناس جميعاً و لم يكن هناك مجال لأى سلمية فى المظاهرة إزاء هذا الهجوم الشرس, فالجامع لم يكن يبدو من كثافة الدخان الأبيض.تقدمنا للأمام و الكل يهتف و يصرخ و تحول الشارع إلى ميدان معركة حقيقية.بدأنا فى رجم قوات الأمن بالحجارة, أرى شابين يجريان بجانبى تجاه قوات الأمن و كل منهم يلقى عليهم حجراً و يهتف:من أجل السويس.القنابل تنهال علينا و رائحة الغاز تخنق الجميع.تحدث بعض حالات الإغماء و الإختناق.النساء و كبار السن من سكان المنطقة يلقون إلينا بالبصل و زجاجات المياه, و أحياناً يلقون المياه على القنابل مباشرةً لإخمادها.بعض الشباب يدحرج صناديق القمامة و كتل حجرية ليمنع عربات الأمن من التقدم نحونا.كلما تلفت حولك تجد شاباً يعرض عليك البصل أو الخل أو رش وجهك بزجاجة كولا, و يحذرك من دعك عينيك.كان معى نظارة غطس و كمامة و خل و لكن مع كثرة القنابل لم تجد هذه الأشياء نفعاً مع إصابتى بحساسية الصدر.فى وسط الكر و الفر افترقت عن صاحبى و وقفت فى شارع جانبى لإلتقاط الأنفاس.عدت إلى الشارع الرئيسى لأجد أخى الأصغر مع إثنين من أصدقائه-علماً بأن أى منهم لم يشارك فى اليوم الأول للثورة.يعانقنى أخى و نعود لإلتقاط حجارة للدفاع عن أنفسنا.نعود للكر و الفر من خلال هذا الشارع الموصل بين البحر و شارع الترام.يزداد القاء القنابل و نتابع كل قنبلة بأنظارنا لنرى أين تسقط لنبتعد عنها.الجنود الأغبياء يلقون القنابل بدون تمييز لدرجة أنى رأيت قنبلة تمر من فوق عمارة 5 أدوار و تعبر طريق الكورنيش لتنزل فى البحر مباشرةً.ألتقى بالصدفة أيضاً صديقى الذى كان معى فى اليوم الأول للثورة.كثرة الغاز يشعرنى بالإعياء الشديد و أحاول أن أشم هواء نقياً عند البحر لكن رائحة الغاز منتشرة فأضطر للإبتعاد, و أقسم بالله أننى عندما صليت الجمعة التالية فى جامع القائد إبراهيم-أى بعد هذه الجمعة بأسبوع كامل-كان بإمكانى أن أشم رائحة الغاز فى بعض الأماكن المتاخمة للمسجد من كثرة ما ألقى من قنابل!!

سرنا على البحر حتى وصلنا الى شارع سوتر.قررنا الوقوف هناك قليلاً لإلتقاط الأنفاس و التفكير فيم سنفعل.رأيت عربات أمن مركزى قادمة من البحر و تدخل الشارع.كنت واقفاً على مدخل شارع فرعى يؤدى فى النهاية لمنطقة جامع القائد.دعوت الناس للوقوف بجوارى لنسد الشارع بأجسادنا لنمنع العربات من المرور.مرت العربات من أمامنا بدون أن تدخل الشارع ثم توقفت و لم تبد منها نية للحركة.

رأيت مظاهرة على طريق الكورنيش قادمة من إتجاه القائد إبراهيم. ظننا أنها مكونة من فلول المتظاهرين فى محطة الرمل و المنشية-علمت فى نهاية اليوم أن المعركة كانت لا تزال مستمرة و هو ما سيظهر لاحقاً-و تحركنا مع هذه المظاهرة سائرين جهة الشرق.

كانت المظاهرة تزداد عدداً كلما تقدمت.كنا نهتف بسقوط النظام و سقوط حسنى مبارك و حاشيته الفاسدة, كنا ننظر إلى الأعلى فنجد الناس الواقفين ببلكوناتهم يشيرون لنا بإشارات التأييد و يلقون لنا بالبصل و زجاجات المياه.عادت المعنويات للإرتفاع مع هذا التلاحم بين أفراد شعبنا و الإجتماع على هدفٍ واحد و إرادة واحدة:الشعب يريد إسقاط النظام.

ظهرت عربات أمن مركزى وراءنا و بدأت فى تتبعنا بحذر.استمرت المظاهرة حتى وصلنا لمنطقة رشدى فوجدنا حوالى 8 عربات أمن مركزى مع سيارات مصفحة و سيارات بوكس و يقف بجوارها عدد كبير من ضباط الأمن المركزى و أمن الدولة يقفون بحذاء الرصيف من جهة البحر.ردد عدد من المتظاهرين هتاف:سلمية...سلمية, و أكملنا طريقنا.أذن العصر فقررنا أن نصلى فى ستانلى.

اصطففنا للصلاة و فاتتنى الركعة الأولى.قنت الإمام فى الركعة الأخيرة و أخذ يدعو على الظالمين و يسأل الله النصر.سلم الإمام و قمت لأداء الركعة التى فاتتنى و أحسست و أنا أصلى بهرج و سمعت مناد ينادى:لا تخافوا...لا تجروا.ظننت أنهم سيضربوننا و نحن نصلى فأكملت الركعة و أنا ألعنهم.حين أنهيت الصلاة نظرت تجاههم فوجدت منظراً لم أصدقه.عربات الأمن تقطع الطريق و تفر بسرعة الى شارع أبى قير و مظاهرة كبيرة قادمة من سيدى جابر تجرى قادمة فى إتجاهنا لتتحد معنا.علت الهتافات و التكبيرات و وجدنا أن الجبناء قد فروا و تركوا وراءهم عربة أمن مركزى يبدو أنها أُصيبت بعطل فتركوها و من بها من الجنود.جرى المئات الى هذه العربة و بدأوا فى الدق عليها بأياديهم و هزها ليقلبوها, فشكل عدد كبير من الشباب درعاً بشرياً حول العربة و هم يطلبون من البقية الإبتعاد و يصيحون:(سلمية..سلمية) و (هؤلاء عساكر مصريون).

قرر البعض العودة تجاه محطة الرمل, و أكملنا سيرنا تجاه الشرق.و أنا أمر من فوق كوبرى ستانلى شاهدت منظراً مستفزاً جداً:ثلاثة رجال يسبحون فى البحر بكل إطمئنان و لا كأن البلد فى حالة ثورة.مر بجوارى شاب نظر إليهم بحنق ثم قال: يا رب يطلع لكم تمساح :) .

تنادى بقية الشباب باللحاق بمن عاد إلى محطة الرمل فقررنا العودة.كان التعب قد بلغ منا مبلغاً كبيراً و توقفت عند أحد المحال لأشترى ماءً للشرب فشاهدت تغطية الجزيرة لما يحدث فى أماكن مختلفة من مصر.لم يكن المرء يدرى بما يحدث فى بقية المدينة ناهيك عن بقية البلد بسبب إنقطاع الإتصالات.أكملنا السير و إذا بنا نرى على البعد أعمدة من الدخان الأسود.كان هذا أمراً مثيراً للحيرة فالدخان المعتاد منذ الصباح كان الدخان الأبيض.لدى وصولى إلى منطقة الشبان المسلمين بدأت أرى مجموعات صغيرة من الشباب عائدة من جهة الغرب.رأيت أحدهم يحمل عصا أمن مركزى.رأيت سيارة يركب بها بعض الشباب و هم يصيحون بفرح و أحدهم ممسك بدرع من دروع جنود الأمن المركزى.شاهدت سيارتى أمن مركزى تجريان بسرعة و الزجاج الأمامى لهما مهشم و الجنود متكدسون بها و قمت و غيرى برجم السيارتين بالحجارة فرأيت الجنود يشيرون إلينا أن كفى و يرفعون أياديهم للأعلى كعلامة للإستسلام.استوقفت أحد الشباب لأسأله عن الوضع فقال:الشعب خلاص سيطر على وسط البلد.قلت له و أنا غير مصدق:الشعب؟!!استطرد قائلاً:المحافظة ولعت و قسم باب شرق ولع و الناس أخدوا السلاح من القسم و يمشون به فى الشارع.عند سماعى للعبارة الأخيرة نظرت إلى نهاية الشارع فرأيت من مكانى و أنا عند البحر ألسنة اللهب المتصاعدة من قسم باب شرقى.ساعتها أدركت أن الوقت قد حان للعودة لأن هذا ليس ما خرجنا من أجله.إصطحبت أخى لمنزل أهلى و علمت أن مبارك قد أمر الجيش بالنزول و أن حظراً للتجول سيبدأ.عدت لمنزلى و حاولت الإتصال بعدد من أصدقائى لأطمئن على عودتهم.قص على كل منهم ما يكمل الصورة.علمت أن بقية أقسام الشرطة-بما فيهم قسم شرطة سيدى جابر القريب منى-قد تم إحراقها.أخبرنى صديقى الذى افترقت عنه فى معركة القائد إبراهيم أن تشكيل الأمن المركزى الواقف أمام المسجد من جهة الترام قد إمتنع عن مواصلة إطلاق القنابل على المتظاهرين-و هو الخبر الذى كنت قرأته فى الجزيرة- فركز المتظاهرون على التشكيل الآخر المتمركز من جهة البحر و الذى استمر فى الضرب حتى نفدت القنابل نحو الساعة الثالثة و النصف.قام الضباط بركوب السيارة و هربوا و تركوا الجنود وراءهم فهم بعض الشباب بالفتك بهم لولا أن قام صديقى مع آخرين بعمل كردون بشرى لحماية الجنود.تنادى بعض الناس بالذهاب نحو المحافظة و عندما وصل صديقى هناك وجد أنها قد أُحرقت.

صديقى الآخر كان قد وصل مع مجموعة إلى مبنى أمن الدولة و شهد ضباطه و هم يغادرون المبنى و يطلقون السجناء منه.و لم يحدث شىء للمبنى!!

صديق ثالث صلى بجامع سيدى جابر.بعد الصلاة تجمع حوالى 500 مصل ليبدأوا فى التظاهر فاقترب منهم نقيب أمن مركزى ليخبرهم أن من يريد التظاهر فليذهب للقائد إبراهيم-كأن التظاهر هناك مسموح و لا توجد معركة هناك-و أن لديه أوامر بفض أى تجمع و أنه لا يريد ضرب أحد.عندما بدأت الهتافات قام الجنود بضرب الناس بكل قسوة و طاردوهم.إنضمت الفلول لمظاهرة كانت تسير على البحر و إستمرت حتى ستانلى حيث تعرضوا للضرب بالقنابل من قوات داهمتهم من الخلف.إستدار المتظاهرون للقوات و رشقوها بالحجارة إلى أن توقفت القوات عن الضرب و أشار ضابط للمتظاهرين أن كفى, فأشاروا إليه بنفس الإشارة, و إنطلقوا إلى أن وصلوا الى سيدى بشر.

فى الوقت ذاته كانت مسيرات ضخمة تقطع شارع أبى قير, و الخلاصة أن أكثر من نصف سكان المدينة كانوا فى الشارع يتظاهرون و يقاومون قمع الأمن حتى إنكسرت شوكته و إنسحب تماماً كما هو معروف.

رغم حظر التجوال الذى قيل عنه, فإن الأصوات لم تنقطع من الشارع.كل فترة تمر مجموعات من الشباب يعلو صوتها بالهتاف.رأيت النار المشتعلة أمام قسم سيدى جابر من شرفة منزلى.بعدها بقليل وجدت شباباً يقودون سيارة أمن مركزى قاموا بأسرها!!

رأيت عربات الجيش المصفحة و هى تنتشر فى الشارع.لا أنكر أنى قد تضايقت عندما سمعت نبأ نزول الجيش فى البداية, لأننا و إن كنا نواجه الشرطة الباغية فإن مواجهة الجيش شىء آخر.لكن الأيام التالية أظهرت معدن الجيش المصرى.

فى نهاية اليوم شاهدت خطاب مبارك الأول الذى كنا ننتظر فيه أن نسمعه و هو يعلن تنحيه عن الرئاسة إزاء هذه الثورة العارمة ضده, فإذا به يخرج لسانه لنا و يتصرف كأننا نتظاهر ضد شخص آخر.و لا يقوم إلا بتعيين عمر سليمان نائباً له, و أحمد شفيق كرئيس للحكومة الجديدة!!

و بتنا لنبدأ أسبوعاً جديداً من التحدى, و الصمود, و الثورة.