
من فترة طويلة و أنا أريد أن أكتب عن هذا المعنى الهام الذى أصبحنا نفتقده بشكل كبير بين شبابنا فى الوقت الحاضر
عن الإنتماء أتحدث
و لعل الكثير منكم قد طالع مقال الصحافى الشهير الأستاذ مجدى الجلاد بعنوان:قضية أمن قومى
فى هذا المقال, قص علينا كاتبه قصة جلوسه مع 3 شباب خريجين, قصوا عليه واقعهم الأليم الممزق بين البطالة و العمل بوظائف لا تتناسب مع مؤهلاتهم و فى الوقت ذاته لا يجدون من وراءها ما يحفظ كرامتهم أو يسد رمقهم.
و كانت الشىء المحزن هو هذا السؤال الذى طرحه أحدهم: إذا هاجمتنا إسرائيل و إحتلت سيناء مرة أخرى,هل ستذهبون للقتال؟
فكانت الإجابة من الشابين الآخرين بالنفى!!
و ملخص أسباب الأول: أن المرء يدافع عن أرض وطن يشعر دائماً أنه وطنه.. أرض يؤمن من الداخل أنها أرضه.. بلد يمنحه الدفء والأمن والأمان.. حكومة تحقق العدالة وتكافؤ الفرص بين الجميع .
و قال الثانى:عايز أسألك: إزاي الواحد منا يخاف علي وطن يأكل أبناءه.. وطن خطفه ١٠٠ شخص، وأصبحوا يمتلكون ثرواته، فكيف نحارب نحن لتحرير أرضه، بينما الوطن وطنهم والأرض أرضهم.. ليذهبوا هم للدفاع عن الأرض، وليتركونا نحن في العيشة الهباب.
و هنا قد ينقسم الناس الى فريقين, فريق يؤيد كلام الشابين على طول الخط, بل و يزيد عليه و يقص علينا من وقائع الفساد و طبائع الإستبداد ما يجعل الدنيا كلها ظلاماً فى أعيننا, و خلاصة رأى هذا الفريق أنه:ليس هناك من فائدة, فلنترك هذا البلد و نرحل!!!
أما الفريق الثانى, فسيسارع إلى إبداء الإندهاش الشديد من الرأى الأول, و ربما سيتهم هؤلاء الشباب-بل و الجيل بأكمله-بضعف الإنتماء, إتهام سريع دون مراعاة الأسباب التى أدت لهذا البلاء, و بعض أفراد هذا الفريق يكون رد فعلهم على الجهة الأخرى تماماً من الفريق الأول, فيسعى إلى تجميل الصورة و يتحدث كأن كل شىء تمام و الحياة لونها(بمبى), و أن الشباب كسول و متعجل و غير صبور....الخ.
و طبيعى أن يكون رد الفعل هذا مصحوباً برد فعل مقابل أكثر تطرفاً من الفريق الأول, فتخيل أنك فى قمة غضبك و سخطك لم تجد من يسعى لإمتصاص هذا الغضب و مناقشة الأمور بعقلانية, بل على العكس تجد من يهاجمك و يتهمك بأنك أنت السبب؟!!و هكذا ندخل فى دوامة لا آخر لها.
و لذا أعلن أنى لست مع الطرف الأول و لا الطرف الثانى على الإطلاق, و إذا جاز لى ذلك فإنى فى منزلة بين المنزلتين.
و طبيعى و أنا أنتمى لهذا الجيل من الشباب أن أكون متفهماً لوجهة نظرهم مهما اختلفت معها, و لأن الوضع لم يعد يقتصر على الشباب فقط, بل إننا نسمع هذه النغمة من شرائح عمرية مختلفة بدءاً من الأطفال!!وصولاً إلى كبار السن.
لأن الوضع صار هكذا, فعندها يجب أن نسأل أنفسنا سؤالاً مهماً:
كيف أستطيع أن أغرس الإنتماء فى قلب شاب, و هو لا يجد عملاً محترماً يستطيع به أن يصرف على نفسه, بله أن يفتح بيتاً؟
كيف أستطيع أن أتكلم مع شاب عن حب الوطن و هو لم يجد من الوطن نفسه حباً متبادلاً؟
كيف أستطيع أن أتكلم مع شاب عن مصر, و هو لا يعرف من هى مصر أساساً؟
نعم,ألا تدركون أن هذا قد يكون أحد جوانب المشكلة, أننا لا نعرف ما هى مصر, و لا قيمة مصر؟
لا تتعجبوا, فمصر التى نعيش فيها ليست هى مصر التى كانت و التى يجب أن تكون.
مصر ليست الفساد, مصر ليست الزحام و التلوث, مصر ليست البطالة, و مصر ليست القذارة.
مصر ليست الفقر, مصر ليست الجهل, مصر ليست الهزيمة, مصر ليست اليأس و الاحباط.
مصر ليست العبارة, مصر ليست أجريوم, مصر ليست هايدلينا, و مصر ليست بنك القاهرة.
إذا أردت أن أعدد صور الفساد و الخزى فى عصرنا هذا سأملأ سطوراً كثيرة, لكن ليس هذا هو ما أريد.
أريد أن نعى جيداً ما هى مصر
و إذا لمسنا حقيقة الوطن العظيم الذى ننتمى اليه, و إذا عرفنا قيمته, ربما ساعتها سنشعر بالإنتماء اليه, بالرغم من كل الظروف و السلبيات الموجودة.
ليس دور هذا المقال أن يسرد جوانب العظمة فى مصر و تاريخها
لكنى أريد أن أناقش معكم فكرة معينة
إننا كمسلمين نرى بوضوح مدى المهانة و الهوان التى وصل اليها حالنا, فالأمم قد تكالبت علينا, و بلادنا ترزح تحت دكتاتوريات لا ترقب فينا إلاً و لا ذمة, و بلادنا ما زالت أسيرة لقوى الاستعمار الغربى, بعضها بالأسلوب الكلاسيكى للإستعمار كما هو حادث فى أفغانستان و العراق, و البقية أسيرة للاستعمار الإقتصادى و الغزو الثقافى.
و السؤال هنا: فى ظل كل هذا الهوان والضعف, هل يكون الحل هو أن نترك الإسلام؟!!
هل يجوز ألا نشعر بالإنتماء لهذا الدين العظيم, و نفكر بدلاً من ذلك فى أديان و مذاهب الأمم الأخرى المتغلبة علينا؟
بالطبع لا, و بالقطع ألف لا.
العيب ليس فى هذا الدين, و لكن العيب فى الكثير من المنتمين اليه.
و ما وصل حالنا لهذا الا لأننا ابتغينا العزة فى غير ديننا,فأذلنا الله, و حدنا عن طريق النور, فكان من الطبيعى أن نتخبط فى الظلمات.
لكن مع كل هذا, فإن بوادر الصحوة التى بدأت من سنوات, و التى تتسع أفقياً رغم الضغوط الداخلية و الخارجية, تعطى الأمل, بل الكثير من الأمل, و تجعلنا نوقن أن المستقبل لهذا الدين.
نعود لموضوعنا, الإنتماء لمصر
و اسمحوا لى أن أقيس على المبدأ السابق, و خلاصة قولى هنا هى أن العيب ليس فى هذا البلد, العيب ليس فى مصر, و لكن فى بعض المحسوبين على هذا الوطن, و هو منهم براء.
إننا نشعر بالكثير من السخط على هؤلاء الذين اختطفوا الوطن منا, و سرقوا ثرواتنا, و بددوا أموالنا, و باعوا أرضنا.
لكننا لضعفنا-أو بالأحرى لأننا نظن أننا ضعفاء-و نرى أننا غير قادرين على هؤلاء, فإننا نختزل الوطن فيهم, و نصب جام غضبنا عليه.
لكن مصر العظيمة أكبر و أعظم من أن تختزل فى صورة شخص أو عصابة.
مصر هى الوطن الذى ولدنا فيه, و ولد فيه آباؤنا, شئنا أم أبينا.
مصر هى الأرض التى حملت لواء الدفاع عن الاسلام فى عصور مختلفه, و كان لأبنائها شرف الانتصار على الصليبيين و التتار فى غير موقعة, حفظوا بها الاسلام و دياره.
مصر هى البلد الذى أنقذ الشرق الأوسط من المجاعة فى زمن يوسف عليه السلام, و أنقذ الجزيرة العربية فى عام الرمادة.
مصر هى البلد التى كان لها شرف كسوة الكعبة المشرفة كل عام.
مصر هى بلد الأزهر الذى حفظ الإسلام بعلمائه, و الذى خرج أشهر المقرئين, حتى قيل إن القرآن نزل فى مكة, و تلى فى مصر.
مصر هى البلد الذى احتضن الآلاف عبر العصور, و وجدوا فيه الأمن و الأمان.
أعلم جيداً أن هذا التاريخ المجيد لن يوفر شقة لشاب يريد الزواج, أو يوجد فرصة عمل لعاطل.
لكن الذى أدعو اليه, ألا تجعلنا الظروف السيئة نكره بلدنا, نكره مصر و نتبرأ من الانتماء اليها.
و لو كانت الظروف السيئة مبرراً لكى يتخلى الإنسان عن وطنه و يبغضه, لكان لرسول الله صلى الله عليه و سلم و أصحابه كل الحق فى أن يكرهوا مكة.
نعم, لقد ذاقوا فيها صنوف العذاب و الاضطهاد و الإهانة, و حاول المشركون قتل رسول الله, و مع هذا فإنه فى أول طريق الهجرة نظر اليها و قال أنها أحب البلاد اليه, و لولا أن أهلها أخرجوه منها ما خرج.
و كم من أمة مرت بظروف سيئة و صعبة, فما كانت النتيجة أن تخلى أبناء هذه الأمم عن أوطانهم أو تبرأوا منها, و ليس هناك من داع أن أتكلم عن تواريخ أمم أخرى, فتاريخنا نفسه شاهد على هذا.
عصر الانحطاط الذى نعيش فيه ليس بأول عصر تمر به مصر, الأمم عموماً تمر بدورات من الازدهار و الانحطاط, انه منحنى طبيعى يمكن تطبيقه على كل شىء, بما فيه الإنسان نفسه, و الأمم بدورها تشهد أيام عز تكون فيها فى القمة, و أدوار إنحطاط تكون فيها فى القاع.
لكن عندما تصل الأمة لأدنى مستوياتها, يبرز نفر من الناس, تملأ نفوسهم الرغبة فى التغيير, و كلهم إيمان و تفاؤل و ثقة بأن دوام الحال من المحال,فتلك سنة الحياة.
هؤلاء النفر المصلحون يعملون على الصعود بالمنحنى الى أعلى, يعملون على إعادة تصحيح الأوضاع, و النهوض بالأمة و إعادتها الى دورها الطبيعى.
فى عصر الفراعنة دخلنا فى دور إنحطاط إنتهى بغزو الهكسوس لبلادنا, حتى حرر أحمس البلاد منهم.
و فى عهد الدولة الإسلامية, إحتل الصليبيون أجزاء من أرضنا, فكان لصلاح الدين شرف إعادة بيت المقدس لنا.
ثم جاء عصر انحطاط آخر غزا فيه التتار بلادنا, حتى قيض الله لهم قطز و بيبرس.
و جاء عصر إنحطاط إنتهى بدولة حديثة أسسها محمد على باشا.
و الأمثلة كثيرة جداً, لأنها دورات من قبيل الحتمية التاريخية, و لو خلت الأمم من النفر المصلحين المجددين, لماتت تلك الأمم و انقرضت الى الأبد.
هذا ما يريده أعداؤنا لمصر, فهل نحقق لهم ما يريدون؟
إننا إذ ندافع عن مصر, فإننا ندافع عن أرضنا, عن أهلنا, عن أنفسنا, و عن أبنائنا, و لسنا ندافع عن نفر من المنتفعين و الفاسدين.
إننا ندافع عن بعض القيم الجميلة الموجودة فى شعبنا, ندافع عن الشهامة و الرجولة و الجدعنة, حتى لو كانت هذه القيم فى إنحسار فإنها لم تنقرض و لن تنقرض بإذن الله.
و واجب على كل من يحمل فى قلبه ذرة من التفاؤل و الأمل, أن يبث روح الأمل فى قلوب اليائسين, و ألا يستسلم لدعاوى اليأس و الإحباط و الإنهزامية, و أن يدرك مدى المسئولية الملقاة على عاتقه, لأنه لو استسلم هو للإحباط و تركك نفسه يقع فى براثن اليأس, فمن سيقف فى وجه هذا الطوفان, و ينتشل الشباب من بحار الإحباط؟
ربما سيعتبر الكثير هذا الكلام من قبيل الخطابة و الإنشاء, و أنه غير واقعى, لذا ألخص النتيجة التى أريد أن نصل اليها هنا:
نعم نحن فى عصر نمر فيه بظروف غاية فى السوء, و الذى لا يرى هذا فهو أعمى, و لا عجب أن يسعى الكثير من الشباب الى السفر لتحسين الحالة الإقتصادية, و أنا نفسى أحد هؤلاء, لكن ليس معنى كل هذا أن نكره وطننا, و أن نختزل كل الظروف السيئة و كل الفاسدين و المفسدين فى صورة الوطن, مصر أعظم من أن تختزل فى أى صورة, فلنعرف قيمة مصر جيداً, أعداؤنا عرفوا قيمتها فحاولوا غزوها عبر العصور و ما زالوا يضربونها بمعاولهم ليخربوها, فلا نكن عوناً لهم و نتركها لهم لقمة سائغة.
يمكن الشعر يكون له أثر أحسن من الكلام الناشف