الخميس، 28 فبراير 2013

بين مفهوم الجهاد, و الجيوش النظامية الحديثة




هذه خواطر دارت بذهني أثناء حضور محاضرة لأخٍ عزيز تطرق في ثناياها لمسألة الجيوش النظامية, و ضرب مثلاً بالإنكشارية في الدولة العثمانية و كيف كان فساد افرادها قد استفحل حتى اضطر الخليفة محمود الثاني للتخلص منهم بأن جمعهم في ميدان و ضربهم بالمدافع. ثم بدأ تكوين جيش نظامي حديث على الأساليب الغربية.
الفكرة التي أريد أن أسلط عليها الضوء, و التي يجب أن تكون واضحة لكل من يسمع الأطروحات المنتقدة لفكرة الدولة القومية الحديثة في صورها االمختلفة و بالأخص الجيش...أن هناك إختلاف بين فكرتي الجيش النظامي, و الجيش الحديث.
فكرة الجيش النظامي بمعني وجود قوات ثابتة تكون مهمتها الدائمة هي حماية البلاد و الدفاع عنها و كذلك الغزو في حالات الإمبراطوريات المتوسعة في مقابل رواتب ثابتة, هذه فكرة موجودة منذ عهود الإمبراطوريات و الحضارات القديمة بالأساس.
عندما ظهر الإسلام, لم يكن لدى العرب – الذين كانوا يعيشون حياة قبلية – جيوشاً نظامية, و حينما كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يخرج للغزو كان المؤمنون يُستنفرون للجهاد معه, ثم يعودون بعد هذا لأعمالهم و حياتهم العادية.
بعد إنتقال الرسول للرفيق الأعلى, و توسع حركة الفتوحات الإسلامية..تضاعف حجم الدولة الإسلامية, و في الوقت نفسه تغير نظام الحكم. لم تعد خلافة راشدة و إنما تحول الأمر إلى ملك عضود. و عند هذا بدأ وجود قوات نظامية.
أحسب أنه حتى لو كان نظام الحكم قد استمر كخلافة راشدة, فإن إتساع الدولة كان يقتضي وجود قوات نظامية مرابطة بإنتظام و إستمرار على الثغور, و لم يكن الإعتماد ليكون فقط على المتطوعة و الإستنفار...لكن من جهة أخرى فإن مرحلة الخلافة الراشدة قد ولت و ولى معها المجتمع المتأثر بها..و جاء عهدٌ جديد بأساليب جديدة كان لها تأثيرٌ سلبي على المجتمع...فجعل من وجود القوات النظامية ضرورة, و لكن ليس للرباط فقط بل لحماية نظام الحكم أيضاً, و ربما لا نفتري عليهم لو قلنا أن هذا هو الدافع الأول..فهذا الجيش النظامي هو جيش الخليفة أولاً قبل أن يكون جيش المسلمين.
عندما كانت الدولة ما زالت في طور قوتها, كان جيش الخليفة يخرج للغزو و يخرج معه آلاف المتطوعة ممن يبتغون شرف الجهاد في سبيل الله...و حينما دارت الأمور و أخذ الصليبيون ثم التتار يقتطعون من بلادنا, كانت الأمة تُستنفر, و يخرج جيش السلطان و معه المجاهدون يبتغون إحدى الحسنيين.
إذا سلطنا الضوء على النخبة العسكرية الممثلة في جيش الخليفة, أو جيش السلطان, سنجد أن هذه النخب تمر بمراحل تكاد تكون واحدة..فالخليفة يبدأ بتشكيل جيش يدين له بالولاء و يربي أفراده على الجندية و الجهاد و الفداء..ثم يمر الزمن و تنحرف عقيدة هذا الجيش و يسبب المشاكل للحاكم و تكون النهاية إما بالقضاء على الحاكم نفسه, أو أن تُستبدل بهذه النخبة العسكرية نخبةٌ أخرى تدين بالولاء للحاكم...ثم هلم جرا.
أنظر للترك الذين استكثر المعتصم العباسي من إلحاقهم بجيشه كيف استفحل نفوذهم حتى صاروا يلعبون بالخلفاء بعد عدة عقود. و أنظر للمماليك كيف استكثر الأيوبيون في مصر من شرائهم و اعتمدوا عليهم بشكلٍ كلي حتى آلت إليهم الأمور في النهاية...و أنظر إلى الإنكشارية كيف بدأوا..ثم إلى اين صاروا.
الإنكشارية ربما كانوا من أهم و أوضح الأمثلة..هؤلاء كانوا يتم تربيتهم على الجندية منذ الصبا, و يخضعون لتدريبات بدنية و عسكرية و روحية في الوقت ذاته, بحيث يتشبعون بروح الجهاد...لكن من الواضح أن الإهتمام بالجانب الروحي كان في طور إتساع الدولة العثمانية, و وقت أن كانت ترفع راية الجهاد, لكن حينما ألقت هذه الراية جانباً و انحرف طريقها صار هذا نسخة أخرى من (جيش الخليفة), و بالتالي كان من الطبيعي أن ينتهي هذه النهاية.
و هنا يتضح بشكلٍ جلي أن العامل الأساسي هو العامل الروحي و الفكري..أو بكلماتٍ أخرى, عقيدة الفرد المقاتل..هذه العقيدة هي التي تميز بين كون المرء مجاهداً, أو محارباً. و لا أقول أن معنى هذا أن كل من كانوا ضمن الجيوش النظامية على مدى تاريخ الإسلام ليسوا بمجاهدين..الأمر منوطٌ بنواياهم و عقيدتهم, فمن يقاتل لتكون كلمة الله هي العليا هو مجاهدٌ سواء كان زيه رسمياً أم لا, أما من يقاتل لأن هذه وظيفته, فلن يعدو أن يكون جندياً في جيش الخليفة.
نأتي للحظة تاريخية فارقة و هي التحديث الذي جرى لمصر و العالم العربي, هذا التحديث الذي جعل بلداً كمصر إنهزمت قواته النظامية أمام الحملة الفرنسية لكن لم يمنع هذا المجتمع من أن يقاوم المحتل و يثخن فيه, ثم انسحبت قواته النظامية أمام الإنجليز في حملة فريزر فنكل الشعب بالقوات الغازية في رشيد...ثم هُزِم الجيش النظامي (الحديث) في موقعة التل الكبير عام 1882, فصارت مصر محتلة سبعون عاماً.
ما زال مناط الأمر هنا متعلقٌ بالعقيدة, لا أريد الدخول في كلام عن الدولة الحديثة لأني بشكل شخصي مللت المصطلح و سماعه :) , لكن لو تناولنا أثر التحديث على الجيش و علاقة المجتمع بالجندية و الجهاد ستجد أن الأثر كان في غاية السلبية.
فتكوين الجيش الحديث صارت العقيدة فيه هي الإنضباط و الأوامر فقط, لا يعني هذا أن الإنضباط لم يكن موجوداً في الجيوش النظامية القديمة فالإنضباط أحد أعمدة الجندية من الأساس, لكن الجيوش الحديثة يتم فيها تحطيم الفرد و إعادة قولبته و تشكيله من جديد ليصبح أشبه بإنسان آلي. و في الوقت ذاته فقد تم تدجين المجتمع و جعل حمل السلاح مقتصراً على جيش الحاكم فقط, و لم يعد الدفاع عن الأمة مسئولية الجميع..لذا كان من الطبيعي أن تقع الأمة فريسة سهلة للإحتلال دون مقاومة تذكر.
إن الجهاد في سبيل الله هو أحد أهم الأركان التي تثبت لهذه الأمة عقيدتها, و كان من الطبيعي أن يكون هم أعداؤنا هو قلب مفهوم المسلمين تجاه هذه الفريضة لتصبح مرادفاً للإرهاب في أذهان الكثيرين, و في الوقت نفسه فإن العقيدة القتالية للجيوش في الدول المسلمة – و لا أقول إسلامية- لا علاقة لها بالجهاد, و إن كانت أحاديث (خير أجناد الأرض) أو (فإنهم في رباطٍ إلى يوم القيامة) تصح أصلاً, فإنها لا تنطبق برأيي على جيش المكرونة الذي عندنا.
و لو ألقينا نظرة على أقرب أرض للجهاد منا و هي سوريا, فإني أجزم أن أداء المجاهدين المتطوعين يختلف بشكلٍ كبير عن أداء قوات الجيش الحر التي كانت من قبل جزءاً من الجيش النظامي...إن حق هؤلاء جميعاً فوق رأسي و هم خيرٌ مني فهم من المجاهدين و أنا من القاعدين, لكني أقول أن التأثير السلبي على الفرد داخل الجيوش الحديثة عميق جداً, لدرجة تستدعي جهداً من الفرد و درجة من اليقظة و الوعي لكي يصبح مجاهداً بدلاً من جندي في جيش الحاكم.
مرةً أخرى, الأمر كله مناطه القلب و النية و العقيدة, سئل رسول الله عن الرجل يقاتل شجاعة, و الرجل يقاتل حمية, و الرجل يقاتل رياءً.أيهم في سبيل الله, فأجاب رسول الله: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله.
لا ندعو لتفكيك الجيوش الحديثة في بلاد المسلمين و العودة لنظام المتطوعة و الإستنفار, هذا عبثٌ و ضياعٌ للأمة في عالمٍ صارت فيه أمةٌ قادرةٌ على إبادة أمةٍ أخرى بضغطة زر. لكن المطلوب هو تصحيح عقيدة الفرد المقاتل و كذلك عقيدة الفرد العادي. نحن في مجتمع مدجن يؤدي فيه كثيرٌ من الشباب خدمتهم العسكرية دون أن يحملوا بندقية, فما بالك بمن لم يؤدها أساساً. و نحن مجتمع قد نسى مفهوم الجهاد و أنه مسئولية الأمة كلها و ليس قاصراً على من يحمل السلاح..و يحتاج أن يتذكر هذا.
يشعر المرء بالعار و هو يكتب هذا الكلام و هو من القاعدين عن الجهاد, لكن هذا تذكيرٌ لي قبل أن يكون لكم و لا يعلم المرء ماذا يكسب غداً.سلوا الله لنا و لكم الإخلاص و القبول و أن ييسر لنا سبل الجهاد في سبيله في الميدان الذي يرتضيه لنا.
ملحوظة: سيكون من المفيد لقارىء المقال أن يطلع على كتابي (و دخلت الخيل الأزهر) لمحمد جلال كشك, و (كل رجال الباشا) لخالد فهمي, و نسأل الله أن ينفعنا جميعاً بما يعلمنا

هناك 3 تعليقات: