الاثنين، 9 يناير، 2012

مشاهد من الثورة المصرية-3-ما بين جمعة الغضب و الخطاب الثانى للمخلوع




عندما بدأت كتابة مذكراتى عن الثورة, توقفت – و يا للعجب – عند جمعة الغضب, ثم تكاسلت طوال عامٍ كامل عن كتابة البقية. لكن و نحن على أعتاب الذكرى الأولى للثورة – و ربما ثورة جديدة – أحببت أن أستعيد هذه الذكرى بكل ما كان فيها من مشاعر و روحانيات و حماسة و غضب و إحباط و ثورة و إنتشاء بالنصر فى النهاية.
لمطالعة ما فات:


إن الأسبوعين الذين فصلا بين جمعة الغضب و جمعة التنحى كانا حافلين بالأحداث بشكل مذهل.عشنا فيهم القلق و الترقب و الخوف و اليأس و حرق الدم بجوار الفرحة و الأمل و التفاؤل و الإحساس بالقوة.
إستيقظت يوم السبت فى أول مرة ننزل فيها إلى الشوارع بدون أن نرى شرطياً واحداً.كان ردالفعل الأولى هو فوضى محدودة لكن لم تدم إلا لسويعات.فالإحساس بالمسئولية قد غلب الجميع و كان أن رأينا اللجان الشعبية تتكون فى سائر القطر دون تنظيم أو قيادة أو إتفاق.
ذهبت لأشترى بعض لوازم المنزل فوجدت تكالباً من الكثير من المواطنين على الشراء.الكل يشترى بكميات كبيرة و الأرفف تكاد تخلو من البضائع.ماكينة السحب النقدى قد خلت من النقود.أسمع أخباراً عن تعرض كارفور للنهب مساء الأمس.تعود شبكة المحمول للعمل حوالى الساعة الحادية عشرة قبل الظهر.أتصل ببعض الأصدقاء لأطمئن على سلامتهم.نفس الوضع متكرر فى مناطق مختلفة مع إنتشار واسع للإشاعات و مبالغات كبيرة.أتفق مع بعض الأصدقاء على الذهاب لجامع القائد إبراهيم للإنضمام للمظاهرة هناك.و هكذا كان جامع القائد إبراهيم هو نقطة الإنطلاق للمظاهرات طوال الأسبوعين التاليين, و حتى بعد تنحى مبارك.
وصلنا للجامع.أعداد غفيرة من البشر كلها تهتف ضد مبارك.ألتقى بالعديد من الأصدقاء الذين لم أرهم منذ فترات طويلة.نسمع شيخ الجامع و هو يخطب فى الجموع بضرورة الثبات على المواقف و عدم التنازل عن مطلب تنحى مبارك و نظامه الفاسد.ربما تكون هذه هى المرة الأولى التى يقول فيها كلاماً مثل هذا على الملأ لكن البركة فى الثورة التى حطمت حاجز الخوف لديه مثلما حطمته عند بقية المصريين.
كانت المنطقة المحيطة بالجامع تحمل آثار معركة الأمس.عربات الشرطة المتفحمة و كسر الطوب و رائحة الغاز.لكن الغريب أن الجو قد إختلف عن الأمس:الشمس ساطعة, السماء صافية, أما البحر...ماذا أقول عن البحر....إنى لم أر فى حياتى بحر مدينتى الإسكندرية بهذا الجمال و هذا الصفاء.هل كان للظلم المخيم علينا تأثير على الطبيعة أم تأثيرٌ على أعيننا نحن؟هل للظلم سوادٌ مادى يشوش عليك الرؤية و يمنعك من رؤية الجمال الكامل؟هل تجسدت هذه الظلمة و هذا السواد فى ثياب قوات الأمن المركزى؟
لا أعلم, لكن ما أعلمه هو أنى رأيت جمال مدينتى بغير العين التى كنت أراها بها طوال ثمانية و عشرين عاماً لى فى دنيا البشر.و أن هذا الأمر لم يكن مقتصراً على عينى فقط بل شمل أعين من حولى.
عند العودة للمنزل بدأنا نسمع عن حوادث البلطجة و السرقة بطريقة مخيفة.أخذت عصا و سكيناً و نزلت لأقف مع حارس العمارة, ففوجئت بأن الشارع ممتلىء بشباب و رجال نزلوا من منازلهم ليدافعوا عن بيوتهم.و هكذا بدأت اللجان الشعبية و تطورت يوماً بعد يوم.فمن حواجز توضع على مداخل الشوارع إلى أكمنة على الشوارع الرئيسية توقف السيارات و تطلع على هويات الراكبين بل و تفتش السيارات أحياناً و تستخدم كلمة سر كى تمر من كمين لآخر.و وزع بيان بأرقام سيارات مشبوهة قامت بإطلاق النار على الشباب فى مناطق مختلفة.و كان من المخزى أن يكون محل الإشتباه هو من يحمل هوية تدل على أنه يعمل بالشرطة!!!
فى نهار اليوم التالى فى الطريق للقائد إبراهيم شاهدت شباباً يقوم بتنظيم المرور فى مناطق متفرقة.الجميل كان تجاوب الناس معاهم و إلتزامهم بتعليمات السير.كان هذا الجو غريباً علينا جميعاً. الشعب هو الذى يتولى فعلياً تأمين نفسه بنفسه و تنظيف الشوارع و تنظيم المرور فى بلد قد سقطت ذراعه الباطشة و قصمها الله.فى هذا الوقت كانت النظرة للجيش شديدة الرومانسية..إنه الفارس النبيل الذى جاء ليحول بين الشعب و جلاديه من الشرطة..لكن هذا الفارس لم يجىء على صهوة جواد و إنما على متن دبابة...و لاحقاً تبين أنه ليس بفارسٍ من الأساس.
فى اليوم الثالث – الإثنين 31 يناير – توجهت كالعادة عند صلاة الظهر إلى جامع القائد إبراهيم, الأعداد المنتظمة فى التظاهرات تزداد يوماً عن يوم...قبل هذا كان تواجد الأمن المركزى هو الذى يوحد الصفوف. الآن تجمعنا الرغبة المشتركة فى إسقاط هذا النظام العفن.كان العنصر الأكثر تنظيماً و وضوحاً هو جماعة الإخوان.كانوا يأتون بمكبرات الصوت على عربات بيك آب و تتقدم المسيرة و تتنوع بين الهتاف و بين النشيد الوطنى و بعض الأغانى الوطنية و خصوصاً أغنية (يا حبيبتى يا مصر).و أشهد أنى لم أر أو أسمع منهم هتافاً فئوياً خاصاً بهم بل كانت كل الهتافات متسقة مع ثورة عموم شعب مصر.
تحركت المظاهرة من القائد إبراهيم تجاه محطة الرمل و قطعت شارع صفية زغلول إلى أن وصلت ميدان محطة مصر و تم الإعلان عن النية للإعتصام هناك موازاة لإعتصام التحرير.
الحقيقة أن الإسكندرية كمدينة ليس بها أماكن تصلح للإعتصام من وجهة نظرى, و على تعدد ميادينها فإن الإعتصام فى ميدان المحطة أشبه بمن يريد أن يعتصم بميدان الجيزة أو رمسيس.حتى القاهرة نفسها ليس بها مكان يماثل عبقرية موقع ميدان التحرير بكل المعالم و المؤسسات القريبة منه.الإسكندرية بشوارعها الطويلة شبه المستقيمة هى مدينة مظاهرات متحركة بإمتياز.لذا لم يدم هذا الإعتصام أكثر من يومين تقريباً ثم عدنا لمظاهراتنا السيارة.
لم أكن مستعداً أنا و أصدقائى للإعتصام فى العراء فاتفقنا على البقاء حتى منتصف الليل ثم المبيت فى أحد الفنادق الرخيصة المطلة على الميدان ثم العودة فى الصباح للإستعداد لأول مظاهرة حاشدة تم الدعوة إليها...أول مليونية.
مما استرعى انتباهى أنه بعد وصولنا للميدان بقليل حدث نوع من التمايز...الإخوان فى جزء من الميدان و معهم ميكروفوناتهم بهتافاتهم العالية...و أتباع التيارات السياسية الأخرى(ليبراليين أو يساريين) متجمعين عند النصب التذكارى فى قلب الميدان يغنون أغانى سيد درويش و الشيخ إمام و يرددون بعض الهتافات.كان صوت ميكروفون الإخوان أعلى فعلق أحد أصدقائى ساخراً أن هذا أشبه بميكروفونات مدرسة الولاد و مدرسة البنات فى فيلم الناظر.لكن يبدو أن هناك من لفت نظر الإخوان لهذا لأننا ذهبنا لنصلى و عند عودتنا وجدنا أنهم قد خفضوا الصوت.
فى المنطقة المحيطة بالميدان كانت الحياة شبه عادية.المقاهى الرخيصة مزدحمة بمرتاديها المعتادين من متابعى الأفلام الهندى و المصارعة النسائية.مقاهى أخرى لمتابعى كرة القدم.بعض المقاهى ممن تستضيف المحللين الإستراتيجيين من أبناء الشعب المصرى تفتح الجزيرة أو القناة الأولى!!
فى هذه الليلة إصطدمنا بما يذاع فى التليفزيون الحكومى عن الثورة و الثوار. فى خضم إنشغالنا بالمظاهرات لم نكن نتابع التليفزيون إلا قليلاً و إذا شاهدناه نتابع قنوات إخبارية محترمة كالجزيرة و البى بى سى. لكن التليفزيون الحكومى المصرى بمذيعيه و ضيوفه أثبتوا أن الحقارة كنزٌ لا يفنى.
فى الصباح – الثلاثاء 1 فبراير- توجهت إلى منزلى لتبديل ملابسى و لأخذ قسط من الراحة قبل المشاركة فى المليونية الأولى. فوجئت بمجموعة من الشباب أحدهم جار لى – سلفى – يمسكون بلافتات فى وسط شارع أبى قير مكتوب عليها (كفاية تخريب-كفاية مظاهرات-المسلم من سلم المسلمون من لسانه و يده)!!
هرعت إليهم أسألهم ما هذا الذى تفعلونه؟ و عن أى تخريبٍ تتكلمون؟ كانت ردودهم على مقتضبة و لكن ما صعقنى هو رد جارى لى و أنا أسب حسنى مبارك : إنه الأمير, و لا يجوز الخروج عليه!!!
تركتهم و دمى محروق و ذهبت لأريح جسدى و أعصابى قليلاً. بعد سويعات ذهبت لميدان تحريرنا بالإسكندرية..لجامع القائد إبراهيم. بعد صلاة الظهر و الغائب على الشهداء ألقى علينا الشيخ المحلاوى خطبة فى أول مرة من سنين ظل فيها ممنوعاً من الخطابة فى مسجده. طالت الخطبة و نحن نتحرق شوقاً للبدء فى المسيرة و أوصانا بالثبات على مطالبنا و ألا نرضى بغير رحيل مبارك و نظامه بديلاً. إنطلقت أولى أكبر مظاهرات الإسكندرية متجهة إلى ميدان محطة سيدى جابر.لا أستطيع تقدير الأعداد فهى لا تحصى فهناك أممٌ تسير أمامى و أناس على مرمى البصر من خلفى. عندما وصلت إلى شارع أبى قير قبل كلية الهندسة إتصل بى أخى ليخبرنى أنه ما زال عند مكتبة الإسكندرية و لا يزال من خلفه عدد لا يرى آخره!!
تنوعت هتافاتنا و إن كانت كلها تصب فى خانة إسقاط النظام, و (إرحل يعنى إمشى) و (كلموه بالعبرى مبيفهمش عربى) تلك الهتافات التى انتشرت فى ميادين مصر كلها و لم نكن نظن أننا سنضطر لإعادة إستخدامها بعد التنحى.
من المواقف الطريفة أننا رأينا من يرفع بروازاً قديماً به صورة لسعد زغلول فهتفنا :سعد سعد يحيا سعد...نموت نموت و يحيا سعد J  و بعدها بقليل كنا نهتف :حرية...حرية...حرية. و كانت هناك سيدة توزع بعض الحلوى و العسلية علينا فتحول الهتاف إلى: عسلية...عسلية..عسلية J J
عند الوصول لميدان سيدى جابر ضاق الميدان بالواقفين فيه و بعد فترة قررت و زوجتى العودة لمنزلنا و الجميل أننا شاهدنا المزيد من المجموعات ما زالت فى طريقها تتوجه لسيدى جابر.
عند عودتنا و من متابعتنا للأخبار وجدنا أن حجم المشاركة فى التحرير كان عملاقاً و كانت مليونية حقيقية. كانت معنوياتنا مرتفعة للغاية و تسربت أخبار أن مبارك سيوجه خطاباً للأمة هذه الليلة. تركنا الوغد 6 ساعات لنبنى قصوراً فى الهواء ثم أطاح بنا بخطاب عاطفى أثر فى الكثيرين. كنا نستمع للخطاب و نحن نجز على أسناننا من الغيظ من خبث هذا الرجل الذى سيشق الصف و يقسم الشعب. ظهرت أولى إرهاصات هذا الإنقسام بتليفون جاءنى فور إنتهاء الخطاب من أختى, قالت لى:ألا يكفى هذا؟ البلد واقفة و العيال .....إلخ. لم تقتنع بكلامى و أنهيت معها المكالمة لأجد مكالمة أخرى من أحد أعز أصدقائى – كان معى فى جمعة الغضب – لأفاجأ به يقول:مبرووووك. قلت له:على ماذا؟ قال:الرجل قال أنه سيرحل بعد 6 أشهر؟ فقلت له:إذا كانت أنت بكل ما تملك من ثقافة قد صدقت الرجل فما بال البسطاء إذاً؟ أنسيت كذا و كذا و كذا؟ فأفاق و إستعاد رشده. لكن هناك آلاف لم يستعيدوا رشدهم إلا متأخراً...جداً.
و جاءتنى الأخبار أنه بعد أقل من 10 دقائق من خطاب مبارك تعرض المعتصمون فى ميدان محطة مصر لهجوم من بلطجية بالسلاح الأبيض و لكن الثوار ردوهم على أعقابهم بمعاونة الجيش. و ها قد ظهرت أولى بشائر خطاب الكاذب المخلوع.
و نمت فى غاية النكد لأستيقظ على يوم الأربعاء الأسود – 2 فبراير -  المعروف بإسم: موقعة الجمل.

الجمعة، 6 يناير، 2012

مناورات النجم الساقط



تعودنا كل عام فى عهد المخلوع على قراءة أنباء قيام مناورات عسكرية بين الجيش المصرى مع جيش الولايات المتحدة صديقة النظام البائد.عُرفت هذه المناورات بإسم (النجم الساطع).

و تمر الأيام و تقوم الثورة و يرحل المخلوع, و لكن تبقى عادة المناورة لدى مجلسه العسكرى, لكن هذه المرة هذه المناورة مع أبناء الشعب المصرى.

المجلس العسكرى كان أحد أركان النظام الفاسد السابق, أعضاؤه متورطين فى الفساد سواء مالياً أو إدارياً.أضف إلى ذلك التورط فى إراقة الدماء بعد الثورة. و من أجل هذا فإن شبح المحاكمة و المحاسبة و الملاحقة بعد تسليم السلطة لا يبارح أذهان أعضاء هذا المجلس, لذا قاموا و يقومون و سوف يقومون بكل ما هو ممكن لتأمين خروجهم من المشهد, و لنراجع بعض اللقطات سوياً:

-          بعد شهورٍ قليلة من الثورة تم إجراء تعديل فى قانون المحاكمات العسكرية يمنع محاكمة العسكريين المتقاعدين أمام المحاكم المدنية.

-          أعرض المجلس عن أى أصوات رافضة لفكرة المبادىء الفوق دستورية المطروحة منذ شهر يوليو و رغم قيام الإسلاميين بالخروج فى مظاهرات حاشدة ضدها. تلا ذلك إقتراح وضع خاص للجيش فى الدستور و النص على عدم جواز مناقشة ميزانيته...إلخ. و لم تسقط هذه المحاولة فعلياً إلا بسقوط واجهتها الذى سميت الوثيقة بإسمه (السلمى) فى الموجة الثانية من الثورة فى نوفمبر.

-          من المؤكد وجود حوارات فى الغرف المغلقة بين أعضاء من المجلس و بين ممثلين لقوى سياسية مختلفة. بعض هذه القوى السياسية كانت تارة تدعو المجلس صراحةً لأن يكون له وضع خاص فى الدستور يكون حارساً فيه لمدنية الدولة (كالجيش التركى الحامى لعلمانية الدولة). آخرون كانوا يتعهدون له بعدم ملاحقته بعد تسليم السلطة شريطة أن يساعدهم هم فى الوصول للسلطة و يدعمهم إزاء خصومهم. و كانت وثيقة السلمى نفسها نتاج بعض هذه الإتفاقات. و تبادل أعضاء القوى السياسية بإختلاف أطيافها (ليبرالية و إسلامية ) الجلوس على حجر المجلس العسكرى و الخروج علينا برسائل تطمينية للعسكر و مهددة لمستقبل الدولة التى نحلم ببنائها. من صدعوا رؤوسنا عن الدولة المدنية تحالفوا مع من سيجعلون الدولة عسكرية. أما الإسلاميون فقد أعطوا و هم من لا يملكون وعوداً لمن لا يستحقون...و كل هذا بدعوى المناورة السياسية!!

-          بعد أحداث محمد محمود جاء العسكر بوزارة جديدة برئاسة الجنزورى و ادعوا أنها تمتلك صلاحيات كاملة – ظهرت قوتها فى أحداث مجلس الوزراء – و جاءوا معها بمجلس إستشارى حددوا له صلاحيات محددة لا تتعدى إسمه و كونه (إستشارياً). حالياً يقوم هذا المجلس (الإستشارى) بمناقشة قانون إنتخاب رئيس الجمهورية لكنه لا يكتفى بهذا بل تخطاه إلى مناقشة صلاحيات الرئيس القادم و تعديلها. و هو أمرٌ ليس من حق أى مجلس سواء كان إستشارى أو عسكرى أو حتى مجلس الشعب.فالجهة الوحيدة المنوط بها مناقشة هذا الأمر هى الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور.و الأمر برمته سيعرض على الشعب فى الإستفتاء ليقبله..أو يرفضه.

-          لم يكن موعد إنتخابات الرئاسة محدداً إلى أن جاءت الموجة الثانية من الثورة و إضطر المجلس العسكرى تحت ضغط الأحداث و لتهدئة الشارع أن يقوم بمجموعة من الخطوات منها تحديد الموعد بأنه بحدٍ أقصى 30 يونيو القادم.و رغم ظهور عدد من المبادرات بتسليم السلطة لرئيس مجلس الشعب المنتخب, أو بتأجيل إنتخابات مجلس الشورى و تبكير إنتخابات الرئاسة فور الإنتهاء من إنتخابات مجلس الشعب. فإن المجلس العسكرى تجاهل أى من هذه الأفكار و جل ما فعله هو تقصير مدة إنتخابات الشورى لتتم على مرحلتين, لكن حسب ما هو مفهوم من خارطته فإن لجنة الدستور و إعداده سيتم قبل إنتخابات الرئاسة, و هذا رغم التصريحات المتكررة للمستشار البشرى رئيس لجنة التعديلات الدستورية بأن إنتخاب الرئيس سابق على تشكيل هذه اللجنة بنص الإستفتاء و الإعلان الدستورى...و لا تفسير لهذا غير رغبة العسكر فى أن تشكل هذه الهيئة التأسيسية تحت ناظريه, و أن تبدأ عملها نصب عينيه.و له أن يماطل فى موعد الإنتخابات الرئاسية بدعوى تناحر أعضاء اللجنة و عدم إتفاقهم و تأخرهم فى الإنتهاء من صياغة الدستور.

-          يخشى المجلس من أى إنتفاضة شعبية جديدة تضطره لتقديم تنازلات أخرى أو تحبط أى من مخططاته. يقوم المجلس حالياً بعدد من الخطوات الإستباقية لإجهاض أى تحرك ضده فى 25 يناير المقبل. مبدئياً هو قد ضمن عدم مشاركة القوى السياسية الرئيسية.هذه القوى تبعث برسائل تدعو للصفح عما فات من قبل المجلس العسكرى .بعث المجلس بدوره برسائل تخويف مفادها أن هناك مخطط لتخريب البلد فى 25 يناير المقبل.ترقبوا إحتفالية ضخمة للإحتفال بالذكرى الأولى للثورة (التى حماها الجيش) و سيل من البرامج التحليلية يقودها محللو المجلس من أمثال مصطفى بكرى يسجلون للتاريخ دور المشير فى حماية الثورة و الإنقلاب على مبارك.ترقبوا كرنفال غنائى يشارك فيه أهم الفنانين الوطنيين (تامر حسنى و أشباهه).فى هذه الآونة لاحظتم كذلك تطور فى خطاب النيابة العامة فى مسرحية محاكمة مبارك, هذه المسرحية المستفزة لابد أنها قد إستفزت حتى المواطنين العاديين فآثر النظام القائم ألا يدعهم يقوموا من على (الكنبة) و ينتقلوا إلى مسرح العمليات فشاهدنا هذا الخطاب الذى سيفرح الكثيرين و هو فى النهاية لا يعدو كونه كلاماً مرسلاً و كان أجدر بهم أن يقولوه منذ بداية المحاكمة لو أرادوا.و هناك توقعات بصدور حكمٌ مبدئى على مبارك.لكن لا تنسوا أن هناك إختراع إسمه طعن..و إستئناف...و نقض.

-          عند الوصول لمرحلة إنتخابات الرئاسة سنرى السهم الأخير الذى سيخرج من جعبة العسكر, هذا السهم هو مرشح المجلس العسكرى للرئاسة. لن يكون هذا المرشح من بين أعضاء المجلس بطبيعة الحال و لكن سيحظى بدعمهم. المطلوب بكل بساطة هو (طرطور) يكون واجهة سياسية للمجلس العسكرى و يؤدى من موقعه كرئيس للجمهورية الدور الذى كان يؤديه عصام شرف كرئيس وزراء و لكن مع صلاحيات أوسع بالطبع.أو على الأقل رئيس يضمنون مستقبلهم معه و أنه لن يلاحقهم أو يحاكمهم أو ينقلب عليهم.حينما تخرج لنا القائمة النهائية بأسماء من سيخوضون الإنتخابات الرئاسية سنستطيع أن نشير على مرشح المجلس العسكرى الذى ستجرى له حملة تلميع و دعاية قوية.و قد تحدث إعادة بين هذا المرشح و مرشح آخر و ساعتها سنضطر لإختيار المرشح الآخر حتى لو لم تكن مقتنعاً به بشكلٍ كامل.و قد ناقشت هذه الفكرة فى مقال سابق. لكن أسوأ السيناريوهات بحق – قد يبدو لكم تجسيداً لنظرية المؤامرة بإمتياز – هو أن يتم دفع الأصوات و توجيهها فى إتجاه مرشح معين عن طريق إظهاره بمظهر الثائر بحق أو عن طريق إظهاره فى شكل المضطهد أو بأى أسلوبٍ آخر يجذب له الأصوات.من قرأ كتاب لعبة الأمم – بغض النظر عن الإتفاق أو الإختلاف مع كل ما عرضه من أحداث -  سيتفهم هذا الأسلوب بشكل أعمق. ربما أستبعد وصول أعضاء المجلس العسكرى لهذا المستوى من الفكر لكنى لا أنسى أن هناك طرفٌ آخر مهمٌ فى اللعبة و يسعى أن يكون له دورٌ فى تحريك الأمور فى الداخل و رسم سياسات مصر المستقبلية.هذا الطرف هو: الولايات المتحدة الأمريكية.

ما دورنا إذاً؟

الوعى الشعبى هو القادر على كبح جماح كل من يريد سلب إرادتنا و تفريغ ثورتنا من مضمونها. هذه الثورة لم تكن مجرد إنقلاب على شخص حسنى مبارك بل هى ثورة على سنين من الظلم و الإستبداد و الفساد و التبعية و الإنبطاح للغرب. لا نريد ديكتاتوراً آخر أو طرطوراً آخر. ما زلت أصر على أن المجلس العسكرى الكاذب القاتل لا يؤتمن على مستقبل هذا البلد لساعة. أى حملة تفضح كذب العسكر مثل حملة كاذبون تستحق الدعم. إستمروا فى توعية المحيطين بكم بطبيعة المشهد و إصبروا و لا تستعلوا على أحد. المرحلة المقبلة سيكون فيها شرعية برلمانية بجوار شرعية الميدان. البرلمان يجب أن يكون معبراً عن روح الميدان و الميدان بدوره يجب أن يساند البرلمان و يكون سلاح ضغطه فى الشارع لضمان إنتزاع السلطة بدون أى وصاية مستقبلية من العسكر...و بالخط الزمنى المعقول لتحقيق مصلحة هذا البلد. لا يتصورن أحدنا أن ما جرى فى بداية الثورة سيتم تكراره بحذافيره, لكن النزول مهم لأنه سلاح ضغطنا الوحيد لمنع أى إنحراف فى المسار, و لإنتزاع الحقوق.

موعدنا يوم 25 يناير إن لم يكن قبل هذا.

يسقط حكم العسكر
------------------------------------------
تم نشر المقال فى شبكة رصد و فى موقع جريدة التغيير