الجمعة، 5 يونيو 2009

القادة



القادة هو عنوان كتاب للصحافى الشهير بوب وودوورد الذى فجر فضيحة ووتر جيت الشهيرة, و كما ورد على غلاف الكتاب أنه(صراع بين تساؤلات الجيش و نزوات السياسة فى حرب الخليج).
حرب الخليج المذكورة هنا هى حرب الخليج الثانية-غزو العراق للكويت-و لما كنت قد عاصرت هذه الحرب فى صباى, فقد تأخرت فى قراءة هذا الكتاب رغم وجوده فى مكتبتى من زمن, لكن نحتاج لأن نسترجع التاريخ القريب حتى لو عاصرناه, و خصوصاً أن من كانوا أبطال الأمس القريب هم أيضاً أبطال اليوم, و ربما المستقبل القريب أيضاً.
ففى هذا الكتاب نقرأ أسماء جورج بوش الأب(الرئيس),ديك تشينى(وزير الدفاع), كولين باول(رئيس الأركان), بول وولفويتز...الخ, و هم نفس اللاعبين-مع زملا جدد-فى حرب الخليج الثالثة (احتلال العراق).
يبدأ الكتاب بعرض الأيام الأولى من وصول بوش الأب للرئاسة, و تكوينه لإدارته الجديدة و ما يدور فى الكواليس حتى يتم الإختيار, و من ثم يستمر حتى منتصف الكتاب تقريباً فى عرض أزمة بنما التى انتهت بتدخل أمريكا عسكرياً لإسقاط الديكتاتور نورييجا و القبض عليه و محاكمته!(اليس هذا السيناريو مألوفاً؟).
يفرد الكاتب النصف الثانى من الكتاب لعرض أزمة الخليج من بدايتها, فيبدأ الكاتب بعرض الاستخبارات الأمريكية على بوش صوراً ملتقطة بالأقمار الصناعية لتحركات تقوم بها القوات العراقية تجاه حدودها الجنوبية فى 16 يونيو 1990, و على مدى الأسابيع التالية كان من الواضح أن الألوية العراقية تزداد فى الجنوب, و كان هذا مصاحباً لتوترات فى العلاقة بين العراق و جيرانه الخليجيين و بالأخص الكويت و الإمارات, و يرجع هذا لسياسات هذه الدول النفطية أثناء حرب العراق مع إيران و التى اعتبرها العراق مضرة له و أنها كبدته خسائر إقتصادية فادحة.
هذا غير الخلاف الحدودى الأصلى بين العراق و الكويت, و إيمان العراق بأن الكويت بإستغلالها بعض الحقول الحدودية قد سرقت نفطه.
فى 19 يوليو صرح تشينى فى مؤتمر صحفى إجابة على سؤال حول التهديدات العراقية للكويت حول مسألة النفط,بأن أمريكا(تأخذ على محمل الجد أى تهديد ضد المصالح الأمريكية أو أصدقائها فى المنطقة).
استدعى صدام السفيرة الأمريكية لديه, و طلبت منه(بحق الصداقة) أن يعيد النظر فى نواياه, و رد صدام أنه من خلال تدخل الرئيس المصرى حسنى مبارك وافق على محادثات مع الكويتيين.
فى حين رأى البعض أن حشد القوات العراقية كان غرضه(التهويل)و الضغط النفسى على الكويت, فقد رأى آخرون أن أحداً لم يكن ليحرك كل هذه القوات إلا و هو ينوى إستخدامها.
فى فجر الثانى من أغسطس عبرت القوات العراقية الحدود بالفعل, و تم الغزو.
كانت المشاورات داخل الإدارة الأمريكية حول رد الفعل الفورى, و بعد الشجب و الإدانة بدأ بحث سبل الرد العسكرى و كيفيته, و كان هذا هو الشاغل للإدارة طوال الفترة اللاحقة, بجوار إستراتيجية أخرى هى الحصار الإقتصادى و قطع المعونات لإجبار العراق على الإستسلام و الإنسحاب.
كان هاجس بوش-تاجر النفط السابق-أن يسيطر صدام على السعودية أيضاً فيكون بيده فى النهاية 40%من احتياطى بترول العالم, و عرض الجنرال شوارزكوف-صار لاحقاً قائد القوات الأمريكية المشاركة فى المعركة-نوعين من ردود الفعل العسكرية, الأول ضربات جوية إنطلاقاً من حاملات الطائرات يكون هدفها القوات العراقية و خطوط النفط التى يصدر منها العراق نفطه, و قرر أن هذه الهجمات لا يمكن أن تطول و لن تكبد العراق خسائر كبيرة.
أما الرد الثانى فهو خطة لحماية السعودية تستدعى نقل ما بين مائة الى مائتى ألف عسكرى , و لا يمكن تحقيق ذلك إلا إذا سمحت السعودية بإنشا سلسلة من القواعد الأمريكية بها, و هى مسألة غير محتملة نظراً للتردد العربى السابق فى الأمور المماثلة.(سرعان ما تغير هذا).
نلاحظ هنا إختلاف تعاطى القادة العرب مع الأمر فى بداية الأزمة مع تعاطيهم معه فى نهايتها, ففى مكالمة هاتفية بين بوش و الملك فهد اتفقا على أن اجتياح الكويت غير مقبول, لكن بوش لم يتفق مع فهد(الشديد الحذر و متردد التأييد للغرب على حد تعبير الكاتب)لم يتفق معه على أسلوب فى التعامل مع العراق.
و فى مكالمة أخرى مع الملك حسين و الرئيس مبارك كانت وجهة نظرهما هى(منحهما مزيداً من الوقت و ترك العرب يحاولون تدبير الأمر)يعنى لا تتدخلوا.
عرض بوش على الأمير بندر بن سلطان سفير السعودية فى أمريكا صوراً جوية لحشد بعض القوات العراقية على الحدود الشرقية للمملكة, و عرض نقل القوات الأمريكية سابقة الذكر لحماية السعودية, و بلغ السفير الأمر للملك فهد الذى طلب رؤية الصور بنفسه.
أراد فهد تأكيدات عن صحة التهديد العراقى, فالكويت قد أجلت طلب المساعدة من أمريكا لأن الكويتيين ارتابوا فى أن يُستخدم التهديد العراقى كوسيلة ليطأ الجنود الأمريكيون أرضهم, و كانت نفس الريبة فى نفوس السعوديين.
وصل تشينى للسعودية ليعرض الصور, و ليوضح خطورة الموقف و (عواقبه الوخيمة)على السعوديين إذا تأخروا فى طلب المساعدة كما فعلت الكويت, و أشار للعلاقات(التاريخية)و الصداقة بين الشعبين, و أكد أنه(بعد زوال الخطر ستعود قواتنا إلى بلادها), و حينها علق الأمير عبد الله-الملك حالياً-بصوت خافت بالعربية(أتمنى أن تفعلوا ذلك).
كان تشينى فى الوقت ذاته قلقاً من أن يلجأ السعوديون الى طلب المساعدة العربية و الدولية قبل غيرها.(طبعاً السبب مفهوم).
بدأ نقل القوات الأمريكية على الفور فى نفس الشهر-أغسطس-و إنشاء مركز قيادة للقوات ترأسه الجنرال شوارزكوف.
الأشهر التالية شهدت شد و جذب بين أنصار الحل العسكرى و انصار الحل الدبلوماسى و إنتظار ما نتائج الحصار الإقتصادى و العقوبات,مع سيل من النداءات الى صدام بالإنسحاب, كان عدداً كبيراً منها من مبارك.
فى 29 نوفمبر توصل الأمريكيون الى انتزاع قرار من مجلس الأمن بإستخدام(كافة الوسائل الضرورية)ضد العراق فى حال لم ينسحب من الكويت قبل 15 يناير1991.
فى جلسة مع قواده قال بوش((...هذه ليست فيتنام,و لن تطول هذه المسألة, فمبارك يقول:نحن دربنا الطيارون العراقيون,فهم عديمو الفائدة)).
و علت الضحكات داخل الغرفة.
فشلت المفاوضات بين بيكر وزير الخارجية و بين طارق عزيز وزير خارجية العراق, و بدا أنه لا سبيل لأى حل دبلوماسى.
فى 16 يناير بدأت الحرب و التى استمرت ل42 يوماً, انتهت بإعلان العراق استسلامه و إنسحابه من الكويت, بعد أن دمر ما دمر, و حرق ما حرق من حقول النفط.
الى هنا انتهى الكتاب, و لنا تعقيبات غير ملاحظاتنا وسط السطور السابقة.
أولاً:التاريخ حلقات متصلة, و حاضر اليوم تاريخ الغد, و كما قلنا فى بداية المقال أن أبطال الأمس القريب هم أيضاً ابطال اليوم, لذا رأينا كيف أن نفس الفريق هو الذى قاد بضراوة الحملة العسكرية التى احتلت و ما زالت تحتل العراق الى يومنا هذا.
ثانياً:بوب وودوورد رغم أنه كاتب معروف بنزاهته, إلا أن هذا لا يعنى أن نأخذ كل كلامه بشكل مسلم به, فهو يعرض الموقف و كأن التحرك العراقى كان مفاجئاً للجميع بما فيهم بوش و إدارته, و حتى لو لم نسلم بنظرية المؤامرة و بأن الأمريكيون أعطوا الضوء الأخضر لصدام عميلهم الأول فى المنطقة, فعلى الأقل أى عاقل لابد أن يؤمن أن أمريكا استغلت الفرصة-و استغلتها بكل مهارة-لتضع قدمها-و تثبتها-فى المنطقة,و أن تحركها من الأساس لحماية مصالحها و السيطرة بشكل نهائى على منابع النفط, و لم يكن من أجل سواد عيون العرب بالطبع.
ثالثاً:كان العرب فى البداية-كما بدا من التصريحات و ردود الأفعال-يودون أن تحل المشكلة فيما بينهم, لكن فى النهاية فتحوا الباب لأمريكا, فى الأيام الأخيرة قبل الحرب بدا و كأن التساؤلات الموجهة من العرب لأمريكا ليست:هل ستضربون صدام أم لا؟ و إنما التساؤل:متى ستضربونه؟
رابعاً:أشرنا الى تخوف تشينى من ان يبادر السعوديون الى طلب المساعدة العربية و الدولية قبل غيرها, و السبب مفهوم, أن الفرصة سانحة لكى تضع أمريكا-و أمريكا وحدها-قدمها فى المنطقة بقوتها العسكرية و ليست الاقتصادية فقط, و لعلنا نذكر أنه إثر أزمة البترول التى نشأت فى عام 73 حينما قطع العرب بترولهم عن الدول المؤيدة لإسرائيل, كان هناك اقتراح داخل الادارة الأمريكية بإحتلال منابع البترول فى الخليج.
خامسا:مبارك الذى كان يسعى فى البداية لحل المشكلة داخلياً و كرر نداءاته لصدام بالإنسحاب, هو مبارك الذى طمأن بوش فيما بعد من قدرات الطيارين العراقيين و عدم كفاءتهم و أنه يعرف هذا(لأننا دربناهم), و هو الذى خرج علينا فى حرب العراق 2003 ليقول أنه مندهش لأن الأمريكيون أخبروه أنهم سينهون الأمر سريعاً, فى حين أنه قد طال!!
سادساً:أمريكا منذ دخلت لم تخرج, و اتخذت صدام كفزاعة تخيف بها العرب ليظلوا تحت حمايتها, لكن ها هو صدام لم يسقط فحسب, بل أعدم, فهل خرجوا؟و لم يخرجوا و لم تنضب بعد آخر قطيرة بترول من أرض العرب؟!.
سابعاً:فى كتاب أسرار حرب الخليج لتوم ماثيوز, ذكر أن أحد استراتيجيى بوش قد قال: (كنا عازمين على إنهاء هذه الحرب عندما نريد نحن, و لا بيوم واحد ابكر)
كان الأمريكيون متخوفون من نجاح الوساطات السوفيتية فى إقناع صدام بالإنسحاب, و كانوا مصرين على تدمير قوة صدام تماماً قبل أن يوقفوا إطلاق النار.
سابعاً:ظلت سياسة إدارة بوش فيما تبقى له, ثم إدارة كلينتون طوال فترتيه قائمة على حصار العراق و إماتته موتاً بطيئاً, مع ضربات محدودة من وقت لآخر-تذكروا قصف ملجأ العامرية فى بغداد فى عام 98 فى عهد كلينتون الديمقراطى الطيب كأوباما.
ثامناً:جاء بوش و فى رأسه من البداية قطف الثمرة بعد أن نضجت و استوت, و إحتل بلداً أنهكه الحصار و تدمرت قوته العسكرية, و أكمل الخطة المرسومة, و حينما يظن أحد أن الخطة ستتغير بتغير الشخص فهو واهم, فهذا لا يحدث إلا فى البلاد المتخلفة كبلادنا حيث يرتبط النظام بالشخص, و يكون الفرد الأوحد الملهم الذى يقود الدولة هو الذى يرسم كل السياسات و يمحو كل ما فعله سابقه و يبدأ من الصفر, فمن مرتم فى أحضان الإنجليز إلى مرتم فى أحضان السوفييت يليه مرتم فى أحضان الأمريكان, أما الدول الكبرى ذات المؤسسات فتعمل قياداتها على رسم السياسة بما يحقق مصالح الأمة الدائمة, و قدد تتغير الوجوه و الأساليب فقط, لكن المصالح ثابتة.
تاسعاً:بالأمس زارنا أوباما بوجه مبتسم و لسان عذب, و بما أن اليوم ذكرى النكسة, فإن تعاطى المخدوعين به هو نكسة أيضاً, على الأقل نكسة فكرية, لأننا كأننا ننسى أن من يخاطبنا هو رأس الدولة التى تعتبر أكبر أعدائنا, و الداعم الرئيس للكيان الصهيونى, و نفس اللسان العذب الذى سمعناه بالأمس هو الذى قال:أن إرتباط أمريكا بإسرائيل مسألة لا نقاش بها!!
لن نقول أن التاريخ يعيد نفسه, فهو لا يفعل هذا إلا فى حالة واحدة فقط, مع المغفلين الذين لا يقرأون تاريخهم-ناهيك عن تاريخ غيرهم-و لا يتعلمون من دروس الماضى, و صدق المتنبى حين قال:إذا رأيت نيوب الليث بارزةً.....فلا تظنن أن الليث يبتسمُ
و حسبنا الله و نعم الوكيل, حسبنا الله و ليس أوباما أو غيره.
 

الأحد، 26 أبريل 2009

الاستشهاد

قد يكون من الغريب أن أسارع الى كتابة هذه الخاطرة و أنا أستمع لمقطوعة موسيقية وردت فى نهاية فيلم (الطريق الى ايلات).
أستمع إليها و أمام عينى تمر مشاهد أذكرها, صور الضباط المشاركين فى العملية, ثم تأتى الموسيقى فى لحظة شديدة الشجن تتزامن مع عرض صورة الشهيد الوحيد فى العملية(رقيب محمد فوزى البرقوقى).
عند هذه اللحظة أشعر بقشعريرة و أن شعر جسدى يقف!!
هذه اللحظة تذكرنى بمرة أخرى, فيلم(عمالقة البحار), الذى تدور احداثه فى فترة العدوان الثلاثى, و بطولة ضباط البحرية المصرية و صمودهم فى وجه المعتدين, و فى مشهد يظهر طاقم السفينة و قد استشهد كله, و على وجوههم امارات الطمأنينة و الهدوء, و أذكر أن الدموع وقتها قد طفرت من عينى.
مشهد آخر, كنت و صديق نتذاكر البطولات التى حدثت فى حرب أكتوبر, ذكر لى أنه قد حضر محاضرة ألقاها محارب قديم كان ضابطاً شارك فى الحرب, كان يتحدث عن النقاط الحصينة التى أقامها اليهود, و مدى صعوبة دكها و تدميرها و السيطرة عليها, فكان الاستيلاء عليها عن طريق الأفراد هو الوسيلة المتبعة, و كان الجندى يتحرك من تلقاء نفسه بدون تلقى أى أوامر, فيلقى نفسه فوق المدفع الرشاش البارز من النقطة الحصينة ليكون جسده درعاً , و ليحمى زملاءه و يفسح لهم الطريق للعبور و السيطرة.
أتخيل هذا المشهد فأقول لصديقى كفى, و عيناى تدمعان.
أتذكر لقاءً تليفزيونياً مع الشيخ حافظ محمد قائد المقاومة المسلحة فى السويس أيام حرب رمضان, يتكلم الرجل العجوز عن البطولات التى قام بها أهل البلد فى القتال مع اليهود, و كيف اضطروا الى دفن بعض الشهداء فى اماكنهم فى الشوارع, و تنتهى الحرب و تمر الأيام و تحفر الشوارع ليجدوا أجساد الشهداء كما هى بدمائها الساخنة, و ابتسامة الرضا على وجوههم, الأجساد الطيبة فى الأرض الطيبة التى تأبى أن تأكل أجساد الشهداء.
أستمر فى التذكر و فى الكتابة جنباً الى جنب, يمر أمام عينى شريط من مشاهد رأيتها فى أفلام سينمائية, أو وثائقية, أو لقطات حية من الأخبار, أتذكر شهداء سقطوا فى ميادين القتال فى سيناء و مرج عيون و كابل و الفلوجة و غزة, و أبرياء استشهدوا فى مذابح جماعية كما حدث فى سربرينتشا و جروزنى و جنين, أتذكر شهداء أحد الذين بكى عليهم الرسول صلى الله عليه و سلم, و شهداء مؤتة, و شهداء القادسية و اليرموك و الزلاقة و حطين و عين جالوت, أتذكر شهداء التل الكبير الذين راحوا ضحية الخيانة, و شهداء هزيمة يونيو الذين راحوا ضحية ال......
أتذكر شهداء الدعوة و الجهاد على مر العصور, أتذكر أن كل هؤلاء قد حملوا أرواحهم على أكفهم و بذلوا أنفسهم لكى نعيش نحن, و لكى تصلنا دعوة الله, و لكى تصبح كلمة الذين كفروا السفلى و كلمة الله هى العليا.
أتذكر أن أى شهيد هو فى الأصل مقاتل أو مقاوم أو مجاهد, و هذه هى الخطوة السابقة لكى تصل لهذه المنزلة, أو قل, لكى تصل لهذه الغاية, نعم هى الغاية طالما كنا ننتمى لأمة تبغى إحدى الحسنيين:نصر أو شهادة.
أتذكر سيدنا خبيب بن عدى و هو معلق فوق الصليب بين مشركى مكة و يقول لهم:
و لست أبالى حين أُقتلُ مسلماً.........على أى جنبٍ كان فى الله مصرعى
و ذلك فى ذات الإلهِ و إن يشأ.........يبارك فى أوصالِ شلوٍ مُمزعِ
أتذكر أحاديث مختلفة لرسولنا الكريم: من جهز غازياً فقد غزا, و من خلف غازيا فى أهله بخير فقد غزا.
من طلب الشهادة بصدق, بلغه الله منازل الشهداء و لو مات على فراشه.
أتذكر دعاء سيدنا عمر:اللهم أرزقنى شهادةً فى سبيلك, و اجعل موتى فى حرم رسولك.
أتذكر كل هذا و أكثر, و أردت أن تتذكروه معى.

الاثنين، 20 أبريل 2009

رأس الحربة



عندما كان المرء يعجب فى صغره لرؤية إسرائيل و هى تعربد فى الدنيا, و تفعل كل ما تفعله بدون حساب, و بتأييد مطلق من العالم الغربى و على رأسه أمريكا, فإن التفسير الذى كنا نجده ممن هم أكبر منا, أن هذا راجع لأن اليهود متحكمون بشكل كبير فى إقتصاديات الدول الكبرى, و أنهم لهذا يشكلون التوجه و القرار السياسى لهذه الدول.

هذا التبرير يوحى أن ساسة هذه الدول كأنهم مغلوبون على أمورهم, و كأنهم واقعون طوال الوقت لضغوط و إبتزازات من إسرائيل و من كل لوبى صهيونى فى الغرب, و فى المقدمة اللوبى الصهيونى الأمريكى, لكن ما نود أن نوضحه فى هذا المقال أن هذا التبرير قاصر إلى حد كبير.

فوجود إسرائيل من البداية هو ثمرة للتحالف غير المقدس بين اليهود و قوى الإستعمار الغربى, تحالف بين صهاينة من أديان مختلفة, نعم من أديان مختلفة, فالصهيونية كفكر ليست حكراً على اليهود, بل إنها كفكرة تنادى بعودة اليهود إلى فلسطين قد ظهرت بين مسيحيين قبل أن يتبناها من تبناها من اليهود أنفسهم.

كان من الممكن أن أضع علامة تعجب فى نهاية الفقرة السابقة يا قارئى العزيز, لكن الأمر كله ليس فيه ما يدعو للعجب, إن أى تحالفات غير مقدسة مثل هذه قائمة فى الأساس على مبدأ المصلحة, و كما قال تشرشل:لا توجد صداقات دائمة أو عداوات دائمة, توجد فقط مصالح دائمة.

الصهيونية المسيحية حينما نشأت و نادت بعودة اليهود (لوطنهم القومى) فى فلسطين, فإن هذا كله لغرض وحيد, هو تحقيق نبؤات الكتاب المقدس, و التعجيل بقيام حرب نهاية العالم(هرمجدون) تمهيداً لعودة المسيح و حكمه الألفى السعيد(يؤمن هؤلاء بأنه لابد لعودة المسيح أن يتجمع جميع اليهود فى أرض فلسطين, ثم تقوم حرب شاملة بين قوى الخير و الشر, و يعتنق من تبقى من اليهود المسيحية و تنتصر قوى الخير-النصارى-و يعود المسيح ليحكم العالم ألف سنة ينعم فيها العالم بالسلام التام).

أما الصهاينة اليهود, و جلهم من العلمانيين و غير المتدينين, بل و الملاحدة, فنظرتهم للمسألة اليهودية نظرة قومية عنصرية بحتة, و الصهيونية مشروع قومى إستعمارى إستيطانى من الدرجة الأولى, و عندما تعلم أن هرتزل كان لديه خيارات متعددة بخلاف فلسطين لكى تقوم الدولة العبرية عليها-شرق أفريقيا(كينيا و أوغندا), الأرجنيتين, مدغشقر, سيناء!-عندها ستدرك هذه الحقيقة, و ما كان إختيار فلسطين إلا لكى تكتسب الصهيونية بعدا روحيا يجتذب معه قلوب اليهود المؤمنين المتدينين, و يكون حافزاً لهم لترك أوطانهم و الهجرة, أو قل إن شئت(العودة لوطنهم الأصلى).

و لكى يتحقق هذا كان لابد من التحالف غير المقدس مع الإستعمار الغربى, و كان لابد من إقناع القوى الغربية بأن مصلحتها فى الشرق تكتمل بوجود جيب إستيطانى دائم لها فى المنطقة, يفصل بين الدول العربية, و يقطع الطريق على أى إتصال أو وحدة, و يكون مركزاً للفكر و النمط الغربى (المتقدم) فى الشرق(المتخلف), و يكون حتى منفذاً لتصريف البضائع الغربية-بما فيها البضاعة الفكرية-يعنى بإختصار, رأس الحربة للإستعمار الغربى.

طرق الصهاينة أبواب عدة دول فى رحلتهم هذه, فى أوج قوة العسكرية البروسية الألمانية فكروا فى ألمانيا, كما فكروا فى فرنسا(كان لنابليون سبق فى هذا المضمار عندما نادى يهود العالم أثناء حملته على الشرق بالعودة الى فلسطين!), و كانت إنجلترا هى الورقة الرابحة و التى تلاقت مصلحتها مع مصالح اليهود على طول الخط فكان وعد بلفور الشهير, و عندما غربت الشمس عن الإمبراطورية البريطانية إرتموا فى أحضان الوريثة الشرعية لقوى الإستعمار:الولايات المتحدة الأمريكية.

و كما كان تحالف هذه القوة الإستعمارية الصغيرة مع الإستعمار بكافة أشكاله, لم يجد الصهاينة من اليهود حرجاً من التعاون مع عدد من المعروفين بمعاداتهم الشديدة للسامية-قد تندهش عندما تعلم أن بلفور نفسه كان معادياً للسامية-و كان التعاون بين الصهاينة و النازيين تعاوناً مشهوداً, و كل هذا لتحقيق مصلحة مشتركة للطرفين, فللجانب الصهيونى:العمل على تهجير اليهود من أوروبا إلى فلسطين, و بالنسبة للإستعمار الغربى:التخلص من عبء وجود اليهود فى المجتمعات الأوروبية(بسبب النظرة العنصرية القومية, أو عدم قدرة اليهود على الإندماج, أو عدم الإقتناع بكون اليهود عنصراً صالحاً فى المجتمع الأوروبى من الأساس) و نعود مرة أخرى لنضيف أهم نقطتين اللتان نعتبرهما ملخصاً لهذا التحالف غير المقدس: الرؤية الصهيونية المسيحية لليهود التى توجب مساعدة اليهود على (العودة) لفلسطين, و من ثم إقامة دولة لهم و العمل على دعمها على طول الخط, و السبب الثانى, هو أن تصبح رأس الحربة لقوى الإستعمار, تطعن بها بلادنا فى القلب.

لذا فالدعم غير المشروط الذى تقدمه أمريكا مثلاً لإسرائيل ليس ضعفاً من أمريكا بطبيعة الحال, فإن وجود إسرائيل كدولة طفيلية مزروعة فى المنطقة مرتبط حتى الآن بشكل كبير بالهبات الرسمية و الغير رسمية التى تصلها من الغرب, من الحكومة الأمريكية فى شكل معونات الأسلحة و المعونات المادية, و من يهود الشتات و المسيحيين الصهيونيين الذين يقدمون دعماً ماليا ضخماً لضمان بقاء دولة إسرائيل.

لكن فى لحظات معينة حينما تتصرف إسرائيل تصرفاً ضد مصلحة أمريكا, فإن أمريكا تضرب على يدها على الفور, نذكر مثلين أحدهما قديم من الخمسينيات من القرن الماضى, حينما شاركت إسرائيل فى العدوان الثلاثى على مصر, و كان لتهديد الرئيس الأمريكى أيزنهاور و ضغطه على إسرائيل أثره فى التعجيل بإنسحابها, صحيح أن بن جوريون وقتها وعد الشعب الإسرائيل أن ما حدث-من ضغط أمريكى على إسرائيل-لن يتكرر, لكن هذا الوعد أكبر من بن جوريون ذاته.

المثل الثانى قريب, حيث أبدت أمريكا إعتراضاً كبيراً على قيام إسرائيل ببيع عدد من طائرات الإستطلاع المبكر بتكنولوجيا حديثة طورتها إسرائيل إلى الصين, و حينها لم تجد إسرائيل مفراً من إلغاء الصفقة حتى لا تغضب راعيتها و أمها أمريكا.

قد ينخدع البعض لرؤية كم التزلف لليهود الذى يبديه المترشحون للرئاسة الأمريكية, و حقيقى أن اللوبى اليهودى يمثل قوة ضغط داخلية كبيرة, لكن من جانب آخر, فإن لعبة السياسة و الإنتخابات و ما تتطلبه من حتمية إجتذاب كل الأصوات و رؤوس الأموال المؤثرة القادرة على دعم العملية الإنتخابية, كل هذا يوضح سبب هذا التزلف و النفاق, لكن أى دعم غير مشروط لإسرائيل بعد هذا هو قائم بصورة أساسية على دعم مصالح أمريكا و الغرب الإستعمارى فى بلادنا.

إن الحذاء الإسرائيلى لا يدوس على رقبة أمريكا, بل إن العكس هو الصحيح, و الطريق لسقوط تل أبيب يمر بسقوط واشنطن, لا تظنوا أن أمريكا ستتنفس الصعداء إذا سقطت إسرائيل, أو إختفى كل اليهود, إنهم حتى لم يعودوا يكتفون بوجود هذا الجيب الإستيطانى, و لا بإستعمارهم الإقتصادى و الثقافى لنا, فعادوا مرة أخرى للإستعمار بشكله الكلاسيكى كما هو حادث فى العراق.

إن تغيير السياسة الأمريكية فى الشرق الأوسط سيكون أحد العوامل الأساسية فى تفكيك إسرائيل, فإسرائيل بكل ما تبدو عليه من تقدم و تطور و إكتفاء لا تستطيع الصمود وحدها بدون دعم قوى الإستعمار, و أعود و أكرر كلمة الإستعمار و لن أمل من تكرارها , فالبعض يظن أن الإستعمار مصطلح كلاسيكى قديم قد ولى زمنه منذ ستينيات القرن الماضى, لكن الصحيح أن هذا المفهوم موجود منذ بداية التاريخ, و سيستمر و لكنه يتخذ صوراً و أشكالاً مختلفة حسب الزمان و المكان و تغير الظرف السياسى.

و نحن لن نربط مصيرنا برغبتنا فى أن يتعطف علينا الإله الأمريكى و ينظر لنا بعين العطف و يغير سياسته نحونا, فالخيار الأول و الأساسى هو الإستمرار فى المقاومة بكل أشكالها, و على رأسها المقاومة المسلحة, تسير معها أسلحة المقاطعة و دعم المقاومين مادياً و أدبياً و معنوياً, و نشر فكر المقاومة و روح الجهاد و إحياء العزائم و رفع الهمم.

القضاء على مخططات الإستعمار التخريبية فى بلادنا هو السلاح الثانى فى معركتنا, و أبرز مظاهر التخريب هو تخريب الجيل و القضاء على الشباب:فكرياً, و حتى جسدياً, و هو ما علينا أن نقاومه-كل حسب قدرته فى المحيط الذى يتحرك به-بتصحيح المفاهيم و رفع الغشاوات عن العيون, و أن ننتقل من مقاعد التنظير إلى العمل الفعلى.

و مخاطبة الرأى العام الغربى و إستمرار التواصل معه, مع الأحرار من الشعوب الأخرى, لكى تكون الصورة واضحة أمامهم, لكى يعلموا أن مصالح بلادهم ليست فى إستمرار الإستعمار, هذا التواصل مهم, فمع تزايد عدد المؤمنين بوجهة نظرنا تتولد قوة ضغط داخلية أخرى فى الغرب, قد لا تكون حتى الآن لها نفس تأثير القوى المعادية, لكن على المدى البعيد, ستنقلب الموازين, لأن العالم يتغير, و هذه من سنن التاريخ التى تعودنا عليها.

و قد يرى كثيرون أن هذه أوهام و أضغاث أحلام, لكن التاريخ علمنا أن دوام الحال من المحال, فهناك قوى تولد و قوى أخرى تغرب عنها الشمس, و هناك آخرون همل لا يؤثرون فى أى شىء, و لكن قد يصبحوا مؤثرين بدورهم فى فترة لاحقة-كحال العرب قبل و بعد الإسلام-المهم أن نتحرك و نعمل كى نكون بدورنا من المؤثرين لا من الهمل و الأتباع.

و لسوف يأتى اليوم الذى تنكسر فيه رأس الحربة بأيادينا, و ربما يكون هذا مقروناً بإنكسار الحربة ذاتها.


الجمعة، 13 مارس 2009

محمد


المشهد الأول:
قدم رسول الله المدينة فلما دخلها جاء الانصار برجالها ونسائها فقالوا الينا يا رسول الله فقال دعوا الناقة فإنها مأمورة فبركت على باب أبي أيوب فخرجت جوار من بني النجار يضربن بالدفوف وهن يقلن نحن جوار من بني النجار يا حبذا محمد من جار فخرج اليهم رسول الله فقال أتحبونني فقالوا أي والله يا رسول الله فقال وإنا والله أحبكم وانا والله أحبكم وأنا والله أحبكم .
عندما أتذكر هذا المشهد لا يسعنى إلا أن ابتسم و أنا أشعر بمدى حنو سيدنا رسول الله على أطفال المسلمين, و على حبهم الفطرى له, و على حبه الكبير لنا.
لو كنت طفلاً على عهد النبى, بالطبع كنت سأنال من هذا الحب, لكن حسبى أننى كمسلم أحتل مساحة فى قلب رسول الله, و أصابتنى دعوته من قبل أن أولد, حتى و لو لم يرنى.
المشهد الثانى:
أُتى النبي الكريم صَلى الله عليه وسلم بشراب فشرب منه وعن يمينه غلام وعن يساره أشياخ، فقال للغلام: "أتأذن لي أن أعطي هؤلاء". فقال الغلام: لا ، والله لا أؤثر بنصيبي منك أحدًا. فتلَّه ( أي وضعه ) رسول الله صَلى الله عليه وسلم في يده.
ما الذى دعا الغلام لفعل هذا؟ هل هى أنانية و قلة ذوق؟ بالطبع لا, إنه الحب.
و أنظر لرسول الله الذى إستأذن الغلام و إحترمه و لم ينهره, و أنظر لبلاغة الغلام و كيف عبر عن حبه لشخص النبى.
و كم تأثرت عندما اتصل بى شخص عزيز على ليدعونى على الغداء عنده, اعتذرت بلطف بأنى قد أكون مرتبطاً بموعد آخر, فكان رده:أنت وعدتنى أن تأتى عدة مرات, فإعتذر عن موعدك الاخر, فإنى لن أؤثر بنصيبى منك أحدا!!
المشهد الثالث:
بكي رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله الصحابة: ما يبكيك يا رسول الله ؟ قال: ( اشتقت إلي إخواني ) قالوا : أولسنا إخوانك يا رسول الله ؟ قال : ( لا أنتم أصحابي، أما إخواني فقوم يأتون من بعدي يؤمنون بي ولم يروني ).
نحن قد أتينا بعدك يا رسول الله, وُلدنا مسلمين لآباء مسلمين, فصرنا مسلمين بالوراثة و لكن يعلم الله أنه كلما عرفناك أكثر, أحببناك أكثر, و لقد آمنا بك و لم نرك, فهل نستحق مع كل ما نحن فيه أن نكون أخوانك؟
ربما قد أكون مفرطاً و غير جاد فى حبى, لكن كلامك هذا يعطينى الأمل.
لأنك تحبنا يا رسول الله.
المشهد الرابع:
كانت أمنا عائشة أم المؤمنين تسأل رسول الله:يا رسول الله كيف حبك لي؟ فقال صلى الله عليه وسلم : مثل العقدة في الحبل ٌ فكانت رضي الله عنها تسأله كيف حال العقدة؟ فيجيب هي على حالها.
ما أعظمك يا رسول الله !أهكذا كنت تحب زوجك؟
نعم, فكونك قائداً لأمة لا يتناقض مع كونك زوجاً عطوفاً, و رؤوفاً, و رقيقاً, و محباً لزوجك.
يعلم الله أنى هكذا سأحب امرأتى, فقط سأحتاج أن أكون محمداً, و أن تكون هى عائشة.
المشهد الخامس:
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس وكان أجود الناس وكان أشجع الناس ولقد فزع أهل المدينة ذات ليلة فانطلق ناس قبل الصوت فتلقاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم راجعا وقد سبقهم إلى الصوت وهو على فرس لأبي طلحة عريفي عنقه السيف وهو يقول( لم تراعوا لم تراعوا)
هذا رسول الله الذى وقف يوم حنين و قد تفرق الناس من حوله ليقول بأعلى صوت:(أنا النبى لا كذب, أنا إبن عبد المطلب), بأبى أنت و أمى يا رسول الله, ما أشجعك, و ما أقواك, إنى بمجرد قراءتى لهذه القصة أشعر بالأمان.
المشهد السادس:
عندما أسر المشركون سيدنا زيد بن الدثنة بعد وقعة الرجيع, سأله أبو سفيان قبل أن يقتلوه: " أنشدك الله يا زيد ، أتحب أن محمداً عندنا الآن في مكانك تضرب عنقه، وأنك في أهلك، قال: والله ما أحب أن محمداً الآن في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه، وإني جالس في أهلي، فقال أبو سفيان : ما رأيت من الناس أحداً يحب أحداً كحب أصحاب محمد محمداً ".
المشهد السابع:
و فى صلح الحديبية, وفد عروة بن مسعود من قريش ليتفاوض مع رسول الله, وجعل يُكلِّم النبي- صلى الله عليه وسلم- ويرمق أصحابه، فوالله ما انتخم النبي- صلى الله عليه وسلم- نخامةً إلا وقعت في كفِّ رجلٍ منهم.. فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمر ابتدروا أمره، وإذا توضَّأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلَّم خفضوا أصواتهم، وما يحدِّون إليه النظرَ تعظيمًا له.
فرجع عروة إلى أصحابه فقال:" أي قوم، والله لقد وفدت على الملوك، كسرى وقيصر والنجاشي، والله ما رأيت ملكًا يُعظِّمه أصحابه كما يُعظِّم أصحاب محمدٍ محمدًا، والله ما انتخم نخامةً إلا وقعت في كفِّ رجل منهم فدلك بها وجهه و جلده.
إن الحب الذى نكنه لرسول الله صلى الله عليه و سلم حب غريب, لن أقول إننا جميعاً نحبه بصدق, فإن المحب لمن يحب مطيع, و لذا فإن محبة الكثير منا له ليست جادة, لكن فى قرارة نفس كل مسلم و لو كان عاصياً, حب رسول الله راسخ.
يكفى أن تقص على أى إنسان سوى بعض المشاهد من حياة رسول الله, فلا يملك إلا أن يعجب به, و يعظمه, و يبجله, و ..و يحبه.
حب رسول الله راسخ فى قلوب جميع المسلمين, الحب الذى يوحدهم, به وحد الله العرب بعد أن كانوا قبائل متفرقة, إختاره الله لكى يوصل لنا الرسالة و يعلمنا الإسلام, إختاره الله و إصطفاه لكى ينقلنا من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد.
حب رسول الله المصطفى المختار عامل مشترك بين كل المسلمين على إختلاف ألوانهم و ألسنتهم, إن أنس لا أنس هذا العجوز الماليزى الذى كان يطوف بجوارى حول الكعبة, كنت أدعو ثم بدأت أصلى على رسول الله بصوت مرتفع:صلى الله على محمد, صلى الله عليه و سلم, فإذا به يدير رأسه إلى و هو يبتسم و يردد معى:صلى الله على محمد, صلى الله عليه و سلم.
لا أكتب هذا الكلام بترتيب معين, و لا أريد أن اردد أن حبنا الحقيقى لرسول الله يجب أن يتمثل فى التمسك بسنته و التطبيق العملى لها, فليس منا من لا يعلم هذا فى قرارة نفسه, لكن هذه الأسطر دفقة حب لصاحب الرسالة, و محاولة لإنعاش الحب و إيقاظه فى قلب غافل لاه, ليس حب رسول الله فقط, و لكن الحب بشكل عام, نتعلمه من محمد الرسول, و القائد, و الأب, و الزوج, و الإنسان.
إن حياة رسول الله مليئة بالمشاهد التى نتعلم منها, و التى ترقق قلوبنا و تبث فيها الأمل, و الرحمة, و الإصرار, و الأمل, و الحب.
كلما قسى قلبك, افتح كتاب الله, و اقتبس من نور النبى, اقرأ قليلا فى سيرته لتنتقل إلى عالم آخر, ثم إعمد إلى إيقاظ من حولك, ذكرهم بالقول و بالكتابة, و لا تجعل هذا مقتصراً على يوم الثانى عشر من ربيع الأول من كل عام, فالحب لا يمكن إختزاله فى يوم واحد, الحب الحقيقى يعيش و يدوم.
الحب ليس كلاماً فقط, ربما يكون الكلام أسهل وسيلة للتعبير عنه, لكنه ليس كلاماً فقط.
أحبك يا رسول الله, و حتى لو لم أكن صادقاً فى هذا الحب بتقصيرى, فإنى أعلم أنك تحبنى.
اللهم صل على محمد, و على آله و صحبه أجمعين.
صلى الله على محمد
صلى الله عليه و سلم.

الجمعة، 6 مارس 2009

ثقافة التصنيف

أعود بعد إنقطاع طويل لأتكلم من جديد عن ثقافة أخرى,هى برايى إحدى الثقافات التى نحتاج أن نتخلص منها,ألا و هى:ثقافة التصنيف.
و لعلكم تتساءلون عن كون التصنيف شيئاً نحتاج أن نتجنبه, و لست أتكلم هنا عن المبدأ بشكل عام, فقد اتفقنا من قبل أن تعميم الأحكام هو من أكبر الأخطاء, لكن ربما توضح الأمثلة المعنى الذى أبغى الوصول اليه.
فمن أمثلة التصنيف المذموم الذى هو موضوع هذا المقال, هو ما يقوم به عدد من الشباب الملتزم, و خصوصاً الأخوة المنتمين للتيار السلفى, من تصنيف كل من يقابلهم حسب الانتماء السياسى, و المذهبى, و العقائدى, و الدينى.
و كأن دراسة العقيدة قد صارت وسيلة فقط لكى يمشى الإنسان فى الشارع و يصنف كل من يقابله,فهذا أزهرى اشعرى, و هذا ماتريدى, و هذا صوفى نفر منه فرار السليم من الأجربِ!!
أما هذا الفتى الذى يتكلم معى عن ضرورة المشاركة السياسية و العمل الدعوى جنباً غلى جنب, فهو من الإخوان, فدعك منه و مما يقول.
و هذا الذى يحثنى على المشاركة فى المظاهرات و الإعتصامات و إستخراج بطاقة إنتخابية فهو ثورجى من حركة كفاية, تلك الحركة التى تضم خليطاً من الإخوان و اليساريين و المستقلين و الناصريين, فدعك منهم أجمعين!!
و أنت يا صديقى اليسارى الذى يفتخر بعلمانيته و فكره المستنير فى مواجهة الظلاميين الرجعيين, إنك بمجرد أن ترى أمامك شخصاً ملتحياً فإنك تصنفه كيمينى متأخر, و ترى أنه بأفكاره المتخلفة لا يساير الزمن, و لا يواكب التطور, و أنه ليس له القدرة على فهم الأمور و رؤيتها كما تراها, طالما أن هذه اللحية تحيط بوجهه, أو أن هذه الطرحة تغطى رأسها.
هل وصل المعنى الذى أتكلم عنه؟
إننى عندما أتحدث مع إنسان ما, و أعرف إتجاهه الفكرى, و مذهبه الدينى أو السياسى, و من ثم اضعه تحت تصنيف معين, و يكون نتيجة هذا التصنيف أن أرفضه كليةً و اضرب بآرائه كلها عرض الحائط, فهذا خطأ فادح, و ظلمٌ بين.
هذا الخطأ هو إمتداد لثقافة أخرى تكلمنا عنها من قبل, و هى ثقافة الإختزال, فقولبة البشر فى قوالب جامدة, و إختزالهم فى صور يرفضها العقل هو قصور فى الرؤية و ظلم فى الحكم, و هو التطرف فى حد ذاته سواء كان من يعتنق هذا الفكر يمينياً أو يسارياً, و الحقيقة أن كل الأفكار و الثقافات الخاطئة ترتبط ببعضها البعض بسلسلة بشعة, كما أن الفكر السليم و الثقافات النيرة ترتبط ببعضها بحبل متين.
قد أختلف معك فى نواحٍ عدة, لكن هل هذا يعنى أن كل ما يخرج منى هو خطأ بالتبعية, هذا إذا بلغ بك الغرور حدً يجعلك تظن أنك قد احتكرت الحقيقة لنفسك أنت و كل من يرى رايك؟
يا من تضع لمن أمامك تصنيفاً, و ثم بناءً على هذا التصنيف تحدد موقفك منه, من أنت لتحكم على البشر من مجرد مقابلة, و من أنت لتحكم على بطلان تفكير غيرك بالكامل لأنه يختلف عنك فى الرأى, أو المذهب, أو الإنتماء السياسى, أو حتى الدين؟

قد يكون 99% مما اقوله خطأ, لكن لا يوجد إنسان كل ما يصدر منه شر أو خطأ, كما أنه لا يوجد بالتبعية إنسان كل ما يصدر منه خير أو صواب, لسنا إما ملائكة أو شياطين, و لسنا بيضاً أو سوداً, فبين هذين اللونين مساحات متسعة و درجات متنوعة من اللون الرمادى.
إذا كان تصنيفك لى دافعاً لك لكى تضعنى فى إطار ترفض به كل ما يصدر منى, فليسامحك الله, و ليهدنى و إياك.
كل شىء فى الدنيا يندرج تحت تصنيف معين, طالما أن هذا الشىء كائن و موجود و محدد, و الإنسان الذى لا نستطيع أن نصنفه هو إما إنسان غامض لدرجة لا تستطيع معها تحديد توجهه, أو إنسان متميع ليس له مبدأ أو هدف محدد.
من أجل هذا ضع لى أى تصنيف تشاء, قل عنى أنى إسلامى أو علمانى, قل عنى أنى سلفى أو إخوانى أو صوفى, قل عنى أنى يسارى أو يمينى, لكن عندما تضع لى هذا التصنيف, لا تضع على علامة(إكس) و ترفض بالتبعية كل ما يصدر منى.
نصيحة لكل من يمتلك قلماً يضع به علامة صح او خطأ على غيره, أنظر لنفسك أولاً, و عندها ستعلم أنه ليس هناك من خير خالص أو شر مطلق, و قد تمتلك الحق فى أن تصنف نفسك, أو أن تظن أن غيرك يندرج تحت تصنيف معين, لكنك لا تمتلك ابدأ الحق أن تنفى عنه صفة الإيمان, أو العقل, أو الفكر لمجرد أنه يعتنق رأياً, أو مذهباً, أو ديناً لا يتماشى و ما تراه حضرتك.

الأحد، 25 يناير 2009

الصبر



يُحكى أن رجلاً أتى عنترة و سأله:كيف تهزم أعدائك؟
قال عنترة:بالصبر
قال له الرجل:بل تهزمهم بالقوة
فرد عنترة :بل بالصبر, و إذا أردت أن تتحدانى فى القوة, فضع إصبعك فى فمى و سأضغط عليه بضرسى, و إفعل معى المثل حتى نرى من الأقوى.
وضع كل منهم إصبعه تحت ضرس الآخر و بدأ كلاهما فى الضغط إلى أن رأى عنترة علامات الألم على وجه الرجل ثم خرجت منه آهه فتح فيها فمه فأخرج عنترة إصبعه ثم زاد من الضغط على إصبع الرجل حتى قطعه.
قال للرجل:لقد كنت أتألم أكثر منك, لكن ما جعلنى أنتصر هو أنى صبرت لحظة أطول منك.
فقال له الرجل:و لم قطعت إصبعى؟
فأجاب عنترة:حتى لا تنسى هذا الدرس.
ألأ
أحاول أن أكتب عن أحد المعانى المهمة التى أفتقدها-و أزعم أن الكثير مثلى يفتقدها-ألا و هو الصبر.
لكن ما معنى الصبر؟
هل الصبر هو مجرد قوة التحمل و الوقوف بصلابة فى وجه أى موقف صعب ؟
أم أن الصبر هو الجلوس و الإستكانة و عدم إتخاذ أى خطوة إنتظاراً لأن تمر العاصفة بسلام؟
إن الموقف الأول موقف قاصر, و الموقف الثانى هو السلبية فى حد ذاتها.
فقوة التحمل و الجلد تحتاج إلى ركن ركين كى تستحق أن يطلق عليها صبرا
هذا الركن الركين هو اليقين بالله, و حسن الظن به, و التوكل عليه حق توكله.
الإيمان بأنه القوى و نحن الضعفاء بين يديه, و أنه الغنى و نحن الفقراء إليه.
هذه هى القوة الحقيقية, فنحن لسنا اقوياء فى حد ذاتنا, و لكننا فى حال قوتنا نستمد القوة من اللجوء إلى ملك الملوك القوى المتين, من الله جل جلاله و عظم سلطانه.
و فى الوقت ذاته, فإن مصمصة الشفاه, و الجلوس بلا حراك, و إنتظار أن تتغير الأمور من تلقاء نفسها ليس صبراً على الإطلاق, و الذى يقنع نفسه بهذا هو إنسان ضعيف و سلبى و واهم, هو إنسان لا يعى الفارق بين التوكل و التواكل.
و القاعدة الإلهية تقول ((إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم))
إذا وقعت فى مشكلة أو أصابك بلاء, ففكر فى الأسباب التى أدت بك لهذا و حاول أن تغيرها ما استطعت.
إذا كان سببه تقصير منك, فإجبر تقصيرك, و ادع الله أن يعينك على هذا.
و إن كان سببه معصية تقوم بها, فكف عنها, و تب الى الله و استغفره و ادع الله أن يعينك على ألا تعود.
و إن كان سببه ظروف خارجة عن إرادتك, ففكر فى كيفية حل مشكلتك بالإمكانيات المتاحة, و ادع الله أن يفرج عنك.
فى كل أحوالك الزم الدعاء, الزم الركن الركين و الحصن المتين, فليس لك من أمرك شىء أيها العبد الضعيف, بل ((الأمر كله لله))
و فى أحلك الظروف تذكر قول الإمام الشافعى:
و لرب ضائقة يضيق بها الفتى .........ذرعاً,و عند الله منها المخرجُ
ضاقت فلما استحكمت حلقاتها ..........فُرِجَت و كنت أظنها لا تُفرَجُ
نعم يا عزيزى, دوام الحال من المحال, فقط خذ بالأسباب حتى يتغير حالك, و فى خلال ذلك, الزم الصبر ((إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب)), و اصحب ذلك بالدعاء((و إذا سألك عبادى عنى فإنى قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لى و ليؤمنوا بى لعلهم يرشدون)), و التقوى ((و من يتق الله يجعل له مخرجاً و يرزقه من حيث لا يحتسب)), و الإستغفار((فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا,يرسل السماء عليكم مدرارا, و يمددكم بأموال و بنين و يجعل لكم جناتٍ و يجعل لكم أنهاراً)).
الصبر مرتبط بالأمل و التفاؤل, و متناسب عكسياً مع اليأس و القنوط((إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون))
الصبر ليس صبرا إن كنت متعجلا(و لكنكم قوم تعجلون)
و ليس صبرا إن كنت عاصيا, فلا يعقل أن تنتظر العون من الله و أنت معرض عنه.
الصبر هو الثبات, سواء أمام المصيبة, أو أمام العدو.
الصبر هو الطاعة.
الصبر هو اليقين.
الصبر هو الخضوع.
الصبر هو التوكل.
الصبر هو الأمل فى الله.
الصبر هو حسن الظن بالله.
هل نستغرب بعد هذا حينما نسمع أن(الصبر نصف الإيمان)؟
إذا ألمت بك مصيبة فإياك ثم إياك أن تقول : لم يا رب؟إنى لم افعل ما يستوجب هذا البلاء, فإن هذا كله من وساوس الشيطان, فأمر المؤمن كله خير, إن أصابته سراء شكر, و إن أصابته ضراء صبر. فالصبر هو مقياس إيمانك الحقيقى يا أخى.
إن إيمانك الحقيقى بالله يجب أن يترجم ترجمة حقيقية فى مثل هذه المواقف, لأن الإبتلاء فى اللغة معناه الإختبار, فإذا كنت فى إبتلاء, فلربما كان هذا إختبارٌ من الله لقوة إيمانك, و تعاطيك مع الأمور فى هذه الحالة هو السبيل لنجاحك فى الإختبار, و لكى تنجح فلابد من أن ترضى بقضاء الله, و تصبر و تحتسب, و ما يدريك لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا.و تذكر أن المؤمن مبتلى.
و قد تحدث لك أشياء غير مفهومة, و تجد أن ما ترغب فيه لم يتحقق لك, فعندها تذكر أن لربك فى كل شىء حكمة, و أننا بعقولنا القاصرة لا ندرك هذه الحكمة, و أنت لا تعلم الخير و الأنسب لك, فلربما ليس مقدراً لك ما تتمناه على الإطلاق, و لربما كان مقدراً لك و لكن بعد حين, فإصبر و توكل على الله و ابذل جهدك و داوم على الاستخارة و الله يقدر لك ما فيه الخير.((و عسى أن تكرهوا شيئا و هو خير لكم و عسى أن تحبوا شيئا و هو شر لكم و الله يعلم و أنتم لا تعلمون))
و عندما تجد نفسك فى موقف صعب و تظن أنه ليس فى الكون من يعانى ما تعانيه, فتذكر نعم الله الكثيرة عليك, و تذكر أنك ما زلت افضل حالاً من الكثير من الناس, فاحمد الله على كل حال, و قل (اللهم أجرنى فى مصيبتى و اخلفنى خيراً منها)و اسأل الله أن يثبتك و يلهمك الصبر و السلوان.
اصبر إذا واجهت مشكلة, و إذا قابلت عدواً, و إذا فارقت حبيباً
اصبر و احتسب و توكل, و اعمل و اجتهد و لا تتواكل
اصبر و قلبك عامر بالإيمان بالله, و لا تركن إلى السلبية و توهم نفسك بأنك صابر.
الشعب الذى يصبر على الظلم و العسف و لا ينتفض لنيل حقوقه ليس شعباً صابراً, و لكنه شعب سلبى.
و الشعب الذى يقاوم رغم ضعف إمكاناته, و يسعى لكى ينال حقوقه, هو شعب صابر أبى.
و لنقرأ سوياً بعض ما ورد فى الصبر من الذكر الحكيم و السنة المطهرة:
((و بشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله و إنا اليه راجعون))
((إن الله مع الصابرين))
((يأيها الذين آمنوا اصبروا و صابروا و رابطوا و اتقوا الله لعلكم تفلحون))
(صبراً آل ياسر, فإن موعدكم الجنة)
(إنما الصبر عند المصيبة الأولى)
((فصبر جميل و الله المستعان على ما تصفون))
((و العصر .إن الإنسان لفى خسر.إلا الذين آمنوا و عملوا الصاالحات و تواصوا بالحق و تواصوا بالصبر))
أعتقد أنى لو أكملت هذا المقال بسرد بقية الآيات و الأحاديث التى ورد فيها لفظ الصبر, و تكلمت عن فضله, لكان هذا أبلغ البيان.
و سورة العصر قد قال عنها الإمام الشافعى: لو لم ينزل من القرآن إلا هذه السورة لكفت, لأنه أدرك هذا المعنى الهام, فكلنا فى خُسر إلا المؤمنين الذين يعملون الصالحات, و يتواصون بالحق و الخير و الفلاح, و كذلك يتواصون بالصبر فيثبت بعضهم بعضا, و يشد بعضهم أزر بعض, و هو ما نحتاج أن نفعله دوماً يا أخوتى.
هذا المقال تذكرة لى قبل أن يكون تذكرة لأى قارىء كريم, و هو كذلك تذكرة لشخص عزيز على جداً شاء القدر أن يمر معى بنفس الظروف التى نحتاج فيها لإلتماس الصبر أكثر من أى شىء.
و إنى أسأل الله أن يجزى كل أخ دعا لى و هون على و شد من أزرى و ثبتنى بكلمة أو بدعوة أو بتذكرة, فجزاكم الله خيراً أجمعين.
و الذى أطلبه من كل من تصله كلماتى أن يدعو لى بظهر الغيب أن يقضى الله حاجتى و يفرج كربتى و أن يجعلنى و إياكم من الصابرين.اللهم آمين.
يا رب
يا رب
يا رب.

الأحد، 28 ديسمبر 2008

غزة


ليس الوقت مناسباً للخطب و الكلمات المنمقة و العبارات الحماسية فقد شبعنا منها,كل منكم يرى الواقع الأسود الذى تعيش فيه الأمة, نعم الأمة كلها تعيشه و ليس أخواننا فى غزة وحدهم فمن لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم, و المسلمون كالجسد الواحد اذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر و الحمى.
هل الدموع و الآهات و الأسف و الحسرات تكفى؟ بالقطع لا, نحتاج لحلول عملية لكى نساعد أخوتنا
ماذا نفعل إذا؟
أسهل شىء هو الجهاد بالمال, أخوتنا فى حاجة لكل قرش نستطيع أن ندعمهم به, يحتاجون للغذاء و الدواء و الوقود, فمن يستطيع أن يوصل لهم من أموال الزكاة و الصدقات فليفعل, و فى مصر تستطيع المساهمة عن طريق لجنة الإغاثة بنقابة الأطباء و إتحاد الأطباء العرب.
لا تكتف بمالك فقط, شجع من حولك و ابدأ بأهل بيتك, ثم أقاربك و أصدقائك و معارفك, و لا تتوانى فى هذا.
فى الوقت ذاته, اعلم إنك ستقابل فى رحلتك هذه نفراً من ثلاثة: الأول مؤمن بما تؤمن به و يتحرك بإيجابية مثلك, و الثانى محبَط و يائس, و هذا يجب عليك أن تشد من أزره و تعينه لكى يكون إيجابياً مثلك, و أخبره أننا فى حرب دائمة مع عدونا و أن هذه إحدى الجولات و لكن النتيجة النهائية معروفة لنا حسب الوعد الإلهى, أما النفر الثالث فسيكون الطرف الأصعب , ستقابل من هو ناقم على أخوتنا فى غزة و هو يختزلهم جميعاً فى حركة حماس, و لسلن حاله يقول ما تكرره الصحف الرسمية و أبواق النظام, بأن حماس تستحق هذا لخروجها على (الشرعية), فلهذا النفر من الناس نقول لهم: أفيقوا, ليس الآن وقت السفسطة و الجدال و إلقاء اللوم على الآخر, المركب تغرق و الصاروخ لا يفرق بين شرطة حماس و بين الأطفال الرضع, كل من يموت هم مسلمون و بشر فى المقام الأول.
و أرجو أن يراجع كل منا نفسه فى هذه الظروف الحالكة التى تمر بها أمتنا, كلما تسلط العدو علينا فلنتذكر أننا فرطنا فى حقوق أنفسنا بتفريطنا فى أداء حق الله, فليراقب كل منا نفسه و يحصى الذنوب و الأخطاء التى يفعلها, آن الأوان لنكف عن المعاصى و نعود إلى الصراط القويم, كل من هو بعيد عن الله فليسع للقرب منه بأداء الطاعات و البعد عن المعاصى و الزلات, فلنصل الفجر, و لنلزم الدعاء, و لنتقن العمل, و لنشد من أزر بعضنا.
نحن فى حرب مستمرة, يجب أن نعى هذا جيدا, انسوا أوهام السلام و المعاهدة فنحن لسنا فى حالة هدنة حتى بل فى حرب و لكن بصور مختلفة حسب ظروف كل بلد, و الخطر ليس بعيداً عنا بأى حال من الأحوال.

((إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم))

الجمعة، 14 نوفمبر 2008

عودة طائر مهاجر



حينما بدأت بعون الله فى التدوين فى هذه المساحة, كان هذا فى ربيع هذا العام 2008, و كنت ما أزال أعمل خارج مصر.

و لعل المقال الماضى-فى ذكرى النصر-هو أول مقال أكتبه و أنا متواجد فى مصر فى أجازتى السنوية, لكنى أكتب هذه التدوينة الآن لأعلن لجميع أصدقائى و أخوتى فى الله أننى أكتبها من مصر أيضاً, و أننى بعون الله قد اتخذت قراراً بعدم العودة, و بإنهاء فترة الإغتراب التى امتدت لما يزيد على العامين و بضعة أشهر.

كان لكل من يعرف هذا القرار من أهلى و أصدقائى و معارفى رد فعل تجاهه, فمن مرحب بهذا القرار و مهنىء به و مشجع عليه, إلى من يستغربه كل الاستغراب, بل و يستهجنه كما توحى نظراته و إن لم ينطق بها لسانه.

لكن فى النهاية هذا قرار شخصى له أسباب عديدة و نابع من قناعات شخصية من الطبيعى أن تختلف من شخص لآخر, و قد أعاننى الله لإتخاذه بعد إستخارة و تفكير و الله المستعان.

و الحمد لله قد وفقنى الله لعمل هنا فى مصر, ليس فى مدينتى الحبيبة الإسكندرية, و لكن بالنسبة لى أى مكان داخل وطنى هو أفضل من الإغتراب و البعد عن الأهل.

فى المستقبل بإذن الله أنوى أن أكتب عن تجربة الغربة من منظورى الشخصى, و ليعذرنى أصدقائى و أخوتى لعدم قدرتى فى الفترة الماضية-و الفترة المقبلة-من متابعة كتاباتهم الجميلة و التعليق على رؤاهم و ذلك لعدم تمكنى حالياً من الدخول على النت إلا فى يوم الأجازة الذى أقضيه مع أهلى بالإسكندرية.

و إن كنت فى التعريف بنفسى فى هذه المدونة قد عبرت عن نفسى بأنى(شاب مسلم مصرى مغترب), فالآن يحق لى أن أمحو كلمة مغترب هذه, و لله الحمد و المنة.

و جل ما أرجوه من أخوتى و أصدقائى هو الدعاء لى بالتوفيق و السداد و الثبات فى هذه الخطوة, و فى الخطوات المقبلة بإذن الله.

و جزاكم الله كل الخير.