هذه سيرة ذاتية لرجل كان له دور ليس بالقليل في تشكيل واقعنا.
يذكره أبناء جيلي كأحد من أُطلق عليهم (الصقور) في إدارة جورج بوش.
المشاعر التي تتولد لديك و أنت تقرأ سيرة حياة ناجحة
لأحد ألد أعداءك هي مشاعر مختلطة بين الكره و الغضب، و بين الإعجاب. و الحقيقة أن
حياة هذا الرجل كانت ثرية و حافلة بالمناصب التي سار فيها على نفس الخط تقريباً، و
بروح الوطنية Patriotism بالمفهوم الأمريكي الذي يرى أمريكا أولاً و آخراً و لا شيء سواها..ربما باستثناء: إسرائيل!
يبدأ الكتاب بمقدمة على نظام الفلاش باك تعرض أحداث
يوم 11 سبتمبر برواية تشيني، و من خلال رؤية مدى ثبات و حسم الرجل في هذا اليوم و
توصيته بلا تردد بإسقاط طائرة ركاب مدنية لمجرد الشك في أنها ستستخدم في هجمة
جديدة، تعطي تهيئة نفسية للقاريء لما هو مقدمٌ على قراءته.
بدأ تشيني حياته السياسية بالتدرب في مكاتب بعض
أعضاء الكونجرس في واشنطن، ثم العمل مع دونالد رامسفيلد الذي تقاطع مسار حياته معه
في أكثر من محطة، و منه انتقل إلى العمل في البيت الأبيض في إدارة جيرالد فورد، و
غادره إثر هزيمة الأخير في انتخابات الرئاسة.
عندما عاد لمسقط رأسه في وايومينج، فكر في العودة
للحياة السياسية عن طريق الترشح للكونجرس، و بذلك صقل خبرته السياسية من موقعٍ آخر
بعد أن أمضى قرابة العشر سنوات كعضو بالكونجرس.
بعد وصول جورج بوش الأب للحكم عرض عليه تولي حقيبة
الدفاع و قبلها، و من ثم كان وزير الدفاع الذي جرت في عهده أحداث بنما، ثم حرب
الخليج الثانية.
الفصل الذي تكلم فيه عن حرب الخليج بدأه بالحكي عن
زيارة قام بها مسئولون إسرائيليون كبار لمكتبه بالوزارة يعرضون عليه تقارير و صور
عن قدرات العراق الصاروخية و النووية و أن إسرائيل تعتبر هذه مسألة أمن قومي، و
بعد ذلك بدأ يتكلم عن الحشود العسكرية العراقية على حدود الكويت، ثم تفاجؤهم
بالغزو. ثم الموقف الفاتر للإدارة الأمريكية في الأيام الأولى للغزو بإعتبار
الكويت بلد صغير لا يهم الشعب الأمريكي، بينما كان تشيني هو الذي يعمل على تشجيع
بوش للمضي في الحل العسكري، بعد أن اقتنع أن صدام لم يكن لينسحب بالوسائل
الدبلوماسية، و أن صدام قد ضاعف الاحتياطي النفطي لديه، و إذا سيطر على المنطقة
الشرقية في السعودية فسيكون لديه ما يقرب من نصف الاحتياطي العالمي، و بالتالي
سيتحكم في سعر النفط.
إن بداية هذا الفصل بزيارة المسئولين الإسرائيلين
تعطي إشارة واضحة أن أحد أهم العوامل التي شجعت تشيني على التبشير بالحرب و السعي
لتدمير قدرات العراق العسكرية هو أمن إسرائيل، إلى جانب مسألة البترول و مصالح
أمريكا في المنطقة بالطبع.
تسلسل الأحداث الذي يحكيه تشيني كنت قد اطلعت عليه
من قبل بشكل أكثر توسعاً في كتاب الصحافي الشهير بوب وودوورد (القادة)، و كتبت
مراجعتي عنه هنا.
و تشيني في كتابه يحكي عن مرحلة إقناع السعوديين
بتواجد القوات الأمريكية لديهم، ثم تكوين التحالف الذي اتخذ شرعيته بوجود الدول
العربية فيه، و مواقف الزعماء العرب المؤيدة لضرب العراق و من ضمنهم مبارك بالطبع.
و يحكي عن الصواريخ العراقية التي أطلقها صدام تجاه إسرائيل بعد بداية القصف الجوي
لبغداد، و الجهود الحثيثة التي بذلها تشيني لإقناع إسرائيل بضبط النفس و عدم الرد
حتى لا يتصدع التحالف عندما ترى الدول العربية أن إسرائيل تساهم في ضرب العراق، و
طلبه من قيادة قوات التحالف بتعديل أولويات التحركات الميدانية بشكل عاجل لاستهداف
و تدمير وحداث و قواعد و منصات الصواريخ في غرب العراق و التي تستهدف إسرائيل.
بعد هزيمة بوش في الانتخابات و وصول كلينتون غادر
تشيني موقعه بطبيعة الحال و توجه لوايومنج مرة أخرى ليفكر بهدوء في الخطوة
التالية، حينها تواصلت معه هاليبرتون لينضم إليها، ثم ليتولى قيادتها بعد ذلك.
بطبيعة الحال فإن حديثه المقتضب عن إدارة كلينتون
يغلبه الامتعاض، و طوال عهد كلينتون كان بعيداً عن المناصب السياسية و إن حافظ على
اتصالاته. و تواصل معه جورج بوش الإبن يدعوه للإنضمام لفريقه، و بعد إلحاح قبل
تشيني دخول سباق الانتخابات معه كنائب للرئيس.
قال تشيني إن بوش من البداية و هو يعرض عليه منصب
نائب الرئيس أخبره أنه يريده كشريك في الحكم لا كنائب بالصورة المعتادة، و لا
أعتقد أن أبناء جيلي ينسون بوش بقدراته المتواضعة و نظراته البلهاء و أجازاته
الكثيرة في مزرعته بتكساس، لكي يتضح من كان له الدور الكبير في اتخاذ الكثير من
القرارات التنفيذية، كأحد أهم و أقوى نواب الرؤساء - إن لم يكن أقواهم - في تاريخ
الولايات المتحدة.
أثناء تكوين الإدارة الجديدة شجع تشيني بوش على
تعيين رامسفيلد كوزير للدفاع، و كذلك تعيين باول - الذي عمل مع تشيني سابقاً كرئيس
للأركان - وزيراً للخارجية، مع ضم مجموعة أخرى من اليمينيين كبول وولفويتز. و كل
هؤلاء كان لهم دورٌ في تشكيل خريطة المنطقة الجديدة.
كان تشيني مرة أخرى أحد أهم المشجعين على إحتلال
العراق بدعوى دعمه للإرهاب و إيواؤه للإرهابيين. و بزعم وجود أسلحة للدمار الشامل.
و بعد كل ما حدث للعراق فإنه في النهاية كلما تكلم عن انكشاف زيف مزاعم امتلاك
العراق لهذه الأسلحة يتكلم بشكل عابر على أساس أن الأمر كان إخفاق استخباراتي، و
بدون أدنى إحساس بالندم بالطبع.
يستمر تشيني في عرض مساهماته و دوره في صناعة القرار
في إدارة بوش إلى نهاية عهده و يتكلم بشكل عادي جداً عن جوانتانامو و عن ما عُرف
ب"وسائل الاستجواب المعزز" و دور ذلك في انتزاع الاعترافات من أسرى
طالبان و القاعدة، و أثر ذلك في سقوط قادة آخرين للقاعدة. هذا بالإضافة للمشاكسات
المعتادة بين الجمهوريين و الديمقراطيين، و كيف تأثرت البلاد بالسلب نتيجة لقيام
أوباما بإلغاء بعض قرارات إدارة بوش..إلخ
أثناء قراءتي لهذه المذكرات صادفت عدداً من الفقرات
التي اقتبستها و عرضتها على صفحتي على الفيسبوك، حيث وجدت فيها ليس فقط رؤية رجل
سياسي بارز، بل خبرة حياتية لا يُستهان بها..و أنقلها مرة أخرى هنا بتصرف كختام
لهذه المراجعة
------------------
في
بدايات حياتي العملية تعلمت درساً قيماً. كنت أحضر اجتماعاً لمناقشة مشكلة لا أذكر
تفاصيلها الآن، لكني أذكر جيداً أني رأيت الحل بوضوح شديد و طرحته أمام الجميع
بشكل مباشر، بلهجة توحي بقدر من المرجعية و السلطة على ما أتذكر. ساد الصمت الغرفة
لبرهة ثم تابع الفريق الكلام، متوصلاً في النهاية إلى الحل الذي كنت قد اقترحته، و
إن كان على نحو لم يسبق لي أن طرحته مطلقاً. و لدى تأملي لما حدث أدركت أنه من
الأفضل أن يستمع المرء بدلاً من أن يتكلم، لاسيما إذا كان ما يزال شخصاً صغير السن
مبتدئاً.يضاف إلى ذلك أن أي جماعة تكون بحاجة عادةً،حين تجد نفسها أمام مشكلة،إلى
الاشتباك و التصارع مع تلك المشكلة لبعض الوقت. و إن كان لديك نوعٌ من الحل، فما
عليك إلا أن تنتظر حتى يكون الناس مستعدين لقبوله، ثم تبادر إلى طرحه بأسلوب بارد
بما يضمن التركيز على الحل، بعيداً عن شخصك أنت
------------------
في جلسة جمعت بين نيكسون و خروتشوف عام 1959 - قبل
سنوات عدة من توليه الرئاسة - و بعد مأدبة غداء، تكلم خروتشوف بلا تحفظ. قال الرجل
"إن على المرء أحياناً أن يكون سياسياً كي يكون رجل دولة. إذا كانت الجماهير
ترى نهراً خيالياً أمامها، فإن السياسي لا يقول لهم: ليس ثمة أي نهر. بل يقوم
السياسي بدلاً من ذلك ببناء جسر خيالي فوق النهر الخيالي!"
------------------
تعلمت
أن بعض الناس قد يختارك لما لست عليه، ففي جولتي الانتخابية الأولى للترشح
للكونجرس قابلت راعي بقر عجوز، فسألني: هل أنت محام؟ فقلت: لا يا سيدي. فسألني: هل
أنت ديمقراطي؟ فقلت:لا. فقال: إذاً صوتي لك في الإنتخابات
------------------
زارني هنري كيسنجر في مكتبي بالبيت الأبيض كما كان
يفعل بانتظام منذ توليت منصبي كنائب للرئيس، و تناقش معي في عدد من الموضوعات بما
فيها كوريا الشمالية، و روسيا، و أوروبا. إلا إنه بدأ كلامه بالعراق و حذر من
الآثار السياسية لسحب القوات الأمريكية منها، و قال "الانسحابات أشبه بالفستق
المملح، ما إن تبدأ في تناوله حتى تصبح عاجزًا عن التوقف".


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق