شرعت في قراءة هذا الكتاب وأنا لا أرجو منه الكثير، ولم أكن أنتظر منه أكثر
من مبالغات إبنة محبة لأبيها، مسبغة عليه هالات التقديس، وقد وجدت هذا وأكثر.
ولكني مع هذا على قناعة أن مثل هذه الكتب لازمة لإكمال الصورة، فرغم كثرة
ما قرأت عن السادات من المحيطين به، سواء كانوا في خانة الأصدقاء أو الخصوم، فإن
الشهادات كلها هي شهادات عسكريين وسياسيين وصحفيين، تتناول السادات السياسي، وكان
لابد من الاطلاع على كتابات اللصيقين به من أسرته، لكي نستطلع بعيونهم السادات
(الإنسان). وكيف كان يتعامل في بيته مع أفراد أسرته.
لو حذفت كلمة (بابا) من الكتاب، سيفقد حوالي 20% من حجمه...ولا لوم على الإبنة
في حب أبيها بالطبع، ولكن اللوم على أي قاريء لا يغربل ما يقرأه ليستبعد منه
المبالغات ونظريات المؤامرة والآراء الشخصية.
صدر هذا الكتاب بعد الثورة بقليل، لذا فهو مليء بالتحامل على حسني مبارك
والتشفي منه، وهي كثيراً ما تتهمه بأنه كان وراء عدد من المشاكل في عهد أبيها –
ومنها انتفاضة يناير 77 – بل وادعت أن اللواء حسن أبو سعدة قد أسر لها قبيل اغتيال
السادات بوجود مؤامرة من مبارك وأبو غزالة لاغتياله والاستيلاء على السلطة! وأنها
أخبرت أباها بذلك فاضطرب وتساءل عن السبب في حين أنه سيترك الحكم طواعية عند
استلام بقية سيناء في أبريل 82 – على حد قوله – ثم تدعي أيضاً أنها قابت بالصدفة
لواء أخبرها بحضوره اجتماعاً قبل العرض العسكري مباشرةً أمر فيه السادات مبارك
أمام الجميع أن يوقع استقالته عقب العرض العسكري، وأن خطاب الاستقالة كان معه ثم
اختفى بعد العرض!
طبعاً من سياق عملية الاغتيال نفسها ومن قراءتنا لشخصيات مبارك وأبو غزالة
فإن هذا الأمر مستبعد تماماً، بل إن قراءة شخصية السادات نفسها تستبعد هذا الأمر،
فالسادات الذي سبق وأقال الجمسي من منصب وزير الحربية قبل احتفالات أكتوبر بيوم،
ما الذي كان يمنعه من إقالة مبارك وتعيين غيره إذا كانت وصلته معلومات بتآمره عليه؟!
مما لفت نظري في الكتاب هو حديثها عن زملاء أبيها في مجلس قيادة الثورة،
فكلهم سبقت اسمه بكلمة (عمي)، كعمي جمال، وعمي عبد الحكيم، وعمي حسين الشافعي، وهي
تنقل لنا تبادل الزيارات بينهم، وأن منهم من كانوا شهوداً على عقد زواجها، وتحدثت
باحترام عن عبد الناصر.
وإذا كانت القناعة الأرجح عند أغلب من اطلع على مسيرة السادات هي أنه ظل
تابعاً مطيعاً لعبد الناصر إلى أن لم يتبق أحد سواه بجواره، فإن شهادة ابنته توحي
بأن تقدير الرجل وحبه لعبد الناصر كان حقيقياً!، وتذكر أنه كان قد وضع تمثالاً
نصفياً صغيراً لعبد الناصر في بيتها، وكان ينظر إليه كلما زارها، وبعد هزيمة 67
أزالت التمثال من مكانه، وعندما زارها طلب منها إرجاع التمثال مكانه لأنه القائد
والرمز وأن العدو بهذا سيكون قد انتصر علينا! وهي قصة ننقلها كما هي لا نصدقها ولا
تكذبها.
سأنقل هنا بعض الفقرات القليلة التي استوقفتني، الفقرة الأولى تتحدث عن
صديقة جاءت ومعها عريس لأختها وتريد منها مساعدة لإدخاله العمل السياسي، فتقول
عنها: "جاءت ومعها
شاب صغير، ومما لفت انتباهي إليه أنه «معضم»!! وكان لابسًا «صندل» وتحته «شراب»
بينما الطقس حار لأننا في الصيف!! وقد أتت بهذا الشاب ليتعرف إلى أبي؛ لأنه متقدم
لخطبة أختها.. وكان حديث التخرج- من كلية الحقوق- وتريد أن تشبكه في السياسة من
خلال المؤتمر القومي.. وهذا الشخص هو كمال الشاذلي!! فمن أين هذا «التخن» الذي جاء
به بعد ذلك؟!! وطوال عمره لم يصرح أن الذي أدخله إلى الحياة السياسية هو أنور
السادات!! إنه عدم الوفاء الذي حدثني أبي عنه، ونبهني إلى أنه بعد أن يموت لن أجد
وفاءً، بل سأجد جحودًا يجعل شعر رأسي يشيب وهو في عز الشباب".
أما الفقرة الثانية،
فتحكي عن مقابلتها للملك فيصل حينما أدت فريضة الحج عام 71، والرسالة التي حملها
لها للسادات، فقال لها: "قولي له: فيصل- ولم يقل الملك- ينبهك إلى أن تنتبه
إلى القذافي! لأن القذافي- ومؤكد أن فخامة الرئيس يعلم ذلك- كان الرئيس جمال
عبدالناصر قد وضعه في مستشفى «بهمن» النفسية في المعادي! فتساءلتُ مندهشة: ماذا
تقول جلالتك؟! فقال.. نعم.. وفخامة الرئيس يعلم ذلك بالتأكيد..! قلت له: وماذا
بعدُ؟ قال: لا شيءَ.. لقد انتهت الرسالة."، وعلى رأي أحد أصدقائي حينما
أرسلت له هذه الفقرة متندراً، فقال: وهي دي محتاجة رسالة مخصوص 😄.
وفي فقرة أخرى، تتحدث عن شراء السادات لها ولإخوتها سيارات، فتقول: "وفي عام 1980م قرر بابا أن يشتريَ سيارات
لنا كلنا.. ست بنات وأضاف السابعة؛ وهي دينا زوجة جمال، وجمال بالطبع.. وكلمني أ.
عدنان رفعت طالبًا مني بطاقتي.. فقلت له: خيرًا!! هل حدث شيء ستصادرون البطاقة بسببه؟!
فقال لي: لستُ مأمورًا بأكثرَ من إخبار حضرتك بأني سأرسل لك من يأخذ البطاقة..
أكثر من هذا لا أستطيع. ثم فوجئتُ بعدها بثلاثة أيام بعودة بطاقتي، ثم مكالمة
هاتفية من بابا: «ها يا راكا يا بنتي.. هل عجبتك العربية؟» فتساءلت: «عربية إيه يا
بابا؟». فأجاب: أنا اشتريت لكل منكم– ومعكم أختكم دينا- سيارة فولكس فاجن، واخترت
لكل واحدة منكن اللون الذي يناسبها!!
وأنا أحكي هذه الحكاية
حتى يعرفَ الجميعُ أن أنور السادات لم يفرقْ بين أولاده إطلاقًا.. فكلنا عنده
واحد.. حتى في النظرة.. في الكلمة.. في الضحكة.. حتى في الغضب كلنا متساوون..
والبارعة منَّا هي التي لا تجعله يغضب."
وهنا يجب أن يتمالك القاريء نفسه من الضحك – أو أشياء أخرى – فنحن لا
يشغلنا تفرقة بين الأولاد من عدمه، لكن هل من العادي استفزاز القاريء بقصة شراء
سبع عربيات دفعة واحدة، وأنت تكررين على مدار الكتاب أن السادات لم يكن يملك سوى
بيته وأرضه في ميت أبو الكوم؟!
عموماً كما ذكرت سابقاً، قد يصلح هذا الكتاب للاستئناس بما يرويه من مواقف
شخصية للسادات قد لا تظهر خارج حيطان بيته، مع استبعاد الآراء الشخصية، وإن كنت
سأتفق مع رقية السادات في رأي، فهو أن خطيئة السادات هي اختيار مبارك نائباً له،
لكن رقية لا ترى خطيئة سواها، في حين أننا لا نزال نعيش في توابع الخطيئة الأعظم:
كامب ديفيد!


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق