الثلاثاء، 23 أغسطس، 2011

سفول الهمة و علاقتنا بإسرائيل

تمر على الأمم لحظات فارقة إن أحسنت إقتناصها دفعتها خطوات للأمام, و إن تقاعست و تخاذلت ظلت فى مكانها, إن لم ترجع إلى الوراء أصلاً.و اللحظة التى تعيشها مصر حالياً لحظة فارقة فى علاقتها بإسرائيل...إن شاءت.

إن مناط الأمر بأى تغيير يتعلق بعدة عوامل أولها إرادة التغيير قبل أى شىء, و متى توفرت هذه الإرادة, و متى علت الهمة, سيحدث التغيير بتوفيق من الله..و كان هذا هو سبب نجاح الثورة فى بدايتها.

و من جهة أخرى فإن سفول الهمة و غياب الإرادة و الرؤية كان السبب الرئيس لتراجع دور مصر و تأثيرها.و المفترض أن الثورة جاءت بعدة أهداف منها تعديل هذه الأوضاع الغير طبيعية التى لا تتناسب مع مصر و قيمتها و تاريخها.و التى لا ذنب لمصر فيها سوى أن من حكمها فى الآونة الأخيرة لا يستحق الإنتساب إليها, بله الجلوس على عرشها.

و إذا كان الناس على دين ملوكهم, فإن الحاكم إذا علت همته و قويت عزيمته بث هذه الروح فى نفوس أبناء شعبه و قادهم إلى الفلاح, أما إذا كان جباناً متخاذلاً بث فيهم ثقافة الهزيمة و الضعف و التخاذل, إلا من رحم ربى.

و ثقافة الهزيمة هى التى كات يتم الترويج لها بقوة خلال العقود الماضية.صار نصر أكتوبر هو الأيقونة التى نفتخر بها مع الإصرار بأنها آخر الحروب.تم الإلحاح على فكرة التأثير السلبى للحروب على التنمية-و هو أمر حقيقى-لكن فى الوقت نفسه فإن النظام الحاكم لا هو دفع بالبلاد إلى طريق التنمية مستغلاً (السلام) بيننا و بين إسرائيل, و لا هو حاربها.

تم الترويج لمعاهدة كامب دايفيد بصفتها كتاباً مقدساً و إلتزاماً على مصر التى يجب أن تحترم المواثيق و المعاهدات الدولية.مع أن أى معاهدة يجب أن تكون ملزمة للطرفين, فى حين أن مصر تقوم بأكثر من إلتزاماتها و تقوم إسرائيل بالخرق من جانبها.

تم الترويج لفكرة أن مصر أولاً, و أن العرب يريدون حرباً حتى آخر جندى مصرى, و تم تحويل أصابع الإتهام من إسرائيل إلى الفلسطينيين. و هكذا صارت إسرائيل هى الصديق و حماس هى العدو الذى يهدد الأمن القومى المصرى!!!

تم الترويج لفكرة أن مصر لن تحارب من أجل غيرها.أُختزل الأمن القومى داخل الحدود الجغرافية لمصر فى حين أن الحدود الإستراتيجية أوسع بكثير.

بلغت مصر من الضعف مبلغاً جعل عدداً من المصريين ينقلب من التعاطف مع الفلسطينيين و الغضب من أجلهم إلى الغضب عليهم।هل تتفهمون هذه الأزمة النفسية: ترى أخاً لك يتعرض للعدوان و أنت عاجز عن تقديم العون له فبدلاً من أن تترك ضميرك يتعذب لتقاعسك عن نصرته تلقى عليه جام غضبك لأنه تسبب فى إزعاج و إقلاق ضميرك...ثم يموت ضميرك بطبيعة الحال!!

من دخل الجيش من المصريين خرج منه و هو موقن أن الجيش ما هو إلا نوع من (التهريج المنظم).كان هذا طبيعياً بعد سنوات من الإفساد وقتل روح الإبداع و التطوير داخل الجيش و إعادة إرساء مبدأ (الولاء قبل الكفاءة).و فى ظل الفجوة الكبيرة و التى تتسع يوماً بعد يوم بين قدراتنا و قدرات العدو زاد الإحباط و صار أشبه باليقين لدى الكثيرين أننا يجب أن نتجنب أى حرب بيننا و بين إسرائيل لأنه فى حال حدوث هذه الحرب سيتم (فشخنا).و خصوصاً مع سيطرة الأمريكان على تسليحنا.

من شاهد فيلم (ليلة سقوط بغداد) فليتذكر مشهداً فى بدايات الفيلم حينما توجه بعض أبطال الفيلم لعسكرى متقاعد يستفسرون منه إن كانت مصر تمتلك سلاحاً للردع تدافع به عن نفسها فكان يراوغ فى الإجابة ثم أجاب أن لدينا سلاح الإيمان.و الواقع أن هذا هو السلاح الأهم الذى يمتلكه من تبقى من شرفاء رجالنا فى قواتنا المسلحة, لكنه لا يكفى لوحده, فإن كان الإيمان هو القوة التى جاءت فى قوله تعالى(و أعدوا), فإن الله تلى ذلك (برباط الخيل).

الخلاصة أن المتابع لتعليقات لأعداد من المصريين الآن يرى فيها إستمراراً لروح التخاذل التى كان يجب أن تخمد بعد الثورة.يرى هلعاً و خوفاً من أى خطوة يمكن أن تغضب إسرائيل. و يرى حتى فى خطوة مثل إستدعاء السفير مبرراً للخوف من الحرب.و تذكروا موجة التخويف من أن إسرائيل ستجتاح سيناء بسبب إنشغال الجيش بأمور الوطن الداخلية.و الحقيقة أن مسألة الحرب مع إسرائيل و التخويف منها هى فزاعة النظام الحاكم للداخل, مثلما أن الإسلاميون هم فزاعة النظام للخارج.

يا كل من يقول مصر أولاً, و لن نحارب من أجل غيرنا.سنخاطبكم على قدر عقولكم و نقول لكم لا تثوروا من أجل غزة, فما لكم قد خرست ألسنتكم و قد سال الدم المصرى و تم إنتهاك السيادة المصرية و إخترق الإسرائيليون حدودنا و قتلوا أبناءنا بدمٍ بارد؟

أخذتم تقارنون بين رد الفعل فى عهد مبارك على مقتل أى جندى مصرى بواسطة الإسرائيليين.و فرحتم أن إسرائيل قدمت (أسفها) على ما حدث و وعدت بإجراء تحقيق (لما تفضى)!!!

يا سادة فى عهد مبارك لم يكن يحدث أى شىء, فهل يجوز المقارنة بالصفر؟

يجب أن نقارن بما يجب أن يكون, لا بما هو أقل من الكينونة ذاتها.و الرضا بالفتات و القليل هو من سفول الهمة و ضعف الإرادة التى لا تطمح إلى أبعد مما يلقى إليها و لا ترى فى الإمكان أحسن مما كان.

إن الأسف, و حتى الإعتذار لا يكفى حتى فى حالة القتل الخطأ.و خصوصاً أن هذه ليست أول مرة.فما بالكم بالقتل العمد و إنتهاك السيادة و إختراق الحدود؟ و للأسف يتم التعتيم و الردم على هذه الحقيقة من قبل ولاة الأمر للإستمرار فى الموقف المتخاذل حتى مع كشف حقيقة ما جرى.وأرجو قراءة هذه الشهادة و نشرها على أوسع نطاق.

لا نطالب بشعارات جوفاء و لا عنتريات فارغة لا تقدر وضع البلد الداخلى أو الخارجى.لا نطالب بطبيعة الحال بإعلان الحرب الآن و لا لاحقاً.أقل شىء هو أن يتناسب رد الفعل مع الفعل ذاته.ما نطالب به هو حفظ الكرامة و السيادة المصرية و أن يكون الرد المصرى على قدر المصيبة التى حدثت, لو أننا نؤمن حقاً بقيمة الدماء الزكية التى سالت.

لماذا الإصرار على هذا التقديس المبالغ فيه لكامب دايفيد فى حين أن إسرائيل تخرقها بإستمرار؟إذا كانت كامب دايفيد تقسم سيناء لثلاث مناطق آخرها ممنوع فيه تواجد الجيش المصرى, فإنها تلزم إسرائيل بمنطقة عازلة من جهتها هى أيضاً.فهل تلتزم إسرائيل بهذا؟

كنت أتمنى أن تنتهز الحكومة الفرصة بتنشر قوات من الجيش فى المنطقة ج طالما أن إسرائيل تعيرنا بعدم قدرتنا على السيطرة على أمن سيناء.و لا يتم سحب هذه القوات و لا تستطيع إسرائيل الإحتجاج بمخالفة هذا للمعاهدة لأنها سبق و خرقتها أكثر من مرة, و إذا جرت مفاوضات نجريها من موقع قوة.

كنت أتمنى أن يتم إعلام السفير الإسرائيلى بأنه شخص غير مرغوب فيه, و أن يتم سحب السفير المصرى من تل أبيب و الإعلان بأنه لن يعود إلى أن تعتذر إسرائيل رسمياً و تقوم بتعويض أسر الشهداء بل و محاكمة القتلة المسئولين عن دمائهم। أم أن سليمان خاطر و غيره هم المكتوب عليهم فقط أن يُحاكموا و يضيع مستقبلهم؟!!

كنت أتمنى أن يكون رد الفعل الرسمى على قدر رد الفعل الشعبى.فى أى بلد يستمد النظام قوته من الحراك الشعبى الداخلى الذى يبدو واضحاً كم هو رافض لوجود الكيان الصهيونى.

كنت أتمنى أن تكون هناك خطوات جدية فى تعليق أنشطة التطبيع الرسمى.

كنت أتمنى أن يتوقف تصدير الغاز و أن يتم تفعيل الحكم القضائى الذى أصدره أحد وزراء الحكومة الحالية حينما كان قاضياً.و مع هذا يتم تجاهل الأمر كليةً.

مصر...يا لها من بلد...لو أن من يحكمها رجال.

عموماً فإن التجربة أثبتت أن الأمور لا تتغير عندما نرى إجماع الشعب خلف عبارة(الشعب يريد).

ما نستطيع فعله كأفراد حالياً هو الإصرار على مطلب طرد السفير و عدم التسويف فى التحقيق الذى يجب أن تقوم مصر بعمله لا أن تنتظر هذا الإنتظار المهين لإسرائيل حتى تقوم به, و لن تقوم به.

و فى الوقت ذاته الإصرار على مطالبنا الداخلية من الإسراع بالإنتقال إلى حكومة مدنية منتخبة ذات صلاحيات, لأننا يوماً بعد يوم نرى محاولات لترسيخ فكرة الحكم العسكرى, مع ثبوت فشله فى الوقت ذاته.

و نأمل أن يكون ولاة أمورنا فى الفترة المقبلة من أصحاب الهمم العالية و الإرادة الحرة...و تباً للتبعية و الجبن و الخوار و سفول الهمة ।

---------------------------------------------------------------------------------

على الهامش:قصيدة أنا يا إسرائيل

يـا اسرائيل أنا مش حـكومة ومش نظـام
ومنيش لسان حافظ كلام ومنيش رئيس
ومنيش ملك حوليه بوليس يضرب سلام

أنا كلمة يمكن عمرهـا عمر البـشر بعـام بعـام
يا اسرائيل أنا ابني مات لما مات معنى السلام
واترمــى وسط الحطــام لما صــابو سهـم غـادر
سهم مفلوت الزمــام..
يــا اســرائيل مبؤلش أبـدا دا حـــرام
لكن بؤول إنو الي مات صاحي بمكانه
في بيت لحم في الخليـل في لبنان
واقف هناك لو تسمعوه ..تسمعــوه
بيؤول محال..
هتهون علينا خضرة أو بحر ورمال
هتهون علينا خضرة أو بحر ورمال
عارفة أنا أبأى مين
أبأى كلمـة كـل عـصر
اسمـي ايه وبكل فخر
اسمـي أعظـم اسـم
اسمي مصر ..

الخميس، 18 أغسطس، 2011

المجلس العسكرى



فى يوم جمعة الغضب عندما عدت لمنزلى و علمت بقرار نزول الجيش للشارع كان أول شعور لدى هو الضيق الشديد لأن قيادات هذا الجيش هم رجال مبارك و نزول الجيش هو حماية لنظام مبارك.و لأننا و إن كان تعاملنا مع الشرطة قد نتج عنه هذه الدماء و كل هؤلاء الشهداء. فهل سنستطيع مواجهة الجيش...المصرى؟

لم يكن هذا ناتج عن نظرة إختزالية تضع قيادات الجيش الفاسدة و أفراد الجيش العاديين مع بعض فى نفس السلة.لكن طبيعة الجيش و قواعد الضبط و الربط و إطاعة الأوامر هذا غير علمنا بمقدار الإفساد و التحطيم الجارى فى قواتنا المسلحة منذ سنوات بلغ أوجه فى عهد (المشير).كل هذا جعل التخوف و التشاؤم مقدماً على الفرح برؤية مدرعات الجيش.

لكن يبدو أن آخر لقطة يتذكر بها أغلب المصريين-ممن لم يدخلوا الجيش أو يحتكوا به-الجيش المصرى هو نصر أكتوبر بكل ما صاحبه من بطولات و تضحيات خالدة.هذا غير قمع الداخلية الذى جعل شعب مصر متلهفاً فيما يبدو للفارس النبيل الذى سينقذه.و من المفارقات أن الشعب أنقذ نفسه بنفسه ثم أتى بعد ذلك هذا الفارس و لكن على ظهر دبابة!!

كان تفاعلنا تلقائياً مع جنود و ضباط الجيش الشباب.كانوا يبتسمون فى وجوهنا و يردون على تحياتنا ببشاشة.كان الناس يقفون بجوارهم فى اللجان الشعبية و يسلمون إليهم من يقبضون عليه من أفراد الأمن الذين إستمروا فى خيانتهم لهذا الشعب العظيم.و تركوا الشباب يكتبون على مدرعاتهم عبارات تنادى بسقوط النظام ثم صارت الدبابة تعامل معاملة الحصان فى العيد يركب عليه الطفل و يأخذ لفة و يتصور عليه.

خرج شعار الجيش و الشعب إيد واحدة شعاراً متردداً فى البداية و كأنه تذكير للجيش بهذه الحقيقة و إحراجه أدبياً حتى لا يتورط فى قمع شعبه لصالح النظام الحاكم.و من هنا يجب أن نركز على فك الإرتباط و الصورة الإختزالية بين المجلس العسكرى و بين الجيش, لأنهما ليسا شيئاً واحداً.

لا نقول بالطبع أن كل أفراد الجيش ملائكة, فهم فى النهاية من نتاج هذا الشعب و كل واحد بيعمل بأصله كما نقول.هذا غير سنوات الإفساد التى ركزت على مبدأ (الولاء قبل الكفاءة) و التى ينتج عنها وضع الشخص الغير مناسب فى مراكز القيادة و الذى بدوره يقرب الفاسدين و يضطهد الصالحين.لكن كان الواضح أن الإتجاه العام لأفراد الجيش-و خصوصاً الرتب الصغيرة-هو عدم تنفيذ الأوامر إذا صدرت بضرب الشعب.و هذا ما حسم الأمر فى النهاية بتخلى المجلس العسكرى عن مبارك لأن تنفيذ أمر الضرب سيكون حكماً بالإعدام على المجلس نفسه.

صار المجلس العسكرى بطلاً فى أعين أغلب الناس.نسينا-أو بالأحرى تناسينا-ملفات الفساد و من الذى وضعهم فى أماكنهم و غفرنا كل هذا بتحية اللواء الفنجرى لأرواح الشهداء.ثم سماع الكلمات الهادئة للواء محمد العصار.

لكن المقدمات الخاطئة من الصعب أن تؤدى لنهايات صحيحة طالما لم يكن هناك توبة نصوحة تجب ما قبلها.و دعونا نفكر فى مقدمات هذا المجلس العسكرى و كيف وصل أعضاؤه لمراكزهم الرفيعة.

إن أى شاب يتوظف فى أى من مؤسسات الدولة أو الشركات التى تعمل بنظام حكومى أو شبه حكومى سيجد منظومة لا تختلف كثيراً عن منظومة الجيش: قيادة عليا مركزية مكونة من رئيس مجلس إدارة مستبد يدير المؤسسة بمعاونة أعضاء مجلس إدارة لا يختلفون عنه كثيراً و يتمتعون جميعاً بإمتيازات مالية ضخمة تجعلهم متشبثين بكراسيهم بأى وسيلة لذا فهذه المجالس فى حالة إنعقاد دائم لتنفيذ الأوامر العليا و التوجيهات السامية من النظام الحاكم.و طريقة وصولهم لهذه المناصب يتداخل فيها العلاقات الشخصية بالرياء و النفاق و الموالسة و حتى الرشوة.و الترقية تتطلب تقارير داخلية من داخل الشركة ليس بالضرورة أن تكون الكفاءة فيها هى المعيار الأول لأن الأهواء الشخصية لكاتب التقرير-مديرك-هى من تتحكم فى الأغلب.و بهذا قد تضطهد و تحرم مما تستحق لأنك مشاغب –من وجهة نظر مديرك-و لا تقدم له فروض الولاء و الطاعة و التبجيل و التقديس!! هذا غير تقارير خارجية-أمنية-غالباً من أمن الدولة, و يكفون ملفك نظيفاً إذا كان لا يحتوى على ما يشير أن لديك أى إستعداد للتمرد, أو قول كلمة لا.

و فى قاعدة الهرم طبقة عريضة من الموظفين و العمال الذين يقومون بالعمل الحقيقى و ينسب الفضل فى النهاية لغيرهم. ينسب الفضل للفراعين الذين يجلدون ظهورهم بالسياط.و يؤلمنى القول أن هذه المؤسسات-التى هى صورة مصغرة من مصر- لم تصل إليها الثورة حتى الآن.

طريقة وصول أعضاء المجلس العسكرى لمناصبهم-بما فيهم المشير-لا تختلف عن هذه الطريقة.و تعتمد فى الأساس على مبدأ الولاء قبل الكفاءة كما ذكرنا.هذا المبدأ الذى كان سبباً أساسياً فى الدمار الذى لحق بقواتنا المسلحة فى يونيو 67, لكن تباً لمن يعلى مصلحته الشخصية على مصلحة الوطن.

و لأن هذه الطريقة تعنى إعتياد التزلف و الخضوع للسلطة الأعلى, فهى تعنى كذلك النفور من التغيير و كذلك بالطبع الإرتباط الوثيق بالنظام الحاكم لأن العلاقة متشابكة و البقاء مشروط.

و هذه الطريقة تفترض التفكير بعقلية معينة.عقلية قمعية مسيطرة متشككة رافضة للجديد متشبثة بالقديم تعلى مصلحتها فوق أى شىء.

كنا نتغافل عن كل هذا....و لم يكن لنا أن نتغافل.و صدق الشافعى حين قال: و عين الرضا عن كل عينٍ كليلةٌ....و لكن عين السخط تبدى المساويا.

لقد تصرف بعضنا و كأنه قد فوجىء للسماع بوجود تعذيب و إهانات لشباب و فتيات شاركوا فى الثورة.و أن هذا التعذيب تم بواسطة المخابرات الحربية و الشرطة العسكرية داخل السجن الحربى.و كأننا نسينا دور هذه الأجهزة سيئة السمعة فى عمليات القمع و التعذيب فى دولة المخابرات فى عهد عبد الناصر.و أن أمن الدولة هو الوريث الشرعى لها.


لقد تعامينا و تغافلنا على ممارسات مختلفة للمجلس من نفى لتعذيب الشرطة العسكرية للنشطاء و مسألة كشف العذرية التى تكلم عن فتح تحقيق فيها لم نره حتى اليوم.و فقد مصداقيته بالعديد من التصريحات الكاذبة إلى أن سمعنا اللواء الروينى يتفاخر بترويجه للشائعات فى ميدان التحرير!!!

إن الفيديو الذى ظهر للواء الروينى و هو يتجول بالقرب من ميدان التحرير و يتعامل بصلف و غرور مع الثوار و يحضهم على الرحيل و يثبط من معنوياتهم ثم يصرح فى النهاية بأن كل ما يحدث هو(زيطة) للضغط على الحكومة و أن الحكومة قوية و لن ترضخ لهذا, مثل هذا الكلام مع ما تلى من مواقف أثناء و بعد الثورة و حتى الآن يوضح لنا العقلية التى تحكمنا.وهى ليست خاصية متفردة للروينى و لا حالة فردية.فكلهم وصلوا لمناصبهم بنفس الوسيلة التى ذكرناها سابقاً.الفرق فقط فى الوجوه و الأساليب.

و اللواء إسماعيل عتمان قارب أنفه أن يصبح بطول أنف(بينوكيو) من كثر الكذب.

أما اللواء ممدوح شاهين....فحدث و لا حرج.

بإختصار...المجلس فقد مصداقيته...و أفعاله تسير فى طريق مختلف عن أقواله و وعوده.و مؤخراً بدأ يخلع قناع الود و بدأنا نرى وجهاً آخر أكثر صراحة. و رأينا سياسة التخوين و التحريض و التجاهل و الإستعلاء.

و المثل يقول (اللى ميشوفش من الغربال يبقى أعمى).و هناك من ما زال يصدق كل كلام المجلس و يفترض حسن النية فى كل شىء حتى لو خالفت الأقوال الأفعال و لربما إذا قيل له أن المجلس قرر تكريم الفنان كارلوس لاتوف على مجمل أعماله سيصدق هذا!!!يصدق لأن البديل الآخر أصعب بكثير.

من يصر على الإستمرار فى سياسة التعامى و تنزيه المجلس عن الشبهات سيستيقظ فى يوم يرى نفسه فيه وحيداً و سيقول ساعتها:أُكلت يوم أُكل الثور الأبيض.


ما الحل إذاً؟

طوال الفترة الماضية لم يكن المجلس العسكرى يتحرك إلا بضغط من الشارع. هذا الضغط يتمثل فى حشود ضخمة فى ميادين مصر المختلفة تتكون من أطياف مختلفة الإتجاهات لكن متحدة فى الهدف الذى نزلت من أجله, و يجمع بين الجميع إعلاء مصلحة مصر على المصالح الشخصية.

حين إختلت هذه المعادلة لم يعد للمظاهرات نفس القوة و لا نفس الزخم الشعبى, و فى ظل قلة الأعداد و التفرق يستطيع الذئب إقتناص الغنم القاصية الشاردة.

لا ندعو –فى الوقت الحالى-لثورة على المجلس العسكرى لأن البلد لا تزال بدون رأس و لا بديل للأسف.لكن ندعو للتوحد حول ما تبقى من مطالب حقيقية للثورة.و هذا التوحد هو الذى سيعيد المجلس العسكرى إلى حجمه.
أما التشرذم و التفرق فيسحب البساط أكثر فأكثر.و أكم من البسطاء ممن يؤيدون المجلس العسكرى و يرونه بطلاً و لا يريدون أكثر من الإستقرار.الإستقرار الذى ظل ورقة ضغط مبارك على الشعب, و المجلس يلاعبنا بنفس الورقة.

الجهود الموحدة يجب أن تتركز الآن على التأكيد على الإنتقال لحكومة مدنية منتخبة فى أسرع وقت.يجب الضغط على المجلس للحصول على جدول زمنى مناسب للإنتخابات البرلمانية و الرئاسية و لا مزيد من التأجيلات.

نحتاج للتوحد حول مطلب عدم تحويل المدنيين لمحاكمات عسكرية...فعارٌ على مصر بعد الثورة أن يُحاكم مبارك و أذنابه أمام القضاء العادى و يحاكم شباب الثورة أمام القضاء العسكرى.


نحتاج للتوحد حول قيمة الحق فى التعبير التى يريد المجلس أن ينتزعها منا و أن يعيدنا لما قبل الثورة.

نحتاج لعدم الدخول فى معارك جانبية و لا الإنسياق وراء مهاترات أو فخاخ.نحتاج للتركيز على الهدف المشترك فقط.

نحتاج للتعلم من أخطاء الحاضر.لا داع لتصعيدات غير مدروسة مثل غلق مجمع التحرير, و لا لتحركات غير محسوبة مثل العباسية.و يجب مراعاة لهجة الكلام و الألفاظ المستخدمة لأنها إما ستقرب أو ستفرق.

نحتاج للتعلم من أخطاء الماضى.دراسة ما حدث فى يوليو 52 توحى بأن السيناريوهات متقاربة. و التاريخ لا يعيد نفسه إلا فى حالة الأغبياء الذين لا يقرأونه أو يحسنون قرائته و إستخلاص العبر منه.

نريد أن نركز على ألا يحصل الجيش على إمتيازات و بنود خاصة أو وضع خاص فى الدولة الجديدة.البنود التى يسعى لإدخالها فيما يسمى(المواد الفوق دستورية) و عينه على النموذج التركى.و يا لها من إنتكاسة لو تم هذا.

إن الخيانة الحقيقية لهذا البلد ستكون بتحالف أى فصيل سياسى -أياً كان توجهه-مع الجيش فى شكل صفقة لتوسيع صلاحيات الجيش فى مقابل مكاسب سياسية ضيقة.و من يظن أنه بهذه الطريقة يحافظ على مدنية الدولة فقد أساء لكلمة مدنية أصلاً....لأنه بهذا قد جعلها:عسكرية.


و من المضحكات المبكيات أن نفس الساسة الفاشلين الذين نشأوا فى عهود الإستبداد و لم يتعودوا إلا على المعارضة المستأنسة, و لم يسعوا لتجاوز خلافاتهم و الإتحاد فى وجه الظلم.نفس هذه الوجوه الفاشلة هى التى ستفشل الثورة و تقضى على كل ما فعله الشباب لا لشىء إلا لأنهم ما زالوا لا يستطيعون التوحد و لا إعلاء مصلحة الوطن فوق مصالحهم الحزبية و الأيديولوجية الضيقة.

مصر فوق الجميع يا سادة. أفيقوا يرحمكم الله.

لا يزال لدينا بعض الوقت لكى نصلح.....لكن شعبنا لن ينتظرنا أكثر من هذا...كل يوم يمر بدون تغيير يدفع بسرعة فى إعادة تشكيل ماكينة الإستبداد و يولد قناعة للمواطن العادى أننا شعبٌ لا يصلح معه إلا الكرباج.و إذا سادت هذه القناعة, فقولوا على ثورتنا السلام.