السبت، 11 يوليو 2026

صانع النجوم: حلمي رفله.. سيرة سينمائية بلا مكياج

 


يعرض هذا الكتاب سيرة سينمائية لأحد رواد السينما المصرية، وهو المخرج والمنتج حلمي رفلة، وذلك من خلال أوراقه الخاصة، والتي تنوعت ما بين خطابات منه وإليه، ومقالات، وعقود ووثائق، بالإضافة إلى بعد ما دونه حلمي رفلة بنفسه عن بعض ذكرياته.

بدأ رفلة حياته في السينما كماكيير، وقد سافر إلى فرنسا لدراسة هذا الفن على حسابه أولاً ثم على حساب ستوديو مصر، ثم اتجه بعد ذلك إلى الإخراج والإنتاج. وكان النمط السائد في أعماله هو الأفلام الخفيفة والاستعراضية التي تجمع بين الغناء والكوميديا، وهو الذي قدم شادية في أول أعمالها، وكانت على علاقة وثيقة به، بالإضافة إلى إسماعيل يس وتحية كاريوكا ومحمد فوزي وعبد الحليم حافظ وغيرهم.

لم يكن يعنيني التفاصيل الخاصة به كمخرج بقدر ما كنت أهتم بقراءة هذه السيرة كمرآة لعصره من زاوية مختلفة، فما أكثر ما قرأت عن عهد ثورة يوليو 52 من مذكرات السياسيين والعسكريين، ولكن هنا، نرى زاوية أخرى، عن علاقة الثورة بالسينما، وعلاقة السينمائيين بالعهد الجديد في بدايته، وصولاً إلى سيطرة هذا العهد على هذه الصناعة من خلال إطلاق مؤسسة السينما.

يذكر الكاتب أن في نفس عام الثورة، نشر محمد نجيب بياناً تحت عنوان «رسالة الفن»، جاء فيه: ‫ «يمكن القول إن الفن عندنا كان ما قبل ٢٣ يوليو وربما حتى الآن صورة للعهد الذي قامت نهضتنا للقضاء عليه، كانت الميوعة والخلاعة إلا في القليل النادر وهي سمات للمسرح والسينما والغناء، ولم يكن أحد من المشرفين على هذه الوسائل ذات الخطر العظيم في حياة الأمم يحاول أن ينحو بها نحو الفن كما يجب أن يكون، بل كان الجميع - وهو ما يؤسف له - ينحو بهذه الأسلحة الخطيرة نحو التجارة، والتجارة الرخيصة في أغلب الأحوال فما من فيلم إلا وأُقحِمَت عليه راقصة وإذا كان هذا قد حدث في الماضي وسُكِتَ عليه فلأنه - كما قدمت - كان صورة من العهد الذي نعيش فيه. أما اليوم فإننا لا نستطيع أن نقبل من الفن ولا من المشرفين عليه شيئًا من هذا الذي كان يحدث في الماضي».

ولإدراك الثورة لأهمية استغلال السينما في الترويج لها، أُسندت لبعضهم مهمة التواصل مع السينمائيين كمندوب عن الثورة، ومن أهمهم وجيه أباظة، ويذكر الكاتب بعض ما دار مع الفنانين ومندوب الثورة حول السينما في الاجتماعات، حيث وافق المخرج أحمد بدرخان على رأي مندوب الثورة أن تكون السينما عنوانًا للعهد الجديد، ولكن دون إغفال وظيفتها الأساسية كأداة للتسلية. وعلَّق محمد كريم أنه لو أنتجنا أفلامًا عن الثورة وأهدافها سيشعر الجمهور بالملل. وقال حسن رمزي إن المصريين شعب مرح، ولا بد من وجود أفلام التسلية والترفيه، وليس معنى النهوض بالسينما أن تكون أفلامنا «حزايني».

 

ثم يقول: (تعددت الاجتماعات التي طغى عليها الحماس للثورة وأهدافها، ووصل التظاهر بالولاء لسلطة يوليو حد أن ارتدى كل من أنور وجدي ومحمد فوزي ويوسف وهبي وفريد الأطرش الزي العسكري في أثناء حضورهم اجتماعات اللجنة. ‫ولم يتجاوز التظاهر بالاستجابة لمطالب مندوب القيادة آنذاك حيز أفيشات الإعلان عن الأفلام. فكتب أنور وجدي على أفيش فيلم «دهب»: «فيلم جديد نظيف في عهد جديد نظيف» وكتب حسين فوزي على أفيش فيلم «جنة ونار»: «الفيلم الاشتراكي الاستعراضي الكبير» أما أحمد بدرخان فكتب على أفيش فيلمه «الله معنا»: «تمشيًا مع العهد الجديد» ‫ رغم ذلك، يرى القليوبي أن الكوادر القديمة قد استطاعت احتواء ثورة يوليو.)

كما ضرب أمثلة عن تسلل أفكار ومفردات هذا العهد في الحوار السينمائي، فيضرب مثلاً بفيلم كوميدي (إسماعيل يس في دمشق)، فيذكر الكاتب (تدور الأحداث التي لا تخلو من المغامرات العاطفية، بين القاهرة وبيروت ودمشق. وفي النهاية، السعيدة بطبيعة الحال، يقول إسماعيل يس: «أنا حاطط عيني على بنت سورية وهاخلف منها ذرية عربية متحدة». وهكذا، تقتحم مفردات العهد الجديد دراما الفيلم).

أما أهم ما يلفت النظر في الكتاب، هو مشاعر التوجس والترقب والخوف لدى السينمائيين من الضباط، حتى في العام الأول للثورة، ومما يستحق أن يُقرأ ما كتبه حلمي رفلة بنفسه عن الليلة السوداء التي قُبض عليه فيها لمحاولته زيارة تحية كاريوكا عندما دخلت السجن، وما كتبه يُعتبر مشهداً سينمائياً لا يخلو من الكوميديا السوداء ويستحق أن يُنقل كما هو، فيصف لحظة القبض عليه من إثنين من عساكر البوليس حينما ضُبط تحت شباك السجن وهو يُكلم تحية كاريوكا، ثم قال:

(وسرتُ بينهما في دهشة بالغة لأنني لم أكن أعلم ولا أشعر أنني على هذا الجانب من الخطورة، بحيث تتولى فرقة مسلحة الإمساك بي والقبض عليَّ بمثل هذه الصورة، وفي الطريق قلت للضابطين موضِّحًا موقفي:

 

«أنا اسمى حلمي رفله» ذلك أنني مؤمن بأن حلمي رفله مثل للسلم، لكنهما قالا: «إحنا عارفين!».

 

قلت لهما: أنا أنتجت خمسين فيلمًا تُعرَض في الأسواق الداخلية والخارجية»، فقالا: «ربنا يخليهم لك». 😄

قلت: «أنا كنت بتكلم مع السيدة تحية في أنواع الأكل اللي بتحبها وما كنتش باتكلم عن قنابل أو حاجات تهدد الأمن بشيء»، قالا: «إحنا سامعين كل حاجة» ‫ قلت متسائلًا: «إذا كان اللي أنا قلته لا يهدد الأمن ليه مسكتوني؟» فقالا: «تعليمات!» ‫ قلت: «أظن أنتم لمستم كل المميزات اللي تضمن وصولي إلى أي مكان بدون إرهاب وبدون تجمهر الناس حواليا» وكان الضابطان على جانب من الفهم فقالا: «إحنا علشان خاطرك حنسيبك ونقف بعيد وأنت امشي بعيد عننا بمسافة معقولة واتجه نحو قسم الخليقة» ‫ وذهبت إلى قسم الخليفة فاستقبلني أحد الضباط بابتسامة عريضة، فأحسست ببعض الأمان يسري في عروقي وطلب لي فنجانًا من القهوة، وعندئذ أحسست أن الأمر بسيط، لكن القعدة طالت، ومرت فترة أحسست بعدها برغبة في دخول دورة المياه، فأرسل معي أحد العساكر، ظننت في البداية أنه سيكون في خدمتي فإذا هو حارس عليَّ، وعدت إلى الغرفة مرة أخرى على أمل استجوابي في بضع كلمات قبل انصرافي، ولكن المسألة طالت والقعدة طالت أكتر وأكتر، وفجأة دخل أحد الضباط وهو يسأل: «المتهم موجود؟» فقال أحد الموجودين: «أيوه موجود».

ولما لم يكن هناك أحد غيري في الغرفة، فلقد بدأت أحس أن المسألة أكثر وأخطر وأعقد مما تصورت..! وأخذت الساعات تتوالى في بطءٍ قاتل،واقتربت لحظات الغروب وجاءني ابني الكبير منزعجًا، حيث أبلغني أن راديو إسرائيل أذاع خبرًا وأن محطة الإذاعة هنا نقلت الخبر عن راديو إسرائيل بالقبض على المخرج السينمائي حلمي رفله، وأن محطة الإذاعة ردَّدت الخبر، فتجسَّم الأمر في ذهني، وأخذت الأوهام تطوف برأسي خصوصًا بعدما أبلغني أن وفدًا من كبار الفنانين ذهب لمقابلة الزعيم الخالد جمال عبد الناصر، وكان وقتذاك وزيرًا للداخلية سنة ١٩٥٣، والتمسوا منه الإفراج عني، ولكنه أبلغهم أن الأمر في النيابة ولا يستطيع الإفراج عني اليوم! وكم كانت دهشتي لهذا الكلام وأنا من المؤمنين بأن جمال عبد الناصر يستطيع أن يأمر بهدم الهرم، فكيف لا يستطيع أن يأمر بالإفراج عني، إلا إذا كنتُ متهمًا في جريمة كبرى لا أدري بها!

وأخذتُ أشرح لابني ببساطة الجُرم الذي ارتكبته، وهو لا يزيد عن أنني كنت أتحدث مع تحية كاريوكا، ورجوته أنه في حالة أصابني سوء حظ وظلمتني السلطات، وكم كان يحدث ذلك في كثير من الأوقات ومع الكثيرين من الناس راحوا ضحية أحكام عقوبة وجرائم لم يرتكبوها! فلا أقل أن يؤكد لإخوته الصغار أن أباهم كان رجلًا بريئًا لم يرتكب أي جرم.

وذهب نجلي للبحث عن محامٍ ليقف بجانبي، ولكني أصررت على أن يجعل المحامي معه القانون الذي أقع أنا في حالتي هذه تحت بنوده، ولا أعرف العقاب الذي ينتظرني!

‫ وجاءني في المساء الأستاذ علي منصور المحامي وأطلعني على القانون وعلى المادة التي أُحاكم من خلالها وهي تقول: «يُعاقب بغرامة لا تزيد عن عشرة جنيهات كل من حاول زيارة معتقل أو سجين بأمر عسكري، ويُعاقب بالسجن مدة لا تزيد عن ثلاث سنوات كل من فعل ذلك بطرق تحايلية»، فنظرت إلى الضابط الذي قبض عليَّ وسألته: «أنت لما مسكتني أنا كنت مركب دقن أو متحايل..؟» فنظر إليَّ دون أن يرد على سؤالي.

»إذن ليس هناك تحايل، واعتبروا ما حدث أقل شيء وخد ١٠ جنيه وسيبني»، فقال: «لازم النيابة بكرة تحقق». وذهب المحامي وتركني في حجرة الضابط وجلست أستكمل شرب الفنجان الخمسين من القهوة حتى بلغت الساعة العاشرة مساءً، ونظر الضابط برقة متناهية وقال لي: «أنا مضطر وعملي خلص وعايز أمشي فتسمح حضرتك تتفضل جوه؟».

‫ فسألته مندهشًا: «جوه، جوه فين؟ ما أنا جوه أهو..!» فقال برقة: «لأ جوه شوية كمان..!» فسألته ببراءة: «اوعى تكون حتدخلني في السجن ولا حاجة؟» فأجابني: «أهي ليلة تفوت ومعلهش!» فقلت له في فزع: «أي ليلة..؟ أنا لو دخلت جوه هموت..!» وكانت الليلة توافق ٧ ديسمبر وكان الطقس في أقصى درجات البرودة!

‫ فقال لي الضابط: «أنا آسف وأرجوك ماتحرجنيش، واتفضل بدون أي مقاومة». فسألته عندما تأكدت أنه مُنفذ للتعليمات ولا يملك سوى تنفيذها: «هو البيه المأمور موجود؟» فأجابني: «الظاهر إنه يعرفك، وهو مشفق على موقفك ومحرج منك، فروَّح وقال متتصلوش بي!»

وأمام كل هذا لم أجد مفرًّا من أن أقبل الدخول إلى السجن، ولكن الدخول إلى السجن يقتضي تسليمي للشاويش رئيس حراس السجن، والذي أخذ يسألني إذا كان لديَّ أشياء ثمينة، فأجبته: «معايا ساعة، بس أرجوكم تسيبوها لي علشان أعرف الوقت منها»، فسألني «معاك حاجة تانية؟» فقلت له «معايا خاتم أهه في صباعي بس أنا تخنت شوية وما بقدرش أخلعه».

‫ فقال: «أنا خايف حد من المساجين يعض صباعك ويقطعه علشان ياخد الخاتم». فقلت له ثائرًا: «وازاي أنا اسمح له بكده؟ طيب ما أنا أنادي عليك على طول علشان تنقذوني»، فأجابني: «يا أستاذ أنا مقدرش أدخل وسط قتالين قُتلة».

وما إن سمعت ذلك حتى استولى الفزع عليَّ وملأني قوة، تشبثت بالباب وأنا أصرخ: «هاتولي محمد نجيب هاتولي جمال عبد الناصر هاتولي عبد الحكيم عامر يا ناس يا مجرمين، واحد بيقول لواحدة: إزيَّك. تحطوه مع قتالين قُتلة! أنا مش ممكن أدخل مع قتالين قُتلة. اقتلوني أنتم علشان يبقى في إثبات» ‫ وحاول الضباط والعساكر أن يفكوا يدي القابضة بقوة على قضبان السجن فلم يتمكنوا، بينما صراخي يملأ القسم، مما دفع الضابط للاتصال تلفونيًّا بمسؤول كبير، ثم عاد على أثر المحادثة، ووافق على أن أنام في غرفة يشغلها العساكر نهارًا لقضاء الأعمال المكتبية، وهي عبارة عن طاولة كبيرة من الخشب وبضعة كراسي، وكان عليَّ أن أستغلَّ هذه الطاولة الخشبية الكبيرة كسرير لأنام عليها، وكان فوق هذه الطاولة الخشبية لمبة كهربائية ذات قوة كبيرة لا تقل عن ٥٠٠ شمعة، ولم يكن هناك مفر من أن أطفئ هذه اللمبة وأنام في الظلام، وهذا ما لا أستطيعه، أو أتركها موقدة وبيني وبينها مسافة لا تزيد عن نصف متر، فاخترت أن أنام وأتركها مضاءة، الأمر الذي أتعبني بمتاعب نفسية وما زلت أعاني منها حتى الآن!

‫ ومرت لحظات.. وإذ بطرقات على باب الغرفة تدق، ثم يدلف إلى داخل الغرفة أحد العساكر ويسألني: «تحب تشرب قهوة يا أستاذ.. شاي.. أي حاجة..؟ ».

فشكرته وطلبت واحد شاي، وبعدما أحضر الشاي ناولته جنيهًا، ناولته الجنيه وأنا خائف من أن يعتبره رشوة فيوقعني في مشكلة تانية، أو أطلب منه باقي الجنيه فيسيء هذا الطلب لما بيني وبينه من علاقة طيبة، ولكن ما دار بيننا من حوار خفَّف من درجة خوفي، وأدخل الجنيه أو باقي الجنيه في إطار الإكراميات وليس في إطار الرشوة! ‫ ولم تمر لحظات بعد تناولي لكوب الشاي، وإذ بعسكري آخر يطرق الغرفة ثم يدخل يسألني: «تحب تشرب قهوة يا أستاذ. شاي. أي حاجة..؟» ‫ وتكرر ما حدث مع العسكري الأول حرفيًّا أو أقرب ما يكون إلى ذلك وإذ بعسكري ثالث يدخل ويسألني: «تحب تشرب كوكا يا أستاذ؟». وتكرر ما حدث مع العسكري الثاني بالضبط. وباختصار ما دفعته في تلك الليلة كان يتيح لي أن أنام في الهيلتون أو الشيراتون كأحد أمراء الخليج أو ثري من أثرياء وكالة البلح!

وبعد كل هذه السلسلة من الإكراميات التي دفعتها للعساكر الثلاثة نشأت بيننا صلة وثيقة من الود والتعاطف، استطعتُ بها أن أنسى جدار الخوف بيني وبينهم، وهو الأمر الذي شجعني وجرأني بمطالبتهم بأن يساعدوني في الحصول على غطاء يقيني شر برد شهر ديسمبر، ولقد أظهر العساكر الثلاثة حماسًا وترحيبًا كبيرين لمساعدتي في تحقيق رغبتي هذه، مما دفعني إلى سؤالهم: «هل أستطيع أن أطلب بيجامة أو غطاء من بيتي؟» ‫ فرد عليَّ أحدهم قائلًا: «يا أستاذ، ده إحنا في الخدمة، ولو حبيت نجيب لك الست بنفسها هنا» 😄 وأمام هذا الموقف طلبت منهم الاتصال تلفونيًّا بمنزلي لكي يحضروا لي الأشياء المطلوبة، وبالفعل اتصل أحدهم بالمنزل الذي كان في تلك الساعة مليئًا بالزائرين والزائرات، وكانوا جميعًا يتحدثون مع زوجتي بصوت يصل إلى حد الهمس خوفًا من تسرُّب خبر القبض عليَّ ودخولي السجن، إلى والدتي التي كانت بتكوينها الشخصي وسنها لا تستطيع أن تتقبل مثل هذا الخبر، وأيضًا كان من الصعب للغاية، بل من المستحيل على زوجتي النزول بالأشياء المطلوبة لي في مثل تلك الساعة المتأخرة من الليل.

لكل هذا كان وصول مثل هذه الملابس والأغطية التي طلبتها أمرًا مستحيلًا، ومن ناحية أخرى كان انتشار خبر اعتقالي قد وصل إلى بعض الزملاء والزميلات في الوسط الفني، فكانوا يخشون الاقتراب مني أو حتى تقديم أي مساعدة لي، وقد عشت لحظات مليئة باليأس والنفور من وضعي الذي أنا فيه بلا ذنب جنَيتُه، ولكن لم يستمر حالي على ما هو عليه طويلًا، فسرعان ما سمعت طرقات سريعة على باب الغرفة وشاهدت يد أحد العساكر تفتحه بقوة، ويدخل منه عليَّ الأمل الكبير الذي أعاد لنفسي الثقة في الصداقة والوفاء، وكان هذا الأمل الكبير الذي أعاد لنفسي الثقة في الصداقة والوفاء ممثلًا في شخصية الإنسانة والفنانة مديحة يسري، وهي التي عُرف عنها دائمًا الشجاعة والوفاء، وحين تلاقت عيني بعينها أصابتني موجة من الضحك المتواصل «كريزة» ما لبثت أن انقلبت بكاءً بصوت عالٍ، وقد علمت منها أن زملائي وزميلاتي الفنانين قد عقدوا عدة اجتماعات بعدها تقابلوا مع الرئيس جمال عبد الناصر، وكان يشغل منصب وزير الداخلية ووعدهم بالإفراج عني سريعًا وقال لهم: «سيبوه الليلة دي»، وأيضًا فهمت من السيدة الفاضلة مديحة يسري أنهم يوجهون لي تهمة اعتناق الشيوعية والترويج لها في مصر، وكان ما أسمعه منها أغرب وأعجب ما سمعته في حياتي، وذلك لأنني طوال حياتي لم أعتنق مذهبًا ولم تكن لي أية اتصالات بمجموعات سياسية، ولكن حقيقة الأمر هو أن زوج تحية كاريوكا وهو شخص لم أره في حياتي من قبل، قد اتُّهِم بالشيوعية وقد عثروا في منزله على بعض المنشورات التي تدينه، ولذلك تم القبض على تحية، ولمجرد أنني ذهبت لزيارتها للاطمئنان عليها صرتُ أنا الآخر وبالتبعية شيوعيًّا، الأمر الذي كان ساريًا ومنتشرًا في ذلك الوقت.

‫ لقد استطاعت مديحة يسري أن تُسرِّي عني همي وانفعالاتي السيئة المتضاربة والتي كانت تحوطني في هذه الليلة، وجلست معي مديحة يسري ساعات طويلة تُطيِّب خاطري تعاطفًا معي في محنتي، وهنا شعرت أن التعاطف مع الإنسان أثناء تعرضه لمحنته، دائمًا ما يكون له أعمق الأثر في النفس! وتركتني السيدة مديحة يسري قبل بزوغ الفجر ثم أخذتُ أترقَّب ما سيحدث لي في الصباح، وما هو مصيري فيه؟ ‫ وفي الصباح حضر نفس الضابط الذي رأيته بالأمس واستدعاني إلى غرفته وأخبرني في أسلوب مرح أنه مطلوب فيش وتشبيه لشخصي المتواضع، وأن هذا الإجراء يتطلَّب مني أن أقوم بوضع أصابعي العشرة في أحبار سوداء مزعجة، ولكن الضابط أفهمني أنني سوف أُعامَل معاملة خاصة جدًّا، وذلك بأن يحضروا لي كوزًا مليئًا بالجاز حتى أتمكن من غسل يدي فيه وإزالة ما يتعلق بها من أحبار، وبعد ذلك كان المفروض أن أُنْقَل إلى مقر النيابة، وذلك بواسطة السيارة المخصصة للمساجين الذين يتم تجميعهم من أقسام البوليس المختلفة، وامتدادًا للمعاملة الخاصة التي وعدني بها الضابط أصدرَ أوامرَه بأن يكون مكاني في السيارة بجوار السائق، وقد حدث أثناء توجهي لركوب سيارة المساجين أن فوجئت بمئات من أفراد الشعب يلتفون حولي وهم يدعون لي بالبراءة، وقد أصابتني الدهشة واستغرقت في ذهول كبير لروعة المفاجأة؛ فبالله كيف تسرب إلى هؤلاء خبر القبض عليَّ ووصوله إليهم بهذه السرعة الخارقة؟ وكيف أنني أصبحت مشهورًا إلى هذه الدرجة ما بين يوم وليلة واحدة؟ ‫ ولكني علمت بعد ذلك أن خبر اعتقالي قد أذيع لأكثر من مرة في إذاعة مصر وإذاعة إسرائيل، وذلك تحت عنوان «القبض على المخرج حلمي رفله بتهمة الشيوعية»، وقد اتجهت بنا سيارة المساجين إلى أحد أقسام البوليس الكبيرة، وهناك التقيت مع أحد المختصين بـ«تفنيط» المتهمين الذي أمر بإدخالي وحدي إلى أحد العنابر الخاصة في القسم، وقد كان خاليًا من أي شخص آخر غيري، ولما كانت لي سابقة في التعامل مع العساكر حراس هذه العنابر وتجربتي معهم بالأمس، قد شجَّعني بالإسراع في طلب كوب شاي من الحارس المنوط به حراسة العنبر وسلمته الجنيه المعهود، وحين أحضر لي الشاي قال لي: «يا أستاذ، مفيش فكة»، فسارعت أنا بقولي «فكة إيه يا راجل هو ده وقته؟». ومع مرور الوقت استطعت أن أكسب تعاطف وود حارس العنبر الأمين، وكان من مظاهر هذا التعاطف أنه أدخل لي كرسيًّا حتى أستريح عليه، ولكن للأسف الشديد كان كرسيًّا بدون قاعدة، ومع هذا فإن جسمي الممتلئ قد أنقذني من هذا المطَبِّ، ثم بعد لحظات استدعاني الضابط لمقابلة وكيل النيابة المختص الذي انتهت عنده المرحلة الأولى من التحقيق معي، وبعدها أمَرني وكيل النيابة بالانتظار في العنبر إلى ما بعد الظهر، ولكنني حين بدأتُ طريق العودة إلى العنبر، وأثناء اجتيازي الردهة الموصلة وجدت العسكري المتعاطف معي يُقبل عليَّ ويهمس في أذني: «خلي بالك من الرجل أبو دقن!» ‫ وحين دخلت إلى العنبر وجدته أصبح مليئًا بأعداد كبيرة من المساجين، ولكنهم بلا استثناء بدقون، لدرجة أنك لا تستطيع أن تميز بينهم واحدًا من غير دقن، ومع هذا فكان من الواضح لي أن هناك شخصًا واحدًا من بينهم يكاد يكشف عن نفسه، لأنه كان في حالة ثورة وهياج شديدة، ووجدتني أقترب من هذا الشخص وهو ما زال يردد كلماته الساخطة على الحكم ويصب فيها لعناتِه القذرة على الحكومة، وعلى الفور فهمتُ أنه الشخص المطلوب الاحتراس منه والحذر من الاقتراب إليه، وهنا قلت لنفسي ما معنى كلمة أخلي بالي منه، أكان المقصود هو أن أسايره في الكلام والثورة التي هو عليها اعتقادًا بأنه شخص مجنون قد يلجأ في لحظة طيش إلى الاعتداء عليَّ، أو كان المطلوب مني أن أخالفه الرأي والقول بأنه من رجال البوليس ويريد الإيقاع بي؟!

‫ وفي هذه الحالة لم أجد بُدًّا من أن أتخذ منه موقفًا معينًا، وهو أنني إذا وجدتُه يلعن ويسب في الحكومة أنظُر إليه نظرات بلهاء ضاربًا كفًّا على كف، وأنظر إلى السماء في توسُّل ودعاء لا يفهم منه أمنت أسايره أو أخالفه! ».

وإلى هنا ينتهي هذا المشهد والذي به من الشواهد ما يكفي لنقل صورة العهد الجديد في عقول وقلوب أهل الفن حينذاك، ويذكر الكتاب أيضاً طلب الاستعطاف أو الاسترحام الذي حاول بعض زملاء تحية كاريوكا رفعه للسلطات - من خلال نقابتهم - للإفراج عنها، والذي رجح الكاتب أن النقابة ربما خشت أن ترفعه أصلاً!

يتكرر في مساحات كثيرة من الكتاب الحديث عن مأساة رفلة مع الدولة حينما أجبرته على تصفية شركته وبيع أفلامه للدولة بثمنٍ بخس، وتكرار شكاويه عبر العهود بلا طائل. كما يتحدث عن تجربته كمدير في الكيان الجديد الذي أسسته الدولة للسيطرة على الإنتاج السينمائي (مؤسسة السينما)، ويتحدث كذلك عن الأشخاص المفروضين من الدولة على طاقم العمل، والأثر السلبي لذلك على الإبداع، وشكاوى الممثلين من الإرهاب وسوء المعاملة، وتعجبت من اقتصار بعضهم على الشكاوى المكتوبة رغم تعرضهم للسب العلني، وهو دليل على سيادة مشاعر الخوف والتي تجعل الشكوى الأقرب للفضفضة هي سقف الممكن.

وفي الفقرة التالية لمحة مختصرة عن هذا الكيان الذي وُلد مشوهاً ومثقلاً بقيود الاشتراكية وما يتبع ذلك من خسائر مادية نتيجة للفساد ولتضخم الأجور، إلى أن اضطرت الدولة لتصفية هذا الكيان، فيقول الكاتب:

(وفي الاجتماع التمهيدي لتكوين الشركة، قَدَّم له أحد المختصين خريطةً تتضمن مجموعة من الأفراد الذين سوف يساعدونه في العمل وكانت المفاجأة، أو الصدمة وحاول رفله أن يشرح لهم أن شركته، التي كانت تنتج ربع ما يعادل إنتاج الجمهورية، ليس بها مع مديرها سوى سكرتيرة واحدة، وكاتب حسابات، وساعٍ، فماذا سيفعل بكل هؤلاء؟ ‫ لكن أحد الموجودين غمزه في قدمه حتى يصمت، وهمس في أذنه بأن هذا هو التنظيم الاشتراكي. كان هذا الغامز هو المنتج حسن رمزي، الذي سبق أن غمزه من قبل عندما قال بصراحة للدكتور حاتم: «ها أنا أصبحت مديرًا عامًّا وأتقاضى مرتب وزير لكنني أؤكد لك أن ما سيُصرَف على هذه الشركة وغيرها من الشركات التي سيقيمها القطاع العام  لو خُصِّص منه ١٠ ٪ فقط لتشجيع السينما وهي حرة طليقة من هذا القطاع، لكان ذلك أجدى وأنفع للسينما والسينمائيين». وحين همس في أذنه الغامز نفسه، بأن هذا لا يتماشى مع سياسة الدولة، أصابه الذهول، وتساءل: كيف يمكن أن تتلخص سياسة الدولة في هذه المغامرة العجيبة؟ وهو لا يدرك أن هذه المغامرة سوف تهوي على رأسه كمطرقة تُفقِده تَوازُنه ما تبقَّى من حياته.)

يُختم هذا الكتاب بفيلموجرافيا لحلمي رفلة، ثم ملحق للصور والوثائق، وأكثر ما لفت نظري في هذا الجزء، هو أن كل الخطابات المكتوبة بخط اليد – على اختلاف كاتبيها – قد جمع بينها جمال الخط وأناقته، وهو من بقايا التعليم في عهد ما قبل 52.

الأحد، 29 مارس 2026

في زماني : مذكرات ديك تشيني

 


هذه سيرة ذاتية لرجل كان له دور ليس بالقليل في تشكيل واقعنا. يذكره أبناء جيلي كأحد من أُطلق عليهم (الصقور) في إدارة جورج بوش.
المشاعر التي تتولد لديك و أنت تقرأ سيرة حياة ناجحة لأحد ألد أعداءك هي مشاعر مختلطة بين الكره و الغضب، و بين الإعجاب. و الحقيقة أن حياة هذا الرجل كانت ثرية و حافلة بالمناصب التي سار فيها على نفس الخط تقريباً، و بروح الوطنية Patriotism 
بالمفهوم الأمريكي الذي يرى أمريكا أولاً و آخراً و لا شيء سواها..ربما باستثناء: إسرائيل!
يبدأ الكتاب بمقدمة على نظام الفلاش باك تعرض أحداث يوم 11 سبتمبر برواية تشيني، و من خلال رؤية مدى ثبات و حسم الرجل في هذا اليوم و توصيته بلا تردد بإسقاط طائرة ركاب مدنية لمجرد الشك في أنها ستستخدم في هجمة جديدة، تعطي تهيئة نفسية للقاريء لما هو مقدمٌ على قراءته.
بدأ تشيني حياته السياسية بالتدرب في مكاتب بعض أعضاء الكونجرس في واشنطن، ثم العمل مع دونالد رامسفيلد الذي تقاطع مسار حياته معه في أكثر من محطة، و منه انتقل إلى العمل في البيت الأبيض في إدارة جيرالد فورد، و غادره إثر هزيمة الأخير في انتخابات الرئاسة.
عندما عاد لمسقط رأسه في وايومينج، فكر في العودة للحياة السياسية عن طريق الترشح للكونجرس، و بذلك صقل خبرته السياسية من موقعٍ آخر بعد أن أمضى قرابة العشر سنوات كعضو بالكونجرس.
بعد وصول جورج بوش الأب للحكم عرض عليه تولي حقيبة الدفاع و قبلها، و من ثم كان وزير الدفاع الذي جرت في عهده أحداث بنما، ثم حرب الخليج الثانية.
الفصل الذي تكلم فيه عن حرب الخليج بدأه بالحكي عن زيارة قام بها مسئولون إسرائيليون كبار لمكتبه بالوزارة يعرضون عليه تقارير و صور عن قدرات العراق الصاروخية و النووية و أن إسرائيل تعتبر هذه مسألة أمن قومي، و بعد ذلك بدأ يتكلم عن الحشود العسكرية العراقية على حدود الكويت، ثم تفاجؤهم بالغزو. ثم الموقف الفاتر للإدارة الأمريكية في الأيام الأولى للغزو بإعتبار الكويت بلد صغير لا يهم الشعب الأمريكي، بينما كان تشيني هو الذي يعمل على تشجيع بوش للمضي في الحل العسكري، بعد أن اقتنع أن صدام لم يكن لينسحب بالوسائل الدبلوماسية، و أن صدام قد ضاعف الاحتياطي النفطي لديه، و إذا سيطر على المنطقة الشرقية في السعودية فسيكون لديه ما يقرب من نصف الاحتياطي العالمي، و بالتالي سيتحكم في سعر النفط.
إن بداية هذا الفصل بزيارة المسئولين الإسرائيلين تعطي إشارة واضحة أن أحد أهم العوامل التي شجعت تشيني على التبشير بالحرب و السعي لتدمير قدرات العراق العسكرية هو أمن إسرائيل، إلى جانب مسألة البترول و مصالح أمريكا في المنطقة بالطبع.
تسلسل الأحداث الذي يحكيه تشيني كنت قد اطلعت عليه من قبل بشكل أكثر توسعاً في كتاب الصحافي الشهير بوب وودوورد (القادة)، و كتبت مراجعتي عنه هنا.

و تشيني في كتابه يحكي عن مرحلة إقناع السعوديين بتواجد القوات الأمريكية لديهم، ثم تكوين التحالف الذي اتخذ شرعيته بوجود الدول العربية فيه، و مواقف الزعماء العرب المؤيدة لضرب العراق و من ضمنهم مبارك بالطبع. و يحكي عن الصواريخ العراقية التي أطلقها صدام تجاه إسرائيل بعد بداية القصف الجوي لبغداد، و الجهود الحثيثة التي بذلها تشيني لإقناع إسرائيل بضبط النفس و عدم الرد حتى لا يتصدع التحالف عندما ترى الدول العربية أن إسرائيل تساهم في ضرب العراق، و طلبه من قيادة قوات التحالف بتعديل أولويات التحركات الميدانية بشكل عاجل لاستهداف و تدمير وحداث و قواعد و منصات الصواريخ في غرب العراق و التي تستهدف إسرائيل.
بعد هزيمة بوش في الانتخابات و وصول كلينتون غادر تشيني موقعه بطبيعة الحال و توجه لوايومنج مرة أخرى ليفكر بهدوء في الخطوة التالية، حينها تواصلت معه هاليبرتون لينضم إليها، ثم ليتولى قيادتها بعد ذلك.
بطبيعة الحال فإن حديثه المقتضب عن إدارة كلينتون يغلبه الامتعاض، و طوال عهد كلينتون كان بعيداً عن المناصب السياسية و إن حافظ على اتصالاته. و تواصل معه جورج بوش الإبن يدعوه للإنضمام لفريقه، و بعد إلحاح قبل تشيني دخول سباق الانتخابات معه كنائب للرئيس.
قال تشيني إن بوش من البداية و هو يعرض عليه منصب نائب الرئيس أخبره أنه يريده كشريك في الحكم لا كنائب بالصورة المعتادة، و لا أعتقد أن أبناء جيلي ينسون بوش بقدراته المتواضعة و نظراته البلهاء و أجازاته الكثيرة في مزرعته بتكساس، لكي يتضح من كان له الدور الكبير في اتخاذ الكثير من القرارات التنفيذية، كأحد أهم و أقوى نواب الرؤساء - إن لم يكن أقواهم - في تاريخ الولايات المتحدة.
أثناء تكوين الإدارة الجديدة شجع تشيني بوش على تعيين رامسفيلد كوزير للدفاع، و كذلك تعيين باول - الذي عمل مع تشيني سابقاً كرئيس للأركان - وزيراً للخارجية، مع ضم مجموعة أخرى من اليمينيين كبول وولفويتز. و كل هؤلاء كان لهم دورٌ في تشكيل خريطة المنطقة الجديدة.
كان تشيني مرة أخرى أحد أهم المشجعين على إحتلال العراق بدعوى دعمه للإرهاب و إيواؤه للإرهابيين. و بزعم وجود أسلحة للدمار الشامل. و بعد كل ما حدث للعراق فإنه في النهاية كلما تكلم عن انكشاف زيف مزاعم امتلاك العراق لهذه الأسلحة يتكلم بشكل عابر على أساس أن الأمر كان إخفاق استخباراتي، و بدون أدنى إحساس بالندم بالطبع.
يستمر تشيني في عرض مساهماته و دوره في صناعة القرار في إدارة بوش إلى نهاية عهده و يتكلم بشكل عادي جداً عن جوانتانامو و عن ما عُرف ب"وسائل الاستجواب المعزز" و دور ذلك في انتزاع الاعترافات من أسرى طالبان و القاعدة، و أثر ذلك في سقوط قادة آخرين للقاعدة. هذا بالإضافة للمشاكسات المعتادة بين الجمهوريين و الديمقراطيين، و كيف تأثرت البلاد بالسلب نتيجة لقيام أوباما بإلغاء بعض قرارات إدارة بوش..إلخ
أثناء قراءتي لهذه المذكرات صادفت عدداً من الفقرات التي اقتبستها و عرضتها على صفحتي على الفيسبوك، حيث وجدت فيها ليس فقط رؤية رجل سياسي بارز، بل خبرة حياتية لا يُستهان بها..و أنقلها مرة أخرى هنا بتصرف كختام لهذه المراجعة
------------------
في بدايات حياتي العملية تعلمت درساً قيماً. كنت أحضر اجتماعاً لمناقشة مشكلة لا أذكر تفاصيلها الآن، لكني أذكر جيداً أني رأيت الحل بوضوح شديد و طرحته أمام الجميع بشكل مباشر، بلهجة توحي بقدر من المرجعية و السلطة على ما أتذكر. ساد الصمت الغرفة لبرهة ثم تابع الفريق الكلام، متوصلاً في النهاية إلى الحل الذي كنت قد اقترحته، و إن كان على نحو لم يسبق لي أن طرحته مطلقاً. و لدى تأملي لما حدث أدركت أنه من الأفضل أن يستمع المرء بدلاً من أن يتكلم، لاسيما إذا كان ما يزال شخصاً صغير السن مبتدئاً.يضاف إلى ذلك أن أي جماعة تكون بحاجة عادةً،حين تجد نفسها أمام مشكلة،إلى الاشتباك و التصارع مع تلك المشكلة لبعض الوقت. و إن كان لديك نوعٌ من الحل، فما عليك إلا أن تنتظر حتى يكون الناس مستعدين لقبوله، ثم تبادر إلى طرحه بأسلوب بارد بما يضمن التركيز على الحل، بعيداً عن شخصك أنت

------------------
في جلسة جمعت بين نيكسون و خروتشوف عام 1959 - قبل سنوات عدة من توليه الرئاسة - و بعد مأدبة غداء، تكلم خروتشوف بلا تحفظ. قال الرجل "إن على المرء أحياناً أن يكون سياسياً كي يكون رجل دولة. إذا كانت الجماهير ترى نهراً خيالياً أمامها، فإن السياسي لا يقول لهم: ليس ثمة أي نهر. بل يقوم السياسي بدلاً من ذلك ببناء جسر خيالي فوق النهر الخيالي!"
------------------
تعلمت أن بعض الناس قد يختارك لما لست عليه، ففي جولتي الانتخابية الأولى للترشح للكونجرس قابلت راعي بقر عجوز، فسألني: هل أنت محام؟ فقلت: لا يا سيدي. فسألني: هل أنت ديمقراطي؟ فقلت:لا. فقال: إذاً صوتي لك في الإنتخابات

------------------
زارني هنري كيسنجر في مكتبي بالبيت الأبيض كما كان يفعل بانتظام منذ توليت منصبي كنائب للرئيس، و تناقش معي في عدد من الموضوعات بما فيها كوريا الشمالية، و روسيا، و أوروبا. إلا إنه بدأ كلامه بالعراق و حذر من الآثار السياسية لسحب القوات الأمريكية منها، و قال "الانسحابات أشبه بالفستق المملح، ما إن تبدأ في تناوله حتى تصبح عاجزًا عن التوقف".

رحلة العمر : مذكرات السفير عبد الرؤوف الريدي


 

في هذه المذكرات، يعرض علينا السفير عبد الرؤوف الريدي رحلة عمره، منذ طفولته ونشأته، إلى آخر المناصب الرسمية التي تولاها في مشوار عمله الدبلوماسي.
ولد الريدي في أوائل الثلاثينيات في عزبة البرج لأسرة ميسورة الحال، ووصف لنا نمط الحياة في عزبة البرج في هذه الفترة، حيث كان نشاط القرية الأساسي معتمداً على الصيد والتجارة مع موانيء الشام وقبرص واليونان، وكان نصف أسطول الصيد في مصر مرتكزاً فيها، وكان الفيضان في شهر أغسطس يأتي ليصبغ المياه باللون البني الداكن من أثر الطمي، والذي كان يجتذب أسراب السردين من البحر، وبالتالي كانت هذه الفترة موسماً لصيد السردين تنشط فيه القرية كلها من صيادين وتجار وعمال لتمليح السردين وتعبئته وبيعه، وكلها ظواهر اختلت بعد بناء السد العالي. ووصف كذلك رأس البر في هذه الفترة، والتي كانت تُنشأ من عشش بمجرد بداية موسم الصيف، وتُفكك في موسم الفيضان، ولا يُعاد تركيبها إلا في العام الذي يليه، قبل أن تتحول العشش لمباني وفلل وفنادق ثابتة.
أصرت والدته على أن يكمل تعليمه، وتوجه للقاهرة للدراسة الجامعية بكلية الحقوق، وطوال فترة تعليمه كانت مصر حبلى بالأحداث الكبرى، من الحرب العالمية، إلى حرب فلسطين، إلى إلغاء معاهدة 36 والكفاح المسلح في القناة، وصولاً إلى يوليو 52، وكان بطبيعة الحال يشارك مع زملائه في المظاهرات. وحكى من مظاهرة نظمها في بلده أمام الفندق والملهى المخصص للجنود الإنجليز.
يعرض الريدي ملخص الوضع السياسي المحلي والدولي خلال هذه الفترة، وهنا أستطرد قليلاً لألفت النظر على مسألة أعتبرها منهجية في قراءة السير الذاتية، والأحداث التاريخية بشكلٍ عام.
ما أريد قوله هو أنه فيما يتعلق بالسير الذاتية، فإنه حتى لو لم يُعهد عن الراوي كذباً، فإنه من الخطأ أن نعتبر كل ما يكتبه على نفس الدرجة من المصداقية. لأن من العوامل المؤثرة في هذا الشأن، مدى كون صاحب السيرة مشاركاً أساسياً في الحدث أو الموقف الذي يرويه، وهل كان من صناع القرار أم مجرد ترس في الماكينة ليس لديه الرؤية الكاملة لما حدث، وهل كان طفلاً ضعيف الإدراك، أو شيخاً كثير الخلط...إلخ.
وعدم الانتباه لهذه المسألة المنهجية يوقع القاريء بدوره في الوهم، فبخلاف أنه من الخطأ البين تصديق كل ما تقرأ وأخذه بالقبول بدون عقلية ناقدة تنقد المتن، وعينٍ مقارنة تقارن بين هذه الرواية وروايات المعاصرين لها، فتستطيع التمييز بين الصدق والمبالغة والكذب، وبخلاف أنه لابد من التمييز أيضاً ما بين الرأي والمعلومة، أقول أنه بخلاف ذلك، فإن قبول ما يسرده الراوي لأحداثٍ لم يعاينها، وخصوصاً إذا كانت أحداثٍ دولية.
أضرب مثالاً لذلك بحديث الريدي عن حرب فلسطين، وعرضه لمفارقات بين أوضاع العرب واليهود، ذكر التالي: "كان الجانب اليهودي في فلسطين منظمًا ولديه البنية التحتية ومقومات الدولة التي عمل على إيجادها بمعاونة بريطانيا دولة الانتداب استعدادًا ليوم إعلان قيام الدولة، أما القيادة الفلسطينية فقد ظلت طوال الحرب العالمية الثانية بعيدة عن فلسطين بل لقد لجأ زعيمها الحاج أمين الحسيني إلى برلين عاصمة ألمانيا النازية… في ضوء ذلك كانت استراتيجية القيادة الفلسطينية هي أن تتحمل الدول العربية مسئولية تحرير فلسطين، والقاريء لهذه العبارة لو لم يكن له خلفية عن تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية، لداخله الكثير من الوهم، وصياغة العبارة بهذا الشكل يوحي بأن القيادة الفلسطينية كانت تريد عملية تحرير جاهزة على أكتاف الدول العربية الأخرى، وهي قراءة خاطئة وناقصة كان ينبغي لها على الأقل أن تلفت النظر إلى أن الحاج أمين الحسيني كان مستهدفاً من سلطات الاحتلال وسعى إلى أخذ الدعم من ألمانيا النازية بصفتها التهديد الأكبر للاحتلال البريطاني في ذلك الوقت، كما كان ينبغي الإشارة إلى الثورة الفلسطينية الكبرى في الثلاثينيات، وافتقار الثوار إلى السلاح وحاجتهم إليه، وعن رفض الجيوش العربية إكمال تسليح الثوار، فلا هم سلحوهم، ولا هم نجحوا في هزيمة عدونا وعدوهم
!
نعود من هذا الاستطراد إلى مذكرات الريدي، الذي يحكي أن قريته كانت وفدية الولاء، لكنه آثر الانضمام للحزب الاشتراكي، وتحدث عن تسارع الأحداث في نهاية العهد الملكي إلى أن حدثت حركة الجيش في 23 يوليو، وعنها يقول: "لم يكن أحد يصف ما حدث بأنه ثورة، وكانت الصحف تتحدث عن «حركة الجيش» أو «الانقلاب».. وظل الحال كذلك إلى أن ظهر مقال في الأهرام للدكتور سيد صبري أستاذ القانون الدستوري بعنوان «الفقه الثوري»…الذي اعتبر أن ما حدث إنما هو في الواقع «ثورة»، وأنها جاءت لتغيير نظام الحكم وبالتالي فهي ليست ملزمة باتباع الضوابط التي كانت قائمة في النظام السابق عليها لأنها جاءت لتغييره."
ثم تحدث عن أزمة الديمقراطية في عام 54، والخلاف بين جناحي نجيب وناصر، وقال: "في أثناء هذه المعركة عمل عبد الناصر على استقطاب العمال إلى جانبه، وسخَّر هيئة التحرير لهذا الغرض، ولمع اسم الضابطين «طعيمة والطحاوي» في تنظيم مظاهرات تطالب ببقاء الثورة، ولعب رئيس اتحاد العمال آنذاك «صاوي أحمد صاوي» الدور الرئيسي في تنظيمها، ولم تكن هذه مظاهرات حاشدة ولكن أمكن استخدام الإذاعة لتصور الأمر وكأن جماهير الشعب قد خرجت تطالب باستمرار الضباط في الحكم، وأذكر أنني كنت أسير في شارع قصر العيني ووجدت بعض العمال الذين لا يزيد عددهم على عشرات أمام مجلس الوزراء، فذهبت لأتبين ما يجري، فوجدت صلاح سالم يخطب فيهم ويقول إن الثورة لا تستطيع أن تتجاهل مطالب هذه «الألوف المؤلفة» التي جاءت تطالب باستمرارها في الحكم… ولقد استغربت من أنه يتحدث عن «الألوف المؤلفة» بينما الأمر لا يتعدى العشرات… ولكنني لاحظت كذلك أنه بينما كان يتحدث كانت الإذاعة تسجل ما يقول لتذيعه في نشراتها الإخبارية."، وكلنا نعلم كيف انتهت هذه المعركة لصالح عبد الناصر الذي انفرد بالسلطة وأقصى نجيب، واعتدى أعوانه بالضرب على السنهوري، وظهرت بوادر الدولة البوليسية الجديدة.
تخرج الريدي من كلية الحقوق في نفس العام، وعمل محامياً تحت التدريب بمكتب الأستاذ محمد عصفور الملقب بمحامي الحريات، وذكر أن عصفور كان رافضاً لثورة يوليو منذ بدايتها خلال كل مراحلها حتى آخر يومٍ في حياته. وظل الريدي يعمل معه لشهور إلى أن قرأ إعلاناً عن امتحان وزارة الخارجية التي كانت تسعى لتكوين جيل جديد من الدبلوماسيين من أبناء الشعب بعد أن كان دخولها مقتصراً على أولاد الذوات، وتقدم للامتحان واجتازه بتفوق، ليتغير مسار حياته ويبدأ فصلاً جديداً.
بدأ العمل في الخارجية عام 55، وبعد فترة التدريب الأولية، تقرر سفره إلى نيويورك للعمل ضمن بعثة مصر الدائمة في الأمم المتحدة، وفي هذا الفصل تبدو لمحة من نظام العمل داخل هذه المؤسسة، ومسؤوليات البعثة وتواصلها الدائم مع الخارجية ومع بقية الوفود من أجل الدفاع عن مصالح مصر، وكل من اطلع على مذكرات الدبلوماسيين يجد أن أغلب من عمل في هذه البعثة إما أن صار بعد ذلك سفيراً في دولة مهمة، أو تولى منصباً مهماً بالوزارة، أو صار وزيراً للخارجية.
يذكر الريدي أن عبد الناصر في بدايته كان على صلة بالغرب، وهو ما تؤكده بقية المصادر، ويذكر أنه كان على استعداد في أواخر 54 وأوائل 55 لبحث المشروع الأمريكي المعروف باسم مشروع إيريك جونسون لتحويل مجرى نهر الأردن والتعاون مع الغرب لإيجاد حل لمشكلة فلسطين، ثم جاء العدوان الإسرائيلي على غزة في فبراير 55 ليدفع عبد الناصر للحصول على السلاح من المعسكر الاشتراكي، ويقول الريدي بالنص: "والواقع أن عام 1955 شهد تحولًا في فكر عبد الناصر فأخذ يتحول عن طريق التعاون مع الغرب في إيجاد حل للمشكلة الفلسطينية إلى خط آخر يقوم على أساس التصدي للاستعمار في المنطقة والدعوة إلى القومية العربية وتحرير فلسطين."
تطورت الأحداث بعد رفض أمريكا تمويل مشروع السد العالي، ثم تأميم القناة، ومن بعده العدوان الثلاثي، وعرض الريدي جهود البعثة المصرية لدعم موقف مصر ضد العدوان، وجهود السكرتير العام داج همرشولد، والموقف الحاسم من أيزنهاور ومن الاتحاد السوفييتي ضد الدول المعتدية، إلى أن حققت مصر النصر السياسي باضطرار الدول المعتدية للانسحاب، وإن كانت إسرائيل قد تمكنت من تحقيق واقع جديد، إذ تمركزت قوات الطواريء الدولية في سيناء ومنطقة شرم الشيخ وقطاع غزة على حدود خط الهدنة لمراقبة الأوضاع، كما أعلنت إسرائيل أنه في حالة إغلاق خليج العقبة أمام الملاحة الإسرائيلية، فإن هذا سيكون بمثابة إعلان للحرب، ومن خلال عدم تواجد القوات المصرية في شرم الشيخ، فإنه منذ انتهت الحرب، كانت السفن الإسرائيلية أو المحملة بالمواد الاستراتيجية لإسرائيل تمر من خليج العقبة، ولم يكن الرأي العام المصري يعرف هذا الوضع إلى أن فوجيء بقرار ناصر بغلق خليج العقبة أمام الملاحة الإسرائيلية قبيل حرب 1967.
عرض الريدي صورة عن وضع الدبلوماسية المصرية في عهد عبد الناصر، وطبيعة د.محمود فوزي الذي كان دبلوماسياً بالفطرة، ثم نمط العمل مع محمود رياض الضابط السابق ورفيق عبد الناصر، الذي عمل الريدي تحت رئاسته عندما كان مندوباً دائماً بالأمم المتحدة، ثم صار وزيراً للخارجية.
من المشاهد اللافتة، الموقف الذي رواه عن مؤتمر دول عدم الانحياز الذي حضره مع محمود رياض وعبد الناصر عام 66، وحديث عبد الناصر عن المؤامرات التي تتعرض لها تلك الدول من الدول الاستعمارية، وعن قوى الثورة المضادة التي نجحت في اسقاط سوكارنو ونكروما، ثم تعقيب عبد الناصر: «ولكـن هـذه القـوى يا رياض لن يمكنها أن تنال من مصر… لأنها لو جاءت عندنا فسنكسر رجلها
تحدث الريدي عن الفترة السابقة لهزيمة 67، وعن خيوط المؤامرة، والعلاقة المتوترة مع أمريكا بقيادة جونسون، وعن وجود فراغ دبلوماسي بين البلدين قبيل الحرب، وعن اندفاع مصر في مسار توالت فيه الأحداث مسرعة ما بين غلق خليج العقبة وسحب قوات الطواريء إلى أن وقعت الهزيمة المحققة. وبعد ذلك تحدث عن الجهود الدبلوماسية التي سارت على التوازي مع الجهود العسكرية وإعادة بناء الجيش للاستعداد للمعركة، وعرض جهود محمود رياض، وعن مبادرة روجرز.
من الأشياء التي تستحق لفت الانتباه لها، دور العلاقات الشخصية في توجيه مسار العلاقات الدبلوماسية، فقد أشار لعلاقة الصداقة التي كونها محمد حسن الزيات أثناء عمله ببعثة مصر بالأمم المتحدة، مع جورج بوش عندما كان بدوره مندوب بلاده هناك، وعن جلسات الزيات معه لتوعيته بوجهة النظر العربية وخاصةً فيما يخص القضية الفلسطينية، وبالتالي سعى بوش لعقد لقاء مماثل بين الزيات وروجرز وزير الخارجية، ويبدو أن هذه اللقاءات كان لها تأثيرها على كل من بوش – لاحقاً حينما صار رئيساً لأمريكا - وعلى روجرز، وكان من توابع ذلك تقدم روجرز بمبادرته للهدنة، كما كانت سياسة روجرز فيها قدر ملحوظ من التفهم للموقف العربي مقارنةً بمن سلفه، لكن كيسنجر كان له بالمرصاد لإفساد مساعيه، إلى أن جلس مكانه وجمع بين كونه مستشاراً للأمن القومي ووزيراً للخارجية في آن واحد، وقدم أجل الخدمات لإسرائيل من موقعه هذا.
عرض الريدي تغير السياسة بعد تولي السادات الرئاسة، واختلاف التوجه والرؤية بينه وبين رياض، ونزوع السادات للمبادرات الفردية التي يفاجأ بها وزراؤه ومعاونوه، ونزوعه أيضاً لقنوات الاتصال الخلفية بدون علم وزارة الخارجية، سواء من خلال حافظ إسماعيل، أو حسن التهامي، أو غيرهم.
غادر رياض وزارة الخارجية ليصبح أمين عام جامعة الدول العربية، وتولى من بعده مراد غالب ثم الزيات لفترات بسيطة، ثم تولى نجم الدبلوماسية المصرية إسماعيل فهمي، والذي أدار وزارة الخارجية بشكل فعلي خلال حرب أكتوبر أثناء تواجد الزيات في نيويورك، وتحدث الريدي عن أجواء الحرب وعن دور كيسنجر في دعم إسرائيل وتسريع الجسر الجوي لها، وخداعه المستمر للسادات، الذي أعطاه الكثير دون أن يأخذ منه بالمقابل بقدر ما أعطى، وهي السياسة التي سار عليها للنهاية. ويكفي ما ذكره كيسنجر أنه عندما عرض أثناء مفاوضات فض الاشتباك أن تحتفظ مصر بثلاثين دبابة فقط، كان يقول ذلك ليبدأ المفاوضة متصوراً أن السادات سيرفض، ثم يصل معه إلى رقم وسط يتفقان عليه، ليفاجأ هو والإسرائيليون أن السادات قبل رقمه من البداية بدون نقاش.
استمر السادات في سياسته، وذكر الريدي أن السادات كان راغباً في الإسراع للوصول لاتفاق سلام خشية أن يفقد بمرور الوقت قوة الدفع الناتجة من حرب أكتوبر، كما لم يكن متحمساً لمشاركة الاتحاد السوفييتي في رعاية أي مفاوضات، وفاجأ الجميع بزيارة القدس، ثم دارت العجلة وصولاً إلى كامب دايفيد، وفي هذه الفترة استقال إسماعيل فهمي ومحمد رياض، وتولى إبراهيم كامل الوزارة، وكان مصيره كمصيرهما. وكان الريدي بصفته في ذلك الوقت مدير إدارة التخطيط السياسي بوزارة الخارجية أحد أعضاء الوفد المرافق للوزير والسادات في مفاوضات كامب دايفيد، ويعرض صورة لكيفية المفاوضات، ففي حين كان الوفد الإسرائيلي متماسكاً ودائم التشاور، كان السادات لا يضع وزير خارجيته في الصورة، ويطلب أسامة الباز ليعد له أوراق العمل ويشركه في المفاوضات مع كارتر، وذكر الريدي أن الباز كان في نهاية كل يوم يجلس على سريره ويدون ما حدث، وإنه لشيء مؤسف أن الباز – رحمه الله – مات ولم يكتب مذكراته، فبخلاف حياته الحافلة والثرية وقربه من موقع صناعة القرار، فإن شهادته عن كامب دايفيد في هذا الوضع ستكون أدق شهادة من الجانب المصري.
على أية حال، عندما صيغت مسودة الاتفاق في شكلها النهائي الذي لا يتضمن تسوية شاملة بين العرب والعدو، قدم كامل استقالته، ولم يحضر الاحتفال بالتوقيع، وكذلك الريدي وكل طاقم الخارجية الذين قاطعوا الحفل بدون اتفاق مسبق، وشاهدوه من حجرة كامل بالفندق على شاشة التلفاز.
تولى الريدي بعد ذلك منصب السفير في باكستان لعامٍ واحد، تحدث فيه عن هذا البلد الشقيق بمحبة واضحة، كما كان شاهداً على بداية الغزو السوفييتي لأفغانستان، وذكر زيارة برهان الدين رباني له في السفارة طالباً الدعم من مصر، وتحدث عن زيارته لظفر الله خان أول وزير خارجية لباكستان، وبعد نهاية خدمته في باكستان تولى رئاسة البعثة المصرية بمقر الأمم المتحدة الأوروبي بجنيف، وبعد ذلك تولى المنصب الأهم في حياته العملية، وهو سفير مصر في واشنطن، منذ 1984 وحتى 1992، في عهدي ريجان وبوش الأب.
شمل هذا الجزء حوالي خمس حجم الكتاب تقريباً، وأستطرد هنا لأقول أنني قبل أن أقرأ مذكرات نبيل فهمي – الذي تولى نفس المنصب ما بين 2000 إلى 2008 – كنت أتوقع أن يكون أغلب الكتاب يتكلم عن هذه الفترة، لكني أصبت بخيبة أمل بعد قراءته لأني لم أجد ما توقعته ولأسباب أخرى ذكرتها في مراجعتي على مذكراته، لكن الريدي أسهب في الكتابة من واقع أهمية موقعه، وكونه رجل صاحب رؤية، حيث كان مهتماً بدعم موقع بلاده من خلال العلاقات الشخصية مع دوائرالتأثير وصناعة القرار، سواء في البيت الأبيض، أو وزارة الخارجية ووزارة الدفاع والهيئات الحكومية عموماً، أو الكونجرس، أو مراكز الأبحاث، أو الصحافة والإعلام، وكذلك في المنظات اليهودية كالإيباك.
وثق الريدي علاقاته بنائب الرئيس جورج بوش الأب، وأبرق إلى القاهرة يشجعها على المثل، لأن هذا النائب سيكون على الأرجح الرئيس المقبل، واستجابت القاهرة، وكانت علاقة مبارك ببوش وثيقة بالفعل.
يتضح من متابعة أسلوب الريدي في العمل أنه كان مبادراً، ودائم التفكير فيما يمكن أن يعود على بلاده بالمصلحة، ومتابعاً جيداً لما يدور حوله، وقد ذكر أنه بعد توليه منصبه في واشنطن، حضر بيريز لواشنطن يطلب معونة اقتصادية استثنائية لمواجهة الأعباء الاقتصادية الناجمة عن الانسحاب الجزئي من لبنان – ياللبجاحة – وكانت الأجواء في واشنطن مهيأة للاستجابة لهذا الطلب، وعليه فكر أن يشجع الحكومة المصرية على التقدم بطلب مماثل، وهو ما تم وتسلمت مصر 500 مليون دولار.
تحدث أيضاً عن أزمة السفينة أكيلي لاورو، وعن توتر ثم فتور العلاقات بين البلدين، ثم سعيه لإزالة هذا الفتور وعودة الأمور لمجاريها.
أفرد الريدي قسماً خاصاً بغزو العراق للكويت وما استتبعه من تكون التحالف الدولي وضرب العراق لإجبارها على الانسحاب، وعن أجواء الخلاف بين الدول العربية، وعن اقتراح أحد معاونيه في السفارة (عبد الرحمن صلاح الدين) بأن الوقت قد يكون مناسباً لأن تطلب مصر أي شيء من الجانب الأمريكي، وبناءً عليه فكر في مسألة تقديم طلب بإلغاء الديون العسكرية التي كانت - مع فوائد خدمة الدين – ترهق كاهل الاقتصاد المصري، فأبرق إلى القاهرة بهذا المقترح، فاتصل به مبارك ليتأكد منه من مدى إمكانية ذلك، ثم وافق على ذلك، لتبدأ سلسلة من الاتصالات مع المسؤولين في الإدارة الأمريكية ورجال الكونجرس، وتحمس بوش لذلك، إلى أن صدر قانون من الكونجرس بذلك، وشمل أيضاً الدعوة لعقد مؤتمر في باريس لشطب نصف الديون الأوروبية على مصر، وتلى ذلك شطب نصف هذه الديون بالفعل، ونصف ديون مصر لليابان، وكل ديون مصر لدى السعودية والكويت، بحيث وصل إجمالي الديون المشطوبة إلى أكثر من 17 مليار دولار، بالإضافة إلى مبادرته لتشجيع مصر على طلب معونة نقدية للتعويض عن الخسائر المرتبطة بالحرب بسبب تأثر قطاع السياحة وقناة السويس وعودة آلاف العمال المصريين من العراق، وبالتالي دُعمت مصر بخمسة مليارات دولار، وأصبح الاحتياطي النقدي بالبنك المركزي 20 مليار دولار بعد أن كان بضع مئات من الملايين. ويعتبر الريدي النجاح في هذه المساعي من أهم إنجازاته، وأنه ساعد على بدء (الإصلاح الاقتصادي لمصر)!
ولن نناقش هنا ما كان مقابل هذا (الكرم)، ولا مدى قدرة النظام المصري على الاستفادة الحقيقية من هذه الانفراجة الاقتصادية، في ضوء ما عايشه كل من عاصر حقبة التسعينيات والعقد الأول من الألفية، والهرولة نحو الخصخصة وبيع الأصول والتعويم الأول، وصولاً إلى أيامنا هذه، ونحن نشهد سينايوهات شبيهة، وأموالاً ملعونة مقابل مواقف نجسة، وهيهات أن يأتي الرخاء من الخراء.
تحدث بعد ذلك عن مساعيه لدعم ترشيح مصر لبطرس غالي لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة، كما تحدث عن موقف الإدارة الأمريكية من القضية الفلسطينية ومسيرة السلام، وأن بوش كان من أكثر الرؤساء الأمريكيين تفهماً ومرونة في هذا الصدد، وكان يضغط على إسرائيل لوقف المستوطنات، ولكنه لم يفز في انتخابات الفترة الثانية.
انتهت مسيرة العمل الرسمي للريدي ببلوغه سن التقاعد، وعاد لمصر ليبدأ مسيرة العمل التطوعي، ما بين رئاسته لمجلس أمناء مدينة دمياط الجديدة، ثم مكتبة مبارك العامة، ثم المشاركة في تأسيس المجلس المصري للشؤون الخارجية، وأنهى كتابه بالحديث عن التحديات التي تواجه أمن مصر القومي، وعن قضية الديمقراطية على مدار تاريخ مصر الحديث، وفي هذا الفصل كنت أشعر أنه يكتبه وهو ينتقي كلماته ويقدم رجلاً ويؤخر أخرى، وخصوصاً أن هذا الكتاب قد انتهى من كتابته عام 2010، قبل الثورة والإطاحة بمبارك.
الكتاب في المجمل مفيد وقيم ويستحق القراءة، بجوار أقرانه من مذكرات الدبلوماسيين كإسماعيل فهمي وإبراهيم كامل وعمرو موسى ومحمود رياض، لأخذ فكرة عن سياسة وكواليس عمل الدبلوماسية المصرية، وللإطلاع في ثنايا هذه الشهادات عن جوانب من شخصيات عبد الناصر والسادات ومبارك
.

محاوراتي مع السادات - أحمد بهاء الدين

على تنوع الكتب التي قرأتها عن السادات، بدايةً مما كتبه السادات عن نفسه في (البحث عن الذات)، مروراً بما كتبه المؤيدين والمصاحبين له والمنتفعين (كعثمان أحمد عثمان)، والمنافقين (كموسى صبري)، والمختلفين له والمعارضين لبعض سياساته (كإسماعيل فهمي وإبراهيم كامل)، أو حتى الموتورين (كالشاذلي وهيكل ومجموعة 15 مايو)، بل وحتى ما كتبه عنه اليهود والأمركيان من وجهة نظرهم، من بين ذلك كله، يأتي هذا الكتاب برؤية على قدر كبير من الاعتدال والموضوعية، لتكمل صورة السادات، وتكمل لنا رسم شخصيته.

فصاحب هذا الكتاب، على قدر ما يتضح من كتابه من اختلافه الكبير مع الكثير من مواقف السادات السياسية، إلا أنه يتميز عن غيره من المعارضين بأن رؤيته - في رأيي - لم تتأثر بالمواقف الشخصية، لأنه لم يكتبها بنفسية الموتور، فلم تحمل هذه المذكرات ما حملته كتابات الموتورين من بعض المبالغات، المفهوم دوافعها.

وهنا لابد أن أستطرد قليلاً قبل أن أعود إلى صلب الموضوع، كي أتكلم عن أهمية قراءة مذكرات الموتورين وعدم إغفال الكثير مما تحمله من تفاصيل، لأن الكثير من الحقائق لم تكن لتظهر على السطح لو لم يكن صاحبها موتوراً قد أصابه أذى مباشر من صاحب السلطة، وأضرب هنا مثلاً كي أدلل على رأيي: لو لم يحدث مع الشاذلي ما حدث من إقصاء عن موقعه في رئاسة اركان القوات المسلحة، والخلاف الكبير مع السادات، هل كان ليكتب على رؤوس الأشهاد أن السادات عمد إلى خداع السوريين وأوهمهم أن خطة الهجوم المصري في الحرب تتضمن الوصول إلى الممرات، وليس الوقوف في مدى شبكة حائط الصواريخ؟

لا أظن.

المهم، نعود لموضوعنا الأصلي، وهو هذا الكتاب الذي بين أيدينا، والذي أعده من أفضل وأهم ما كُتب عن السادات، لتعدد ما يعرضه من مواقف وحوارات خاصة بين السادات وصاحب الكتاب، ومجرد عرض بعض هذه المواقف بدون تعليق، يكفي ليس فقط لتوضيح حقيقة رؤية السادات تجاه بعض السياسات والشخصيات والدول، بل ويكفي أيضاً لتسليط الضوء على جوانب في شخصية السادات وفكره، تبين بشكل جلي أسباب وخلفيات تصرفاته ومواقفه، سواء داخلياً أو خارجياً. تلك المواقف التي كان وما زال لها أثرها الكبير على ماضينا، وحاضرنا، ومستقبلنا كذلك..للأسف.

كانت بداية معرفة بهاء الدين بالسادات - كغيره من المصريين - هو قرءة اسمه في قضية اغتيال أمين عثمان، ثم التعرف عليه كأحد أعضاء مجلس قيادة الثورة، وملقي بيانها الأول.

بحكم طبيعة عمله الصحافي، احتك به بهاء الدين عن قرب، ونشأت بينهما علاقة طيبة، وأعتقد من سرد المواقف المتعددة على مدار السنوات حتى بعد أن أصبح السادات رئيساً للجمهورية، وحتى بعد تصاعد الخلاف بين الرجلين، أن السادات طول عمره كان ينظر لبهاء الدين بنظرة الاحترام والتقدير، لصراحته معه، وعدم نفاقه.

من أهم ما لفت نظري في الكتاب هو التفاصيل التي توضح أسلوب السادات في إدارة الدولة، والقرارات التي كان يتخذها بناءً على خلوته بنفسه وقناعاته الخاصة، ليس معنى هذا أنه لم يكن يأخذ بآراء من حوله أو يستشيرهم، لكني أعتقد أنه في قضايا بعينها لم يتخذ القرار إلا بناءً على قناعاته الخاصة المسبقة، وكان نقاشاته مع من حوله فقط ليرى من يؤيد هذه الرؤية، وبالأخص خطوة السلام مع إسرائيل، لنقرأ هذه الفقرة مثلاً:

يقول بهاء الدين: "ذكرت الرئيس بموضوع سبق أن تناقشنا فيه، وهو خلو رجال الرئاسة إلا من رجال الأمن، ورجال البروتوكول، فلا توجد مكاتب فنية ولا موظف فني واحد، وضربت مثلاً بزيارة الرئيس الأخيرة لبلغاريا وما جرى فيها من تخبط، فقبل أن يسافر رئيس الدولة لبلدٍ آخر، يجب أن يُعد له دوسيه ولو من ورقة واحدة فيها خلاصة علاقتنا معها: سياسياً واقتصادياً، والاتفاقات المبرمة بيننا، وعدد طلابنا الذين يدرسون فيها...إلخ.

وكنت أحدث السادات في هذا المعنى كثيراً، ولكنه كان يضيق ذرعاً بالورق، وبالعمل المنظم، وكل محادثاته الدولية شفوية لا محاضر بها، محتفظاً بأسرارها لنفسه، ولا يعمل إلا بالتليفون
"!

وفي موضعٍ آخر يروي بهاء الدين أن عقب مناقشة بينهما عندما أعلن السادات عن النية للسماح بعمل أحزاب، وأن هذا القرار يحتاج لتعديل دستوري، قال له السادات " يا أحمد، لازم تكون عرفت طريقتي! طريقتي أن أعلن قراري وبعد كدة نشوف إذا كان عايز تعديل، نعمل تعديل، وإذا كان عايز قانون نعمل قانون، لأني لو قعدت أدرس في كل قرار علشان يطلع ما يخرش الميه، يبقى عمري ما حطلع قرارات!!

وقال: كفاية أعلن في الخطاب قيام الأحزاب، وبعد كدة نشوف إيه اللي حيحتاجه الموقف
"

ثم نرى ملامح أخرى من خلال حديث السادات عن عبد الناصر، والفارق بينهما في الشخصية وأسلوب الإدارة، لنقرأ الفقرات التالية:

تحدث بهاء الدين عن هجوم بعض الصحف اللبنانية عندما صرح السادات بأنه لم يقرأ صحيفة لبنانية منذ ستة أشهر، فلما أبدى بهاء الدين اندهاشه قال السادات أنه لم يقصد إغاظتهم ولكنه فعلاً لم يقرأ صحيفة لبنانية منذ ستة أشهر، ثم ابتسم واستطرد قائلاً:

"
أمال إيه اللي موت عبد الناصر؟ كان بعد ما يشتغل 18 ساعة في اليوم ويييجي ينام، مش يسمع موسيقى، أو ياخد حاجة مهدئة، كان منبه إنهم يحطوا له جنب السرير كل الجرايد العربية المليانة شتيمة فيه، كان يقرأ السم الهاري ده قبل ما ينام، وطبعاً ده مش نوم، وتاني حاجة موتته، المدعوق ده"، وأشار بيده إلى الراديو، واستطرد قائلاً "كان حافظ مواعيد نشرات الأخبار بتاعة العالم كله، وكل شوية يفتح الراديو ويقول: لما نسمع أخبار موسكو، لما نسمع صوت أمريكا! أنا بقى عكسه تماماً. لما يقولوا لي إن جرائد بيروت بتهاجمك أقول لهم مش عايز أشوفها، طيب منا عارف أنا بعمل إيه وهما بيقولوا علي إيه! إيه الفائدة بقى إني أضيع وقتي وأحرق دمي وأقرأ الكلام الفارغ اللي بيقولوه؟!".

وفي موضع آخر، عرض بهاء الدين تعليقاً من السادات على الفرق بينه وبين عبد الناصر، فقال:

"
واستطرد السادات قائلا : انا لما قلت مرة ان عبد الناصر كان زي الوتر المشدود متوترا دائما وينشر التوتر حوله . افتكروني بهاجم عبد الناصر . لكن هو كان كده صحيح . لازم يتابع اهيف حاجة تحصل . اذا قامت حريقة في كام كيس قطن في شونة بنك التسليف في قرية كذا . لازم يصحوه من النوم وسط الليل ! وينزل من حجرة نومه الى مكتبه في الدور اللي تحت ويبتدي يضرب تليفونات , تليفون للمحافظ !! وتليفون للمطافي ! وتليفون للعمدة وتليفون للشرطة , وبعدين ما يصدقهمش فيضرب تليفون لمصطفى امين في اخبار اليوم وهيكل في الاهرام عشان يشوف معلومات الجرائد زي الصحافة ولا لأ ! ويفضل كده كأنه بيقود معركة ستالنجراد لحد وش الصبح ! لما يقولوا له الحريقة انطفت ..هو ده شغل رئيس جمهورية عنده مسئوليات محلية وعربية ودولية؟!. انا طريقتي غير كدة، أنا عامل مؤسسات، وكل واحد يشيل مسئوليته، وفيه رئيس وزارة وفيه وزراء ومحافظين، وفي يوم محدد كل أسبوع يجيء لي فيه رئيس الوزراء يعطيني تقرير عن الحالة العامة في البلد، وأنا مسمعتش عن حكاية دمياط وحكاية الاسكندرية إلا لما جالي رئيس الوزراء في موعده الأسبوعي وحكي لي ضمن التقرير، لأنها حوادث مش مهمة وتدخل في اختصاصه".

وهنا عقب بهاء الدين قائلاً:

"
كانت مقارنة صريحة للغاية، ولا أقارن هنا بين طريقة الرئيسين، ولكن المؤكد في تقديري أن المبالغة في كل طريقة خطأ. مبالغة أي رئيس جمهورية في تتبع التفاصيل بالطريقة الكاريكاتورية التي رسمها السادات، أو المبالغة في عدم متابعة المشاكل الداخلية بالطريقة الكافية.

لكنها كما قلت مقارنة صريحة جداً من الرئيس السادات، فلا أكاد أذكر أني رأيته يوماً جالساً في مكتبه، ولا أكاد أذكر أنني رأيته يوماً وأمامه أي أوراق أو ملفات، إنما كان يدير الدولة كلها بالتليفون فقط، وكنت ذاهباً إليه مرة في استراحة المعمورة، واستبقاني سكرتيره فوزي عبد الحافظ، وطلب مني أن أنبه الرئيس إلى بعض الأحداث العربية التي تهم مصر، فسألته دهشاً: هل توقفت عن إعداد النشرة التي تُقدم للرئيس من أيام عبد الناصر صباح كل يوم وبها أهم الأنباء؟! وقال لي فوزي عبد الحافظ: إزاي؟ إحنا بنعمل النشرة كل يوم وأحسن من الأول، لكن أنت عارف الرئيس من زمان (ملوش خُلق على القراية) ودلوقتي بقت مشاغله كتيرة جداً، أنا بحطله التقرير على الكمودينو جنب السرير كل يوم، لكن يفضلوا يزيدوا لحد ما يبقوا عشرين تقرير الرئيس مفتحهمش فيقول لي: شيلهم بقى، لازم الحاجات اللي فيهم بقت قديمة. فآخد النشرات وأبدأ من اليوم التالي في وضع النشرات اليومية الجديدة
".

والحقيقة أن السطور الكاشفة السابقة والتي توضح الفارق بين أسلوب الإدارة بين الرجلين، هي في الأساس نمط إداري يكاد لا يختلف تبعاً لمستوى الإدارة، وبشكل شخصي، ففي عملي الهندسي واحتكاكي بمديري المشاريع عن قرب، فقد تعاملت مع النمطين، ولن أبالغ إذا ما قلت أني تعاملت مع نسختين بالكربون من شخصيتي عبد الناصر والسادات، بل وإن موقف السادات مع التقارير قد حدث مثله أمامي بحذافيره! وكما قال بهاء الدين، فإن عيب كل منهما هو في المبالغة في المتابعة، وبالتالي الغرق في التفاصيل، أو على العكس تماماً، المبالغة في عدم المتابعة، ولهذا أعود وأكرر أن هذا النوع من سوء الإدارة يكاد يكون نمطاً لا يختلف، سواء كان في إدارة مشروع، أو إدارة شركة، أو إدارة دولة!

لهذا أعشق قراءة السير الذاتية، لأني أجد في ثناياها من المواقف والخبرات الحياتية ما أربطه بما أقابل في حياتي العملية، وتضيف إلى خبرتي خبرات، وإلى عمري أعمار.

والحقيقة أن الموضوعية تقتضي منا أن نضع كل قرار في سياقه، وأن نقيم كل طريقة في الإدارة لا بشكلٍ عام، ولكن بقدر ما يحتاجه الموقف، وعلى قدر الانتقاد لأساليب الإدارة المذكورة، إلا أن بعض المواقف قد تحتاج التعامل معها بهذا الشكل، والعاقل هو من يضع كل أمرٍ في موضعه.

أعود من هذا الاستطراد لعرض مقطتفات أخرى تلقي الضوء على شخصية السادات، فأحد مفاتيح شخصية السادات هو في نظرته الشخصية للغرب، وبالأخص أمريكا، وانبهاره بالنموذج الأمريكي منذ شبابه، هذا الانبهار كان له ثمنه في المواقف السياسية التي اتخذها، وعلاقاته بأمريكا مقابل علاقاته بالاتحاد السوفييتي مثلاً.

وعلى جانبٍ آخر، فقد فهم ساسة الغرب تركيبة السادات النفسية جيداً، ولعبوا على هذا الوتر بشكلٍ فعال فيما يخدم مصالحهم، فالسادات الذي أبرزته مجلة تايم كرجل العام عقب مبادرة السلام، عرض على بهاء الدين رسالة بخط يد جيمي كارتر، في إطار الاستعدادات للمباحثات بين مصر وإسرائيل، وأنهى الخطاب بعبارة:

(I plead to you Mr. President)
والتي من الممكن ترجمتها حرفياً ل(أنني أناشدك) أو (أنني أستعطفك).

فقال السادات لبهاء الدين "أرأيت! الرئيس الأمريكي يناشدني ويستعطفني، إنه يعرف مدى شعبيتي في أمريكا! ولعلك قرأت في الصحف الأمريكية أنني لو رشحت نفسي للانتخابات في أمريكا لنجحت في الانتخابات"!!!

وفي موضعٍ آخر، قص بهاء الدين أنه أثناء مباحثات مينا هاوس، طلب الوفد الاسرائيلي أن يذهب في رحلة لميت أبو الكوم ل(يزور البيت الصغير الذي كان مسقط رأس الرجل العظيم أنور السادات)، وفي حين أن عصمت عبد المجيد رئيس الوفد المصري قد شعر إزاء هذا الطلب أن الإسرائليين يستخفون بعقولنا، فأهمل طلبهم وتجاهله، إلا أن السادات حين وصله الخبر، أمر بعمل كل الاستعدادات لترتيب رحلة الإسرائليين إلى ميت أبو الكوم، واهتم بكل التفاصيل بدايةً من حشد الجماهير، إلى الفطير المشلتت!

وللأسف، فإن أمثال هذه الاشتغالات كانت تسيطر على عقلية السادات كثيراً، وقد رأيت في مجال عملي مثل هذه النماذج أيضاً في المشاريع التي نتعامل فيها مع عميل أجنبي، فوجدت من مديري المشاريع من يطرب لأي مدح وتعظيم من قٍبل الأجانب، وحينما يصل له الشعور أنه لا يمكن لأي شأن أن يُبت فيه أو أن يُحسم إلا بتدخله الشخصي، لذلك فإنهم يلجأون له مباشرةً، فإنه بدلاً من أن يحيلهم إلى المسئول الحقيقي المنوط به مثل هذه التفاصيل، فإنه بدلاً من ذلك يسمح لهم أن يغرقوه في التفاصيل، ليغفل عن رؤية الصورة الكاملة. هذا غير خلق الحاجز النفسي بين الرئيس وبين رجاله، فيسمع للأجانب مصدقاً لهم، ويصم أذنيه عن نصح من خلفه، والهزيمة النفسية أمام الأجانب تفعل مثل هذا وأكثر.

من الفقرات الكاشفة أيضاً هذا الحوار بين السادات وبهاء الدين:

قال السادات "أتعرف أن شاه إيران منذ زمن هو مثلي الأعلى بين كل زعماء العالم؟"

ثم استطرد قائلاً: "زعماء عدم الانحياز بتوعك الذين ملئوا الدنيا ضجيجاً منذ سنوات، نهرو، ونكروما، وسوكارنو، وتيتو ، وحتى عبد الناصر، أين هم الآن؟ اللي انهزم، واللي راح في انقلاب، واللي انكمش جوة حدوده. لكن واحد فقط من هذا الجيل لسة باقي على مقعده، بكل سلطانه وهيلمانه، والدنيا تسعى إليه، هو شاه إيران.

والسبب بسيط، كل هؤلاء تصوروا أن في العالم قوتين عظميين هما روسيا وأمريكا، وحاولوا التعامل معهما على قدم المساواة، والحقيقة غير ذلك تماماً، فهناك دولة عظمى واحدة هي أمريكا، وروسيا ليست حتى دولة عظمى ثانية، إنها تأتي بعد أمريكا بعشر ,بعشرين درجة، وبعدهما دول أوروبا واليابان إلى آخره، وقد كان شاه إيران هو الوحيد الذي أدرك هذه الحقيقة، قام عمل إيه؟ قعد على حجر أمريكا، ومسك في هدومها، وأديك شايف، كل صحابك راحوا، والشاه عملت له أمريكا كل اللي هو عايزه، قامت ثورة وهرب إلى إيطاليا - يقصد فترة مصدق بالطبع - الأمريكان جابوه ورجعوه وقعدوه على العرش لحد دلوقتي، عشان كدة بقول لك إني بعتقد إنه راجل خارق الذكاء وغير عادي
".

طبعاً هذا الكلام لا يحتاج لتعليق، لكن هذا الحوار المبكر بين بهاء الدين وبين السادات الذي كان يؤمن أن 99% من أوراق اللعبة بيد أمريكا، كانت مؤشراً لاتجاهات السادات، والانقلاب الذي ينويه في سياسة مصر، وعلاقاتها بالغرب، بل وبالعرب أيضاً.

استعرض الكتاب الكثير من القضايا، مثل علاقة السلطة بالمثقفين وبالصحفيين، من خلال عرض رأي السادات في الأخوين مصطفى وعلي أمين، وعلاقته بهيكل، وإيقاف البعض عن الكتابة إذا تجاوز السقف، مثلما حصل مع بهاء الدين نفسه، رغم أنه تولى إدارة الأهرام في عهد السادات.

استعرض الكتاب أيضاً انتفاضة الخبز، والمرارة التي حملها السادات إزاءها، وتكلم كذلك عن الانفتاح، وغضب السادات الشديد من مقال بهاء الدين عنه ووصفه بأنه (سداح مداح).

والحقيقة أن هذا الكتاب على صغر حجمه، إلا أنه مليء بالتفاصيل وبالحوارات الكاشفة، ويحتار من يفكر في عرضه، ماذا يعرض، وماذا يترك. وهو كتابٌ مهم يستحق القراءة مرات، ولا غنى عنه لمن يريد أن يدرك الجوانب النفسية والفكرية لأحد أهم أصحاب القرار، والذي كان لقراراته أثراً لا ينمحي، ليس فقط في هذا البلد، ولكن على الأمة كلها!