الاثنين، 28 فبراير 2011

مشاهد من الثورة المصرية-1-يوم 25 يناير:عندما نطق الأبكم





إثر نجاح الشعب التونسى الشقيق فى طرد الطاغية بن على, ظهرت الدعوة إلى الخروج فى مظاهرات سلمية فى مصر مطالبة بعدد من المطالب مثل إقالة وزير الداخلية و إلغاء الطوارىء و وضع حد أدنى للأجور 1200جنيه!!...إلخ.

و كان المصدر الرئيس لهذه الدعوة هو صفحة(كلنا خالد سعيد). و منذ ظهرت هذه الدعوة إلى يوم بداية الثورة تعددت التوجيهات والإرشادات و النصائح الخاصة بهذا اليوم, و وضعت قبل الموعد ببضعة أيام الأماكن التى ستنطلق منها المسيرات و كذلك ساعة التحرك, مع مجموعة من أرقام التليفون لمعرفة أى تعديلات.

قبل الموعد بيومين تم نشر أماكن التجمع بالإسكندرية, فى البداية كان المكان هو جامع القائد إبراهيم, لم يعجبنى الإختيار بسبب سهولة تطويق المكان بالكردونات الأمنية و ذلك من واقع حضور مظاهرة سابقة فى نفس المكان, بخلاف أن العقيد عمر عفيفى كان قد نصح بخروج المظاهرات من المناطق الشعبية المزدحمة حيث لا تستطيع تشكيلات الأمن المركزى المناورة بتشكيلاتها و لا حصار المتظاهرين.

فى ذات الليلة علمت أن سيارات الأمن المركزى تجمعت بجوار الجامع إستعداداً لما سيحدث بعد يومين!!فى اليوم التالى تغير المكان ليصبح ميدان المنشية و ميدان محطة مصر.تعجبت مرة أخرى, و قدرت أن أحد المكانين لابد و أن يتغير فى اللحظات الأخيرة ليصبح أحد الميادين فى شرق المدينة لفتح جبهه هناك لتشتيت الأمن, و هو ما جرى فعلاً حيث تم تغيير المكان قبل الموعد بساعة من محطة مصر إلى ميدان الساعة.

فى يوم 25 يناير إستيقظت و صليت و دعوت الله أن يحفظنا و أن ينزل علينا السكينة, لا أنكر أنه كان بداخلى بعض الخوف بطبيعة الحال لكنى أحسست بأن الله قد من على بالسكينة فعلاً.توجهت إلى موقع عملى ببرج العرب.لم يكن أحد من العاملين بالمشروع ينوى المشاركة إلا مهندس حديث التخرج, أما البقية فتنوعت مواقفهم بين السخرية و تكسير المقاديف, أو الجهل بالأمر أصلاً!!

قمت بالإتصال بالرقم الموضوع على الصفحة للتأكد من الأماكن النهائية, وجدت الهاتف مغلقاً لفترة, و حينما وصلت إليه أخيراً إعتذر بأن التليفون كان (يُشحن)!!و حينما سألت عن الأماكن طلب منى أن أتصل ثانيةً حينما أصل إلى الإسكندرية لأنه لا يعلم بعد!!

إتصلت بعدد من الأصدقاء و وجدت الأمر ضبابياً.بدأت أشعر بالقلق و أن الأمر غير منظم. سعيت للخروج مبكراً من العمل لكى أصل الإسكندرية فى الموعد.تحركت فى الواحدة و الربع تقريباً لأعلم فى طريقى أن تحركاً قد بدأ فى الشرابية, علمت بتغير مكان التجمع فى محطة مصر ليصبح ميدان الساعة.إتصلت بالصديق العزيز هشام علاء الذى كان فى طريقه للمحطة بالفعل فأخبرنى أنه قد عرف و أنه نزل ليعود أدراجه للساعة.إتصل بى صديق آخر يخبرنى أنه فى المنشية و قررت التوجه إلى هناك لأنها الأقرب.

الساعة الثانية و الربع:

وصلت المنشية لأقابل صديقى على الكورنيش أمام الجندى المجهول مع 3 من الرفاق الثائرين.نظرت حولى فوجدت على سور الكورنيش مجموعات صغيرة من الشباب كأنها كلها تنتظر شيئاً ما.إنتظرنا قليلاً ثم توجهنا إلى ميدان المنشية لنمر فى طريقنا بعربات الأمن المركزى.دخلنا فى الجزيرة التى بوسط الميدان لنجد مجموعات قليلة متفرقة من الشباب, و ضباط أمن الدولة و المخبرين.

إتصل بى هشام ليسألنى عن الوضع فأخبرته أنه لا شىء بعد, و كان الوضع فى الساعة مماثلاً.لم تكن الأعداد مشجعة على أى تحرك.تجمع حوالى 40 فى حلقة و توسطنا مناضل فى الأربعينيات من عمره-شوهد بعدها بيومين فى ميدان التحرير-بدأ فى ترديد النشيد الوطنى و أخذنا فى ترديده.بدأ آخرون فى الإنضمام و تحركت قوات الأمن لتنتشر أمام الجزيرة لمنعنا من النزول إلى الشارع.لم يطل هذا الوضع إلا دقيقتين فقد هتف هاتف أن إجروا إلى الجهة الأخرى فجرينا و نزلنا الشارع.رأيت شباب ينطلق إلينا و ينضم لنا من شوارع جانبية و كأنما إنشقت الأرض عنهم.حاول الأمن تطويقنا لكن كلما لمحنا محاولة للتطويق عدونا لنتقدم المظاهرة لكى نمنع أى كردون من التشكل أو حصارنا من أى شارع جانبى, لا أعلم كيف تحول الأربعون إلى ألفين فى خمس دقائق, ثم ألوف فيما بعد.

كلما عدوت و شعرت بثقل الحذاء السيفتى فى رجلى تذكرت نصيحة العقيد عمر عفيفى بإرتداء حذاء خفيف(كوتشى), لكن روح عامة جعلت كل المشاركين يتحركون بخفة و يتحركون سوياً بدون قائد أو منظم, إنها روح الثورة و إنها عناية الله.

كان الهتاف الغالب هو الهدف المشترك لنا جميعاً:يسقط يسقط حسنى مبارك.تقدمنا فى شوارع المنشية من شارع إلى شارع و كلما تقدمنا كلما زاد عددنا.حاول الأمن فرض كردون علينا قبل محطة الرمل و تم كسره بكل سهولة.كنت أشد جندى الأمن من ذراعه و كأنه يلين فى يدى.وصلنا إلى شارع فؤاد و توجهنا صوب المحافظة, هناك وجدنا مدير الأمن و مدير المرور و عدد من ضباط أمن الدولة.توقفنا قليلاً أمام مبنى المحافظة و علت الهتافات و حاول مدير الأمن تهدئتنا و إيهامنا بأنه سيتركنا نفعل ما نريد شريطة أن نفسح الطريق للمرور و نقف على الرصيف.من المؤكد أن أعدادنا كانت أكبر مما توقعوا و أن الأمور قد فلتت منهم حتى الآن.تحركت المظاهرة صوب محطة الرمل لتخترق شارع البطالسة ثم السلطان حسين وصولاً إلى صفية زغلول.حينما وصلنا إلى محطة الرمل وجدنا لافتات تأييد جمال مبارك التى تعلوها فجن جنوننا, صعد عدد من الشباب أعلى المحطة ليسقطوا و يمزقوا كل الصور.فى هذه اللحظة كبرت و من حولى و أنا أرى صور الفاسد إبن الطاغية الذى أراد أن يرثنا و هى تمزق و تداس بالأقدام, ثم أحسست بيد تجذب ذراعى فنظرت فإذا برجل أبكم يقف بجوارى و وجهه متهلل و هو يدير عينيه بينى و بين صور جمال مبارك و يشير لها و كأنه على وشك أن ينطق و يقول:أنظر ها هنا فقد سقط الطاغية الصغير.

شعرت أن لحظة الحرية قد دنت, و أن الأبكم الذى يقف بجوارى هو مثال للأبكم الكبير الذى قُطع لسانه فأُرغم على السكوت طويلاً.هذا الأبكم هو الشعب المصرى الذى يصرخ الآن مطالباً بحريته.

تباً لك يا مبارك, لقد عم ظلمك البلاد و العباد, حتى كاد الأبكم ينطق ببغضك.




وجدت بعض الشباب يحمل الأخشاب التى تحيط بالصور بنية الدفاع عن أنفسهم ضد أى إعتداء من الأمن, فقمت و عدد من الشباب بأخذ هذه الأخشاب منهم و وضعها بعيداً لأننا فى مسيرة سلمية, و كنا حريصين على سلمية المظاهرة حتى بعد تعرضنا للضرب فى نهاية اليوم.

و الحق أن سلوك أغلب المشاركين كان يعبر عن وعى و تحضر و رقى كامل.كلما إنفلتت أعصاب أحدهم سارع من حوله لتهدئته, كلما هم أحد بتحطيم شىء-عدا صور مبارك-منعه من حوله.كانت روح التعاون سائدة بين الجميع, طوال طريقك تجد من يعرض عليك الماء.كنا نشعر أن يد الله تجمعنا و لا تفرقنا, و سبحان من يسر لهذا الجمع أن يسير بهذا النظام دون قائد.و إلا فما التفسير لكون مظاهرات القاهرة تتجه بدون إتفاق سابق إلى ميدان التحرير من كل الجهات؟و ما الذى جعل مسيرتنا تمشى فى إنسجام كأنها جسد واحد رغم عدم وجود قيادة موحدة؟إن لم تكن إرادة الله فماذا تكون إذاً؟

رفض أغلبنا أن نتحرك جهة البحر-ربما من تجارب سلبية سابقة فى وقفات خالد سعيد-و سرنا بحذاء الترام متجهين إلى القائد إبراهيم.كان الأمن قد غاب عن ناظرنا تماماً و كنا قد جاوزنا الثلاثين ألفا.مررنا بصورتين كبيرتين لمبارك فتم تمزيقهما.أكملنا مسيرتنا و مررنا أمام جمعية الشبان المسيحيين و أشاروا لنا من النوافذ مؤيدين و هتفت الجموع:مسلم....مسيحى, و دعوناهم للنزول لكن لم ينزلوا و الأغلب أن هذا بسبب توجيهات باباهم الذى دعا الأقباط لعدم المشاركة فى التظاهرات, و إن كنت لا أشك أن مسيرتنا كانت تحتوى على مسيحيين.

تقدمنا صوب المكتبة, ثم عبرنا بجوار مستشفى الشاطبى.كان منظر العاملين بالمستشفى و أسر الأطفال المرضى و هم يشيرون لنا مؤيدين مؤثراً جداً.تذكرت رغبة سوزان مبارك فى هدم هذا المستشفى المخصص للغلابة لا لشىء إلا لأنه يحجب الرؤية عن المكتبة للقادم من الشرق!!ألا لعنة الله على الظلم و الظالمين.

دخلنا شارع بورسعيد.المشهد مهيب, صرت لا أرى بداية المظاهرة و لا آخرها.الناس فى بلكوناتهم يهتفون معنا و يلقون لنا بزجاجات المياه و الكل فى حالة معنوية مرتفعة و البعض ينزل و ينضم لمسيرتنا, أعتقد أن العدد قد اقترب من الخمسين ألفا.و سيارات الأمن تمشى وراءنا ببطء بدون أن يستطيعوا فعل شىء مع هذه الحشود بطبيعة الحال.

رأيت بيننا المستشار محمود الخضيرى-أمده الله بالصحة و العافية-و صافحته بحرارة.الشارع كله يهدر بصوت واحد:يسقط يسقط حسنى مبارك.ربما لأول مرة تشهد المدينة مظاهرة بهذا الحجم.كانت معنوياتى فى قمتها و شعرت أنى أتنسم عبير الحرية بحق و شعرت بالطمأنينة الكاملة و أنا وسط أبناء شعبى الأحرار و كلنا يد واحدة و هدف واحد.

نسمع أذان المغرب فتتوقف الهتافات.تُقام الصلاة فنصطف صفوفاً فى الشارع بينما استمر البعض فى السير, و هنا كان أول تفرق فى المسيرة.حين انتهينا من الصلاة وجدنا قوات الأمن تقف وراءنا لأننا قد سددنا الشارع بينما بقية المسيرة قد سبقتنا.تقدمنا لنلحق زملاءنا مع إستمرارنا فى الهتاف.عند ميدان كليوباترا تقريباً وجدت صفين من جنود الأمن المركزى على اليمين و اليسار.فى ظل النشوة التى كنت أشعر بها اتجهت نحوهم و سألت أحدهم:بذمتك مش مبسوطين ؟بوغت الجندى و أجفل لدخولى المفاجىء عليه و ظن أنى سأضربه فعاد للوراء بشكل دفاعى.داعبته بأن ضربته على ذراعه برفق و قلت له:اجمد كدة متبقاش خواف.فضحك و ضحك زملاؤه.كررت سؤالى عليه:بذمتك مش مبسوطين؟ فأجاب إجابة معبرة جداً.

قال:مش عارفين!!!

أكملت فى طريقى جهة سيدى جابر, يبدو أن أغلب المسيرة قد سبقتنا و ووجدت أمامى تكدس من حوالى 3000 شاب نتيجة وقوف صفوف من جنود الأمن المركزى أمامنا لمنعنا من المرور لسيدى جابر-ربما حتى لا نمر أمام المنطقة الشمالية العسكرية-علت الهتافات و رأيت بعض الشباب يهم بقذف الجنود بالحجارة فقمت و بعض الزملاء بمنعهم و أخذ الحجارة منهم.نادى بعض الشباب بالجلوس على الأرض فى شكل إعتصام فى حين حاول آخرين كسر الكردون.بدأ معظمنا فى الجلوس فعلاً.و فجأة وجدت الضابط الكلب الذى لن أنساه ما حييت يضرب بعصاه الغليظة الشباب أمامه و جنوده ينزلون بعصيهم على البقية و لا يتوقفون.سيارات الأمن المركزى و عرباته المصفحة الواقفة وراءنا بالإضافة لضيق الشارع لا يدع لنا مجالاً للمناورة.وجدت نفسى فى كتلة بشرية تتراجع على الرصيف و أنا أجاهد كى لا أسقط فأُدهس.العربات المصفحة تنعب بصوتها المشئوم الذى تطلقه لحظة الهجوم و ظننت أن بقيتهم سيهاجموننا من الخلف.

وجدت الكتلة البشرية متنفساً فى مدخل بين عمارتين فدخلنا فيه نلتقط أنفاسنا و شاهدت بعض الشباب محمولين على الأعناق.بعد قليل خرجت و صديقى و قررنا الالتفات من جهة البحر.عند وصولنا للبحر انضممنا لمظاهرة جمعت الفلول التى كُسرت فى سيدى جابر بالإضافة لآخرين أخذوا فى الإنضمام إليها تدريجياً.أيقنت أن طريق البحر هو الخيار الأمثل لإتساعه و إحتياج الأمن لحشود ضخمة جداً لكى يستطيع السيطرة عليه, فى حين إستغل الأمن الجبان فرصة قلة عددنا و ضيق شارع بورسعيد لضربنا.إستمرت مسيرتنا حتى شارع سوريا و قررنا دخوله لنصل إلى شارع أبى قير لكى يرانا عدد أكبر من المصريين و ينضمون لنا.كان البعض يحيوننا بأبواق سياراتهم, و آخرون يشيرون لنا بعلامة النصر.و وصلت المسيرة لشارع أبى قير حوالى الساعة الثامنة.إضطررت للعودة لمنزلى و أنا لا أشعر بساقى بعد هذا اليوم الطويل.علمت بعد ذلك أن مسيرة أخرى لا تقل عن مسيرتنا كانت قد انطلقت من سيدى بشر و تم كسرها أيضاً فى سيدى جابر. و أن الأمن قد ضرب المتظاهرين فى شارع أبى قير بالقنابل المسيلة للدموع و عند تراجع المتظاهرين إلى الوراء وجدوا جنود الأمن المركزى يركضون عليهم من الجانب الآخر لطحنهم!!!و شهدت المدينة مناوشات متفرقة بقية الليل.

عندما عدت لمنزلى و تابعت الأخبار سعدت لرؤيتى ما حدث فى القاهرة و بقية المحافظات.و تابعت قناة الجزيرة فأحسست بالغيظ لما وجدتهم يذكرون أن الأعداد فى الإسكندرية كانت 20ألف و هو رقم يقل بكثير عن الواقع الذى رأيته, و عزوت هذا لإتفاق بين مبارك و أمير قطر فى زيارته الأخيرة هناك.لكن لدى مطالعتى للعناوين الرئيسية للصحف القومية فى اليوم التالى و منها صحيفة الجمهورية التى ذكرت أن عدد المتظاهرين كان 200 أدركت ساعتها كم ظلمت الجزيرة.

لدى ذهابى للعمل فى اليوم التالى وجدت وجوه الأمس الساخرة تحولت إلى النقيض.الكل يتساءل عما حدث و ما هى الخطوة القادمة.كنت أجيب أن يوم الجمعة لابد و سيشهد مسيرات أقوى.كان أشد ما يغيظنى تمنى البعض (أن يحقق الشعب تغييراً للأفضل بخطوته هذه)و كأنه من شعب آخر و يعيش فى بلد آخر.و كنت أسألهم:و أين مشاركتكم أنتم؟

و شهد يوما 26 و 27 يناير تجمعات محدودة كان يتم قمعها بسرعة و بقسوة, مع تطور الأوضاع فى السويس بشكل متصاعد و سقوط العديد من الشهداء.بدأنا ننتظر يوم الجمعة بفارغ الصبر.كان من الواضح أن النظام قد أدرك مدى خطورة الأمر هذه المرة فبدأ فى سلسلة إعتقالات مع خطوات لمنع تواصل الثوار ببعضهم فبدأ بمحاولة حجب موقع الفيس بوك بعد أن حجب تويتر تماماً.و لما استطاع الكثير دخول الموقع من طرق بديلة قام بقطع النت تماماً مساء الخميس 27 يناير.و بدا أن يوم الجمعة لن يكون يوماً عادياً.

و بتنا لنصحوا على جمعة الغضب.

الخميس، 24 فبراير 2011

مشاهد من الثورة المصرية-مقدمة


لم أكن أظن أنى سأشهد ثورة وطنى و أكتب هذه السطور.كنت أحاول أن أظل متمسكاً بالتفاؤل مع يقين و إيمان بأن دوام الحال من المحال.لكنى كنت كلما تلفت حولى و رأيت حال وطنى و أهل وطنى و من يحكم وطنى, كلما رأيت أن الطريق ما زال طويلاً.

و لا أظن أن أحداً ممن خرج يوم 25 يناير كان يتخيل أن عدد المشاركين سيكون بهذه الكثرة, و لا أن الأمر يعدو مظاهرات لا نعلم إن كانت ستحقق مطالبها أم لا.ربما كان هذا الظن فى عقول من دعوا للخروج من الأساس, بدليل المطالب و الهتافات الهزيلة المقترحة وقتها مثل:عيش ..حرية...عدالة إجتماعية.

لكن التفسير الوحيد لكل ما حدث هو قول الله تعالى ((و ما رميت إذ رميت و لكن الله رمى))

لقد قدر الله لهذه النبتة أن تكبر و تترعرع و تثمر, و قال لهذه الثورة كونى, فكانت.

نبتت هذه النبتة طوال عقود من العسف و الظلم و القمع و الفساد, و سقت بماء الذل و التعذيب و البغى, و تحولت النبتة لشجرة عظيمة تضم أبناء الوطن الحزين كلهم إلى أن نضجت الثمار فنزلت من تلقاء نفسها كالحجارة وابلاً على رؤوس الظلمة, و الحمد لله رب العالمين.

و ما أحاول كتابته هنا هو المشاهد التى رأيتها بعينى و سمعتها بأذنى-ممن لا أتهم- بمدينتى الإسكندرية منذ اليوم الأول للثورة مروراً بجمعة الغضب و الإنفلات الأمنى و المظاهرات اليومية المنطلقة من جامع القائد إبراهيم, و الفتنة التى أثارها خطاب مبارك الثانى ليقسم المصريين بين ثابت على موقفه و منقلب على الثوار, و ثبات الثوار على موقفهم رغم الضغط النفسى الذى واجهوه من بقية المجتمع إلى أن تخلى الطاغية مبارك عن منصبه.

و أنا أكتب هذه السطور و الثورة لم تنته بعد, ما زال أمامنا الكثير, و ما زالت الثورة معرضة لأخطار داخلية ممثلة فى الثورة المضادة من أذناب النظام و فلول الأجهزة الأمنية, و أخطار خارجية من كل عدو لمصر يخشى أن تستعيد مكانتها من جديد.

أكتب هذه السطور حتى يقرأها من يأتى بعدنا.

أكتب هذه السطور لمن لم يشهد أحداثها.

أكتب هذه السطور و أدعو كل من شارك بنفسه أو بلسانه أو بقلمه أن يكتب ما رآه حتى يكون كل ما كُتب مادة لمن يتصدى لتأريخ هذه الثورة, و حتى تكون الصورة أعم و أشمل.

أكتب هذه السطور علها تساعد أحد أهل الفن فى أن يجد من بعض مشاهدها ما يستحق أن يخلد فى عمل فنى.

و لكن النهاية مفتوحة, لأن السطر الأخير لم يُكتب بعد.

الخميس، 20 يناير 2011

(678) و الفن الذى نحتاجه

فى ظل التردي الأخلاقي الرهيب الذى نراه فى السينما و التلفاز, أو نسمعه فيما يصدر من أغان, أو حتى نقرأه فى صورة كتب و مقالات, فإن المرء لا يسعه إزاء هذا الطوفان من التفاهات و العهر إلا أن يدعم أى مجهود راقٍ و جاد بما يقدر عليه من وسائل مادية أو معنوية أو كليهما إن أمكن.

منذ أعوام مضت أنتج نفرٌ من المسلمين بالولايات المتحدة فيلم كارتون إسمه(محمد خاتم الرسل)يحكى قصة سيد الخلق صلى الله عليه و سلم.عندما عُرِضَ هذا الفيلم فى مصر, قررت و أحد أعز أصدقائى أن ندخله-رغم ضعفه الفنى مقارنةً بأفلام هوليوود بالطبع-و ذلك بنية دعم الفيلم و الفكرة.

بعد هذا قام المخرج الأمريكى مايكل مور بعمل الفيلم الوثائقى(فهرنهايت 911)الذى يعرض حال أمريكا منذ تولى بوش الرئاسة, مروراً بهجمات 11 سبتمبر, ثم حرب أفغانستان و إحتلال العراق.و الفيلم ينتقد الحرب و السياسة الإستعمارية الأمريكية و سياسة بوش بوجه عام.و فيلم كهذا كان لابد من دخوله أيضاً دعماً للفكرة, و تشجيعاً لعارضى الأفلام فى مصر على الإستمرار فى عرض هذه النماذج من الأفلام الجادة.

و الفيلم الذى نتكلم عنه اليوم (678) فكرة و إخراج شاب مصري (محمد دياب), و بطولة مجموعة من المثلين الذين أبدعوا فى تمثيل أدوارهم.الفيلم يعرض لقضية التحرش الجنسي, و هو مستوحى من قصص حقيقية أشهرها قصة (نهى رشدي)التى كانت أول من تمسكت بحقها و رفعت قضية ضد السافل الذي تحرش بها.

لا أحتاج أن أكون ناقداً فنياً لأتكلم عن الفيلم من الناحية الفنية, فالقصة لا غبار عليها بالطبع لأنها قصة جادة هادفة تناقش قضية هامة.و الإخراج جيد جداً و أكثر ما أعجبنى المشهد الذى جمع أبطال القصص الثلاث فى إطار واحد دون إرتباط بين هذه القصص, و كذلك حرص المخرج على أن يفهم المشاهد أن فعل تحرش ما قد تم دون أن يتم تحرش فعلاً, و ذلك بحرفية إخراجية من خلال لقطات سريعة مع بعض الخدع.أما التمثيل فقد أجادت الفتيات فى تشخيص أدوارهن و توضيح كيف تأثرت حيواتهن بما تعرضن له.و أجاد ماجد الكدوانى فى تشخيص دور ضابط المباحث المتعاطف مع القضية, و الذى تبقى يداه مكبلتان بسبب عدم قيام أى ضحية بتقديم بلاغ.

عرض الفيلم كيف تسبب فعل التحرش المتكرر فى تدمير حياة اللواتى تعرضن لهذه الجريمة, على تنوع خلفياتهم و أوضاعهم الإجتماعية.كما عرض سلبية المجتمع تجاه هذا الفعل سواء من الإناث اللواتى يتعرضن للتحرش و مع هذا يلتزمن الصمت.أو من الذكور-و لا أقول الرجال-الذين لا يحركون ساكناً إزاء هذا الفعل.

و العجيب أن نجد فى مجتمعنا من يبرر سكوته و سلبيته إزاء هذا الفعل المجرم بأن يلقى باللائمة على الضحية بدعوى أنها كانت ترتدى ملابس غير لائقة!!و فات هؤلاء أن المتحرش يتحرك وراء جسد الأنثى أياً كان ما ترتديه, حتى أننا نجد من السفلة من ييتحرش بمنتقبات!! و حتى لو كانت الفتاة ترتدى ملابس تكشف أكثر مما تستر, فإن هذا ليس مبرراً لإنتهاك جسدها و هتك عرضها.

إن فعل التحرش ليس بدنياً فقط, فما يسمى بالمعاكسة هو تحرش لفظى, و حتى النظرة العابثة المتفحصة لجسد الأنثى هى تحرش فى حد ذاتها.و قد دأب الإعلام و الأفلام على التبسيط من هذه الأمور و التهوين من شأنها حتى صارت عادية فى أذهان البعض, و أوضح مثال هو تسمية التحرش اللفظى بإسم(معاكسة), و كأنه شىء بسيط لا جريمة, فى حين أن الأمور يجب أن تسمى بمسمياتها.

و عرض الفيلم فى أحد مشاهده قيام أحد المتحرشين بملاحقة إحدى بطلات الفيلم و هو يغنى أغنية لتامر حسنى مليئة بالإيحاءات قد إنتقدناها من قبل, و ينتهى الأمر بأن يتحول الأمر من تحرش لفظى لتحرش بدنى, و هذا ليس مبالغة فإن تبسيط الإيحاءات المبتذلة فى وسائل الإعلام يبدأ بصدمة بسيطة لدى المتلقى فى البداية ثم يستمرئه ليتحول لشىء عادى, و من ثم ينطلق للمرحلة التالية ليتعود على ما هو أبشع و ينزل دركة بعد دركة.

و المسألة مسألة سلف دين(يا إبن آدم إفعل ما شئت كما تدين تدان).فنظرة أحدهم إلى جسد إمرأتك بطريقة غير لائقة قد سبقتها نظرات منك إلى عورات غيرها. و معاكسة أحدهم لأختك ربما كانت عقاباً لك على معاكستك لأخت شاب آخر.

أما وقوفك لإمرأة فى وسيلة نقل عام لتجلس و تحمى نفسها من الزحام, أو شهامتك فى حماية أخت لك فى الشارع من تحرش أحد السفلة, فلابد أن الله سيحفظ لك هذا و يشكرك عليه فى أهلك. و رحم الله الإمام الشافعي الذى قال:

عِفوا تعفُ نساؤكم فى المحرَمِ........ و تجنبوا ما لا يليقُ بمســـــلمِ

إن الزنا دينٌ إذا أقرضـــــــتهُ......... كان الوفا من أهل بيتك فاعلمِ

و على مستوى أكبر, فدولة تتحرش بأبنائها و مواطنيها لا تلبث أن تتعرض هى بدورها لتحرش-أو تحرشات-من أعدائها, و فى حالة دولنا العربية, فإن الأمر تخطى مرحلة التحرش إلى ما هو أبعد من هذا بكثير.

و قد يبدو غريباً وسط سيل المقالات و الكتابات التى تتكلم عن تونس و مستقبل المنطقة, و عن الإحتجاج يوم 25 يناير القادم أن أكتب هذا المقال. و لكنى أكتب لسببين, أولاهما, أن الفيلم جيد و هادف و يستحق المشاهدة كما بينت من قبل, و ثانيهما, أن هذه النوعية من الأفلام تستحق الدعم و نحتاج المزيد من هذه النوعية, لأنها الأفلام التى نحتاجها فى هذه المرحلة و فى المرحلة القادمة حين تنقشع الغمة و تتحرر الأوطان. فكل التفاهات و الهراء الذى يحدث حولنا هو من إفرازات الأنظمة الفاسدة التى نرزح تحت وطأتها. و يصبح مجهود مثل هذا بصيص أمل لنور قادم من بعيد لغد ننتظره بشوق, و نأمل فى المزيد منه.و لذا علينا أن نعمل لهذا الغد من الآن و نستعد له بما يلزم له, فهو آت آت.

قد يظن بعضكم أنى مبالغ, و قد يرانى البعض حالماً رومانسياً, لكنى لا أتكلم من منطلق التفاؤل المفرط غير الواقعى, بل من منطلق اليقين. اليقين الذى يجب أن يتمسك به كل ساع للحرية و كل مؤمن بالتغيير. و بدون هذا اليقين لن نخطو خطوة واحدة للأمام.

و إن غداً لناظره قريب.


الأربعاء، 5 يناير 2011

خواطر حول أحداث الإسكندرية الأخيرة




لأن السيل قد بلغ الزبى, و لأن ساحة الوطن قد إمتلأت بالأشلاء و الدماء و الدموع و الصياح و حتى النباح, و لأن الفتن و الشائعات و التصرفات الغير مسئولة و الغير معقولة قد صارت السمت العام, من أجل كل هذا يجب أن نتكلم و نبوح بكل ما تجيش به الصدور حتى لو كان مراً.

عفواً.الإسلام ليس مجرد تسامح

لا أظن أن ثمة من يستطيع أن ينكر تسامح المسلمين طوال تاريخهم مع أهل الأديان الأخرى.فالأقليات التى عاشت-و ما زالت تعيش-بين ظهرانى المسلمين هى أسعد الأقليات حظاً فى العالم, و يكفى أن تقارن أحوالهم قبل و بعد مجىء الإسلام, أو أحوالهم فى ديار الإسلام و خارج أرضه مع المخالفين لهم فى الدين أو المذهب, و ليس مجال المقال التدليل على ذلك بأمثلة و أدلة, و يكفى لنا مثال واحد هو وقوف المفتى الأكبر أمام الفكرة التى جالت ببال السلطان سليم حينما فكر بإجبار رعايا الدولة العثمانية من غير المسلمين على الدخول فى الإسلام-ربما رداً على التنصير الإجبارى لمسلمى الأندلس-فرفض المفتى ذلك قائلاً:لا يحل لك هذا, فتراجع السلطان. و يمكن الإطلاع على المزيد فى كتب عدة منها كتاب:التعصب و التسامح بين المسيحية و الإسلام للشيخ محمد الغزالى.

و هذا التسامح الذى نتكلم عنه ليس منة و لا تفضلاً من المسلمين, بل هو حق و واجب عليهم فرضه عليهم دينهم سواء فى القرآن أو فى حديث رسول الله صلى الله عليه و سلم الذى قال:من آذى ذمياً فقد آذانى, و من آذانى فقد أذى الله.فماذا بعد هذا؟ غير توصيته الخاصة بأهل مصر الذين لهم(نسباً و صهراً).

و من يطالع التاريخ, لا يجد إنحرافاً عن هذا التسامح إلا فى الأوقات التى يحدث فيها إنحراف عن الشرع الحنيف نفسه, سواء من الحكام أو المحكومين, و جدير بالذكر أن إنحراف الحاكم عن الشرع يعنى عموم الظلم, على المسلمين و غير المسلمين على السواء.

لكن هناك من المسلمين من لا يعرف من الإسلام و لا يطبق منه غير التسامح مع أهل الكتاب, و ربما لا يطبق هذا التسامح بنفس القدر مع من يختلف معه من أهل ملته, فيسرف فى هذا (التسامح)حتى يصير شيئاً هلامياً متميعاً لا تنطبق عليه صفات التسامح أصلاً.

فالإسلام دين تسامح, و كرامة فى الوقت نفسه.

و الإسلام دين رحمة, و قوة فى الوقت ذاته.

و الإسلام دين مودة, و عزة فى الوقت نفسه.

إن وجود هذه الصفات سوياً لا يحوى أى تناقض, فأى تناقض بين أن يكون الإنسان رحيماً و قوياً فى آن واحد؟ أو متسامحاً و أبياً شامخاً ذو عزة فى ذات الوقت؟ إن الإسلام دين متكامل, و لكى يكون مكتمل الأركان سليم البنيان لابد أن تتوافر به كل صفاته سوياً, فإذا وُجدت الصفات الأُوَل وحدها دون الصفات الأخيرة, فقد خرجنا بكائن هزيل ضعيف متميع, و هذا ما نراه بشكل كبير الآن.

إن التفجير الإرهابى بكنيسة القديسين بالإسكندرية الذى أودى بحياة عدد من المصريين-أغلبهم مسيحيين و بعضهم مسلمين-قد أغضب المصريين كلهم, و الطبيعى أن يتضامن المسلم مع المسيحى فى هذا المصاب الجلل الذى أصاب الوطن, لكن لماذا نجد من المسلمين من يخاطب المسيحيين بطريقة إعتذارية؟!!

و لماذا نجد إصراراً من قطاعات متعددة من المسيحيين على التصرف مع المسلمين و كأنهم (الجناة المجرمين), و كأن التحقيقات أثبتت أن الجانى مسلم!!

و حتى لو أثبتت التحقيقات أن الجانى مسلم, و أنه تابع لتنظيم ما يدعى الإسلام, فهل يعنى هذا التهجم على الإسلام و المسلمين؟أو على الأقل التعامل معهم بشكل عدائى؟!

و من الجميل أن تظهر روح المحبة بين أفراد الشعب مع إختلاف الدين, و كم سعدت و أنا أرى الدماء المسلمة و هى تجرى فى الشرايين المسيحية لمصابى الحادث, و سريعاً ما تطور الأمر لتجد الكثير من المسلمين على الفيسبوك يعلقون الصلبان, ثم وجدنا دعوات لمشاركة المسيحيين فى إحتفالهم بعيد الميلاد المجيد, و النزول معهم كدروع بشرية لحماية الكنائس, و إنتهى الأمر بأن صارت الدعوة(سنصلى معاً)!!!

و لا أعتقد أنى بحاجة لأن أذكر من يقول هذا بأن الصلاة لدى المسيحيين مشابهة للدعاء عندنا, أما الصلاة عندنا فلها شأن آخر يعلمه جيداً, و الحق هو أن نسمى الأمور بمسمياتها, لا أن نستعير مصطلحات غيرنا-مهما صلحت النية-طالما أن لدينا مصطلحاتنا الخاصة.

و نمر بحادث قد مر به كل الناس تقريباً مرور الكرام.قام شيخ الأزهر فى اليوم التالى للحادث بزيارة الكاتدرائية ليعزى بابا الأقباط, فإذا بالمتظاهرين المسيحيين يرشقون سيارته بالحجارة!!!

و هنا يتبادر للبيب سؤال:ماذا لو إنعكس الوضع و كانت سيارة بابا الأقباط هى التى رُشقت بالحجارة من مسلمين غاضبين, ما رد فعل الأقباط وقتها؟

أليس شيخ الأزهر ممثلاً للأزهر الذى هو من أهم رموز الإسلاميين فى العالم الإسلامى, لا مصر وحدها؟

و الحق أن الرجل, و غيره من المسئولين الذين أصابهم نفس ما أصابه قد التزموا ضبط النفس, و آخر درجات (التسامح), فتفهموا غضب الأقباط, رغم أنه موجه فى غير جهته الصحيحة.

إن التسامح لا يعنى أن نسمى الأمور بغير مسمياتها. لا يعنى أن يخرج كل من هب و دب ليتكلم عن (التطرف الإسلامى)و يتهم المسلمين ضمناً-أو صراحةً-بأنهم وراء الحادث.

التسامح لا يعنى المبالغة فى الإعتذار عن ذنب لم نقترفه, و لا يعنى السكوت على تصرفات خرقاء من بعض المنتسبين للأقباط, الذين بدورهم يجب أن يتبرأوا من تصرفاتهم هذه.

التسامح لا يعنى السكوت على تخريب الممتلكات, و حرق السيارات, و تكسير واجهات المحلات.

من العدو الحقيقى؟

يجب أن يعى المسيحيون أن مشكلتهم ليست مع الإسلام و لا المسلمين.

إن كافة ردود الفعل الحالية تبين بوضوح أن هذه هى الفكرة التى تسيطر عليهم. فما معنى أن يجد المسلمون إعراضاً من زملائهم المسيحيين سواء فى العمل أو الدراسة؟

و ما معنى أن تشير كل أصابع الإتهام إلى المسلمين بوصفهم الجناة و المتهمين الأساسيين؟

و للأسف, فإن ما أسماه البعض(إنتفاضة الأقباط) أمام الدولة هو أمر بالغ الخطورة, لأن كل الشواهد توضح أن هذه(الإنتفاضة) ليست موجهة ضد الحكومة بصفتها حكومة فحسب.

بل بصفتها حكومة(مسلمة) (و ذلك من وجهة نظر الأقباط).

و ليس ذلك بعجيب بعد سنوات طويلة من تغذية المشاعر بحكاوى الإضطهاد, و الغزاة العرب المسلمين.....إلخ, إلى أن نشأت أجيال كاملة على الفكر الإنعزالى الذى لا يشعر بمودة حقيقية تجاه شركائه فى الوطن.

و فى النهاية من المستفيد؟ و هل يمكن أن يتحرر هذا الوطن أو يتقدم إلى الأمام يوماً ما و أبناؤه على هذا الإنقسام؟

إن العدو الحقيقى لنا كمصريين, سواء مسلمين أو مسيحيين, هو النظام المستبد الديكتاتورى, الذى يقمع الجميع, و يضطهد الجميع.

إنها إهانة للإسلام و للمسلمين أن ينظر المسيحيون إلى النظام الحاكم الحالى على أنه نظام مسلم لمجرد أن القائمين عليه يحملون أسماءً مسلمة, و يجب أن يفصل المسيحيون تماماً بين ممارسات هذا النظام و بين الدين.

إن وزارة الداخلية التى تحملونها مسئولية الفشل فى حماية كنائسكم هى نفس الوزارة التى تقمع المظاهرات, و تعتقل الشرفاء, و تعذب الأبرياء, و تشرف على تزوير الإنتخابات.

و قلنا من قبل أن الإضطهاد كان يقع من الحكام حين يحدث إنحراف عن الشرع الحنيف, فيحل محله القهر العنيف, و يعم على المسلمين و غيرهم سواء بسواء.

أما حين تسود شريعة الإسلام و تطبق, فحينها يعيش المسلمون و من سواهم فى أحسن حال.

و غنى عن الذكر أن تطبيق الشريعة لا يختزل فى تطبيق الحدود و القوانين الإسلامية فقط, فهذا إختزال مخل, فأول تطبيقات الشريعة هى حفظ العقل و الدين و النفس و النسل و المال. و تطبيق الشريعة يعنى سيادة العدل و قمع الظلم و ضمان الحرية لكل من يعيش تحت لوائها, و هذا مقدم على تطبيق أى قوانين.

فأتمنى أن يتذكر المسيحيون الصديق من العدو, و أن يفرقوا بين من يمد يده و بين من يرفع هراوته.

ماذا نفعل إذاً؟

لا أدعى أن حل المشاكل بين المسلمين و الأقباط موجود فى كبسولة سحرية فى السطور القليلة التالية, لكنى أكتب رؤوس عناوين لما أرى أنه يجب أن يكون.

إن ما يجب أن يكون- و لا نقول هذا من قبيل الإنشاء و الكلام المجرد- هو أن نفتح هذا الجرح المتقيح و نخرج كل ما به من صديد, مهما عفاته النفوس أو سبب هذا من ألم, فهذا ألم لحظى, خير من أن نظل نعانى من تبعات هذا الجرح على فترات ثم ينتهى بنا الحال إلى بتر الجزء المصاب بدلاً من علاجه.و هذا البتر هو ما سيحدث فى نهاية المطاف طالما ظللنا نتبع سياسة النعام من دفن الرؤوس فى الرمال و ترك المشاكل معلقة, و هى سياسة الحكومة الغبية التى إما تحل المسألة وقتياً بالقمع, أو تحاول إحتوائها بترك الناس تنفس عن غضبها إلى أن يملوا و تفتر عزيمتهم و يخمد الموضوع, و ينسون أن تحت الرماد وميض جمر و يوشك أن يكون له ضرامٌ يحرق البلاد و العباد و يحرقهم قبل أى أحد.

علينا أن نعترف أن عندنا مشاكل فى التعامل مع الآخر, و أننا درجنا على النفاق, فالبعض يدعى المحبة و المودة و لا يلبث أن يسخر من دين الآخر فور أن يعطيه ظهره.

فالمسلم الذى يسخر من طقوس المسيحيين إذا رأى قداس العيد مذاعاً فى التلفاز عنده مشكلة.

و المسيحى الذى إذا وجد الأذان يقطع فيلماً يتابعه فى التلفاز فيقول:ما هذا القرف؟! عنده مشكلة.

كل من يستحل أن يسب دين الآخر, عنده مشكلة.

و كل من يصنف الآخر حسب دينه قبل أن ينظر له على أنه إنسان, عنده مشكلة.

كل من ينظر للآخر نظرة كراهية و حقد لأنه مخالف له فى الدين, فعنده مشكلة.

و الأمثلة كثيرة, لكن لنحل هذه المشاكل يجب أن نفتش عن جذورها, و نعرف لم وصلنا لهذا الدرك.

قبلات الشيخ و القسيس لم تعد تجدى, فحتى هؤلاء لم يعد بمقدورهم إخفاء ما فى الصدور.

و من السهل جداً أن نوزع الأخطاء على الطرفين ليرضى كل منهما, لكننا هنا يجب أن نعترف أن لدى الطرفين كليهما قصور و أخطاء يجب أن يتم علاجها, رضوا بذلك أم أبوا.

على كل طرف بكل بساطة أن يلتزم بتعاليم دينه الأساسية, و هى التى ستقوده بالتبعية إلى حسن معاملة من يختلف معه فى الدين أو حتى فى الرأى.

و على كل طرف أن يتجنب ما يمكن أن يثير حنق الآخر و يغضبه و يمس دينه.

و مرة أخرى ألفت نظر الأقباط أن مشكلتهم ليست مع المسلمين, و لكن مع النظام المستبد الذى يقمعنا جميعاً.و إذا كان لديكم مطالب ترونها عادلة بالنسبة لكم, فليس من التعقل الإستقواء بالخارج, و لا التصريحات المستفزة لعموم المسلمين مثل وصف بعض رؤوسكم للفتح العربى بالغزو, و أن المسلمين ضيوف على أرض مصر.و لا أن تتهموا المسلمين بخطف كل إمرأة مسيحية تعتنق الإسلام, ثم فى النهاية لا تكسبون إلا حنق المسلمين عليكم, و خنوع مؤقت من الدولة الجبانة التى تخشى إغضاب أمريكا. ثم تخسرون المسلمين و لا تكسبون النظام.

كلمة أخيرة

سيخرج على من يتهمنى بالتعصب- و ربما التطرف-رغم أنى سكت ‘ن أشياء كثيرة لم يتسع لها المقال, أو ليس الآن مجال قولها.لكنى لم أفعل أكثر من تسمية الأمور بمسمياتها لأنى أكره هذه الفتنة و كل ما بها من مظاهر للتعصب و التميع و الخنوع و القهر. نحن لا نريد أن نزيد الأمور إشتعالاً و لكن نريد أن ينتهى هذا الأمر على خير و أن يعيش أبناء هذا الوطن فى أمن, و لا نسقط فى هذا المستنقع مرة أخرى.

و ختاماً أهنىء كل المصريين, مسيحيين و مسلمين, بمولد سيدنا المسيح عيسى رسول الله, عليه و على نبينا و حبيبنا و قائدنا و إمامنا و شفيعنا محمد أفضل الصلاة و السلام.

و حفظ الله هذا البلد آمناً مطمئناً, و وقاه شر الفتن, اللهم آمين.

الثلاثاء، 7 ديسمبر 2010

مع سيد قطب مرة أخرى



ربما يُعد سيد قطب-رحمه الله-واحداً من أكثر من أثاروا الجدل حولهم بعد موتهم, فنجد من يرفعه لمرتبة القداسة, و من يتهمه بالظلامية و أن كتاباته نظرت للتطرف و الإرهاب.و بين هؤلاء و هؤلاء, ظُلم الرَجل.

و لقد كتبنا سابقاً عن الرجل محاولين أن نعرض بإيجاز شديد أهم أفكاره التى دعا لها فى أهم كتبه:معالم فى الطريق, و كيف أن هذا الرجل قد أستشهد فى سبيل فكرته و إيمانه, و ما أكثر ما كُتب عن قطب و أفكاره سواء هجوماً أو دفاعاً, و لقد كان من ضمن المنتقدين لبعض أفكاره-أو على أخف وصف(المتحفظين عليها) بعض كبار أساتذتنا الذين نحبهم و نجلهم و نقدرهم, و منهم شيخنا الدكتور سويف القرضاوى, و أستاذنا المستشار طارق البشرى.

هذا بجانب ما لقيه الرجل من إنتقادات من داخل جماعته جماعة الإخوان المسلمين نفسها.إنتقادات حدت ببعض من خالفوه إلى التبرؤ منه و من أفكاره.و البعض منهم شط فوصف أفكاره بنفس الأوصاف التى إستخدمها النظام و كتبته و مخالفى الإسلاميين عموماً.

و من الجلى أن أهم ما أثار الجدل من أفكار الرجل هى فكرتى الجاهلية و الإستعلاء, فملخص فهم منتقدى و مخالفى قطب لهاتين النقطتين أنهما دعوة للإنفصال و الإنعزال عن المجتمع, الذى هو كافر بالأساس!!

و نعرض هنا على سبيل المثال لا الحصر بعض الكتابات التى عبرت عن هذا الفهم (بإعتدال):

يقول د.طارق البشرى فى كتابه(شخصيات و قضايا معاصرة):

"تبعاً لما روى فى الستينيات, أن الرئيس عبد الناصر لما قرأ كتاب المعالم, أدرك أن ثمة تنظيماً سرياً معادياً له نشأ-أو على سبيل النشوء-بموجب هذا الكتاب.

و عندما عثرت على نسخة من الكتاب قرأته و فى ذهنى السؤال عما إذا كان من الممكن إستخلاص وجود حركة سياسية تنظيمية من كتاب ثقافى يتحدث عن قضايا مجردة و لا يشير إلى النظام السياسى القائم.و حتى إن كان كاتبه ذا فكر و ماض سياسى, فإن الطابع الغالب على فكره و حركته هو أنه أديب و مفكر و ليس حركياً و لا منظماً.

تراءت لى الإجابة عن سؤالى وقتها لا فى المعانى المباشرة لعبارات الكتاب, و لكن فى التشكيل الذهنى و الوجدانى الذى يخرج به قارىء الكتاب من قراءته كله.الكتاب لا يقول لقارئه أرفض هذا النظام و خاصم هذا الحاكم و هاجم هذه الأوضاع, و لكنه ينتهى بالقارىء إلى أن هذه الجماعة ليست جماعتك, و هذه الأمة ليست أمتك.و يقول له:إنك الصواب و الكل خطأ, و أنت الثابت و الكل نابت و طارىء.و كما لو كان يقول له:إنفصل يا أخى,إبتعد, إياك أن تندمج, بل إياك حتى أن تتصل"منقول بتصرف.

و فى كتاب آخر(الحركة الإسلامية ، رؤية مستقبلية) عبر المستشار البشرى عن نفس الفكرة بقوله:

"إن سيد قطب صاحب فكر يختلف كثيرا عن فكر حسن البنا رحمهما الله … فكر حسن البنا فكر انتشار وذيوع وارتباط بالناس بعامة ، وهو فكر تجميع وتوثيق للعرى . وفكر سيد قطب فكر مجانبة ومفاصلة ، وفكر امتناع عن الآخرين . فكر البنا يزرع أرضا ، وينثر حبا ، ويسقي شجرا ، وينتشر مع الشمس والهواء . وفكر سيد قطب يحفر خندقا ، ويبني قلاعا ممتنعة عالية الأسوار".

و الحق أنى أرى بدورى أن أغلب من أساء فهم الرجل-عن حسن نية-إنما فعل هذا لأنه حكم على أفكاره بما جرى من أحداث بعد وفاته, و بما تسرب إلى أفكاره من سموم بثها النظام الحاكم.

فقد إستغل النظام موجة التطرف الدينى و العمليات الإرهابية التى بلغت أوجها بإغتيال الرئيس السابق السادات, ثم إنحسرت لتعود مرة أخرى بقوة فى أوائل التسعينات, لكى يسم الإسلاميين عموماً-و جماعة الإخوان خصوصاً-بنفس التهمة:الإرهاب, و كانت أفكار سيد قطب فى نظرهم هى مفرخة التطرف, كما أن فكرة الجهاد الإسلامى فى نظر الغرب هى الإرهاب بعينه, فالمنطق مشترك فى الحالتين.

و الحكم السليم على أى حدث تاريخى يقتضى قراءته من خلال السياق لا إنتزاعه منه, قراءته مع قراءة ماضى الحدث و خلفياته, و حاضر الحدث و المحيط به, و حين يتحول هذا الحدث لماض سيكون له دور فى تشكيل ما بعده, و سيكون هذا (البعد) بدوره ضمن السياق, طالما أن المستقبل مترتب عليه, و مرتبط به.

و الحدث الذى نعرضه فى مقالنا هو أفكار كتاب المعالم, و ماضى الحدث و خلفيته السابقة هى فهم قطب للإسلام و العقيدة, و كذلك إنخراطه فى جماعة الإخوان التى وجدها تتلاقى مع إتجاهه الإسلامى الأساسى, ثم دخوله المعتقل و التنكيل به و بإخوانه من النظام.

أما حاضر الحدث, فهو إستمرار للماضى, فهو ما زال فى السجن يتعرض هو و إخوانه لنفس الإضطهاد و التنكيل, و قد ربط أفكاره بالواقع المحيط, فخلص إلى النتائج التى سطرها, عرض المشاكل كلها, ثم رسم الحلول التى يراها, و إنتهى إلى ما سماه:الطريق.

و من الظلم بنظرى أن يحملنا الظن أن كتاب المعالم كان من نبه ناصر لفكرة وجود تنظيم, و الكتب التى تروى تاريخ تلك المرحلة و تاريخ التعذيب فى سجون ناصر توضح بجلاء كيفية إكتشاف التنظيم و نشأته و طبيعته من الأساس.

و من الظلم أن نحمل قطب ذنوب أناس لم يفهموا كلامه أو لم يقرأوه من الأساس, و إعتزلوا العالم كله و فجروا و قتلوا و إستباحوا الدماء, و لم يقل فرد منهم أنه يتبع فكر الرجل أصلاً.و نحن نعلم أن التعذيب الفاجر الذى كان يُمارس فى السجون فى تلك المرحلة هو من أفرخ التطرف, لا أفكار الرجل.

و قد يظن ظان أن السجن قد أثر على أفكاره بالسلب فزادها إنعزالية و رفضاً للمجتمع, فى حين أن الرجل لم يكن و لن يكون آخر من يدخل السجن, فقد سبقه إبن حنبل و إبن تيمية و إبن القيم و غيرهم كثير, و كتب العديد منهم كثير من إنتاجهم الفكرى بالسجن, و لم يتهمهم أحد بهذه التهمة.

إن الجاهلية التى وصفها هى الإنحراف عن الحق, و هو الواقع الذى نعيشه بكل بساطة, أما الإستعلاء فهو إستعلاء المؤمن بإيمانه عن كل ما حوله.إنه الإستعلاء الذى ورد فى قوله تعالى ))و لا تهنوا و لا تحزنوا و أنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين((.و لو قرأت كلام الرجل ما وجدت فيه وصفاً لأفراد المجتمع بالكفر البواح, و لا دعوةً للقارىء بأن يعتزل المجتمع و ينفصل عنه.

إن منهج الرجل لم يتعد عرض المرض و تشخيصه, و تحديد سبل علاجه, و أبرز هذه الأمراض هى الجاهلية التى يعيش فيها المجتمع, و ليس معنى الجاهلية أننا نعيش بين أبى جهل و أبى لهب, و إنما نعيش بين حسن و محمود و لكنهم فى غفلة و على قلوبهم ران.

و كما قلنا سابقاً, يبدو أن عيبه هو أنه كان يسمى الأمور بمسمياتها, فكانت الحقائق التى رآها و عرضها ثقيلة على الأسماع, صادمة للكثير, رغم أن منهج الرجل لم يتعد أن يميز بين الأبيض و الأسود.

إلى هنا إنتهى الرجل و لا نزيد عن هذا,و لقد قرأت مقالاً جيد العرض للأخ إبراهيم الهضيبى عنوانه:الفرق بين البنا و قطب كالفرق بين السلم و الحرب, و أختلف مع هذا المقال, أتعلم لماذا يا أخى؟

لأن الفرق بينهما-بخلاف الأسلوب-لم يكن أكثر من أن البنا كان حركياً أكثر منه منظراً, و كانت ظروف عصره تسمح له بهذا, و إستطاع أن يجمع بين الإثنين بقوة و سلاسة, و مات و قد دخلت دعوته كل قرية بمصر.

أما قطب فقد كان منظراً بالأساس, و لم تكن ظروف عصره تسمح له بأكثر من هذا, و لم تكن قدراته تسمح له بأكثر من هذا أيضاً, لم يكن له كاريزما البنا و لا قيادته, لكن كان لديه عقله و إيمانه, و أفكاره التى أراد أن ينير بها أبصار إخوانه.

كان البنا إستكمالاً لمدرسة الأفغانى و محمد عبده و رشيد رضا, لكنه كان التلميذ النجيب لكل هؤلاء و تفوق عليهم بالكيان الذى أسسه, و كان التلميذ النجيب له-و ياللمفارقة-الخمينى قائد الثورة الإيرانية.

أما قطب, فلم يشذ عن هذه المدرسة من حيث الروح, و إنما تميز عليهم فى طريقة العرض و نحت المصطلحات, و لكنه لم يكن له تلامذة نجباء, أو أن أصحابه لم يقوموا به كالليث.

ثم نجد مصطلحاً و لقباً جديداً و هو لقب:القطبيين.أطلقه مخالفو قطب على مؤيدى فكره كما أُطلق لقب(وهابى)على أتباع الإمام محمد بن عبد الوهاب, و الرجلان كلاهما لم يأتيا ببدعٍ من الدين, أو يؤسسا لفرق جديدة خارجة عن صحيح الإسلام حتى يتم تمييزهم و تمييز أتباعهم و مؤيديهم بسمة محددة.

إن إحترامى لفكر الرجل و إشادتى به لا يستدعى أن يصفنى أحد بأنى (قطبى), فأنا لست إلا رجلاً مسلماً, و كذلك كان قطب, و لم يفعل الرجل إلا أن عرض رؤية-أزعم أنها ليست خاطئة-للإسلام و للمجتمع و لما ينبغى و ما لا ينبغى أن يكون.

إن الجدل حول شخص الرجل لن ينتهى, فالمعلومات التى يعرضها مناصروه و مخالفوه قد تتقاطع أحياناً و تتناقض أحايين أخرى, فالأخ الهضيبى يعرض عدة أمثلة لرفض قطاعات من الجماعة و قياداتها وصولاً إلى المرشد حسن الهضيبى –رحمه الله-لأفكار قطب, فى حين نجد الأستاذ أحمد عبد المجيد فى كتابه(الإخوان و عبد الناصر:القصة الكاملة لتنظيم 1965)يذكر لنا أن الهضيبى وصف الكتاب بأنه:كتاب عظيم, و أوصى الإخوان بقراءته.و فى موضع آخر يقول:ما قاله صاحب الظلال هو الحق الذى لا شك فيه!!.و فى نفس الصفحة(ص87) يذكر آراء الحاجة زينب الغزالى و الشيخ عمر التلمسانى بنفس الروح الإيجابية.

و لهذا فإنى لا أهدف من هذا المقال إلى مزيد من الجدل حول شخص الرجل الذى أفضى إلى ربه, و إنما نناقش الفكرة المجردة, و أيضاً لأنه يعز علينا أن يظلم الرجل و فكرته بعد أن آمن بها حتى أستشهد فى سبيلها.و يعز علينا أن تكون الآراء السلبية التى كتبت عنه دافعاً للشباب المسلم على العزوف عن قراءة آرائه.

أدعوكم لقراءة كتاب المعالم بدون التأثر بأى أفكار سابقة, و لعل هذه القراءة تصحح المفاهيم المبتسرة الخاطئة حول الكاتب و كتابه, و من المثير أن نعرض فى الختام هذه الفقرة من كتاب الحركة السياسية في مصر 1945:1953 للمستشار طارق البشرى:

" لقد قيل ان سيد قطب في " معالم في الطريق" بلغ قمة الرجعية لأنه حكم على مجتمعنا كله بالجاهلية. ولكن فهم " معالم في الطريق" في إطار منطق الدعوة الإسلامية، يكشف أن سيد قطب لم يغل في الرجعية، بل غلا في المقاومة، لأنه بذل مجهوده في إيضاح كيفية اعداد كتيبة الصدام للعودة الى للإسلام. وأبان في "لا اله الا الله" معنى الإنخلاع عن المجتمع الحاضر بكل رموزه وقيمه ومؤسساته. واذا كانت "الجاهلية" هي نظام ما قبل الإسلام ، فإن سيد قطب عندما وصم المجتمع الحاضر بالجاهلية، يكون في تصوره قد نقل الدعوة ونظام الإسلام المدعو له من الوراء الى الأمام، من الماضي الى المستقبل، أي جعل الإسلام مستقبليًا دعوة ونظامًا. "