السبت، 28 فبراير 2026

قراءة لكتاب (جنود وجواسيس وحكام:طريق مصر إلى الثورة) لحازم قنديل


إن دراسة التاريخ ليست بأي حال من الأحوال مجرد سرد للأحداث والوقائع التاريخية، وإنما هي في الأساس مبنية على قراءة المؤرخ أو الباحث أو الدارس لتسلسل الأحداث، وربط الوقائع بعضها ببعض، ومقارنة الروايات المختلفة، للوصول لفهم أقرب ما يكون للصواب، ولكي يستطيع الإجابة عن أسئلة من قبيل: كيف، ولم حدث ما حدث؟، وبالتبعية يكون لديه القدرة على استشراف ما قد يحدث في المستقبل القريب.

والكتاب الذي بين أيدينا هو دراسة ممتعة تمر بنا في تاريخ مصر الحديث، من قبيل يوليو 52، وحتى انتخابات الرئاسة في 2012، وليس الغرض منها هو السرد التاريخي، وإنما تحليل الأحداث عن طريق دراسة العلاقات بين أضلاع مثلث القوة الذي يمثل السلطة في مصر، والذي حدده الكاتب بأنه مثلث رأسه السلطة السياسية، وضلعاه: الجيش والأمن.
بنى الكاتب دراسته على فرضية تحمل الكثير من الوجاهة، وهي أنه من الخطأ والاختزال "افتراض أن الجيش وقوات الأمن يشكلان في الأساس "القبضة الحديدية" أو "الأيدي القوية" للسلطة أوغيرها من الاستعارات التي تصورها وكأنها مجرد توابع وليسا مؤسسات مستقلة ذات مصالح متمايزة. فالقوات المسلحة والمؤسسة الأمنية شريكان أساسيان في النظام الحاكم لأي دولة، إذ يعملان مع الجهاز السياسي وليس لصالحه، بغض النظر عما ينص عليه الدستور. تتطابق مصالح الشركاء الثلاثة عادة لتبرز وكأنها نموذج عن الوحدة فيما بينها، لكنها ليست كذلك أبدًا."

كما يذكر مقولة مكيافيلي "لا مجال للمقارنة بن الرجل المسلَّح وغير المسلَّح، ومن غير المنطقي أن نتوقع من الرجل المسلَّح الخضوع طواعية لآخر أعزل، أو أن يقف السيد الأعزل آمنًا بين خدمه المسلحين"

ثم يتساءل عن قدرة السلطة السياسية السيطرة على القوتين المسلحتين قائلاً: "فكيف يمكن للقادة السياسيين إخضاع شركائهم الأقوياء؟ عادة ما يتفاوض السياسيون وشركاؤهم على التراتبية التي تُحَدِد لكل جهة نفوذها في السلطة. والثقل النسبي لكل مؤسسة من المؤسسات الثلاث هو ما يجعل نظامًا ما سواء كان ديمقراطيًا أو غيره خاضعًا لهيمنة الجيش وأمنيًا استبداديًا. ولذا، يجب أن يبدأ تحليل أي نظام بإيضاح العلاقة بين مكونات "مثلث القوة" هذا، أو إزالة الغموض المحيط بها. وهذا هو جوهر الواقعية المؤسسية التي تسلط الضوء على الصراع المستمر على السلطة بين المؤسسات الباحثة عن مصالحها الذاتية داخل الدولة. إنها لا ترى الدولة كجسم موحد أو مترابط، بل كمزيج من المؤسسات لكل منها أجنداتها الخاصة لتعزيز نفوذها، والتي قد تكون أحيانًا متصارعة فيما بينها- بغض النظر عن الهدوء الظاهر- ومتحالفة مع بعضها البعض أحيانًا أخرى، لكن هدفها دائمًا هو تعزيز مصالحها الخاصة."

لكن هنا يجب أن نلفت النظر إلى أن قراءة التاريخ وتحليله بناءً على فرضية أو نظرية مسبقة قد تجعل الكاتب أحياناً يتعسف في تفسير الحدث، أو ينتقي من الأحداث ما يؤيد وجهة نظره، أو يجزم بأن صانع الحدث كان يخطط لكذا أو كذا، ناسياً أن الكثير من القرارات – وخصوصاً في الأنظمة المستبدة – يكون أساسها العفوية والارتجال، وليس التخطيط بعيد – أو حتى قريب – المدى بالضرورة، هذا غير دور الصدفة والغباء على تعبير إيريك دورتشميد، وهذا أشبه بالناقد الفني الذي قد يذهب في تحليل العمل الفني مذهباً بعيداً عما كان يدور في ذهن الكاتب أو المخرج نفسه. ومن وجهة نظري، أن فرضية الكاتب على وجاهتها، قد جعلته يذهب بعيداً حينما حاول اسقاطها على حرب أكتوبر، كما سيتضح لاحقاً.

أشار الكاتب إلى توافق الرؤى الغربية من قبل الثورة على الحاجة لوجود (زعيم عربي يتمتع بسلطة في يديه أكبر من أي زعيم عربي آخر في أي وقت مضى) وأن يكون (شخص يرغب بشدة في الحصول عى السلطة، من أجل السلطة فقط)، وأن خلاصة وجهة النظر الأمريكية- البريطانية المشتركة هي أن: "النوع الوحيد من الحكومة التي يمكننا أن نأمل في الحصول عى تسوية معها هي حكومة استبدادية صريحة...قاسية وعملية في آنٍ معًا... إننا نحتاج مصطفى كمال آخر لعلمنة بلاده وتغريبها... وذلك بالرغم من أن المصرين ليسوا أتراكًا، ولا يمكننا طلب رجال مثل مصطفى كمال كما لو كنا ننتقي طعامًا من قائمة في مطعم!". كما كانت وجهة النظر هذه متوافقة على ضرورة سيطرة حكومات عسكرية مستبدة لضمان عدم وصول الشيوعيين إلى الحكم، وأن العامل الأهم الذي يجب أخذه في الاعتبار هو استقرار الحكم، وهو ما ستوفره الحكومة العسكرية المستبدة.

استعرض الكاتب تكوين الجيش في مصر من قبل يوليو 52، والهزيمة في حرب فلسطين، ثم الصراع على السلطة بين ناصر ونجيب، وفشل نجيب في إدراك أن الشعبية الجماهيرية قد تُكتسب بسهولة وتتبخر بالسهولة ذاتها، وكيف استطاع ناصر تحييد والسيطرة على الاتجاهات المعارضة داخل الجيش، والحركة السريعة لاجهاض تمرد المدفعية ثم الفرسان، وعمليات التطهير المستمرة لضمان عدم بقاء أي اتجاهات مسيسة داخل الجيش قد تهدد استقرار النظام الجديد.

وتكاد تتبدى وجاهة فرضية الكاتب عن مثلث القوة أقوى ما تتبدى في الحقبة الناصرية، حيث كان الجيش بقيادة عامر دولةً داخل الدولة، ولم يتوقف هذا الوضع الشاذ الذي أودى بالبلاد إلى الهاوية إلا بعد هزيمة 67، ومرة أخرى كان تحرك ناصر وأعوانه أسرع من خصومهم في السيطرة على التمرد، وخلت الساحة باستقرار قمة الهرم السياسي، وتحييد ضلع الجيش في مثلث القوى.

طوال الحقبة الناصرية كانت هناك محاولات لتقوية ضلع الأمن بقيادة زكريا محيي الدين الوفي لعبد الناصر، لكن المشير ورجاله كانوا من القوة بحيث يحجمون هذه القوة. لكن المعادلة اختلفت بعد الهزيمة، وزاد هذا في عصري السادات ومبارك.

بدأ الكاتب تناول عصر السادات بفرضية أنقلها كما هي، فيقول: " في عام 1967 ، بدأ رجال عبد الناصر بنزع الطابع السياسي عن الجيش لكنه لم يستطع إتمام ذلك فمات وهو في مرحلة مبكرة من هذا العمل. وبدأت للتو مرحلة انتقالية للتحول من هيمنة الجيش على المشهد السياسي إلى هيمنة الأجهزة الأمنية.

ولذا، فإن شن أي حرب على إسرائيل وكسبها في هذه المرحلة يهدد بإعادة الجيش إلى مركز الصدارة. كما أن الفشل في أي حرب وتكبد الهزيمة مرة أخرى سيكون في أفضل الأحوال انتحارًا سياسيًا. أما الطريق الوسط فيما لو وُجد في أرض الواقع فقد كان ضيقًا وشائكًا، إذ يقضي بشن حرب ناجحة دون إعادة نفوذ الضباط إلى المشهد السياسي. ولا يمكن تحقيق ذلك إلا عبر تحقيق انتصار عسكري محدود، والأهم من ذلك ألا يفرز للمصرين رمزًا شعبيًا. إذ لا يمكن السماح بظهور بطل عسكري في أعين الناس لأنه قد يستأثر بولاء القوات المسلحة ويتصدر المشهد العام برمَّته. ولذا يجب أن يرى الجنود والمواطنون عى حد سواء أن تحرير سيناء إنجاز سياسي في المقام الأول لا عسكري، وأن يبدو المجهود الحربي ثانويًا في مقابل الدور السياسي. في هذا المنعطف الحرج، استغل السادات موهبته في التخطيط إلى أبعد حدود. تطلب هذا النجاح إسراتيجية حذرة وصلبة، إذ سيوظف الرئيس بعضًا من أفضل الجنرالات المصريين في مهام قصيرة الأجل لإنجاز مهام عسكرية صعبة قبل عزلهم -ويفضل حينها تشويه سمعتهم- كي لا يتمكنوا من ترجمة إنجازاتهم العسكرية سياسيًا. فهل بالإمكان القيام بذلك؟ هذا ما سيتناوله هذا الفصل."

والحقيقة أنني أرى في هذه القراءة قدراً كبيراً جداً من الشطط والمبالغة، فالظن أن السادات تعمد الدخول في حرب محدودة والخروج بنصر محدود فقط للسبب المذكور أعلاه هو مقامرة وأمرٌ غير منطقى وغير معقول بالمرة، حتى مع محاولات الكاتب من خلال سرده لوقائع الحرب وإيحائه بأن السادات كان يتعمد (فرملة) تقدم الجيش أثناء الحرب، فمع قناعتي الشخصية بأن السادات ضيع الكثير من الفرص، وكانت أوامره وتدخلاته من أسباب ضياع ثمار النصر، فإن قناعتي أيضاً أن قرارات السادات كانت مبنية على حسابات خاطئة، وقناعات شخصية منحطة منبهرة بأمريكا وترى (كل أوراق اللعبة في أيديها)، وكان السادات مسرفاً في إعطاء الأمريكان واليهود أكثر مما كانوا يحلمون به، وبالتالي كان يحرق أوراق مساوماته قبل أن يكسب مقابل ما تنازل عنه، وقد أدرك كيسنجر هذه الحقيقة مبكراً، ولعب عليها جيداً جداً. وعلى كل حال، يحتاج القاريء لمراجعة دقيقة لمذكرات العسكريين والدبلوماسيين المحيطين بالسادات خلال هذه الفترة ليكون قناعاته الخاصة حولها.

أما سياسة السادات مع العسكر، فبعيداً عن الدراسة التي بين أيدينا، فالمطلع على تاريخ السادات يرى أنه كان يزيح باستمرار كل من كان له فضل عليه في لحظات ضعفه – كما فعل مع الليثي ناصف ومحمد صادق – وكان يزيح أيضاً من لا يتوافق مع رؤيته، وقد تعمد لأسباب مفهومة تعيين أحمد إسماعيل (المريض) كوزير دفاع، ورغم تاريخه السيء مع رئيس الأركان الشاذلي، لكن على جانبٍ آخر، فبعد الحرب عمد إلى زيادة قوة الشرطة وحجم قوات الأمن المركزي، والحرص على تغيير قيادات الجيش أولاً بأول، خصوصاً حينما يكون من الواضح عدم تقبلها لتوجهه وطريقته في المفاوضات مع العدو.

لكن من الأجزاء اللافتة في الكتاب والتي تثير التأمل – والأسى في الوقت ذاته – هو الحديث عن أثر الاستبداد السياسي في الأداء العسكري للجيش، فننقل كلامه هنا لأهميته على طوله بتصرف، حيث يقول: "الحكام المستبدون لا يتحملون فكرة القائد العبقري الذي يبرز في الحرب ويستثمر إنجازاته وأمجاده في ساحة المعركة للوصول إلى منصب سياسي. لذا، تستبق الأنظمة الخائفة صعود هؤلاء الأبطال العسكريين الذي ولدوا في ساحة المعركة من خلال جعل القرار العسكري مركزيًا وحصره في بعض الجنرالات الموثوق بهم.

إن أسلوب الحرب الذي تمليه السياسة صارم للغاية بحيث لا يسمح بإستراتيجية "حرب الحركة" المتفوقة التي تعتمد على مناورات ديناميكية وعفوية، فتتطلب ضباطًا متوسطي الرتب ومستقلين يتخذون القرار بشكل ارتجالي في المعركة دون أوامر مسبقة. وقد ثبتت فعالية هذا النوع من الحروب تاريخيًا عبر معارك الفيلق الروماني والقوات الاتحادية الأمريكية والفيرماخت الألماني وآخرين، وهي أيضًا إستراتيجية القتال المُحبَّذَة لإسرائيل منذ عام 1948.

وعلى النقيض من ذلك، أثبت أسلوب الهجمات الثابتة والدفاع في الخنادق الذي اعتمد عليه الجيش المصري في الحروب مرارًا وتكرارًا أنه دون المستوى المطلوب.

لذلك يستطيع أي باحث في الحروب العربية الإسرائيلية أن يلاحظ قوة مصر في قدرتها الدفاعية العنيدة، في حين أن ضعفها الرئيسي قد يُعزى إلى عجزها المستمر عن شن حرب خاطفة متحركة. لقد عانى السلوك الحربي المصري في ظل هيكل قيادة وسيطرة شديد المركزية للضباط الميدانين يمنع الارتجال والمبادرات غير المصرح بها، و"يسفّه بشكل تام مبادرات صغار الضباط، وهم الكادر الذي تعتمد عليه الحرب المتنقلة".

برز هذا الضعف خصوصًا خلال حرب أكتوبر، فبالمقارنة بالفوضى التي سببها أمثال أدان وأرئيل شارون اللذان شقا طريقها خلف الخنادق المصرية وأحدثا الثغرة، كان قادة الفرق والألوية المصرية مقيدين بقرار حفنة من الجنرالات القدامى القابعين في مركز "العمليات 10 " بالقاهرة. وعندما سُئل ضابط مصري متوسط الرتبة خلال مقابلة بعد الحرب عن القائد الميداني الأكثر حيوية من وجهة نظره قال ببساطة "وزير الحربية أحمد إسماعيل". وعندما سُئل قائد الدبابة- الذي اشتكى من أنه كان على بُعد نصف ساعة من ممر متلا... نصف ساعة فقط"- عن سبب عدم سيطرته على هذه المواقع ذات القيمة الإسراتيجية، هز كتفيه وقال "اسألهم في القاهرة". كما سُئل صغار الضباط عن سبب عدم ردهم على الخرق الإسرائيلي للخطوط الأمامية المصرية في الدفرسوار بالسرعة الكافية، فقال أحدهم موضحًا "لشن عملية يشارك فيها الجيشان الثاني والثالث تحتاج لتعميم أوامر تحمل توقيع أربعة ضباط أركان مختلفين".

في المقابل، عندما سئل مؤسس جيش الدفاع الإسرائيي ديفيد بن غوريون عن أهم منصب في دولة إسرائيل أجاب دون تردد "قادة الكتائب... هؤلاء هم الرجال الذين يحمون مستقبل إسرائيل". وخلص الكولونيل نورفيل دي أتكن الذي تراكمت لديه سنوات من الخبرة في تدريب الضباط المصرين إلى أن "ضابط الصف في الجيش الأمريكي يتمتع بسلطة مماثلة لضابط برتبة عقيد في جيش عربي". انتهى.

تناول الكاتب علاقات مثلث القوة خلال عهد مبارك، ووضع الجيش خلال عهد أبو غزالة، ثم تقوية الداخلية لتصل إلى ما وصلت إليه في عهد حبيب العادلي، وتراجع وضع الجيش خلال هذه الحقبة إلى أن حدثت ثورة يناير، وانحياز الجيش لها في ظل تلاقي المصالح وخصوصاً أنها كانت أكبر فرصة لايقاف مشروع التوريث.

لم يتناول الكاتب المرحلة الانتقالية بالكثير من التفصيل، في الأغلب لأنه كان على وشك إنهاء الكتاب قبل الثورة أصلاً، لكن لفت نظري ما كتبه عن جماعة الإخوان، وأنقل هنا أولاً هذه الفقرة التي كتبها عن موقفهم خلال عهد نجيب، فيقول: "لم يتعاطف نجيب مع الإخوان الذين وقعوا في فخ واضح. فسذاجتهم- من وجهة نظره-أعمتهم عن رؤية حقيقة أن عبد الناصر استخدمهم لتوطيد سلطته وحسب. ومن السهل ملاحظة الطمع والسذاجة اللذان تعاملت بهما الجماعة مع كافة الصفقات السرية طوال تاريخها، ما جعلها عرضة لتلاعب الملوك أو رؤساء الوزراء أو أي شخص في موقع الحكم والمسؤولية؛ وقد ظهر هذا الاتجاه نفسه عام 2011 في علاقة الإخوان بالضباط الذين تولوا السلطة بعد انتفاضة 25 يناير الشعبية."

ثم يقول عنها بعد ثورة يناير: "كانت جماعة الإخوان المسلمين حينها قد أتمت عامها الثمانين منذ التأسيس، وهي حركة إصلاح بيروقراطية للغاية تلاعب بها النظام على الدوام (لتخويف الليبرالين في مطلع الخمسينيات، واليساريين في السبعينيات، والإسلاميين المتشددين في الثمانينيات والتسعينيات، والأمريكين طوال الوقت)، قبل أن تُستبعد من المشهد (عادة إلى السجن) بمجرد أن ينتهي دورها."

انتهى الكتاب بانتخابات الرئاسة في عام 2012، والكتاب مع كونه ممتعاً للقاريء، ويثير فيه العديد من التأملات والأفكار – والشجون أيضاً – خلال رحلة قراءته، لكنه في الوقت ذاته لا يخلو من بعض المبالغات والشطط في بعض المواضع كما ذكرنا، وهو في الوقت ذاته لا يصلح لأن يكون قاعدة مضطردة يمكن تطبيقها على كل الأنظمة ولا كل المراحل، فالأنظمة في الديمقراطيات الغربية المستقرة لها تحليل مختلف لعناصر القوة والسيطرة، وحتى الملكيات الريعية كما في دول الخليج مع كونها هي أيضاً حكومات مستبدة، فلا يصلح نفس النموذج من وجهة نظري للإسقاط عليها، بل وحتى الجمهوريات العربية المستبدة، سواء عراق صدام أو سوريا الأسد، فإنها نماذج قد تقترب من النموذج المصري في أشياء، وتبعد عنه كثيراً في نواحٍ أخرى. وحتى تطبيق نفس النظرية على مصر فيما بعد 2012 يجب أن يكون له محاذيره، لأن من البديهي أن علاقة الصراع بين جناحي السلطة في عهد عبد الناصر كان نابعاً بشكل كبير من كون الضباط الأحرار في الأصل (أقران) و (مسيسين)، وإن كان ناصر قد استطاع تحجيم الجميع، فإنه لم يستطع ذلك مع عامر، فكان ما كان، لكن هذا الوضع انتفى تماماً فيما بعد ذلك.

أختم تعقيبي على الكتاب بأن أهم ما سيخرج به القاريء، وخصوصاً وهو يتأمل فكرة صراع المصالح بين عناصر مثلث القوة، هو أنه للأسف ستترسخ لديه هذه قناعة أنه (مفيش فايدة)!


السبت، 12 يوليو 2025

قراءة نقدية لكتاب: يأجوج ومأجوج ولقاء مع ذى القرنين


بدايةً، وقبل أن أكتب تعقيبي على هذا الكتاب، لابد من أؤكد على أمرين:

أولهما: أني بالقطع لست ضد الاجتهاد، وكما علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن للمجتهد أجران إذا أصاب، وأجرٌ إذا أخطأ، وكثيراً ما أصادف اجتهاداً لم يسبق صاحبه إليه أحد، فأطرب لما أقرأ إذا اقتنع عقلي به، ولا أؤاخذه إن خالفته الرأي ولم أقتنع باجتهاده، طالما أن هذا الاجتهاد لا يمس أسساً عقيدية، أو ركناً من أركان الدين.

وثانيهما: أنه ليس لي موقفٌ شخصي تجاه كتابات د.أسامة الشاذلي صاحب هذا الكتاب، على العكس تماماً، فقد أعجبتني كثيراً روايته الأولى (أوراق شمعون المصري)، وكتبت عنها مثنياً على الفكرة وما بذله فيها من مجهود، وصحيح أنني لم تُعجبني روايته الثانية لأسبابٍ بينتها، لكن تظل كتابات الرجل شاهدة عن كاتبٍ متميز.

ولكني في كتابه هذا أجدني مغرداً خارج السرب، فكل التعقيبات التي قرأتها تثني عليه وعلى اجتهاده، ولقد تعرفت على موضوع الكتاب بدايةً من بودكاست مع الكاتب، ولم أر أن اجتهاده قد يكون مقبولاً وصحيحاً إلا في تفسيره لقول الله تعالى (حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَىٰ قَوْمٍ لَّمْ نَجْعَل لَّهُم مِّن دُونِهَا سِتْرًا)، بأنها تعني أن هذا المكان ليس المعني به هو (مشرق الشمس)، وإنما هو مكانٌ تطلع عليه الشمس ويستمر نورها ولا يغيب، وهو أمرٌ لا يتحقق إلا في الدائرة القطبية، وقد أقر الكاتب بأن هذا الرأي قد ذكره كلٌ من الشيخ الشعراوي ود.مصطفى محمود، عليهما رحمة الله.

أما ما سوى ذلك، فأختلف معه، ولم أقتنع به، وأكتب محل الخلاف بإيجاز، لأن هذا التعقيب ليس بحثاً علمياً، وقد يكون رأيي نفسه خطأ، ولكن هذه قناعتي الحالية، والله بغيبه أعلم.

سأقسم اعتراضي على الكتاب إلى نقاط خلاف منهجية، ثم نقاط خلاف على التطبيق، من واقع بعض تأويلات د.أسامة الشاذلي في كتابه.

فإذا بدأنا بالمآخذ منهجية، فأولها أن الكاتب قد ذكر أن منهجيته هي الاقتصار على آيات القرآن، وما اتفق عليه الشيخان البخاري ومسلم، والإعراض عما لم يرد في الصحيحين من أحاديث، والحقيقة أنه مع علو مرتبة الصحيحين، فإنه بشكلٍ عام – لا في هذه الحالة فقط – فإن الاقتصار على أحاديث الصحيحين والإعراض عما ورد في بقية دواوين السنة، كبقية الكتب الستة أو المسند وخلافه، يحرم المسلم من خيرٍ عظيم، وكذلك الاقتصار على الأخذ بالصحيح، دون النظر للأحاديث التي تدنوه في الرتبة، طالما أن الحديث لم يدخل ضمن دائرة الموضوع بكل تأكيد. والخلاصة، أنه في هذه الحالة، كان ينبغي دراسة حالة كل حديث متعلق بالقضية محل النقاش، ودرجته من الصحة سنداً ومتناَ، لا غض النظر عنها لمجرد أنها لم ترد في الصحيحين.

وثاني المآخذ هو تكرار الكاتب لقوله (أشار بعض العلماء أو المفسرين)، دون أن نجد أمثلة على هؤلاء العلماء أو المفسرين لنرجع لتفاسيرهم، ويُستثنى من ذلك ذكره للشيخ محمد رشيد رضا.

أما المأخذ الثالث، فهو البدء بمقدمات خاطئة، والانطلاق منها بعد ذلك لنتائج أرى بالتبعية أنها خاطئة، وبالتالي تأتي التفسيرات للآيات والأحاديث بها قدر من التأويل والتعسف، وذلك في رأيي الذي لا أُلزم به أحدا. فهو قد وضع الفرضية في صورة الحقيقة الراجحة، ثم عاد ليدلل على ما رآه الحق بتأويل النصوص التي اختارها بشكل انتقائي. ومن تبعات هذا المنهج أنه عندما افترض صواب تفسيره للمعنى اللغوي ليأجوج، وأنها من تأجج النار، ومأجوج، وأنها من الماء شديد الملوحة، بنى نظريته كلها، دون أن يفترض أن تفسيره اللغوي قد يكون جانبه الصواب، وسأضع في نهاية تعقيبي تفسيراً لغوياً آخر يوضح هذا.

أما المأخذ الرابع، فهو العزوف عن التأويل المباشر المتواتر من واقع القراءات للنصوص القرآنية والنبوية لبعض أهم الغيبيات مثل الدجال ويأجوج ومأجوج  - والذين لا نتصورهم إلا في شكل أشخاص أو مخلوقات أياً كانت صورتها -، وتصور وجود تفسيرات رمزية أو مادية لهذه الغيبيات، ففي حالة الدجال يصبح رمزاً للزيف وعلو الباطل، وكأن هذه الأمور لم تحدث على مر العصور وستنتشر فقط في آخر الزمان، وكذلك تصبح يأجوج (الحمم البركانية)، ومأجوج (تسونامي).

وأستطرد هنا قليلاً، فإني أتفهم – بل وأؤمن – أن من إعجاز القرآن، أن بعض الألفاظ القرآنية قد تأتي مستوعبةً لأكثر من معنى، يلائم تغير الأفهام على مر العصور، فالعربي البدوي حين سمع قول الله تعالى (وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ۚ ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ) فهمه حسب تصوره للكون وقتها، ونحن الآن في عصرنا نفهمه بشكلٍ أوسع تبعاً لما وصلنا إليه من علمٍ بحركة الأجرام السماوية، لكن في النهاية، اللفظ متعلق بأمرٍ واحد هو حركة الشمس، فهمها السابقون بطريقة وفهمناها نحن بطريقة، وكل هذا فيما يتعلق بالأمور المحسوسة التي نعاينها لكن قد يختلف فهمنا وتفسيرنا لتفاصيلها تبعاً لتطور العلوم والفهم، لكن فيما يتعلق بالغيبيات التي لم نشهدها – ونسأل الله ألا نشهدها – فهل كان من الصعب على العقلية البشرية في العصور الماضية أن تتقبل فكرة أن يأجوج ومأجوج هي كوارث طبيعية؟ لا لم يكن من الصعب بالطبع، وخصوصاً أن الآيات والأحاديث المتعلقة بأشراط الساعة قد حدثتنا عن الزلازل مثلاً،  فكان من الممكن أن يُعبر عن يأجوج بأنها النار، وعن مأجوج بأنها الطوفان، لكن الذِكر المباشر ليأجوج ومأجوج بصيغة الأعلام لا معنى معه إلى التأويل المتعسف لتحويلها لأشكال مادية، وهذا التأويل المتعسف في حد ذاته قد تحول من نتيجة وصل إليها الكاتب ليصبح مقدمة خاطئة قادته لتأويلات أكثر سخفاً للنصوص الواردة في هذا الباب.

والمأخذ الخامس هو جزم الكاتب بكون بكون بعض الأمور الغيبية التي لم نشهدها – سواء حدثت أو لم تحدث بعد – هي بعض الظواهر الطبيعية التي تحدث في عالمنا المعاصر، كتأكيده بأن طوفان نوح كان تسونامي، في حين أن الآيات التي تصف كيف حدث هذا الطوفان تختلف عن المسببات المعروفة لحدوث التسونامي. ويمكن تلخيص هذا المنهج بأنه صورة أخرى من التفسيرات المادية للمعجزات والاكتفاء بالتفسيرات العقلية والتي لا تستقيم مع كون المعجزة هي أمرٌ خارق للعادة أساساً، ومشكلة هذا المنهج أنه عند مد الخط على استقامته ينتهي بإنكار الغيبيات بدعوى الاستحالة العقلية، مثل إنكار د.محمد حسين هيكل لحدوث الإسراء والمعراج بالروح والجسد معاً.

وعلى ذكر الاستحالة العقلية، فقد كان أحد الأمور التي استشكلها الكاتب هو وجود سد يحجب وراءه يأجوج ومأجوج ولا ندري مكانه في عصرنا هذا الذي تستطيع أن ترى فيه كل شبر من الأرض بالأقمار الصناعية، وهو استشكال واهٍ ناتج من النظرة المادية السالف ذكرها، لأن الله الذي خلق هذه الكائنات وقدر لها أن تُحجز وراء سدٍ إلى أن يخرجوا في آخر الزمان، أليس بقادرٍ على أن يخفيهم عن أعيننا إلى أن يحين أوان خروجهم؟!

وننتقل بعد ذلك لعرض اعتراضاتي على التطبيق وعلى بعض النتائج التي وصل لها الكاتب، ونبدأ بالنقطة التي قد تكون محل الاتفاق، وهي نقطة مطلع الشمس التي ذكرتها في بداية كلامي، وبعد أن فصلها الكاتب ورأى أن القوم الذين لم يجعل الله لهم من دون الشمس سترا هم قبائل الاسكيمو المنتشرين في الدائرة القطبية الشمالية، تحدث عنهم بعد ذلك على اعتبار أنهم هم ذاتهم القوم الذين لا يفقهون قولا، ودلل على ذلك بأن أحد تفسيرات اسم (الاسكيمو) هو أنهم (الشعب ذو اللغة الغريبة) وأن أقرب تشبيه لهذا هو أنهم (لا يفقهون قولا).

لكننا عندما نقرأ الآيات نجدها تقول عن ذي القرنين: (إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا (84) فَأَتْبَعَ سَبَبًا (85) حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِندَهَا قَوْمًا ۗ قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا (86) قَالَ أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَىٰ رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُّكْرًا (87) وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَىٰ ۖ وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا (88) ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (89) حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَىٰ قَوْمٍ لَّمْ نَجْعَل لَّهُم مِّن دُونِهَا سِتْرًا (90) كَذَٰلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا (91) ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (92) حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِن دُونِهِمَا قَوْمًا لَّا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا)

ونفهم منها أن ذا القرنين الذي مكن الله له في الأرض، أتبع سببا، فوصل إلى مغرب الشمس، ثم أتبع سببا، و(ثم) حرف عطف يفيد الترتيب مع التراخي، أي أن الحدث الثاني يحدث بعد الأول بفترة وليس مباشرةً، وبذلك بعد فترة من مغادرته مغرب الشمس وصل إلى مطلع الشمس، ثم أتبع سببا مرةً أخرى، و(ثم) هنا تجعلنا نختلف مع جزم الكاتب بأن من قابلهم ذو القرنين في مطلع الشمس هم ذاتهم القوم الذين لا يفقهون قولا وأنهم كلهم يعيشون في الدائرة القطبية الشمالية، اللهم إلا لو كان القوم الأولون في أيسلندا مثلاً والآخرين في روسيا، وهذا كله مبني على أن مطلع الشمس هو منطقة الدائرة القطبية أصلاً، والخلاصة أن الأولين ليسوا الآخرين، والله أعلم. والغريب أن الكاتب في الجزء الخاص بذي القرنين عاد ليذكر أن ذي القرنين قد قابل القوم الذين لا يفقهون قولاً في مكانٍ يختلف عن الذي وصله ورأى فيه القوم الذين تطلع عليهم الشمس، وهو ما يجعلني أظن أن البحثين لم يُكتبا في نفس الفترة الزمنية.

ويقول الكاتب: "وعلى هذا، فإن محنة يأجوج ومأجوج الكبرى، التي ستقع في آخر الزمان، ما هي إلا كارثة كونية عظيمة سينفجر فيها عدد كبير من البراكين في آن واحد، وسيصحبها موجات عاتية من فيضانات البحار والمحيطات والمعروفة باسم تسونامي. فتهبط الحمم من فوق قمم الجبال على القرى والمدن، وتغرق الأراضي والبلدان بالفيضانات، وتختفي الحياة بأشكالها على جزء كبير من كوكب الأرض، إلا من شاء الله له أن ينجو من هذه الكارثة. جعلنا الله وإياكم ممن لا يدركون هذه المحنة، أو من الناجين منها إذا أدركناها."

ونختلف مع تفسيره ليأجوج ومأجوج، وحديثه عن البراكين والتسونامي، فأقول أن العلاقة بينهما ليست علاقة معية، وإنما سببية، فالتسونامي سينتج من زلزال أو بركان كبير تحت المحيط، ولو حدث البركان على اليابسة فليس من الضرورة أن تجد هذا التسونامي، وبالتالي ستجد في الحادثة الواحدة إما هذا وإما ذاك، لا كلاهما معاً، ولذلك ليس من المنطقي أن يشكو القوم (الذين لا يفقهون قولاً) من السبب الخفي والنتيجة الظاهرة، بل الشكوى تكون من النتيجة فقط، وذلك إذا اعتنقنا تفسير الكاتب الذي ينفي كون يأجوج ومأجوج كائنات أو بشر وجعلهم ظواهر طبيعية.

ويقول الكاتب في موصعٍ آخر: "وحريٌ بمثل هاتين المحنتين أن يفزع لهما رسول الله فيقول: «ويل للعرب من شر قد اقترب»، وحريٌ بهما أن يصفهما الله لعيسى بن مريم فيقول: «إني قد أخرجت عبادًا لي لا يدان لأحد بقتالهم». وحريٌ بهما أن يوصفا بأنهما «مفسدون في الأرض» فأي شيء أكبر إهلاكًا للزرع والنسل من هذين الشيئين"، ثم يقول: "ولو حاولنا أن نفسر معاني الكلمات السابقة على أن يأجوج ومأجوج من البشر لوجدناها غير متسقة، فضلا عن كونها تتنافى مع المنطق والعقل. فكيف نتخيل قومًا يهبطون من فوق قمم الجبال قبل قيام الساعة ليثيروا الرعب في نفوس الناس، وأن نعتبر هذه إحدى المحن الكبرى التي سيتعرض لها البشر. فشتان بين رؤية الحمم البركانية تحملها الفيضانات العاتية، وهي تهبط مسرعة نحو القرى في مشهد تشخص له الأبصار، وتذهل منه النفوس، وبين رؤية شعوبٍ محاربة مهما كانت قوتهم."

ولا أدري لماذا من الصعب تقبل أن يكون يأجوج ومأجوج بشراً مفسدون في الأرض، وهذا المصطلح ليس من المعهود استخدامه في الحديث عن الكوارث الطبيعية التي تحدث بقدر الله، ولماذا نتغاضى عن المعنى المباشر في وصف الله تعالى ليأجوج ومأجوج بأنهم (عباد لا يًدان لأحد بقتالهم)، ونعتبر أنهما البراكين والتسونامي بالاعتبار المجازي بأنها أيضاً من عباد الله؟!، وهب أننا أخذنا بهذا التفسير، فألا يكون من الأولى أن يكون الفعل المستخدم هو مواجهتهم، أو مجابهتهم، أو مدافعتهم، أو صدهم، بدلاً من أن يقول (قتالهم)، فكيف يقاتل الإنسان بركاناً أو طوفاناً أصلاً؟!

ثم يتحدث عن حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم "يقولُ اللَّهُ: يا آدَمُ، فيَقولُ: لَبَّيْكَ وسَعْدَيْكَ والخَيْرُ في يَدَيْكَ، قالَ: يقولُ: أخْرِجْ بَعْثَ النَّارِ، قالَ: وما بَعْثُ النَّارِ؟ قالَ: مِن كُلِّ ألْفٍ تِسْعَ مِئَةٍ وتِسْعَةً وتِسْعِينَ، فَذاكَ حِينَ يَشِيبُ الصَّغِيرُ (وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها وتَرَى النَّاسَ سَكْرَى وما هُمْ بسَكْرَى ولَكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ) فاشْتَدَّ ذلكَ عليهم فقالوا: يا رَسولَ اللَّهِ، أيُّنا ذلكَ الرَّجُلُ؟ قالَ: أبْشِرُوا، فإنَّ مِن يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ ألْفًا ومِنكُم رَجُلٌ"، فيقول الكاتب: "«وبعث النار» كل ما يحيها ويشعلها ويؤججها، فيكون المقصود في رواية أبي سعيد كل ما يشعل النار ويؤججها والقرآن الكريم يشير إلى وجود أشياء من مؤججات النار غير البشر، ففيها الحجارة يقول تعالى: {فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ ۖ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ}، وفيها الأصنام {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ}، وفيها كذلك المهل، يقول تعالى: {كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ} والمهل من أسماء الصهارة، وقيل هو النحاس المذاب والقطران، وقيل اسم جامع لما ذاب من الحديد والفضة والنحاس ونحوه. وفيها الحميم يقول تعالى: {وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ}، وقيل الحميم الماء بالغ الحرارة. وتتشابه هذه المكونات مع صفات يأجوج ومأجوج التي ذكرناها في تفسيرنا، وعلى هذا فهما من بعث النار، أو مما يعمل على تأجيجها، والله تعالى أعلم."، وهنا نسأل الكاتب، وهل الحمم التي هي صخور ومعادن مذابة إلى أن تحولت إلى نار في ذاتها ستعمل على تأجيج النار؟ وإذا ما تجاوزنا ذلك، فهل يأجوج الذي فسرته بأنه ماء، سيعمل بدوره على تأجيج النار؟!!

ليس هذا إلا فقرة أخرى من التناقض والخلط الذي وقع فيه الكاتب بسبب التفسير المتعسف للنصوص.

وعند حديثه عن حديث أم المؤمنين زينب رضي الله عنها " أنَّ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، دَخَلَ عَلَيْهَا فَزِعًا يقولُ: لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، ويْلٌ لِلْعَرَبِ مِن شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ، فُتِحَ اليومَ مِن رَدْمِ يَأْجُوجَ، ومأْجُوجَ مِثْلُ هذا، وحَلَّقَ بإصْبَعِهِ، وبِالَّتي تَلِيهَا فَقَالَتْ زَيْنَبُ فَقُلتُ يا رَسولَ اللَّهِ أنَهْلِكُ وفينَا الصَّالِحُونَ؟ قَالَ: نَعَمْ إذَا كَثُرَ الخَبَثُ"، قال الكاتب: " قوله: «نَعَمْ، إِذَا كَثُرَ الْخَبَثُ»، تحمل أيضًا إعجازًا لفظيًا من حيث دلالة المعنى. فقد يفهم منها «نعم إذا كثر الخبث» أي إذا كثرت الأخلاق الرديئة والفسق والفجور، فسيحل الهلاك على الجميع الصالح منهم والطالح وهذا هو المعنى الأقرب الذي ذكره شراح الحديث، ولكن هناك معنى آخر لكلمة «الخبث» وهو الحمم البركانية، كما ذكرنا، ويكون المقصود حينئذ: نعم إذا كثرت الحمم، فسيهلك الجميع الصالح منهم والطالح."، وهنا نود أن نسأل الكاتب: وهل معنى (الخَبَث) على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كان بهذا المفهوم الذي ذكرته؟!! بالقطع لا، ولكن مرة أخرى نجد عزوفاً عن المعنى المباشر واتجاهاً إلى معنى شديد التكلف والغرابة!

ثم يسعى الكاتب لتفسير سبب اختصاص ذكر العرب في هذا الحديث، رغم أن ردم يأجوج ومأجوج في الدائرة القطبية الشمالية حسب استنتاجه الأول، ويفسر ذلك قائلاً: "وذكرنا أن يأجوج ومأجوج في آخر الزمان حادثة عامة لا تقتصر على مكان واحد، وستحدث في أماكن متعددة، ولن تقتصر على منطقة القطب التي وقعت فيها الحادثة التاريخية لذي القرنين وهذا الحديث يتحدث عن آخر الزمان، وعلى هذا فإن الرسول اختص العرب بيأجوج ومأجوج المستقبلية التي ستهدد الجزيرة العربية والسؤال هل هناك بركان مخيف بالقرب من جزيرة العرب؟ والإجابة نعم وهي براكين اليمن، فمن المعروف أن اليمن به عدد من الجبال البركانية، بالإضافة إلى أن بركان عدن، يُعد أحد البراكين العملاقة ويتفق هذا مع الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه عن أشراط الساعة: «وَآخِرُ ذلكَ نَارٌ تَخْرُجُ مِنَ اليَمَنِ، تَطْرُدُ النَّاسَ إلى مَحْشَرِهِمْ»"، ومع تسليمنا باحتمالية أن يكون المقصود بهذه النار بركاناً لعدم التعارض العقلي ولا اللغوي بين الأمرين، فما يخرج من البركان يُعد من قبيل النار صفةً وتأثيراً، وإن كان ذلك لا يمنع أن تخرج نارٌ صافية بقدرة الله، فإن الكاتب هنا لا يفسر لنا لم تحدث الرسول صلى الله عليه وسلم عن (ردم يأجوج ومأجوج)، وهل لهذا الردم من وجودٍ إلا في الموضع الذي أنشأه به ذو القرنين؟!

ثم يذكر حديث حذيفة بن أسيد الغفاري قال: "اطلع النبي ﷺ علينا ونحن نتذاكر. فقال: «ما تذاكرون؟» قالوا: «نذكر الساعة». قال: «إنها لن تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات». فذكر الدخان، والدجال، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها، ونزول عيسى ابن مريم ﷺ، ويأجوج ومأجوج. وثلاثة خسوف: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب. وآخر ذلك نار تخرج من اليمن، تطرد الناس إلى محشرهم»"، فيعلق الكاتب هنا على الحديث بقوله أننا سنلاحظ أن أغلب أشراط الساعة المذكورة هنا هي كوارث طبيعية، فيدلل بذلك على صحة ما ذهب إليه، وهنا ناقض الكاتب نفسه أشد التناقض، فإن كانت يأجوج ومأجوج هي كوارث طبيعية، فلم ذُكرت كأعلام وليس بصفتها كنيران وطوفان مثلاً؟، وإذا كان الكاتب في تفسيره للنار التي تخرج من اليمن في الحديث السابق بأنها بدورها (يأجوج)، فلم ذُكرت في هذا الحديث بجوار يأجوج ومأجوج؟! أليس هذا بدليلٍ على أنها شيء مختلف تماماً، وإلا كان ذكرها هنا من قبيل التكرار واللغو؟!

أما حديثه عن الديدان التي ستأكل أعناق يأجوج ومأجوج بعد موتهم وتفسيره بأنها ديدان الأرض وأنها لازمة لاستعادة خصوبة الأرض بعد ما سيحدث لها من بوارٍ بسبب الكوارث الطبيعية الممثلة في يأجوج ومأجوج، فمرةً أخرى، لا أجد هذا إلا تفسيراً سخيفاً متكلفاً للنص يحمله فوق ما يحتمل، وهو من قبيل محاولة التوفيق بين المقدمة الخاطئة التي وصل إليها، وبين الأحاديث الصحيحة في هذا الباب، وبالتالي نجد مثل هذه التأويلات المتكلفة، أو عباراتٍ بها (لفة طويلة) لمجرد التدليل على النتيجة بدون سندٍ قوي ترتاح له النفس والعقل.

ويختم الكاتب بحثه عن يأجوج ومأجوج بمحصلة نهائية باطلة – لأن ما بني على باطل فهو باطل – وتتناقض بدورها مع ما أورده سابقاً من نصوص، فيقول: "ونحن نرى من خلال التأويل الذي وضعناه، أن المحنة الكبرى التي سيشهدها العالم، من تغير مناخي، وكوارث طبيعية، والتي أخبرتنا عنها الديانات، تستدعي التفكير في طرق الاستعداد لها، وانتهاج سبل العلم لمحاولة الحد من خسائرها. وقد يتساءل أحدنا، وهل يمكن أن يكون العلم مخرجًا من هذه المحنة؟ والإجابة القاطعة هي نعم، خصوصًا إذا كانت قصة ذي القرنين في القرآن تُعلي من شأن العلم والعلماء، وأن هناك شخصًا اسمه ذو القرنين تحلى بالمعرفة ليتصدى لها قديمًا."، ونرد عليه بسؤال: وماذا عن نص الحديث «إني قد أخرجت عبادًا لي لا يدان لأحد بقتالهم»، فإذا كان الله سبحانه وتعالى يخبرنا بهذا، فهل لأي منا القدرة على أن يتصدى لهذه المحنة أو يقلل من خسائرها على حد قولك؟ أيمكن هذا ونحن لا نعلم متى وأين تقع أشراط الساعة؟ وحتى لو علمت، فما الذي يمكن للإنسان عمله لكي يتفادى الأثر المدمر للبراكين والتسونامي؟ هل سيبني سداً كسد ذي القرنين حول كل مكان محتمل أن ينفجر منه بركان؟ قد تصلح بعض الاجراءات للحد من أثر أي ظاهرة طبيبعية ذات حجم محدود، لكن مهما فعل الإنسان، فلن يستطيع أن يواجه البراكين العملاقة التي ذكرها الكاتب نفسه في كتابه وأوضح أنها قد تؤدي مع تبعاتها لمحو الحياة من على الأرض!

بقي في هذه الجزئية الخاصة بيأجوج ومأجوج، أن نستأنس بتحليلٍ لغويٍ آخر لهذه الألفاظ، وهو تحليل الأستاذ محمود رؤوف أبو سعدة في الجزء الثاني من كتابه الجميل (من إعجاز القرآن في أعجمي القرآن)، والذي يدلل فيه على اجتهاده الذي أوصله إلى أن العَلَم الأعجمي يأتي في موضعه في القرآن في سياقٍ يُفسر معناه، وقد كتبت عنه مراجعة مستقلة من قبل، وإيرادي لرأيه دليلٌ على تقديري للاجتهاد طالما كان ذو منهجٍ منضبط، وعموماً يقول الرجل في كتابه:

"أما " يأجوج " و " مأجوج " اللذان في القرآن ، فهما إسمان عربيان أصيلان ، تشتقهما من الجذر العربي " أجج " : "يأجوج" على زنة " يَفْعُول " من أج / يَوْج /أجاً ، وأجيجاً وأجة أيضا ، ومن معانيه في العربية إلى الآن الإهاجة والاشتداد والاستثارة ، والأجاج يعنى اللاذع الممض مرارة أو ملوحة ، ومن معانى الأجيج أيضا الاضطراب والاختلاط . أما "مأجوج " فهى على زنة "مَفْعُول" من " أج " هذه نَفْسها وكان " أ " يَصلح أيضا مُتعدِّياً بنفسه، وكأن معنى "يأجوج ومأجوج" هو الذين يوج بعضهم بعضاً. نعم . يأجوج ومأجوج من العربية الأولى ، عربية آدم ، لا تستطيع أن تحدد زمان الإرتاج عليهم ، كما لا تستطيع تحديد موقعه من هذه الأرض التي نعيش عليها ، ولا تستطيع التنبؤ بزمن خُروجهم ، لاستئثاره عز وجل بعلم الساعة ، لا يجلبها لوقتها إلا هو

الذي تستطيعه هو فحسب تفسير " يأجوج ومأجوج " من القرآن بالقرآن،.مقصدنا الأول من الحديث عن يأجوج ومأجوج في هذا الكتاب الذي نكتب :

فسرت " يأجوج ومأجوج " في القرآن بالتعريب : الذين يَؤُجُ بعضهم بعضا . ويَسْتَفرُّ بعضُهم بعضا ، ويَمُوج بعضُهم فى بعض ، كما قال عز وجل فيهم :( وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض ) ( الكهف : (۹۹)، والموج على المصدرية من ماج / يَمُوجُ / موجا ، هو من الاختلاط والاضطراب، فهو تفسير بالتصوير ، كما قال في موضع آخر : { وَهُمْ من كُلِّ حدب يَنْسلون } (الأنبياء ، ٩٦) كناية عن مدى الاختلاط والاضطراب . وفى الاختلاط والاضطراب فساد وإفساد ، ومن هذا قول الذين استعانوا ذا القرنين عليهم : { إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض }"، وهذا التفسير قد يكون أكثر منطقية مما ذهب إليه د.أسامة الشاذلي، علماً بأن كتاب أبو سعدة نفسه لا يخلو بدوره من بعض التكلف والتعسف هنا وهناك، لكن الكمال لله وحده.

أما القسم الثاني من الكتاب، فيتعلق بمحاولة استنتاج شخصية ذي القرنين، وذهب الكاتب إلى كونه رحالة إغريقي اسمه (بيثياس المارسيلي)، وفي هذا الاجتهاد لا نملك أن نصدق أو نكذب، ولكني بالاستنتاج العقلي الشخصي لا أميل للاقتناع باجتهاده هنا، لأن تصرف ذي القرنين مع القوم الذين وجدهم عند العين الحمئة وتخيير المولى عز وجل له بين أن يُعذبهم أو يتخذ فيهم حُسنا، ينبيء عن رجلٍ ذو شوكة وقوة، لا مجرد مستكشف، والتبرير بما جرى بين كولومبس وأهل أمريكا الأصليين به مقارنة بعيدة للفارق التكنولوجي في الحالة الثانية، بخلاف الحالة الأولى، وكذلك كون الأحداث جرت في القرن الثالث قبل الميلاد وفي مسرحٍ نقطة الانطلاق فيه بعيدة عن منطقتنا يجعلني أستبعد أن يكون بيثياس هذا معروفاً لدى اليهود لدرجة أن يمتحنوا فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، والله أغلم.

وإلى هنا أنهي تعقيبي على هذا الكتاب الذي أعتبره تطبيقاً عملياً على أحدى أشهر المغالطات المنطقية وهي مغالطة المصادرة على المطلوب، وهي حجة دائرية يفترض فيها الكاتب النتيجة التي يريد الوصول إليها كمقدمة ودليل يبني عليه حجته، وبذلك حاول تطويع النصوص لهذه النتيجة، وما كنت أحب أن أضيع كل هذا الوقت في كتابة هذا التعقيب على قضيةٍ ليست من الأولويات، وعلى معرفةٍ لا ينبغي عليها فرقٌ في العمل، ولقد طال هذا التعقيب أكثر مما كنت أبغي وأتوقع لا لشيءٍ إلا لأني قد استفزني المنهج الذي سار عليه الكاتب، والذي كنا لنحتفظ له بالتقدير على كل حالٍ لما بذل في بحثه من جهدٍ لو لم يكن بحثه حافلاً بهذه الأخطاء المنهجية. ويبقى أن نؤكد على حقيقة أنه ليس بالضرورة أن تكون الرؤية التقليدية جموداً، ولا أن تكون الرؤية الجديدة اجتهاداً وتنويراً، ولو كان الاجتهاد مبنياً على أسسٍ فأنعم به، والله بغيبه أعلم.

الخميس، 10 يوليو 2025

في خدمة الأمن السياسي - مذكرات اللواء حسن طلعت


 تتناول هذه المذكرات المسيرة المهنية للواء حسن طلعت ما بين مايو 1939، وحتى إقالته في مايو 1971، في مسيرة تنقل فيها في محطات مختلفة داخل جهاز الأمن، وكان له دورٌ أساسي في تأسيس جهاز المباحث العامة – الذي عُرف لاحقاً بأمن الدولة – ووصل إلى منصب مدير الجهاز، إلى أن أقاله السادات واعتقله على خلفية ما سماه ثورة التصحيح، كما كان طلعت هو صاحب فكرة إنشاء قوات الأمن المركزي.

بدأ طلعت كتابه بمقدمة نظرية يشرح فيها مفهوم الأمن السياسي وأهميته وصوره عبر التاريخ، ثم بدأ في عرض مسيرته المهنية، منذ التحاقه بكلية الشرطة، ثم تخرجه وعمله في أماكن متعددة مثل الجوازات والتموين، ثم انتقاله للعمل بالقلم السياسي، الذي تحول بعد ذلك إلى المباحث العامة.

تحدث طلعت عن الأوضاع الوظيفية الصعبة لضباط الشرطة والتي دفعتهم لتنظيم إضراب عام، كما تناول طلعت في حديثه ذكر الاحتكاكات العديدة مع المحتل الإنجليزي، وخصوصاً خلال الفترة التي خدم فيها طلعت في الإسماعيلية، وتحدث عن بعض الأدوار الوطنية التي شارك فيها، مثل تنبيه الفدائيين لحملة تفتيشية يعد لها الإنجليز، فتمكنوا من نقل ذخائرهم بعيداً عن أعين المحتل، كما تحدث عن مشاركته في تشجيع العمال المصريين على ترك الخدمة في معسكرات الإنجليز، وترتب على ذلك إلقاء الإنجليز القبض عليهم وإبعادهم له عن الإسماعيلية. كما تحدث طلعت أيضاً عن تغير مشاعر المصريين عموماً ومعهم الضباط تجاه الملك، وحنقهم ونقمتهم عليه، وتفكيره هو وعدد من زملائه في تكوين تنظيم من ضباط الشرطة لقلب نظام الحكم، وتفكيرهم في التواصل مع ضباط الجيش، وأنهم كانوا على وشك الانكشاف لأن الضابط الذي كانوا سيتواصلون معه كان أحد أعضاء الحرس الحديدي.

تحدث عن أحداث 25 يناير في الاسماعيلية والتي تلاها حريق القاهرة يوم 26، ووصف المظاهرات وتحدث عن قيادة الضباط لبعضها، وتراخي الشرطة في التصدي للمتنظاهرين، وعرض بعض التفاصيل التي توحي بوجود بعض العناصر التي ساعدت على زيادة الإثارة وتأجيج المشاعر. وذكر أنه بعد هذه الأحداث، بدى اهتمام الأمريكان بالسيطرة على الموقف الداخلي بالبلاد وحماية عرش الملك، فأرسلوا ضابطاً أعطى للضباط المصريين محاضرات في كيفية السيطرة على الجماهير الثائرة، ورتبوا لابتعاث بعض الضباط لأمريكا للندرب عملياً على طرق السيطرة على الشغب.

وصف طلعت أحداث ليلة ثورة 23 يوليو، وفرحته واستبشاره بها، وشغلته الاضطرابات التي تلت الثورة وفي مقدمتها إضراب عمال كفر الدوار وجعلته يفكر في (وجوب إنشاء جهاز جديد بهيئة الشرطة يؤمن بالثورة وبمبادئها، على أن ينتشر أفراد هذا الجهاز في جميع أنحاء البلاد لملاحظة الحالة والسيطرة على تطوراتها قبل أن تصل إلى حد الصدام بين الجيش والعمال)، فاقترح الفكرة على ياور اللواء محمد نجيب، واقترح كذلك اسم المرشح لرئاسة الجهاز المقترح، فأخذوا بنصيحته، وصدر قرار بإنشاء إدارة المباحث العامة لتحل محل القسم المخصوص بالوزارة والأقلام السياسية بالمحافظات، ونُقل طلعت للعمل بالإدارة الجديدة.

يتبدى بالكتاب إيمان طلعت الشديد بعبد الناصر، وولائه وإنصافه له على طول الخط، لدرجة التصريح بأن عبد الناصر كان لا يتأخر عن تلبية احتياجات محمد نجيب طوال فترة تحديد إقامته، وأن محمد نجيب هو نفسه السبب في الحالة المزرية التي كان عليها محل إقامته بفيلا زينب الوكيل وما حدث لها من إهمال!، كما انحاز طلعت بمشاعره كليةً لعبد الناصر أثناء أزمة مارس 54 الشهيرة، بل وأعرب عن فرحه عند سماعه عن حشد رجال عبد الناصر لعمال النقل العام وتشجيعهم على الإضراب وتمنى لهم التوفيق في ذلك!، وهذه مجرد أمثلة فقط، فعبد الناصر يظهر طوال هذه المذكرات في صورة القديس، والكثير من الاجراءات التعسفية والمقيدة للحريات أو حتى الاجراءات القمعية إنا يتم تهوينها والتقليل من حجمها أو تجاهل ذكرها تماماً، فالحراسات وتصفية الاقطاع لا يصدر فيها قرار إلا بعد دراسة من لجانٍ خاصة، ويذكر أنه من الطبيعي حدوث (بعض) الأخطاء، أما المعتقلين السياسيين، فيذكر أنه كان يتم الافراج عنهم تباعاً بعد دراسة حالاتهم، وتجاهل ذكر ما حدث للإخوان والشيوعيين في السجون، حتى في كارثة مثل هزيمة يونيو، فإن من يتحمل مسئوليتها هم القادة العسكريين الذين حذرهم عبد الناصر مسبقاً بأن الحرب ستقع يوم 5 يونيو، لا عبد الناصر الذي على الأقل يتحمل المسئولية السياسية عن وصول الأوضاع إلى حافة المعركة دون استعداد كاف، وعلى النقيض من ذلك، ينال السادات وعهده نصيبه من اللمز والانتقاد.

وقد كنت أتوقع أن أجد الكثير من التفاصيل لفترة عمله خلال العهد الناصري، لكني وجدت أن ما ذكره من تفاصيل لسنوات خدمته برتبته الصغيرة في العهد الملكي فاق ما ذكره من تفاصيل وهو يترقى وصولاً لرتبة اللواء في العهد الناصري، ولا نجد من التفاصيل الجنائية سوى أمثلة قليلة جداً أهمها دوره في القبض على (السفاح) الذي استوحى محفوظ من قصته رواية (اللص والكلاب)، وقد تحدث طلعت عن قضية تنظيم 65 والتي قُدمت حينها كنجاح من المباحث الجنائية العسكرية مقابل عدم يقظة من المباحث العامة، في حين يدافع طلعت عن المباحث العامة ذاكراً أن مصادر المباحث كانت قد وضعت يدها بالفعل على أول الخيوط للتنظيم، ولكن المصادر الأخرى تحدثنا عن وجود تنظيم بالفعل، لكن تنفي أن هذا التنظيم هدف لاغتيال عبد الناصر من الأساس. وعلى العموم، فإن طلعت في مذكراته يتناول الإخوان بالانتقادات منذ معرفته بهم من قبل الثورة، وينعى عليهم دورهم في اغتيال عدد من الساسة كأحمد ماهر والنقراشي، ويُعرب عن اختلافه الفكري معهم، وهو أمرٌ متوقع ومتفهم من ضابط أمن وصل لهذا المنصب.

وينفرد طلعت بذكر تفاصيل جنازة عبد الناصر لدوره في تأمينها، كما يتحدث في مواضع مختلفة عن تأمين زيارات عبد الناصر الخارجية، أو تأمين الوفود العربية والأجنبية الزائرة خلال المؤتمرات، كما يخبرنا بأوامره – التي أصدرها على مسئوليته الشخصية -  لقوات الشرطة بعدم الاحتكاك بالمظاهرات الشعبية في 9 و 10 يونيو، كما ينفرد بالحديث عن كواليس وصول جثمان فاروق لمصر واختياره لمكان الدفن الأول بجوار إبراهيم باشا بحضور الأميرتين فوزية وفائقة، قبل أن ينقل الجثمان في عهد السادات ليُدفن في جامع الرفاعي، لكن طلعت مع ذلك لا يعطينا تفاصيل أكثر عن بعض اللحظات المهمة، مثل تصرف قوات الشرطة مع مظاهرات الطلبة في 68 عقب صدور أحكام ضباط الطيران، والتي تجمع المصادر على أنها ووجهت بقسوة، وهو ما لا يظهر في شهادة طلعت، بل على العكس تماماً، يدعي إصدار الأوامر بالتعامل مع المظاهرات باللين وعدم اللجوء للعنف، وأن شعراوي جمعة كان سيقدم استقالته بسبب مخالفة مأمور حلوان للتعليمات وإطلاقه أعيرة نارية في الهواء أصابت أحد المتظاهرين وقتلته، وكلها تصريحات أشبه بتصريحات المركز القومي لحقوق الإنسان!

ومن الشخصيات العديدة التي ذكرها طلعت في مذكراته، نتوقف عند شخصية حسن التهامي، وقد تواترت الشهادات المختلفة وأجمعت على غرابة أطواره وأفكاره وخصوصاً في عهد السادات، ويذكر طلعت بعض الأقوال والمواقف التي صدرت من التهامي وجعلت طلعت يتلقى آراؤه بحذر وحيطة، إلى أن أخبره التهامي مرة بأنه إذا أقدم على أي عمل ولو كان إزهاق روح إنسان، فإنه لا يفعله بأمره وإنما بأمر الله، فسأله طلعت عما إذا كان هو سيدنا الخضر، فأجابه التهامي بالإيجاب، وعندها أدرك طلعت أنه وصل مع ذلك الرجل لنهاية المطاف، وأنه لا ينبغي أن يأخذ أي حديث له مأخذ الجد. وجدير بالذكر أن التهامي كان اختيار السادات ليكون أول من يتحاور مع العدو الإسرائيلي كقناة خلفية قبل المضي في عملية السلام، وكان لقائه مع موشى ديان!

وفي حديثه عن مرحلة هزيمة 67 ثم حرب الاستنزاف، استوقفني موقفان أحببت أن أنقلهما لأنهما يحملان بعض الكرامات من الله عز وجل ولطفه بنا، فقد ذكر أن (إادارة الشؤون العامة بالقوات المسلحة كانت قد وزعت على الضباط والجنود آية الكرسي مكتوبة على بطاقات صغيرة ليحتفظوا بها في جيوبهم تبركاً وتيمناً، وعقب انتهاء احدى الغارات وكانت غارة عنيفة خرج ضابط مصري ومعه الخبير الروسي من المخبأ، فطلب منه الضابط الروسي أن يعطيه بطاقة مشابهة للبطاقة التي يحملها. وعندما سأله الضابط المصري عن السبب وقد أخذه العجب أجاب الروسي بانه قد أصبح مقتنعاً بأن المصريين ليسوا الذين يتولون الدفاع عن بلادهم بل لا بد أن هناك قوة أخرى خفية أكبر وأعظم تدافع عن مصر، وعلل ذلك قائلا أنه كان يخرج من المخبأ عقب كل غارة وهو يتوقع رؤية قدراً هائلاً من التدمير في المعدات ومن الخسائر في الأرواح ولكن لدهشته كان يرى أن معظم القنابل قد سقطت على أماكن خالية وأن المعدات التي تدمر لا تكاد تذكر وأن الاصابات البشرية طفيفة ولا تعادل اطلاقاً ضراوة الغارات وحجم المتفجرات التي تلقيها الطائرات ولذلك فإنه قرر الاحتفاظ بواحدة من هذه البطاقات!)

أما الموقف الثاني، فقد ذكر أن (العدو كان يركز غاراته لتدمير الأهداف الحيوية كالمصانع ومحطات الكهرباء والكبارى والسدود، ولخشيته من الانقضاض على السدود والقناطر مباشرة لكثافة الدفاع الجوي عنها، اخترع العدو طريقة جديدة لمهاجمتها وذلك بالقاء ألغام عائمة في مجرى النيل أعلى القناطر ليجرفها التيار فتصطدم بها مدمرة اياها لتغرق الوادي بما فيه من سكان وزروع .

وفي احدى الليالي أُبلغ طلعت بحدوث انفجارات كبيرة في مجرى النيل أعلى قناطر نجع حمادي، وبالبحث اتضح أن ألغاماً اسرائيلية عائمة قد اصطدمت بكتلة من نبات ورد النيل الذي كان يطفو على وجه الماء فانفجرت، وحالت رعاية الله وعنايته دون اتمام الجريمة الاسرائيلية الآثمة باغراق البلاد وتدمير القناطر. وأحال الله ورد النيل من نقمة تعوق الملاحة وتمتص كميات كبيرة من المياه الى نعمة تحمي البلاد والعباد!).

وعند الحديث عن المرحلة الساداتية، يذكر ما لمسه من تغير في السياسات والخروج عما رآه خط عبد الناصر وامتعاضه من ذلك، ثم ينتقل بنا لأحداث مايو 71، فيبدأ بذكر مكالمة من شعراوي جمعة له يوم 13 مايو يخبره فيها عن اجتماعات للسادات بعدد من المسئولين وأنه الآن مجتمع بمحافظ الاسكندرية ممدوح سالم، وأنه – شعراوي- ضاق ذرعاً بهذه السياسية وأنه سيقدم استقالته، وطلب من طلعت إعدام تسجيلات المراقبة التليفونية، ويذكر طلعت أن السادات في نفس اليوم كان قد أصدر قراراً بإلغاء المراقبة التليفونية أيضاً، وعلى الرغم من ذلك، اُعتقل طلعت واُتهم طلعت بأنه تعمد إعدام التسجيلات حتى لا تصل لرئيس الجمهورية فيجد فيها ما يدين (المتآمرين) عليه، في حين يذكر طلعت أن نسخة من التسجيلات كانت تُرسل أصلاً إلى رئاسة الجمهورية منذ عهد عبد الناصر واستمراراً في عهد السادات، وبهذا فإن هذا الاتهام لا محل له، وهذه المعلومة ينفرد بها طلعت، لكن على كل حال، لم يطل المقام بطلعت في السجن فبُريء وأخرج منه في أغسطس 71.

ومع تفهمنا لكونه موتوراً من السادات لما فعله معه، فإنه حينما ينتقد السادات ويلمزه يشتط في ذلك أحياناً بصور قد تدعو للسخرية، فمثلاً عندما تحدث عن الاستفتاء على اختيار السادات للرئاسة، قال: " ولما كانت الاستفتاءات تسمح بأن يدلى الناخب بصوته فى أى مركز انتخابي ولا يلزم أن يكون ذلك هو الدائرة المقيد بجداول انتخابها، فقد كانت إخطارات بعض اللجان الانتخابية تصيبنا بالذهول (!!) وخرجت بنتيجة هى أن هذه الاستفتاءات ليست الوسيلة الأمثل لاستطلاع اتجاه الشعب ورغباته الحقيقية."، وهنا لا نملك إلا أن نضحك ونحن نصدر بعض الأصوات الاعتراضية، ونسأله: وماذا عن الاستفتاءات التي جرت في عهد عبد الناصر؟!

وعلى كلٍ، فإن لهذه المذكرات أهميتها البالغة نظراُ لموقع صاحبها ورتبته ودوره المؤسس في هيكلة الداخلية بصورتها الحديثة بعد ثورة 52، وعلى ما يتبدى من روح صاحبها من هدوءٍ وإتزانٍ ووطنية وقدرٍ عميق من التدين، فإننا في الوقت ذاته لن نكون مخطئين إذا قلنا بأنه أحد الآباء المؤسسين والمربين للأجيال التي تلته من الشرطة، وأن قدراً كبيراً مما أرساه –أو شارك في إرسائه – من نظم، هي الأسس التي تسير عليها الداخلية حتى اليوم.

السبت، 5 يوليو 2025

مذكرات مجدي يعقوب: جراح خارج السرب

 


سيرة غير ذاتية تجتمع فيها مفاهيم المثابرة، و(المعافرة)، والاجتهاد، والمبادرة، والجرأة، والانسانية، ممثلة في شخصية مؤثرة لا تزال تعيش في عالمنا، وجعلها الله سبباً في إنقاذ حياة الآلاف.

عرضت هذه السيرة أهم محطات حياة مجدي يعقوب من خلال الحديث المباشر معه، أو مع المحيطين به، وبدأ معه منذ نشأته إلى تخرجه من كلية طب القاهرة وتكريمه من عبد الناصر، ثم قراره السفر لبريطانيا للعمل واكتساب الخبرة العملية، وعن سبب رحيله عن مصر، ، قال يعقوب: "لقد كنَّا ندرك أن في مصر مَن ينعمون بالكرامة، ومَن حِيل بينهم وبين الكرامة، لكن عبد الناصر حاول أن يتيح التعليم للجميع، فتهاوت من جرَّاء ذلك المعايير، وإذا بـحَلِّ عبد الناصر يُجهض التميز"، ثم يضيف: "كان تعليم الطب في القاهرة رائعًا، فقوام كل دفعة من الطلبة كان ستين طالبًا فقط ولكن عبد الناصر قال إن التعليم الجامعي حق للجميع، وفتح البوابات بغتة على مصاريعها فتدفقت الجموع، وإذا بنا بعد أن كنَّا ستين طالبًا نصبح ألفًا، وإذا بالطلبة يتدلون من الأسقف يحاولون أن يتسمَّعوا إلى ما يقوله المحاضرون، فلم يبقَ للجودة والتميز من مجال".

بعد عدة سنوات من العمل في بريطانيا انتقل يعقوب لعامٍ واحد للعمل في شيكاغو، ورغم ما اكتسبه من خبرة جديدة، لكنه لم يحب النظام الصحي الأمريكي، ورأى أن النظام الصحي البريطاني الذي يتيح العلاج للجميع هو الأفضل في العالم، وعلى حد تعبيره "في حالة اصابتك بجرح, في حالة مرض ابنك أو ابنتك أو حفيدك, تسارع طالباً العون, فيقول لك شخص من هيئة الصحة الوطنية: هيا هيا ولا يقول لك أرني بطاقتك الإئتمانية"، فعاد يعقوب إلى إنجلترا، وعمل في مستشفى هيرفيلد للقلب، ونجح بمجهوده ومثابرته إلى تحويله من مجرد مستشفى ريفي، إلى أحد أشهر مراكز جراحة وزراعة القلب في العالم، ويستفيد من خدماته مختلف الناس على اختلاف أعمارهم ومستواهم المادي والاجتماعي وحتى جنسياتهم، فأحد مرضاه مثلاً كان بابانداريوس رئيس الوزراء اليوناني، كما عالج ملياردير أمريكي يعتبر خامس أغنى رجل في أمريكا، في الوقت الذي أجرى فيه على التوازي الكثيرمن الجراحات لأطفالٍ رضع.

الكتاب بطبيعة الحال حافل بالعديد من التفاصيل الطبية المتعلقة بالقلب وجراحاته، ومن المفاهيم الجديدة علي في هذا الكتاب، هو جراحة الدومينو، وهي تُجرى لمريض رئتيه معتلتان ويحتاج لزراعة رئتان جديدتان متصلتان بقلب المتبرع، والمتبرع يكون بالطبع شخص ذو أعضاء مناسبة تُوفي في حادث أو خلافه، وتؤخذ موافقة أهله على التبرع، فتجري جراحة لنقل رئتيه وقلبه، وجراحة أخرى لزراعتهما في المريض ذو الرئة المعتلة، ويؤخذ قلب هذا المريض ليزرع في جسد مريض آخر ذو قلب معتل!

وكذلك تعرفت على جراحة التحميل، وتتم غالباً مع مريض ذو قلب ضعيف، يُزرع بجوار قلبه قلبٍ آخر وكأنه يعمل كبطين آخر أو مضخة أخرى تحسن كفاءة القلب، وأحياناً بمرور الوقت يتحسن أداء عضلة القلب الأصلية، فلا يعود المريض بحاجة للقلب الإضافي.

وأشار الكتاب للكثير من الأبحاث والمشاريع العلمية التي شارك فيها يعقوب أو أشرف عليها، ومن آخر هذه الأبحاث – وهي أبحاث لا تزال جارية – السعي للتغلب على مشكلة ندرة الأعضاء المتبرع بها - والتي تؤدي إلى وفاة الكثير من المرضى وهم في قوائم الانتظار – من خلال تركيب أجزاء اصطناعية وعليها خلايا بشرية، وبمراقبة سلوك الجسم البشري، فإن الجسم له القدرة على استكمال هذه الخلايا بالتدريج. وكذلك تجارب أخرى لاستخدام أعضاء الحيوانات في الزراعة، وذُكرت تجربة استعين فيها بقلب خنزير وعاش المريض بعدها لأسبوعين، ومن البديهي أن مثل هذه التجربة قد تكون لا إشكال بها من الناحية العلمية، لكن ينبغي مناقشتها جيداً من الناحية الدينية.

تحدث الكتاب عن علاقات يعقوب وصلاته ومعارفه، والتي مكنته من طلب الدعم المادي للمستشفى وللمشاريع البحثية، وعن تمكنه مثلاً من طلب تبرع ب20 مليون دولار من الملياردير الأمريكي الذي أجرى له العملية، ونجاحه في اقتناص هذا التبرع، وعن دعم المشاهير له ومنهم جيفري آرتشر وعمر الشريف، وتحدث كذلك عن علاقة يعقوب المتميزة بالأميرة ديانا والتي أسمته ملك القلوب، كما تحدث عن تحمسه لمشروع سلسلة الأمل والسعي لتدشينه في بريطانيا والانطلاق منها لدول مختلفة بالعالم الثالث، وبذلك تمكن من إقامة عدد من مستشفيات القلب في أماكن مختلفة، منها مستشفاه الشهير بأسوان، وآخر تحت الإنشاء بمدينة السادس من أكتوبر. وهو في كل هذه المشروعات يحرص على استمرار تمويلها من التبرعات والوقفيات لضمان استمرار علاج المرضى بالمجان، وكذلك يحرص على تدريب وتجهيز الكوادر الطبية من أطباء وممرضين من المجتمع المحلي ليستمر المستشفى بنفس الأداء.

يذكر الكتاب الكثير من القصص عن العديد من العمليات، سواءً الناجحة أو الفاشلة، وفي كل عملية فاشلة نجد أن دافع يعقوب الأساسي كان الأمل في إنقاذ المريض ومنحه فرصة مهما كانت حالته صعبة، طالما كانت هناك قدرة على عمل شيء، واحتمالية للنجاح، ولكن حتى بعد الفشل، فإن يعقوب لا يُحبط ولا يستستلم، بل يستفيد من التجربة ليتجنب في المرة التي تليها ما يمكن أن يؤثر بالسلب على النتيجة، ولهذا كان يعقوب من الجرأة أن يقبل من العمليات ما لا يتجاسر غيره من الأطباء على قبوله، وبذلك أجرى من عمليات القلب أكثر مما أجرى أي شخص!، وفي الوقت ذاته، كان حريصاً على العلاقة الإنسانية مع مرضاه، وكانت هذه اللفتات الإنسانية من أكثر ما يتأثر به المريض وأهله، كأم الطفل التي ظلت تتذكر لسنوات كيف حرص يعقوب على تدفئة السماعة قبل وضعها على جسد طفلها. أما أكثر ما كان يؤثر في يعقوب نفسه، هو أن يستوقفه شاب أو شابة ليشكره، ويخبره أنه قد أجرى له جراحة قلب وهو طفل!

لعل سر نجاح يعقوب هو الإصرار والدأب والمثابرة وحبه لعمله وإنهماكه فيه لا للمادة، ولكن لحب العلم وللحرص على الحياة الإنسانية، وبديهي أن هذا الانهماك أثر على حياته الأسرية وعلى الوقت الذي يتيحه لزوجته وأولاده، ونختم بهذا الحوار الدال بين أندرو – ابن يعقوب – الذي سأل والده: "ما سرُّ إصرارك على الإفراط في العمل، والسفر في العالم بجنون، وإحراق كل شمعة من طرفيها؟". فأجابه يعقوب قائلًا: "لأن أي شيءٍ أقل من ذلك سيكون عاديًّا، وأنا لا أحتمل أن أعيش عاديًّا"!

الأحد، 29 يونيو 2025

المغالطات المنطقية: فصول في المنطق غير الصوري

 

هذا الكتاب هو الأشهر في الكتب المكتوبة بالعربية في موضوعه، ويعرض لنا هذا الكتاب – كما هو واضحٌ من عنوانه – مبحثاً من أهم المباحث الجدلية التي يحتاج الإنسان للتعرف عليها لتمييز نوعية الحجج التي يستخدمها الآخرون في النقاش، وفي ظل امتلاء وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي بفيضٍ من الحجج الباطلة، يكون مثل هذا الكتاب مفيداً للتنبيه على جوانب البطلان، وبالتالي قلب الطاولة على المروجين لهذا الباطل.

يبدأ الكتاب بتعريف المنطق غير الصوري، وهو: استخدامُ المنطق في تَعرُّف الحجج، وتحليلها وتقييمها، كما تَرِد في سياقات الحديث العادي ومداولات الحياة اليومية: في المحادثات الشخصية، والإعلانات،والجدل السياسي والقضائي، وفي شتى ألوان التعليقات التي نصادفها في الصحف والإذاعة المرئية والمسموعة وشبكة الإنترنت وغير ذلك من وسائل الإعلام.

ومن البديهي أن النقيض لهذا المنطق هو المنطق الصوري، وهو ما سنرى أشكاله وصوره المختلفة في هذا الكتاب، وينقل لنا الكاتب قول شوبنهاور: (كم يكون رائعًا لو أمكننا أن نُقَيِّض لكلِّ خُدْعةٍ جدلية اسمًا مختصرًا وبَيِّنَ الملاءمة، بحيث يَتَسنَّى لنا كلَّما ارتَكَبَ أحدٌ هذه الخدعة المعينة أو تلك أن نُوبِّخَهُ عليها للتو واللحظة.)، كما يقول شوبنهاور أيضاً: (يتوجب على من يدخل في مناظرة أن يعرف ما هي حيل الخداع، ذلك أن من المحتم عليه أن يصادفها ويتعامل معها. عليك إذن أن تلم إلماما جيدًا بالمغالطات المنطقية حتى يتسنى لك أن تتجنب الطرق المسدودة أثناء الحوار وتتعرف على «النقلات الخاطئة في الجدل»، وأن تُظهر خصمك على الخطأ الاستدلالي الذي ارتكبه، بل أن تُقيِّض لهذا الخطأ اسمًا؛ لكي يعلم الخَصمُ أنك تجيد التفكير ، وتفهم حجته ربما أكثر منه، كما أن كشف المغالطة وتسميتها وتحليلها من شأنه أن يُقصِي الحجة الباطلة من ساحة الجدل إقصاءً نهائياً ولا يكتفي بإضعافها أو تحجيمها، ذلك أن الخصوم المتمرسين بالجدل والمراء لديهم من الخبرة والمهارة ما يُمكِّنهم من إنعاش حجتهم الجريحة وإعادة تجنيدها في حلبة الصراع).

وعن أهمية الإلمام بالمنطق غير الصوري، ينقل لنا قول أفلاطون في محاورة جورجياس: «في جدال حول الغذاء يدور أمام جمهور من الأطفال فإنَّ الحلواني كفيل بأن يهزم الطبيب، وفي جدال أمام جمهور من الكبار فإن سياسيًّا تَسَلَّح بالقدرة الخطابية وحِيَلِ الإقناع كفيل بأن يهزم أي مهندس أو عسكري، حتى لو كان موضوع الجدال هو من تخصص هذين الأخيرين، وليكن تشييد الحصون أو الثغور! إن دغدغة عواطف الجمهور ورغباته لأشَدُّ إقناعًا من أي احتكام إلى العقل.» ثم يعقب الكاتب قائلاً: (حقا ... ليس بالحق وحدَه تَكسِبُ جدالًا أو تقهر خصمًا أو تُقنع الناس، من هنا يتبين لنا أهمية دراسة الحجة كما تَرِدُ في الحياة الحقيقية وتتجسد في اللغة العادية.

ذلك أن الحجة حين تَرِد في الواقع الحي لا تأتي مجردةً مُصَفَّاة، ولا تَكشفُ صيغتَها المنطقية للمتلقي بسهولةٍ وطواعية؛ إذن لَكان تمحيصُها أيسرَ عليه بما لا يُحد، إنما تأتي الحجة دائمًا ممتزجةً بلحم اللغة ودمها، متلفعةً بانفعالات الناس وأعرافِهم، مُؤَرَّبَةً بتضاريس الواقع، وبشئون الناس وشجونها.

وما تُشَكِّل الصيغةُ المجردةُ للحجة (المقدمات المؤدية إلى نتائج) إلا لُبٍّا ضئيلًا أو هيكلًا نحيلًا متواريًا وراء طبقةٍ كثيفةٍ من الاعتبارات الدلالية والتداولية للغة، ومن طبيعة الخصم وأيديولوجيته وسيكولوجيته، ومن مقام الحديث وسياق الجدل، ومن عواطف جمهور الحاضرين وانتماءاتهم وتحيزاتهم.

ونحن في مجال المنطق غير الصوري إنما يَنصَبُّ جهدُنا على هذه الطبقة الكثيفة التي تغلف اللب الصوري للحجة، نتلمَّسها ونتناولها بالتحليل والتفتيت، ونَنْفُذ منها إلى ذلك اللُّبِّ الصوري المفترض. في مجال المغالطات، على سبيل المثال، يكون عملُنا أشبهَ بأخذ صورة أشعة للحجة المطروحة، عسانا نَطَّلِع على هيكلها الصوري المطمور، ونُقَدِّرُ نصيبه من الصواب والخطأ، ويكون معيارُنا في ذلك هو المعيار المنطقي الصوري العتيد: صدق المقدمات وصواب الاستدلال، وكثيرًا ما تَجْبَهُنا صورة الأشعة بغياب أي لُبٍّ صوري وانعدام أي هيكلٍ منطقي في الحجة!).

وينتقل الكاتب بعد ذلك إلى عرض صور المغالطات المنطقية صورة صورة، مع شرحها وضرب الأمثلة عليها، ومع ما في هذه الأمثلة من تقريبٍ للصورة للوصول لفهمٍ أدق، فإنه قد جانبه التوفيق في عددٍ منها، لأنه من الواضح – ومن المنطقي – أنه جمع مادة كتابه من عدد من المراجع الأجنبية، فكانت بعض الأمثلة المستخدمة لا تتلاءم مع ثقافتنا، ومن الواضح أيضاً أنه التزم التفسير العقلي والمادي كتفسير وحيد لكل الظواهر، في حين أن العقل لا يكفي لتفسير كل ما يحدث لنا أو من حولنا، فقد تستنكر قول قائل بأن الكارثة الطبيعية الفلانية قد حلت بهؤلاء نتيجة خطاياهم، وتقول أن هذه الكارثة قد نتجت عن زلزال حرك طبقات الأرض فدمر ما فوقها، وتتناسى أن هذا الزلزال له مُسبب هو الله، نعم نحن نختلف مع من يتألى على الله ويحكم بكل ثقة بدون علم، لكننا لا ننكر الغيبيات وخصوصاً إذا ما اقترنت بشواهد لها أمثلة سابقة، ويكون محل النزاع هو في صحة الاسقاط والاستشهاد وعلاقة السابق باللاحق من عدمه، والله أعلم.

ونعرض هنا  صور المغالطات المنطقية مع شرحٍ مختصرٍ لها، أغلبه من كلام الكاتب نفسه، وهي كالتالي:

المصادرة على المطلوب: هي حجة دائرية يفترض فيها المحاور النتيجة التي يريد الوصول إليها كمقدمة ودليل يبني عليه حجته، وبالتالي فإنها ليست أكثر من تكرار المقدمة بصيغة أخرى، وتضع أمام محاورك ما يُفترض أن تُثبته أصلاً وكأنه أمرٌ مسلم به.

 مغالطة المنشأ: فصواب الفكرة لا يحدده مَصْدَرُها الذي منه أَتَت بل الدليلُ الذي إليه تستند، بغض النظر عن مشاعرنا – سلباً أو إيجاباً - تجاه هذا المصدر.

التعميم المتسرع: وغالباً ما يحدث بالاستقراء الخاطيء الناتج من الاستناد لعينة من كتلة غير متجانسة،  فتكون النتيجة غير ممثلة للحقيقة الكلية لهذه الكتلة.

تجاهل المطلوب (الحَيْد عن المسألة) : في هذه المغالطة يتجاهل المرءُ الشيءَ الذي يتوجب أن يُبرهن عليه، ويبرهن على شيء آخر، وتتمتع هذه الحجة المغالِطة بجاذبية خفية، وتكمن قوتها في أن هناك نتيجة تم إثباتها على نحوٍ صائب، وهذا الصواب هو الذي يَصرف انتباه المستمعين بعيدًا عن المغالَطة.

الرنجة الحمراء: هي حيلةٌ كان يستخدمها المجرمون الفارون لتضليل كلاب الحراسة التي تتعقبهم، وذلك بسحب سمكة رنجة حمراء عبر مسار المطاردة، فتجتذب الكلابَ رائحتُها الشديدة عن رائحة الطريدة الأصلية، وقد استعيرت للتعبير عن كل محاولة لتحويل الانتباه عن المسألة الرئيسية في الجدل، وذلك بإدخال تفصيلات غير هامة، أو بإلقاء موضوع لافت أو مثير للانفعالات وإن يكن غيرَ ذي صلة بالموضوع المعْنِي ولا يشبهه إلا شبهًا سطحيٍّا، فيقذف بالخصم خارج مضمار الحديث.

والفرق بين مغالطة الرنجة الحمراء ومغالطة تجاهل المطلوب هو أنه في مغالطة (تجاهل المطلوب) ثمة صيدٌ تم الظفر به ولكنه غير المطلوب، وثمة نتيجة محددة تصل إليها الحجة ولكنها غير النتيجة المطلوبة، إنه خطأ في الاستدلال، أما في مغالطة (الرنجة الحمراء) فإن الحجة تنحرف في اتجاهٍ  مختلف ولا تصل إلى شيء: فهي إما حيودٌ خارج الموضوع لا إلى موضوع آخر مثير انفعاليٍّا فحسب، وإما تمويهٌ وسحابة تَعْمِية لا تفضي إلى شيء ذي بال، ليس هنا استدلال أخطأَ هدفَه، بل خداع للمستمع واستهلاك له وانحراف عن الموضوع برمته إلى مسألة أخرى.

الحُجَّة الشخصية (الشخصَنة) : هي أن تحاول تسفيه حجةٍ ما بالقَدح في الشخص الذي يعبر عنها فيبدو كأن العكس قد ثبت، ولها 4 أنواع: القَدح الشخصي(السب) - التعريض ب الظروف الشخصية -  مغالطة « أنت أيضًا » ( تفعل هذا ) -  تسميم البئر، وأنْ تُسمم بئرًا هو أن تبادِرَ بضربةٍ وقائية ضد خصمك، وتَصِمه بأن لا يُولي الحقيقة أي اعتبار فيتضمن ذلك أنه مهما يقل فيما بعد فلن يثقَ به أحد.

الاحتكام إلى سُلطة: يقع المرء في هذه المغالطة عندما يعتقد بصدق قضية أو فكرة لا سند لها إلا سلطة قائلها، قد تكون الفكرة صائبة بطبيعة الحال، وإنما تكمن المغالطةُ في اعتبارِ السلطة بديلًا عن البيِّنة، أو اتخاذها بينةً من دون البينة!، ومبدأ الاحتكام إلى سلطة ليس معيباً إذا كان الغرض منه التماس الخبرة أو العلم من مظانها، ولكنه يصير معيباً في الحالات التالية: (إذا كان الاحتكام إلى السلطة غيرضروري - إذا كانت الدعوى غير داخلة في مجال خبرة الشخص الذي يُحتكَم إليه كسلطة - إذا كان هناك خلاف بين الخبراء في المسألة المعْنِيَّة - إذا كان الخبير متحيزًا أو تكتنفه شبهة التحيز - إذا كان مجال خبرة ذلك الخبير هو علم زائف أو مبحث معرفي غير مشروع - إذا كانت الخبرة، أو الفتوى، غير معاصرة - إذا كان الخبير المزعوم مجهولًا أو غير محدد).

مناشدة الشفقة (استدرار العطف) : لا بأس قَطُّ باستدرار العطف والشفقة إذا استدعى السياق وخلصَت النية، إنما يكمن الخطأ في أن تسنِد إلى العطف وظيفةَ البَيِّنة، وأن تأخذ الشفقة مأخذ الحُجة.

الاحتكام إلى عامة الناس: وهي تتضمن الاحتكام إلى رأي عامة الناس أو الأغلبية على حساب العقل، وافتراض صواب هذا الرأي، وومحاولة انتزاع التصديق على فكرة معينة بإثارة مشاعر الحشود وعواطفهم بدلاً من تقديم حجة منطقية، ولها 3 أشكال أساسية:

1-      عربة الفرقة الموسيقية: وتتمثل في ميلنا الغريزي للانضواء مع الحشد.

2-      التأسي بالنخبة: تتمثل في الاقتداء بالصفوة المختارة بدلاً من عامة الناس.

3-      التلويح بالعَلَم أو التذرع بالوطنية: وتتضمن اللعب على مشاعر الوطنية لدى الناس، وأفضل مقولة معبرة عنها هي مقولة صموئيل جونسون "الوطنية هي آخر ملاجئ الأوغاد".

وإن كان بالتاريخ أمثلة كثيرة بها فساد رأي الأغلبية، فإن ذلك لا يعني الاستهانة برأي الأغلبية بشكلٍ مطلق، والعبرة بالدليل العقلي والمنطقي الذي يستند إليه الرأي.

الاحتكام إلى القوة (منطق العصا، اللجوء إلى التهديد) : تعني هذه المغالطة اللجوء إلى التهديد والوعيد من أجل إثبات دعوى لا تتصل منطقيًّا بانفعال الخشية والرعب الذي تهيب به، تقبع في صميم هذه المغالطة فكرة القوة تصنع الحق might makes right وهي مغالطة لأن التهديد يعمل على مستوى دافعي مغاير لمستوى القناعة الفكرية، بوسعك أن تفرض السلوك القويم بالقوة، ولكن ليس بوسع أحد قط أن يفرض الرأي العقلي بالقوة، وإن ألف سيف مُصْلَتٍ على رقبتك لن تنهض لك دليلا على أن اثنين واثنين تساوي خمسة مثلاً. قد تشتري رقبتك بالطبع وتُسَلِّم للمأفونين بأنها لكذلك، ولكن الانصياع لا يعني الاقتناع.

الاحتكام إلى النتائج: ويتضمين تصديق أو تكذيب الخبر بناءً على حبنا أو كرهنا للنتائج المترتبة على صحته، ولا يوصف هذا إلا أنه هروبٌ من الواقع.

الألفاظ الملقمة: الألفاظ المشحونة (المفَخَّخَة) : حين تكون اللفظة محملة بمتضمنات انفعالية وتقويمية زائدة، بالإضافة إلى معناها المباشر، يقال لها لفظة مُلقَمة loaded word أو مشحونة، فالكلمة الملقمة مثل البندقية الملقمة بالذخيرة، والمعنى الانفعالي أو التقويمي هو الرصاصة، حين أستعمل لفظة « بهيمة» بدلًا من «حيوان»، ولفظة «رشوة» بدلاً من «حافز» ... إلخ، فأنا عندئذ أستخدم ألفاظا ملقمة تفعل فعلا آخر غير مجرد رصد الحالة الموضوعية: إنها تحكم وتقوم وتحرّض وتُوعز، واستخدام النعوت بهذه الطريقة يُصادر على المطلوب لأنه يوجه المستمع نفسياً وعقلياً لمراد المتكلم.

المنحدر الزلِق (أنف الجَمَل) : تعني مغالطة المنحدر الزلق أن فعلًا ما، ضئيلًا أو تافهًا بحد ذاته، سوف يجر وراءه سلسلةً محتومة من العواقب تُؤدي في نهاية المطاف إلى نتيجة كارثية، كل حدث في هذه السلسلة هو نتيجة ضرورية لما قبله وسبب للحدث الذي يليه، وهذه المغالطة غالباً ما تفترض نتيجة نهائية افتراضية مضخمة جداً كذريعة لعدم السماح بالفعل الأول من الأساس.

الإحراج الزائف (القسمة الثنائية الزائفة) : يقعُ المرء في هذه المغالطة عندما يبني حجتَه على افتراضِ أن هناك خيارين فقط أو نتيجتين ممكنتين لا أكثر، بينما هناك خيارات أو نتائج أخرى، إنه يغلق عالَمَ البدائل الممكنة أو الاحتمالات الخاصة بموقفٍ ما، مبقيًا على خيارين اثنين لا ثالث لهما، أحدُهما واضحُ البطلان والثاني هو رأيُه دامَ فضلُه. مثل: إما أن تكون معنا أو ضدنا.

السبب الزائف (أخْذُ ما ليس بعلةٍ عِلةً) : وتتضمن الربط الوهمي بين أمرين قد لا يكون أحدهما مرتبطاً بالآخر من الأساس، فقد تكون العلاقة علاقة (معية) مردها الصدفة البحتة، أو الارتباط بمسبب ثالث يؤثر على الحدثين، ومن الفوائد اللطيفة في هذا الفصل ما دونه الكاتب في الهامش من أن جرى الاتفاق على أن تُترجم كلمة Cause إلى (علة) بمعنى سبب طبيعي، وتُترجم كلمة reason إلى (سبب) بمعنى سبب عقلي.

السؤال المشحون (المركَّب) : هو تكنيك يعمد إلى دس (فروض مسبقة) غير مبرَّرة وغير داخلة في التزامات الخصم، داخل سؤال واحد، بحيث إنَّ أي جواب مباشر يعطيه المجِيب يوقعه في الاعتراف بهذه الفروض، والمثال التقليدي على المغالطة (هل توقَّفت عن ضرب زوجتك؟)  فأيٍّا ما كان الجواب، نعم أو لا، فإن المجيب يعترف بالفرض المسبق وهو أنه كان في وقتٍ ما يضرب زوجته.

التفكيرالتشبيهي (الأنالوجي الزائف) : يقع المرء في هذه المغالطة عندما يعقد مقارنةً بين أمرين ليس بينهما وجهٌ للمقارنة، أو أمرين بينهما مجرد تشابه سطحي وليس بينهما وجه شبه يتصل بالشأن المعْنِيِّ الذي تريد الحجة أن تُثبتَه.

ومن النقاط المهمة المرتبطة بهذه المغالطة، هو استخدام التشبيهات والاستعارات البلاغية غير ذات الصلة لإقناع الناس، مثل أن تقول: النظام الجمهوري هو نظام زائف ومدمر لأ الملك هو رأس الدولة، ولو فصلت الرأس عن الجسد، سيموت الجسد كله.

مهاجمة رجلٍ من القش: هي تلك المغالطة العتيدة التي يعمد فيها المرء إلى مهاجمة نظرية أخرى غير حصينة بدلا من نظرية الخصم الحقيقية، وذلك تحت تعمية من تشابه الأسماء أو عن طريق إفقار دم النظرية الأصلية وتغيير خصائصها ببترها عن سياقها الحقيقي أو بإزاحتها إلى ركن قصي متطرف، ويشبه هذا الجهد العقلي العقيم، سواء حسنت النية أو ساءت، أن يكون رميًا لخصم من القش بدلًا من الخصم الحقيقي، أو قصفًا لكتيبة هيكلية بدلا من قصف الكتيبة الحقيقية، إنه لأيسر كثيرًا أن تنازل رجلًا «دمية» من أن تُنازل رجلاً حقيقياً.

تتم مغالطة رجل القش بأن يَجْبُل المحاورة حجةً هشةً سهلة المنال غير حجة الخصم الحقيقية وينسبها إلى الخصم، ثم يُعمِل فيها مَعاوِل الهدم والتقويض، فيضفي انطباعًا زائفًا بأنه نجح في التفنيد، ويعلن انتصاره على خصمه، قد يتم ذلك عن عمدٍ فيكون حيلةً قذرةً وينم على الخبث وسوء النية والافتقار إلى الأمانة في الجدل، وقد يتم عن غير عمد فينم على الغفلة أو الجهل ويكون، في كل الأحوال، مضيعةً للوقت وإهدارًا للجهد في معركة وهمية غير ذات صلة وتُرَّهةٍ خارجة عن الموضوع!

وربما كانت المغالطات السابقة هي أشهر المغالطات وأكثرها استخداماً في الحجاج والمناظرات، ولكن نجد مغالطات أخرى ذكرها الكاتب، وننقل أهمها هنا باختصار:

مغالطة التَّشييء: هي أن تنسب وجوداً حقيقيٍّا للتصورات العقلية أو البناءات الذهنية، وكأنها تجسيدٌ لأمورٍ معنوية اعتبارية لا يمكن تجسيدها.

انحياز التأييد (التأييد دون التفنيد) : هو الانحياز المعرفي تجاه تأييد الفرضية محل الدراسة بدلاً من تفنيدها، و يُعرَّف انحياز التأييد أيضاً بأنه ظاهرة تتميز بميل صانعي القرار إلى ملاحظة الأدلة المؤيدة لدعاواهم والاحتفاء بها والتماسها بهمةٍ، بينما يميلون إلى تجاهل الأدلة التي قد تنال من الدعاوى، وإلى التقاعس عن طلبها والبحث عنها، وهو بهذا انحياز انتقائي.

إغفال المقَيِّدات : وتتضمن إغفال المقيدات أو المحدِّدات أو الشروط التي ينطوي عليها التعميم، واستخدام القاعدة ذات الاستثناءات المقبولة على أنها قانون مطلق، مثل أن تقول: (سيارة الإسعاف التي عبرت الآن تستحق مخالفة لأنها كسرت الإشارة الحمراء).

مغالطات الالتباس : وتتضمن استخدام العبارات أو المفردات المشتركة وتفسيرها بشكلٍ خطأ دون الرجوع للسياق، أو اللعب بالألفاظ بشكل مخادع (كما يفعل العرافون).

مغالطة التركيب والتقسيم : هي مغالطة إضفاء صفات الجزء على الكل أو العكس.

إثبات التالي : تُرتكَب هذه الأغلوطة في كلِّ حالة نعتقد فيها أن نظرية ما صحيحة لأن نتائجها التي لا بُدَّ أن توجد إذا كانت صحيحة هي نتائج موجودة، فنظن أن تحققها في أرض الواقع هو برهان لصحة النظرية، كأن تقول مثلاً: إذا كان النظام الجمهوري صالحاً لمصر لبقي فيها مدة طويلة، وطالما أنه بقي في مصر لمدة طويلة، إذاً فهو صالح لمصر.

ذَنْبٌ بالتداعي : يقع المرء في هذه المغالطة حين يذهب إلى أن رأيًا ما هو باطلٌ بالضرورة بالنظر إلى معتنقيه، أو أن دعوى معينة هي كاذبةٌ لا لشيءٍ إلا لأن أناسًا يبغَضُهم يقبلونها ويأخذون بها، فيعمد إلى رفض الدعوى؛ لأنها مرتبطة في ذهنه بما لا يحب.

الاحتكام إلى الجهل : تتضمن أن شيئًا ما هو حق بالضرورة ما دام أحدٌ لم يبرهن على أنه باطل، والعكس، مثل قصة جحا ومن سأله عن عدد شعر رأسه.

مغالطة سرير بروكرست : وهي تتضمن أية نزعة إلى فرض القوالب على الأشياء أو ليِّ الحقائق وتشويه المعطيات وتلفيق البيانات لكي تنسجم قسرًا مع مخططٍ ذهني مسبق.

مغالطة المقامر : وهي تتضمن التوقع الخاطيء للشخص لنتيجة ما بدعوى أن نفس الحدث تكرر بنفس الصورة عدة مرات من قبل، في حين أن الحدث له عدة احتمالات، لا يلزم بالضرورة أن تتكرر كل مرة.

المظهر فوق الجوهر : يقع المرء في هذه المغالطة عندما يولي أهمية زائدة للأسلوب الذي تم به عرضُ حُجةٍ ما، بينما يهمِّش، أو يتغافل، مضمونَ الحجة ومحتواها.

الاحتكام إلى القديم (الاحتكام إلى التقاليد) : وهذه المغالطة تجعل من عُمر الفكرة معيارًا لصوابها، ومن مجرد قِدَمها دليلًا على صحتها، وأصدق مثال له ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أمُّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾.

النبوءة المحقِّقة لذاتها : وتعني افتراض فرضية معينة على شكل معلومة أو نبوءة، فتتحقق بسبب تأثر السامعين لها.

الخطأ المقولي (خلط المقولات،خلط الأوراق) : ويتضمن أن تقرن أشياء من تصنيفات مختلفة لا يجوز عقلًا أن تجتمع.

وبهذا ينتهي هذا الملخص لأهم أفكار الكتاب، ويبقى أن نذكر أنه من المفيد أن يكتمل منظور القاريء بالقراءة في نفس الموضوع ولكن من منظور أقرب لتراثنا، ومن الكتب المفيدة في ذلك كتاب (الحجاج والمغالطة) لرشيد الراضي، وكذلك كتاب (أصول الخطأ في الشبهات المثارة ضد الإسلام وثوابته) لأحمد بن يوسف السيد، والكتاب الأخير كتاب صغير الحجم مفيد في موضوعه، ويجمع بين تسليط الضوء على مفاهيم المغالطات المنطقية، وربطها بالحوار مع مثيري الشبهات ضد الإسلام.

وفي النهاية أحب أن أضيف أن القراءة في هذا المبحث، وإن كانت هامة لكي ينتبه المرء للخدع التي يلجأ إليها المغالطون في عرض القضايا ومناقشتها، فإن البعض – من جهة أخرى – قد يتخذونه ككتيب للإرشادات، أو دستوراً للعمل!