يعرض هذا الكتاب سيرة سينمائية لأحد رواد السينما المصرية، وهو المخرج
والمنتج حلمي رفلة، وذلك من خلال أوراقه الخاصة، والتي تنوعت ما بين خطابات منه
وإليه، ومقالات، وعقود ووثائق، بالإضافة إلى بعد ما دونه حلمي رفلة بنفسه عن بعض
ذكرياته.
بدأ رفلة حياته في السينما كماكيير، وقد سافر إلى فرنسا لدراسة هذا الفن
على حسابه أولاً ثم على حساب ستوديو مصر، ثم اتجه بعد ذلك إلى الإخراج والإنتاج.
وكان النمط السائد في أعماله هو الأفلام الخفيفة والاستعراضية التي تجمع بين
الغناء والكوميديا، وهو الذي قدم شادية في أول أعمالها، وكانت على علاقة وثيقة به،
بالإضافة إلى إسماعيل يس وتحية كاريوكا ومحمد فوزي وعبد الحليم حافظ وغيرهم.
لم يكن يعنيني التفاصيل الخاصة به كمخرج بقدر ما كنت أهتم بقراءة هذه
السيرة كمرآة لعصره من زاوية مختلفة، فما أكثر ما قرأت عن عهد ثورة يوليو 52 من
مذكرات السياسيين والعسكريين، ولكن هنا، نرى زاوية أخرى، عن علاقة الثورة
بالسينما، وعلاقة السينمائيين بالعهد الجديد في بدايته، وصولاً إلى سيطرة هذا
العهد على هذه الصناعة من خلال إطلاق مؤسسة السينما.
يذكر الكاتب أن في نفس عام الثورة، نشر محمد نجيب بياناً تحت عنوان «رسالة الفن»، جاء فيه:
«يمكن القول إن الفن عندنا كان ما قبل ٢٣ يوليو وربما حتى الآن صورة للعهد
الذي قامت نهضتنا للقضاء عليه، كانت الميوعة والخلاعة إلا في القليل النادر وهي
سمات للمسرح والسينما والغناء، ولم يكن أحد من المشرفين على هذه الوسائل ذات الخطر
العظيم في حياة الأمم يحاول أن ينحو بها نحو الفن كما يجب أن يكون، بل كان الجميع
- وهو ما يؤسف له - ينحو بهذه الأسلحة الخطيرة نحو التجارة، والتجارة الرخيصة في
أغلب الأحوال فما من فيلم إلا وأُقحِمَت عليه راقصة وإذا كان هذا قد حدث في الماضي
وسُكِتَ عليه فلأنه - كما قدمت - كان صورة من العهد الذي نعيش فيه. أما اليوم
فإننا لا نستطيع أن نقبل من الفن ولا من المشرفين عليه شيئًا من هذا الذي كان يحدث
في الماضي».
ولإدراك الثورة لأهمية استغلال السينما في الترويج لها، أُسندت لبعضهم مهمة
التواصل مع السينمائيين كمندوب عن الثورة، ومن أهمهم وجيه أباظة، ويذكر الكاتب بعض ما دار مع
الفنانين ومندوب الثورة حول السينما في الاجتماعات، حيث وافق المخرج أحمد بدرخان
على رأي مندوب الثورة أن تكون السينما عنوانًا للعهد الجديد، ولكن دون إغفال
وظيفتها الأساسية كأداة للتسلية. وعلَّق محمد كريم أنه لو أنتجنا أفلامًا عن
الثورة وأهدافها سيشعر الجمهور بالملل. وقال حسن رمزي إن المصريين شعب مرح، ولا بد
من وجود أفلام التسلية والترفيه، وليس معنى النهوض بالسينما أن تكون أفلامنا
«حزايني».
ثم يقول: (تعددت
الاجتماعات التي طغى عليها الحماس للثورة وأهدافها، ووصل التظاهر بالولاء لسلطة
يوليو حد أن ارتدى كل من أنور وجدي ومحمد فوزي ويوسف وهبي وفريد الأطرش الزي
العسكري في أثناء حضورهم اجتماعات اللجنة. ولم يتجاوز التظاهر بالاستجابة لمطالب
مندوب القيادة آنذاك حيز أفيشات الإعلان عن الأفلام. فكتب أنور وجدي على أفيش فيلم
«دهب»: «فيلم جديد نظيف في عهد جديد نظيف» وكتب حسين فوزي على أفيش فيلم «جنة
ونار»: «الفيلم الاشتراكي الاستعراضي الكبير» أما أحمد بدرخان فكتب على أفيش فيلمه
«الله معنا»: «تمشيًا مع العهد الجديد» رغم ذلك، يرى القليوبي أن الكوادر
القديمة قد استطاعت احتواء ثورة يوليو.)
كما ضرب أمثلة عن
تسلل أفكار ومفردات هذا العهد في الحوار السينمائي، فيضرب مثلاً بفيلم كوميدي (إسماعيل
يس في دمشق)، فيذكر الكاتب (تدور الأحداث التي لا تخلو من المغامرات العاطفية،
بين القاهرة وبيروت ودمشق. وفي النهاية، السعيدة بطبيعة الحال، يقول إسماعيل يس:
«أنا حاطط عيني على بنت سورية وهاخلف منها ذرية عربية متحدة». وهكذا، تقتحم مفردات
العهد الجديد دراما الفيلم).
أما أهم ما
يلفت النظر في الكتاب، هو مشاعر التوجس والترقب والخوف لدى السينمائيين من الضباط،
حتى في العام الأول للثورة، ومما يستحق أن يُقرأ ما كتبه حلمي رفلة بنفسه عن
الليلة السوداء التي قُبض عليه فيها لمحاولته زيارة تحية كاريوكا عندما دخلت
السجن، وما كتبه يُعتبر مشهداً سينمائياً لا يخلو من الكوميديا السوداء ويستحق أن
يُنقل كما هو، فيصف لحظة القبض عليه من إثنين من عساكر البوليس حينما ضُبط تحت
شباك السجن وهو يُكلم تحية كاريوكا، ثم قال:
(وسرتُ بينهما في دهشة بالغة لأنني لم أكن أعلم
ولا أشعر أنني على هذا الجانب من الخطورة، بحيث تتولى فرقة مسلحة الإمساك بي
والقبض عليَّ بمثل هذه الصورة، وفي الطريق قلت للضابطين موضِّحًا موقفي:
«أنا اسمى حلمي رفله»
ذلك أنني مؤمن بأن حلمي رفله مثل للسلم، لكنهما قالا: «إحنا عارفين!».
قلت لهما: أنا أنتجت
خمسين فيلمًا تُعرَض في الأسواق الداخلية والخارجية»، فقالا: «ربنا يخليهم لك». 😄
قلت: «أنا كنت بتكلم مع السيدة تحية في أنواع الأكل
اللي بتحبها وما كنتش باتكلم عن قنابل أو حاجات تهدد الأمن بشيء»، قالا: «إحنا
سامعين كل حاجة» قلت متسائلًا: «إذا كان اللي أنا قلته لا يهدد الأمن ليه
مسكتوني؟» فقالا: «تعليمات!» قلت: «أظن أنتم لمستم كل المميزات اللي تضمن وصولي
إلى أي مكان بدون إرهاب وبدون تجمهر الناس حواليا» وكان الضابطان على جانب من
الفهم فقالا: «إحنا علشان خاطرك حنسيبك ونقف بعيد وأنت امشي بعيد عننا بمسافة
معقولة واتجه نحو قسم الخليقة» وذهبت إلى قسم الخليفة فاستقبلني أحد الضباط
بابتسامة عريضة، فأحسست ببعض الأمان يسري في عروقي وطلب لي فنجانًا من القهوة،
وعندئذ أحسست أن الأمر بسيط، لكن القعدة طالت، ومرت فترة أحسست بعدها برغبة في
دخول دورة المياه، فأرسل معي أحد العساكر، ظننت في البداية أنه سيكون في خدمتي
فإذا هو حارس عليَّ، وعدت إلى الغرفة مرة أخرى على أمل استجوابي في بضع كلمات قبل
انصرافي، ولكن المسألة طالت والقعدة طالت أكتر وأكتر، وفجأة دخل أحد الضباط وهو
يسأل: «المتهم موجود؟» فقال أحد الموجودين: «أيوه موجود».
ولما لم يكن هناك أحد غيري في الغرفة، فلقد بدأت
أحس أن المسألة أكثر وأخطر وأعقد مما تصورت..! وأخذت الساعات تتوالى في بطءٍ قاتل،واقتربت
لحظات الغروب وجاءني ابني الكبير منزعجًا، حيث أبلغني أن راديو إسرائيل أذاع خبرًا
وأن محطة الإذاعة هنا نقلت الخبر عن راديو إسرائيل بالقبض على المخرج السينمائي
حلمي رفله، وأن محطة الإذاعة ردَّدت الخبر، فتجسَّم الأمر في ذهني، وأخذت الأوهام
تطوف برأسي خصوصًا بعدما أبلغني أن وفدًا من كبار الفنانين ذهب لمقابلة الزعيم
الخالد جمال عبد الناصر، وكان وقتذاك وزيرًا للداخلية سنة ١٩٥٣، والتمسوا منه
الإفراج عني، ولكنه أبلغهم أن الأمر في النيابة ولا يستطيع الإفراج عني اليوم! وكم
كانت دهشتي لهذا الكلام وأنا من المؤمنين بأن جمال عبد الناصر يستطيع أن يأمر بهدم
الهرم، فكيف لا يستطيع أن يأمر بالإفراج عني، إلا إذا كنتُ متهمًا في جريمة كبرى
لا أدري بها!
وأخذتُ أشرح لابني ببساطة الجُرم الذي ارتكبته،
وهو لا يزيد عن أنني كنت أتحدث مع تحية كاريوكا، ورجوته أنه في حالة أصابني سوء حظ
وظلمتني السلطات، وكم كان يحدث ذلك في كثير من الأوقات ومع الكثيرين من الناس
راحوا ضحية أحكام عقوبة وجرائم لم يرتكبوها! فلا أقل أن يؤكد لإخوته الصغار أن
أباهم كان رجلًا بريئًا لم يرتكب أي جرم.
وذهب نجلي للبحث عن محامٍ ليقف بجانبي، ولكني
أصررت على أن يجعل المحامي معه القانون الذي أقع أنا في حالتي هذه تحت بنوده، ولا
أعرف العقاب الذي ينتظرني!
وجاءني في المساء الأستاذ علي منصور المحامي
وأطلعني على القانون وعلى المادة التي أُحاكم من خلالها وهي تقول: «يُعاقب بغرامة
لا تزيد عن عشرة جنيهات كل من حاول زيارة معتقل أو سجين بأمر عسكري، ويُعاقب
بالسجن مدة لا تزيد عن ثلاث سنوات كل من فعل ذلك بطرق تحايلية»، فنظرت إلى الضابط
الذي قبض عليَّ وسألته: «أنت لما مسكتني أنا كنت مركب دقن أو متحايل..؟» فنظر إليَّ دون أن يرد على سؤالي.
»إذن
ليس هناك تحايل، واعتبروا ما حدث أقل شيء وخد ١٠ جنيه وسيبني»، فقال: «لازم
النيابة بكرة تحقق». وذهب المحامي وتركني في حجرة الضابط وجلست أستكمل شرب الفنجان
الخمسين من القهوة حتى بلغت الساعة العاشرة مساءً، ونظر الضابط برقة متناهية وقال
لي: «أنا مضطر وعملي خلص وعايز أمشي فتسمح حضرتك تتفضل جوه؟».
فسألته مندهشًا: «جوه، جوه فين؟ ما أنا جوه
أهو..!» فقال برقة: «لأ جوه شوية كمان..!» فسألته ببراءة: «اوعى تكون حتدخلني في السجن
ولا حاجة؟» فأجابني: «أهي ليلة تفوت ومعلهش!» فقلت له في فزع: «أي ليلة..؟ أنا لو
دخلت جوه هموت..!» وكانت الليلة توافق ٧ ديسمبر وكان الطقس في أقصى درجات البرودة!
فقال لي الضابط: «أنا آسف وأرجوك ماتحرجنيش، واتفضل بدون أي مقاومة». فسألته عندما
تأكدت أنه مُنفذ للتعليمات ولا يملك سوى تنفيذها: «هو البيه المأمور موجود؟»
فأجابني: «الظاهر إنه يعرفك، وهو مشفق على موقفك ومحرج منك، فروَّح وقال متتصلوش
بي!»
وأمام
كل هذا لم أجد مفرًّا من أن أقبل الدخول إلى السجن، ولكن الدخول إلى السجن يقتضي
تسليمي للشاويش رئيس حراس السجن، والذي أخذ يسألني إذا كان لديَّ أشياء ثمينة،
فأجبته: «معايا ساعة، بس أرجوكم تسيبوها لي علشان أعرف الوقت منها»، فسألني «معاك
حاجة تانية؟» فقلت له «معايا خاتم أهه في صباعي بس أنا تخنت شوية وما بقدرش أخلعه».
فقال: «أنا خايف حد من المساجين يعض صباعك ويقطعه علشان ياخد الخاتم». فقلت له
ثائرًا: «وازاي أنا اسمح له بكده؟ طيب ما أنا أنادي عليك على طول علشان تنقذوني»،
فأجابني: «يا أستاذ أنا مقدرش أدخل وسط قتالين قُتلة».
وما
إن سمعت ذلك حتى استولى الفزع عليَّ وملأني قوة، تشبثت بالباب وأنا أصرخ: «هاتولي
محمد نجيب هاتولي جمال عبد الناصر هاتولي عبد الحكيم عامر يا ناس يا مجرمين، واحد
بيقول لواحدة: إزيَّك. تحطوه مع قتالين قُتلة! أنا مش ممكن أدخل مع قتالين قُتلة.
اقتلوني أنتم علشان يبقى في إثبات» وحاول الضباط والعساكر أن يفكوا يدي القابضة
بقوة على قضبان السجن فلم يتمكنوا، بينما صراخي يملأ القسم، مما دفع الضابط
للاتصال تلفونيًّا بمسؤول كبير، ثم عاد على أثر المحادثة، ووافق على أن أنام في
غرفة يشغلها العساكر نهارًا لقضاء الأعمال المكتبية، وهي عبارة عن طاولة كبيرة من
الخشب وبضعة كراسي، وكان عليَّ أن أستغلَّ هذه الطاولة الخشبية الكبيرة كسرير
لأنام عليها، وكان فوق هذه الطاولة الخشبية لمبة كهربائية ذات قوة كبيرة لا تقل عن
٥٠٠ شمعة، ولم يكن هناك مفر من أن أطفئ هذه اللمبة وأنام في الظلام، وهذا ما لا
أستطيعه، أو أتركها موقدة وبيني وبينها مسافة لا تزيد عن نصف متر، فاخترت أن أنام
وأتركها مضاءة، الأمر الذي أتعبني بمتاعب نفسية وما زلت أعاني منها حتى الآن!
ومرت لحظات.. وإذ بطرقات على باب الغرفة تدق، ثم يدلف إلى داخل الغرفة أحد العساكر
ويسألني: «تحب تشرب قهوة يا أستاذ.. شاي.. أي حاجة..؟ ».
فشكرته
وطلبت واحد شاي، وبعدما أحضر الشاي ناولته جنيهًا، ناولته الجنيه وأنا خائف من أن
يعتبره رشوة فيوقعني في مشكلة تانية، أو أطلب منه باقي الجنيه فيسيء هذا الطلب لما
بيني وبينه من علاقة طيبة، ولكن ما دار بيننا من حوار خفَّف من درجة خوفي، وأدخل
الجنيه أو باقي الجنيه في إطار الإكراميات وليس في إطار الرشوة! ولم تمر لحظات
بعد تناولي لكوب الشاي، وإذ بعسكري آخر يطرق الغرفة ثم يدخل يسألني: «تحب تشرب
قهوة يا أستاذ. شاي. أي حاجة..؟» وتكرر ما حدث مع العسكري الأول حرفيًّا أو أقرب
ما يكون إلى ذلك وإذ بعسكري ثالث يدخل ويسألني: «تحب تشرب كوكا يا أستاذ؟». وتكرر
ما حدث مع العسكري الثاني بالضبط. وباختصار ما دفعته في تلك الليلة كان يتيح لي أن
أنام في الهيلتون أو الشيراتون كأحد أمراء الخليج أو ثري من أثرياء وكالة البلح!
وبعد
كل هذه السلسلة من الإكراميات التي دفعتها للعساكر الثلاثة نشأت بيننا صلة وثيقة
من الود والتعاطف، استطعتُ بها أن أنسى جدار الخوف بيني وبينهم، وهو الأمر الذي
شجعني وجرأني بمطالبتهم بأن يساعدوني في الحصول على غطاء يقيني شر برد شهر ديسمبر،
ولقد أظهر العساكر الثلاثة حماسًا وترحيبًا كبيرين لمساعدتي في تحقيق رغبتي هذه،
مما دفعني إلى سؤالهم: «هل أستطيع أن أطلب بيجامة أو غطاء من بيتي؟» فرد عليَّ
أحدهم قائلًا: «يا أستاذ، ده إحنا في الخدمة، ولو حبيت نجيب لك الست بنفسها هنا» 😄 وأمام هذا الموقف طلبت منهم الاتصال تلفونيًّا بمنزلي لكي يحضروا لي الأشياء
المطلوبة، وبالفعل اتصل أحدهم بالمنزل الذي كان في تلك الساعة مليئًا بالزائرين
والزائرات، وكانوا جميعًا يتحدثون مع زوجتي بصوت يصل إلى حد الهمس خوفًا من تسرُّب
خبر القبض عليَّ ودخولي السجن، إلى والدتي التي كانت بتكوينها الشخصي وسنها لا
تستطيع أن تتقبل مثل هذا الخبر، وأيضًا كان من الصعب للغاية، بل من المستحيل على
زوجتي النزول بالأشياء المطلوبة لي في مثل تلك الساعة المتأخرة من الليل.
لكل
هذا كان وصول مثل هذه الملابس والأغطية التي طلبتها أمرًا مستحيلًا، ومن ناحية
أخرى كان انتشار خبر اعتقالي قد وصل إلى بعض الزملاء والزميلات في الوسط الفني،
فكانوا يخشون الاقتراب مني أو حتى تقديم أي مساعدة لي، وقد عشت لحظات مليئة باليأس
والنفور من وضعي الذي أنا فيه بلا ذنب جنَيتُه، ولكن لم يستمر حالي على ما هو عليه
طويلًا، فسرعان ما سمعت طرقات سريعة على باب الغرفة وشاهدت يد أحد العساكر تفتحه بقوة،
ويدخل منه عليَّ الأمل الكبير الذي أعاد لنفسي الثقة في الصداقة والوفاء، وكان هذا
الأمل الكبير الذي أعاد لنفسي الثقة في الصداقة والوفاء ممثلًا في شخصية الإنسانة
والفنانة مديحة يسري، وهي التي عُرف عنها دائمًا الشجاعة والوفاء، وحين تلاقت عيني
بعينها أصابتني موجة من الضحك المتواصل «كريزة» ما لبثت أن انقلبت بكاءً بصوت
عالٍ، وقد علمت منها أن زملائي وزميلاتي الفنانين قد عقدوا عدة اجتماعات بعدها
تقابلوا مع الرئيس جمال عبد الناصر، وكان يشغل منصب وزير الداخلية ووعدهم بالإفراج
عني سريعًا وقال لهم: «سيبوه الليلة دي»، وأيضًا فهمت من السيدة الفاضلة مديحة
يسري أنهم يوجهون لي تهمة اعتناق الشيوعية والترويج لها في مصر، وكان ما أسمعه
منها أغرب وأعجب ما سمعته في حياتي، وذلك لأنني طوال حياتي لم أعتنق مذهبًا ولم
تكن لي أية اتصالات بمجموعات سياسية، ولكن حقيقة الأمر هو أن زوج تحية كاريوكا وهو
شخص لم أره في حياتي من قبل، قد اتُّهِم بالشيوعية وقد عثروا في منزله على بعض
المنشورات التي تدينه، ولذلك تم القبض على تحية، ولمجرد أنني ذهبت لزيارتها
للاطمئنان عليها صرتُ أنا الآخر وبالتبعية شيوعيًّا، الأمر الذي كان ساريًا
ومنتشرًا في ذلك الوقت.
لقد استطاعت مديحة يسري أن تُسرِّي عني همي وانفعالاتي السيئة المتضاربة والتي
كانت تحوطني في هذه الليلة، وجلست معي مديحة يسري ساعات طويلة تُطيِّب خاطري
تعاطفًا معي في محنتي، وهنا شعرت أن التعاطف مع الإنسان أثناء تعرضه لمحنته،
دائمًا ما يكون له أعمق الأثر في النفس! وتركتني السيدة مديحة يسري قبل بزوغ الفجر
ثم أخذتُ أترقَّب ما سيحدث لي في الصباح، وما هو مصيري فيه؟ وفي الصباح حضر نفس
الضابط الذي رأيته بالأمس واستدعاني إلى غرفته وأخبرني في أسلوب مرح أنه مطلوب فيش
وتشبيه لشخصي المتواضع، وأن هذا الإجراء يتطلَّب مني أن أقوم بوضع أصابعي العشرة
في أحبار سوداء مزعجة، ولكن الضابط أفهمني أنني سوف أُعامَل معاملة خاصة جدًّا،
وذلك بأن يحضروا لي كوزًا مليئًا بالجاز حتى أتمكن من غسل يدي فيه وإزالة ما يتعلق
بها من أحبار، وبعد ذلك كان المفروض أن أُنْقَل إلى مقر النيابة، وذلك بواسطة
السيارة المخصصة للمساجين الذين يتم تجميعهم من أقسام البوليس المختلفة، وامتدادًا
للمعاملة الخاصة التي وعدني بها الضابط أصدرَ أوامرَه بأن يكون مكاني في السيارة
بجوار السائق، وقد حدث أثناء توجهي لركوب سيارة المساجين أن فوجئت بمئات من أفراد
الشعب يلتفون حولي وهم يدعون لي بالبراءة، وقد أصابتني الدهشة واستغرقت في ذهول
كبير لروعة المفاجأة؛ فبالله كيف تسرب إلى هؤلاء خبر القبض عليَّ ووصوله إليهم
بهذه السرعة الخارقة؟ وكيف أنني أصبحت مشهورًا إلى هذه الدرجة ما بين يوم وليلة
واحدة؟ ولكني علمت بعد ذلك أن خبر اعتقالي قد أذيع لأكثر من مرة في إذاعة مصر
وإذاعة إسرائيل، وذلك تحت عنوان «القبض على المخرج حلمي رفله بتهمة الشيوعية»، وقد
اتجهت بنا سيارة المساجين إلى أحد أقسام البوليس الكبيرة، وهناك التقيت مع أحد
المختصين بـ«تفنيط» المتهمين الذي أمر بإدخالي وحدي إلى أحد العنابر الخاصة في
القسم، وقد كان خاليًا من أي شخص آخر غيري، ولما كانت لي سابقة في التعامل مع
العساكر حراس هذه العنابر وتجربتي معهم بالأمس، قد شجَّعني بالإسراع في طلب كوب
شاي من الحارس المنوط به حراسة العنبر وسلمته الجنيه المعهود، وحين أحضر لي الشاي
قال لي: «يا أستاذ، مفيش فكة»، فسارعت أنا بقولي «فكة إيه يا راجل هو ده وقته؟».
ومع مرور الوقت استطعت أن أكسب تعاطف وود حارس العنبر الأمين، وكان من مظاهر هذا
التعاطف أنه أدخل لي كرسيًّا حتى أستريح عليه، ولكن للأسف الشديد كان كرسيًّا بدون
قاعدة، ومع هذا فإن جسمي الممتلئ قد أنقذني من هذا المطَبِّ، ثم بعد لحظات
استدعاني الضابط لمقابلة وكيل النيابة المختص الذي انتهت عنده المرحلة الأولى من
التحقيق معي، وبعدها أمَرني وكيل النيابة بالانتظار في العنبر إلى ما بعد الظهر،
ولكنني حين بدأتُ طريق العودة إلى العنبر، وأثناء اجتيازي الردهة الموصلة وجدت
العسكري المتعاطف معي يُقبل عليَّ ويهمس في أذني: «خلي بالك من الرجل أبو دقن!»
وحين دخلت إلى العنبر وجدته أصبح مليئًا بأعداد كبيرة من المساجين، ولكنهم بلا
استثناء بدقون، لدرجة أنك لا تستطيع أن تميز بينهم واحدًا من غير دقن، ومع هذا
فكان من الواضح لي أن هناك شخصًا واحدًا من بينهم يكاد يكشف عن نفسه، لأنه كان في
حالة ثورة وهياج شديدة، ووجدتني أقترب من هذا الشخص وهو ما زال يردد كلماته
الساخطة على الحكم ويصب فيها لعناتِه القذرة على الحكومة، وعلى الفور فهمتُ أنه
الشخص المطلوب الاحتراس منه والحذر من الاقتراب إليه، وهنا قلت لنفسي ما معنى كلمة
أخلي بالي منه، أكان المقصود هو أن أسايره في الكلام والثورة التي هو عليها
اعتقادًا بأنه شخص مجنون قد يلجأ في لحظة طيش إلى الاعتداء عليَّ، أو كان المطلوب
مني أن أخالفه الرأي والقول بأنه من رجال البوليس ويريد الإيقاع بي؟!
وفي هذه الحالة لم أجد بُدًّا من أن أتخذ منه موقفًا معينًا، وهو أنني إذا وجدتُه
يلعن ويسب في الحكومة أنظُر إليه نظرات بلهاء ضاربًا كفًّا على كف، وأنظر إلى
السماء في توسُّل ودعاء لا يفهم منه أمنت أسايره أو أخالفه! ».
وإلى هنا ينتهي هذا
المشهد والذي به من الشواهد ما يكفي لنقل صورة العهد الجديد في عقول وقلوب أهل
الفن حينذاك، ويذكر الكتاب أيضاً طلب الاستعطاف أو الاسترحام الذي حاول بعض زملاء
تحية كاريوكا رفعه للسلطات - من خلال نقابتهم - للإفراج عنها، والذي رجح الكاتب أن
النقابة ربما خشت أن ترفعه أصلاً!
يتكرر في مساحات
كثيرة من الكتاب الحديث عن مأساة رفلة مع الدولة حينما أجبرته على تصفية شركته
وبيع أفلامه للدولة بثمنٍ بخس، وتكرار شكاويه عبر العهود بلا طائل. كما يتحدث عن
تجربته كمدير في الكيان الجديد الذي أسسته الدولة للسيطرة على الإنتاج السينمائي
(مؤسسة السينما)، ويتحدث كذلك عن الأشخاص المفروضين من الدولة على طاقم العمل،
والأثر السلبي لذلك على الإبداع، وشكاوى الممثلين من الإرهاب وسوء المعاملة،
وتعجبت من اقتصار بعضهم على الشكاوى المكتوبة رغم تعرضهم للسب العلني، وهو دليل
على سيادة مشاعر الخوف والتي تجعل الشكوى الأقرب للفضفضة هي سقف الممكن.
وفي الفقرة التالية لمحة
مختصرة عن هذا الكيان الذي وُلد مشوهاً ومثقلاً بقيود الاشتراكية وما يتبع ذلك من
خسائر مادية نتيجة للفساد ولتضخم الأجور، إلى أن اضطرت الدولة لتصفية هذا الكيان،
فيقول الكاتب:
(وفي
الاجتماع التمهيدي لتكوين الشركة، قَدَّم له أحد المختصين خريطةً تتضمن مجموعة من
الأفراد الذين سوف يساعدونه في العمل وكانت المفاجأة، أو الصدمة وحاول رفله أن
يشرح لهم أن شركته، التي كانت تنتج ربع ما يعادل إنتاج الجمهورية، ليس بها مع
مديرها سوى سكرتيرة واحدة، وكاتب حسابات، وساعٍ، فماذا سيفعل بكل هؤلاء؟ لكن أحد
الموجودين غمزه في قدمه حتى يصمت، وهمس في أذنه بأن هذا هو التنظيم الاشتراكي. كان
هذا الغامز هو المنتج حسن رمزي، الذي سبق أن غمزه من قبل عندما قال بصراحة للدكتور
حاتم: «ها أنا أصبحت مديرًا عامًّا وأتقاضى مرتب وزير لكنني أؤكد لك أن ما سيُصرَف
على هذه الشركة وغيرها من الشركات التي سيقيمها القطاع العام لو خُصِّص منه ١٠ ٪ فقط لتشجيع السينما وهي حرة
طليقة من هذا القطاع، لكان ذلك أجدى وأنفع للسينما والسينمائيين». وحين همس في
أذنه الغامز نفسه، بأن هذا لا يتماشى مع سياسة الدولة، أصابه الذهول، وتساءل: كيف
يمكن أن تتلخص سياسة الدولة في هذه المغامرة العجيبة؟ وهو لا يدرك أن هذه المغامرة
سوف تهوي على رأسه كمطرقة تُفقِده تَوازُنه ما تبقَّى من حياته.)
يُختم هذا الكتاب بفيلموجرافيا لحلمي رفلة، ثم ملحق للصور والوثائق، وأكثر ما لفت نظري في هذا الجزء، هو أن كل الخطابات المكتوبة بخط اليد – على اختلاف كاتبيها – قد جمع بينها جمال الخط وأناقته، وهو من بقايا التعليم في عهد ما قبل 52.



