السبت، 2 أكتوبر، 2010

عاشوا فى خيالى-5-سيد قطب:عندما تستشهد فى سبيل الكلمة


((من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ، ومنهم من ينتظر ، وما بدلوا تبديلا))

تلا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- هذه الآية أمام الصحابة الكرام ، ثم أشار الى طلحة قائلا :( من سره أن ينظر الى رجل يمشي على الأرض ، وقد قضى نحبه ، فلينظر الى طلحة بن عبيد الله).

لعلى لا أكون مبالغاً إذ ا قلت أن الشهيد سيد قطب كان ممن قضى نحبه و هو حى يمشى على الأرض, ثم لا أكون مبالغاً أيضاً عندما أقول إنه لم يمت, فقد وهب روحه لقاء أفكاره و مبادئه و عقيدته, فكان جزاء لها الخلود.

ربما يكون سيد قطب أحد أكثر الشخصيات التى أثارت الجدل حولها حياً و ميتاً, فمن محبيه و مريديه من يتكلم عنه كأنه قديس, و من مبغضيه و مخالفيه من يصوره لك كأنه ظلامى متعصب ضيق الأفق, و أنه رائد فقه التكفير و الأب الروحى لجماعات العنف المسلحة!!

و الحق أنه ليس بهذا و لا بذاك, إنه بشر, إنسان, رجلٌ آمن بفكرة, لكنه عاش من أجل هذه الفكرة, و مات فى سبيلها.و رجل كهذا يستحق إحترام أعدائه قبل أصدقائه.

و هذا الإيمان هو مربط الفرس, فالإيمان ليس كلمة((قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا و لكن قولوا أسلمنا و لما يدخل الإيمان فى قلوبكم)).

إن الإيمان روح كاملة تسرى فى نفس المؤمن, و عندما يتعلق المؤمن الحق بالفكرة فإنها تملأ قلبه و كل روحه و مشاعره حتى تكاد تخرج من أنامله, فينقلها للناس بمجرد أن يصافحهم, لأنها صارت ديدنه و طريقة حياته و أسلوب تفكيره.

إن الإيمان الحق ليس مجرد كلمة, و مقياسه هو أن تسأل نفسك: إلى أى مدى أنت مستعد للذهاب دفاعاً عن فكرتك, و مبدأك, و إيمانك؟

أزعم أن قطب قد أجاب عن هذا السؤال بدمه و روحه, فنجح فيه بإمتياز, فماذا لدى المرء يفعله بعد أن يجود بنفسه؟!

و الرجل مع هذا قد ظُلِم من أصدقائه قبل أعدائه, و لا أجد سبباً يدعو من ينتمى للمعسكر الإسلامى فى أن يشارك فى وسم الرجل بتهمة التكفير و أنه فتح الطريق للغلو, و لو كان لأحد ممن نهج نهج التكفير أن يدعى أنه قد سار فى هذا الطريق تأثراً بأفكار قطب, فإنه يكون قد ظلم الرجل مرتين, مرة لأنه لم يفهم كلامه, و مرة لأنه ألصق بالرجل تهمة هو برىء منها.و فى الأسطر القادمة سأعرض بإيجاز شديد أهم أفكار الرجل التى عرضها فى مزيج ليس له نظير من العمق و السلاسة فى أحد أهم كتبه:معالم فى الطريق.

الجاهلية
لقد إستفاض قطب فى الحديث عن الجاهلية.و الجاهلية التى يتكلم عنها بكل بساطة هى الإنحراف عن الحق, وليس معنى وصف أى مجتمع بأنه جاهلى أن يكون أعضاء هذا المجتمع مثل كفار قريش مثلاً! و يبدو أن ذنب الرجل الوحيد أنه لم يكن متميعاً, و أنه كان يسمى الأمور بمسمياتها و لا يقبل الحلول الوسط, و كل ما قرأته للرجل من أفكار يتماشى مع وجهة نظرى و قناعاتى الشخصية فى أمور عدة, إنه وجه صريح و شجاع للفكر الإسلامى و الحركة الإسلامية, و يكفيه فخراً و شرفاً أنه قد مات تطبيقاً لكلامه و أفكاره و لم يكن منظراً جالساً فى برج عاجى متعالياً على غيره, و شتان بين التعالى و الإستعلاء.

الإستعلاء

و الإستعلاء يمثل أحد الأفكار الهامة التى نظر لها قطب, إنه إستعلاء الإيمان, قال تعالى ((و لا تهنوا و لا تحزنوا و أنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين)).

المؤمن هو الأعلى بإيمانه, هو الأعلى بعقيدته, هو الأعلى بعلمه, هو الأعلى بثباته على الحق إزاء أنواء الفتن, هو الأعلى بمعيته مع الله نعم المولى و نعم النصير.

إن الإستعلاء كما يقول قطب (يمثل الحالة الدائمة التي ينبغي أن يكون عليها شعور المؤمن وتصوره وتقديره للأشياء والأحداث والقيم والأشخاص سواء) .

الحاكمية

و يذكرنا قطب بالمعنى الحقيقى لكلمة(لا إله إلا الله). إن ترديدها ليس من قبيل الذكر فقط, إن الإيمان ب(لا إله إلا الله) يعنى أن تؤمن أن الأمر كله, و الحكم كله لله ((إن الحكم إلا لله)).

إن (لا إله إلا الله)منهج حياة كامل, و على قدر إمتثال المؤمن لأمر الله, و حكم الله, يكون تحقيقه لهذه الكلمة العظيمة, و كم من كلمات نرددها بألسنتنا و لما تؤمن بها قلوبنا.

تفرد الحضارة الإسلامية

و قد آمن قطب بتفرد الحضارة الإسلامية, و آمن بتفوقها على من سواها, فحضارة الإسلام مشدودة للسماء بألف سبب, و ليست كالحضارات التى قامت على أفكار وضعية زائلة, تشد الإنسان للأرض, و تزيده حيوانية فوق حيوانية, و جاهلية بعد جاهلية.

إن للمسلم أن يقبل من حضارات الغرب و الشرق ما يشاء من علوم الدنيا, لكن ليس له أن يقبل منهم تفسيرات لعقيدته, أو توضيحات لشريعته, فهذا هو التخريب بعينه, و الصراع بين الحضارات إنما هو صراع حول العقيدة, حول ما يؤمن به كل جانب, و لما كان هناك جانب مشدود إلى السماء و جانب مشدود إلى الأرض, فكان لابد لهذا الصراع أن يوجد.

منهج الحل الإسلامى

و لما كان المؤمن محكماً لله فى كل شأنه, و مستعلياً عن الجاهلية و أدرانها, و مؤمناً بتفرد حضارته الإسلامية و تفوقها, وجب عليه أن ينتهج الحل الإسلامى فى حل مشاكله, و الرد على خصومه.

إن أعداءنا يريدون أن يملوا علينا شروطهم, و أن نلعب اللعبة حسب قواعدهم هم, و لكن المؤمن ليس تبعاً لأحد, إنه تبعٌ لله وحده.

و ليست وظيفة الإسلام و المسلمين أن يتعايشوا تبعاً لمصطلحات و مفردات غيرهم, و لا أن يلزموا دائماً جانب الدفاع للرد على مخالفيهم و نفى إتهاماتهم.

و أسوأ ما يمكن أن يفعله المسلم هو أن يكون متميعاً يقبل بأنصاف الحلول, و لو إدعى أن هذا من قبيل التدرج فقد أساء فهم التدرج, و ليس هذا هو منهج الحل الإسلامى, فالإسلام يسمى الأمور بمسمياتها:هذا جد و هذا هزل, هذا صواب و هذا خطأ, و هذا إيمان و هذا كفر.و فى النهاية ((فمن شاء فليؤمن و من شاء فليكفر)) ((و لكم دينكم و لى دين)).

الطريق

إن الطريق الذى عرضه الرجل ليس بالسهل, إنه طريق أصحاب الأخدود, هؤلاء الذين ثبتوا على دينهم فعذبوا و ماتوا, صحيح أنهم قد ماتت أجسادهم لكن الفكرة ظلت حية.

إنه الطريق الذى سار فيه كل مصلح و مؤمن, كل من ثبت على الحق و صبر على الأذى, طريق آل ياسر, طريق بلال و خباب, طريق أبو حنيفة و مالك و إبن حنبل, و طريق سيد قطب نفسه.

لقد سطر الرجل أفكاره و مبادئه, و كان صادقاً مع نفسه و مع الله, فكان كما كتب, و إن الأجساد تموت و لا تموت الأفكار, فإلى أى مدى نحن مستعدون للمضى فى سبيل أفكارنا و مبادئنا إن عددنا أنفسنا من أصحاب الأفكار و المبادىء؟ أم أنها مجرد سجعات لفظية, و طنطنة كلامية, و سفسطة و تنظير ليس له نظير؟

نتكلم عن إنقاذ الوطن, و تحرير فلسطين, و دعم المسلمين المستضعفين, فهل نحن على إستعداد لتحمل مضايقات الأمن, و المشاركة فى المظاهرات و الإعتصامات, و التعرض لخطر الإعتقال؟

هل نحن على إستعداد لتحمل الترويع, و التجويع, و السجن, و التشريد؟

هل نحن على إستعداد لبذل الروح و الدم؟

هل نحن بإختصار على إستعداد: للجهاد, و الإستشهاد؟

هذه أسئلة أسألها لنفسى قبل أن أسألها لكم, و على كل منا أن يراجع نفسه بصدق, أما الرجل فقد أجاب و أزعم أنه قد أحسن الإجابة, فليجزه الله خيراً عما بذله, و عن كل ما كتبه.

اللهم إستخدمنا و لا تستبدلنا, و إجعل أعمالنا كلها خالصة لوجهك الكريم, و إجعلنا صادقين مع أنفسنا, و معك قبل كل شىء يا الله.


هناك تعليق واحد:

غير معرف يقول...

بارك الله فيك مقال جد رائع ارجو ان تنشرة في كثير من المواقع حتى يعرف العالم من هو سيد :)) الله يرحمه ويجمعنا به في الفردوس الاعلى يارب