الاثنين، 30 نوفمبر، 2009

إمرأةٌ مطلقة

بعيداً عن حرب داحس و الغبراء الدائرة بين الإعلام الرسمى فى كل من مصر و الجزائر, أقص عليكم هذا الموقف الإنسانى الذى حدث أمامى قدراً, لعلنا نشعر أن فى مجتمعنا من لا يزال يتصرف بنوع من الرقى الذى يجب أن يكون الأساس فى المجتمع المسلم.
بدايةً أعود الى الوراء قرابة العشر سنوات, كنت أرى هذه الزوجة الشابة تأتى الى متجرنا-و لنسميها الزوجة (أ)- كانت تأتى الى متجرنا مع ابنتها الصغيرة (نور) ذات الأعوام الثلاثة لتشترى ما تحتاجه, و كانت تقطن مع زوجها فى نفس العمارة التى يقع بها المتجر, كان يبدو عليها البساطة و الأناقة و الهدوء, و كانت تعمل مدرسة بإحدى مدارس اللغات العريقة.
لم يدم الاستقرار طويلاً فى بيتها, فطلقت من زوجها الشاب, و انتقلت مع نور لتعيش فى بيت والدتها, و بعد فترة ليست بالطويلة تزوج الرجل من سيدة فاضلة أخرى و لنسمها الزوجة (ب), و أنجبت منه طفلاً جميلاً اسمه ياسين.
ظلت (أ) على علاقتها بنا, كانت تأتى كل فترة مع نور لتشترى حاجياتها من عندنا و خصوصاً عند اقتراب بداية العام الدراسى, و كذلك كنا نرى نور تأتى كل فترة لتزور والدها, و أحياناً تأخذ أخاها الأصغر ياسين لتشترى له بعض الحلوى من عندنا.
منذ شهر تقريباً جاءت (أ) مع نور لتشترى لها بعض حاجياتها, و بينما هم عندنا دخلت (ب) مع ياسين, و كان اللقاء, فماذا حدث؟
تهلل وجه كل منهما لرؤية الأخرى, و تعانقتا و سلمت كل على الأخرى بحرارة و كل منهما تسأل الأخرى عن أحوالها, و قبلت (أ) ياسين كما قبلت (ب) نور, و قبل أن تغادر (أ) المكان اتفقت مع (ب) على ضرورة أن تلتقيا قريباً لتخرجا سوياً !!!
شاهدت الموقف و بداخلى شعور من الإعجاب و الإنبساط ممتزج ببعض الدهشة, ثم بدأت أفكر فى أسباب هذه الدهشة, هل هذا الموقف أعجوبة من الأعاجيب؟ هل يجب أن يكون الأساس فى العلاقة فى مثل هذه الأوضاع البغض و الكراهية و الحقد و الحسد؟ لماذا اعتدنا على هذه الصورة السلبية فى مجتمعنا المسلم (و لا أقول الإسلامى, و أعتقد أن الفرق واضح).
عاد أبى الى بثغر باسم, سألنى عن رأيى فيما حدث أمامنا, عبرت له عن إعجابى بوجود أناس يتصرفون بهذا الرقى, أخبرنى بأن (ب) قد أتته يوماً و سألته عن (أ), و قالت له أنها تحب أن تكون العلاقة بينهما طبيعية لكون نور أخت ياسين, لكنها تخشى أن تُقابل بالصدود و الجفاء و أن تكون قد اتخذت منها موقفاً سلبياً, أزال أبى عنها هذه المخاوف لسابق معرفته بأخلاق(أ) و تفكيرها, و شجع (ب) التى اتصلت ب(أ), و أهدتها هدية فى عيد ميلادها, و تبودلت الهدايا و الخروجات و تحولت العلاقة الى ما يشبه الصداقة. :)
و إن كان للوالد دور فى دعم هذه العلاقة و التقريب بينهما, فلم تكن العلاقة لتنجح لولا وجود الإستعداد و النضج و الرقى لدى الزوجتين, و فى الوقت نفسه أعود لأتساءل: لم نر هذه المشاهد فقط فى الأفلام الأجنبية, بينما يبرز اعلامنا الصورة النمطية فى مجتمعنا, دون أن يسعى لعرض ما يجب أن يكون؟ لماذا يكون المعتاد ألا يقع الطلاق-إن وقع-بالحسنى, و أن يكون أساس المشاعر بعد الإنفصال هو الجفاء و الحقد و الكراهية و الحسد؟
رجل و امرأة تحابا فتزوجا, أو تزوجا زواجاً تقليدياً, أو اياً كان, المهم أنهما ارتبطا بالميثاق الغليظ, ثم لم يوفقا لأى سبب من الأسباب, أين الإمساك بالمعروف أو التسريح بالإحسان؟ و إن ضاقت الدنيا, أليس من المنطقى إن وصلا لطريق مسدود و استنفذا كل السبل لإصلاح ذات البين, أليس من المنطقى ساعتها أن يتفرقا فيغن الله كلا من سعته, و أن يكون فراقهما هذا بالحسنى؟
و إذا تزوج الرجل من أخرى, أو تزوجت المرأة من آخر, و أنجب هذا و أنجبت هذه, فلم قد تنظر المرأة الى زوجة مطلقها و أولاده نظرة البغض و الحسد؟ و يفعل الرجل مثل هذا, ألم تطلقها لأنك لم تعد تستطيع العيش معها, فما بالك و بالها و قد ذهب كل منكما فى طريق, و ما ذنب الزوج الجديد أو الأبناء الجدد؟ هل تغار على مطلقتك؟ أويغار المرء على أحد لا يحبه؟ أم أنها رغبة فقط للتملك و الاستحواذ حتى لو لم تعد من حقك؟
إن ما نتكلم عنه ليس بالمعجزة, و لن تجد النموذج الطيب الذى عرضناه يحدث فقط بين من ينتمون للطبقة الراقية, لأن هذا المصطلح مضلل لدرجة كبيرة, فهو يُعمَم على من يعيشون فى بحبوحة من العيش و يعملون بأفضل الوظائف و يرتاد أبناؤهم أحسن المدارس, لكن الرقى ليس بالمال و بالتعليم فقط, بل هو بالدين و الأخلاق قبل أى شىء, فكثيراً ما ترى من الفقراء يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف, لأن الغنى غنى النفس, و تجدهم على درجة عالية من الرقى و الوعى و الاحترام و الأخلاق, حتى لو لم ينل نصيباً كبيراً من التعليم, بينما تجد أساتذة فى الجامعة لا يتصرفون بربع رقى هؤلاء, رغم أنهم (صفوة) عقول المجتمع بمعاييرنا القاصرة.
إنه الدين و الخلق يا سادة قبل أى شىء, هو من يجعلك راقياً و نظيفاً و محترماً, أو غير ذلك, يعتمد هذا على إمتلاكك لنصيب منه, أو إفتقادك له و لروحه بالكلية.
و ليس الدين صلوات و زكاة و صيام فقط, و لكنها روح تسرى فى المرء و تشكل تفكيره و سلوكه و طريقة تعامله مع ربه و مع الآخرين.
و دمتم بخير.


الجمعة، 23 أكتوبر، 2009

الكفيل:أرق العمالة المصرية فى الخليج

هذا الكتيب هو ثمرة تجربة أحد أعز أصدقائى مع الغربة و العمل فى دولتين من دول الخليج, شاء القدر أن يقع فى كل منهما فى يد كفيل من أسوأ ما يكون, و قد صاغ تجربته هذه بأسلوب راق يسعى فى المقام الأول لتنبيه كل من يقدم على التجربة, كى يعرف جيداً ما له و ما عليه قبل أن يخطو خطوة واحدة خارج بلده, و ليعلم كيف يتصرف إذا وقع فى مشكلة.
و على قدر المصاعب التى تعرض لها صديقى مع كفيله, فقد أكرمه الله بصحبة صالحة ثبتته على الحق, و أسألكم الدعاء له بالثبات و أن يعود لوطنه سالماً.
تستطيعون تحميل الكتيب من هذا الرابط.


السبت، 22 أغسطس، 2009

غرور المعتدلين



قد يكون من الغريب أن أبدأ الكتابة فى هذا المقال و جزء من عنوانه يبدو زئبقياً, لسبب بسيط, ألا و هو أن مفهوم الإعتدال قد أصبح نسبياً بيننا, إنه مفهوم متنازع عليه بين أطراف شتى و أطياف عدة تختلف مع بعضها البعض فى الأيديولوجية و المرجعية, فكان حقاً عليها التنازع على هذا اللقب.

بدايةً نشير إلى أن التيارات الأساسية المعروفة-فى العمل السياسى على الأقل-هى تيارات:اليمين و اليسار و الوسط, و لكن هل نبالغ إذا قلنا أن داخل كل تيار منهم نفس التقسيمة الثلاثية: يمين و يسار و وسط أيضاً؟

نعم, فناهيك عن كون كل تيار يعتبر نفسه الفكر الأصوب و الأقرب للإعتدال فى حين يجنح غيره للتطرف, فإن التيارات الجزئية نفسها يمكن تقسيمها إلى:1- تيار يمينى(متشدد متمسك بأفكار و عقيدة حزبه و لا يقبل فى أغلب الأحوال الحوار مع التيارات الأخرى), 2- تيار يسارى(عنده القدرة على الحوار مع الآخر و تقبل أفكاره و لكن هذا فى الأغلب على حساب معتقداته الأصلية فتكون مواقفه متميعة فى آخر المطاف), 3-تيار وسطى(يجمع بين التمسك بمرجعيته و بين القدرة على الحوار مع الآخر مع الحفاظ على الثوابت, و هو النموذج الذى نتمنى أن يسود داخل كل التيارات الرئيسية).

قبل أن نستطرد نوضح أن ما وصفناه بالتيار اليسارى المتميع ليس له علاقة بالتيار اليسارى الرئيسى الموجود على الساحة, بل هو تيار جزئئ موجود داخل كل تيار من التيارات الرئيسية, و كذلك نركز على أن الدعوة لسيادة التيار الوسطى ليست من أجل إقصاء اليمين و اليسار الرئيسى, بل ندعو لسيادة التيار الوسطى الجزئى حيث يجتمع الحفاظ على الثوابت مع القدرة على إستيعاب الآخر و إحترامه و الحوار معه و التعاون معه وصولاً للمصلحة العامة, و فى النهاية يصبح الخلاف فى الرؤى خلافاً صحياً يثرى الأمة, و الأفكار لا تهزمها إلا أفكار أخرى على أية حال.

نعود لعنوان المقال, و لنجعل التيار الإسلامى هو محل دراستنا, و فى حين يعتبره معارضوه يمينياً متطرفاً, يعتبر التيار نفسه وسطياً بطبيعة الحال, و نغوص داخل التيار لنجد داخله تياراً جزئياً يمينياً متطرفاً جامداً متجمداً يرفض الآخر و يتشدد و يتنطع لأقصى درجة, و فى أقصى درجات تطرفه يرفض حتى المنتمين لنفس للتيار و يصنفهم بأنهم(ليسوا من الفرقة الناجية), و تنتمى لهذه الفئة الحركات التكفيرية و جماعات العنف و بعض الجماعات التى تلصق نفسها عن خطأ بإسم السلف.

ثم تيار وسطى يجمع بين التمسك بالسنة و التراث و قيم السلف الصالح, و بين الإنتباه لقيمة الإجتهاد و ضرورة الأخذ بمعطيات العصر و فقه الواقع و فقه الموازنات, مع أهمية الحوار مع الآخر و عدم رفضه, و الحوار مع المنتمين لنفس المعسكر قبل الحوار مع الآخر, و لا تنتمى لهذا التيار جماعة بعينها, بل ستجد هذا الفكر موجوداً داخل المنتمين للتيار السلفى, و كذلك داخل جماعة الإخوان المسلمين, و عدد من علماء الأزهر و غيرهم.

أما التيار الأخير, فهو التيار المتميع, إنه التيار الذى يقدم الحوار مع الآخر و تسويق فكرته على التمسك بثوابت هذه الفكرة أساساً, و بسبب هذا الخلط ينظر للإنتقادات الموجهة له نظرة فيها إنهزامية, فيسعى إلى نفى هذه الإنتقادات بأن يطبق أجندة العدو جزئياً لكى يثبت للجميع أنه معتدل و حلو و غير متطرف, ثم يستدير لأخوته المنتمين لنفس معسكره فيسلخهم بألسنة حداد, و يصفهم جميعاً بأنهم السبب فى تشويه صورة الإسلام, و أنهم الرجعية و التخلف و الجمود و التطرف, إنها كلها مصطلحات طالما سمعناها من أعدائنا و لكننا نستغرب أن نسمعها بنفس القسوة تصدر من أناس من جلدتنا و يتكلمون بألسنتنا, و إلى هذا التيار ينتمى بعض من نراهم على شاشات التلفاز من دعاة و بعض أساتذة الأزهر و بعض قيادات الحركة الإسلامية!!

و فى نهاية المطاف تجد هؤلاء المتميعين يخرجون علينا بخطاب ليس له لون و لا طعم لكن له رائحة كريهة, خطاب متميع لا تعرف له مرجعية محددة, خطاب يحاول أن يمسك العصا من المنتصف حسب رؤيته, لكنه لا يدرك أن العصا ليست واحدة, فيمسك فى النهاية بطرف عصا و طرف عصا أخرى تماماً, و من المستحيل أن يدمجهما معا.

لذا لا تستغرب إذا وجدت بعض المنتمين للتيار الإسلامى إسماً يخرج عليك بتصريحات و دعاوى أشبه بالتى إعتدنا سماعها من متطرفى العلمانيين, إن لم يفوقوهم فى بعض الأحايين, و هكذا يدفعهم الغرور إلى الإنزلاق فى هذه المنزلقات و السقوط فى فخ التميع, و هو تميع فى أمور لا يجوز فيها إلا التحديد و الثبات و الوضوح.

إنك إما أن تكون مسلماً وطنياً مؤمناً بدينك و وطنك و أمتك و إما أن تكون غير ذلك, لكن لا تستطيع أن تجمع بين النقيضين و تدعى الإيمان و تدعو إلى التطبيع فى الوقت ذاته, هذه هى الميوعة بعينها.

و ليس بأدل من كون أعدائنا يصفون كل من يوافقهم فى الرؤى و ينفذ أجنداتهم بأنهم (معتدلون), و صرنا نسمع عن المفكرين (المعتدلين), و الدول (المعتدلة), فى مواجهة المتطرفين و الدول المارقة.

من الغرور أيضاً, النظر بإستخفاف إلى نصائح الآخرين و لو كانوا أكثر منا علماً و خبرة, و لو كنا على يقين من حبهم لنا و حرصهم علينا, لكن على الرغم من ذلك يقود الغرور إلى التمسك بالرأى و عدم منح العقل فرصة للتفكير فيما يسمع من غيره, و لم يسمع طالما أن الغرور قد جعل حوله غلافاً و سوراً, و كل ما هو كائن داخل هذا السور فهو الصواب لأنه الإعتدال و التنور بعينه, و ما عداه رجعية.

من غرور المعتدلين أيضاً, أنهم من كثرة إيمانهم بأنهم معتدلين, قد ينزلقوا إلى النظر إلى مخالفيهم بنظرة فيها إستهانة أو إستهزاء, إستهزاء بمن يرون أنهم متشددين, فيسخرون من كل ما يفعلون حتى رغم كون الخلاف فى أغلب الأحايين فى الفروع, و كذلك النظر بنوع من الإستعلاء إلى المفرطين و الغافلين, و كلتا النظرتين خطأ فادح.

إن من ينظر لذنوب غيره بنظرة إستعلاء, و لا يحمد ربه على أن عافاه و حفظه من الوقوع فيها, لن يلبث إلا أن يقع فى تلك الذنوب بنفسه واحداً تلو الآخر, بل ربما فاق فيها من كان يستعلى عليهم.

أما هذا الذى يسخر من مخالفيه و هم من نفس معسكره, أما سمعت قول الله(( يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قومٌ من قومٍ عسى أن يكونوا خيراً منهم)) أم أن الإسلام قد تحول فى نظرك إلى تنظير و آراء و جدال و تنسى الأساس الثابت و هو كتاب الله, ما معنى أن ينتقد البعض النقاب نقداً لاذعاً بصورة أسوأ من إنتقادات دعاة السفور, فى حين أنه يكفى أن تترك كل إنسان و قناعاته ما دام الأمر محصوراً فى نطاق الفروع و ليس الأصول, أليس الأولى أن توجه هذه الجهود لدعوة الآخر للأصل بدلاً من العراك مع أخيك فى الفرع؟

إلى متى سنظل نقرأ عن الإسلام أكثر مما نقرأ فى الإسلام ذاته؟ نقرأ لمفكرى الإسلام الكبار و العظام و نرتقى بكلامهم عقلياً و فكرياً و ننضج و نكبر أعماراً فوق أعمارنا, نقرأ للغزالى و القرضاوى و عمارة و هويدى و غيرهم, لكن لا نقرأ تفسيراً لكتاب الله أو نعيد قراءة السيرة, أو نقرأ فى الفقه و التوحيد.

ما هذا الخلط, نقرأ كتاب الله و نمر بكثير من آيه مرور الكرام لأننا صرنا لا نحسن العربية, و لا نهتم بقراءة و معرفة تفسير ما لا نفهمه, و لا نقرأ كتاب الله بوعى و تدبر, بل لا نقرأه من الأصل إلا من العام إلى العام, و كل هذا لكى نأخذ بكل حرف حسنة, و الحسنة بعشر أمثالها!!

يا كل من تظن نفسك معتدلاً, لا تغرن بنفسك, و لا تظنن بنفسك الخير, لا تظن أنك قد وصلت, فالطريق طويل, و لا تظنن أنك قد علمت, فمن ظن أنه قد علم فقد جهل.

أيها المعتدل, إن ظننت أنك معتدل, فراجع نفسك من وقت لآخر, إعرض نفسك على ثوابت و مرجعيات ما تؤمن به, و قس مدى قربك و بعدك عنه, و أحكم بنفسك على نفسك, لترى إلى أى حد قد وصلت فى الميوعة.

قد بدأ هذا المقال بالنظر إلى تيارات بأكملها و إنتهى بقياس الفرد الواحد, فالآفة تبدأ من الفرد و تسرى فى الجماعة, و تعم الجماعة و تؤثر على الفرد, و أياً ما كانت, فالغرور يعمى البصيرة و يجعل المرء يسىء قياس خطوته, فحذارى ثم حذارى.

قد قرأت عبارة بليغة من قبل, العبارة تقول: إذا رأيت فى إخلاصك الإخلاص, فإعلم أن إخلاصك فى حاجة إلى إخلاص, من أجل هذا إنتبهوا جميعاً أيها المسلمون, فلا تغرنكم الحياة الدنيا, و لا يغرنكم بالله الغرور.


الأربعاء، 22 يوليو، 2009

إستراتيجية الإستعمار و التحرير-ج2

النظرية العامة فى الإستراتيجية العالمية

ناقش حمدان بعد هذا ما اعتبره (النظرية العامة فى الإستراتيجية العالمية) من منطلق أن إستراتيجية الإستعمار و صراع القوى تتكرر عبر التاريخ, و فهم و دراسة هذا السلوك المتكرر يؤدى بنا إلى حسن قراءة الواقع مع إمكانية التنبؤ بالمستقبل.و فى حين تنبأ راتزل بأن النصر النهائى سيكون لقوة البر بفضل تفوق مواردها, ذهب ميهان إلى أن قوة البحر ستنتصر بسبب مرونتها و حريتها فى الحركة.

شرع حمدان بعد هذا فى عرض رؤية الجغرافى الكبير ماكيندر,Mackinder الذى نظر للعالم القديم ككتلة قارية واحدة متصلة سماه (الجزيرة العالمية) تضم أغلب سكان العالم, أما القارات الأخرى-العالم الجديد-فكأنها أقمار تدور فى فلك الجزيرة العالمية, و الكل يقع فى المحيط العالمى.

نظر ماكيندر للجزيرة العالمية, فوجد أن لها قلباً يمثل نواة العالم القديم سماه الهارتلاند Heartland, أو منطقة الإرتكاز Pivot area, و الذى كان المصدر لكل فائض بشرى تمثل فى موجات الغزو التى انطلقت من أواسط آسيا مثل الهون و المغول و غيرهم (قوة بر أساسية).

مقابل ذلك, يوجد نطاق ساحلى محيطى يغلف الجزيرة العالمية على شكل هلال متصل هو الهلال الخارجى أو الجزرى يضم بريطانيا و كندا و أمريكا و جنوب أفريقيا و أستراليا و اليابان (أساس قوة بحر و إستعمار بحرى).

بين الكتلتين يوجد هلال داخلى يضم ألمانيا و النمسا و تركيا و الهند و الصين, و هو منطقة أمفيبية بينية سماها الهلال الداخلى أو منطقة الإرتطام, لأنها نطاق الصراع بين الكتلتين الأوليتين.

و بهذا يدرس ماكيندر الصراع العالمى التاريخى بين هذه القوى و يحاول تطبيقه على الحاضر, فيرى أن تحالف الهلال الداخلى مع الهارتلاند-بالإتفاق أو الغزو-سيمكن الهارتلاند من تجنيد موارده القارية الضخمة لبناء الأساطيل البحرية, و بالتالى السيطرة على الهلال الخارجى, و على هذا الأساس وضع تلك المعادلة الثلاثية:

من يحكم شرق أوروبا يسيطر على الهارتلاند

من يحكم الهارتلاند يسيطر على الجزيرة العالمية

من يحكم الجزيرة العالمية يسيطر على العالم

و يدلل على ذلك بالحربين العالميتين الأولى و الثانية, و التى انتهت بسيطرة الإتحاد السوفيتى على ألمانيا و شرق أوروبا لتصبح أكبر قوة برية على الأرض, و تنبأ بأنها ستسيطر على الجزيرة العالمية فالعالم( ربما لم يخطر ببال أحد وقتئذ أن الإتحاد السوفيتى سينهار من الداخل أيديولوجياً).

و قد تلا عرض هذه النظرية عرض نقد لها من قبل مفكرين آخرين, لكن النقد لم يتجاوز كونه تعديلاً فى حدود الهارتلاند و الهلال الجزرى على أقصى تقدير, و قد عرض حمدان نفسه تعديلات جزئية على النظرية موضحاً أنها بهذا تحقق معادلة جغرافية سليمة تلخص كل التاريخ السياسى و الإستراتيجى, و تستوعب كل تفاصيله و تتفق معه حتى نهاية الحرب العالمية الثانية, أما بعدها فقد حدثت إنقلابات خطيرة لابد من تحليلها أولاً ثم نرى إنعكاساتها على النظرية, و هو ما سنعود له لاحقاً.

----------------------------------------------

عالمنا المعاصر:جغرافيا التحرير

و كأنا بهذا الفصل نتكلم أخيراً عن الشق الثانى من عنوان الكتاب:إستراتيجية التحرير, ففى هذا الفصل تحدث حمدان عن ثورة التحرير التى سرت فى العالم شرقاً و غرباً للتحرر من قيود الإستعمار.

تحدث أولاً عن تصنيف تاريخى للقوى الإستعمارية, فهناك: 1-القوى العتيقة:و هى التى بدأت الإستعمار من عصر الكشوف الجغرافية و كونت إمبراطوريات تضخمت ثم أصبحت حفريات مثل أسبانيا و البرتغال.

2-القوى العتيدة:أحدث من العتيقة دخولاً فى الإستعمار لكنها أخطر دول أوروبا توحيداً و تصنيعاً و قوة, لذا كانت أكبر قوى إستعمارية ظهرت و استمرت و تمثلها بريطانيا و فرنسا.

3-القوى الوليدة:أصبحت دولاً موحدة فى مرحلة متأخرة, و لما دخلت مجال الإستعمار لم تجد إلا الفتات, و لكنها فقدته على أية حال مع الحرب العالمية مثل: ألمانيا, إيطاليا,اليابان.

4-القوى الجديدة:آخر القوى ظهوراً, و لم تمارس الإستعمار بشكله التقليدى, بل تنكر صلتها بالإستعمار أساساً, و لكنها تمارسه إما إقتصادياً أو أيديولوجياً, مثال الولايات المتحدة و الإتحاد السوفيتى.

تتبع حمدان بعدها موجة التحرير الذى هدم فى عقدين ما بناه الإستعمار فى خمسة قرون, فبدأ بالموجة الآسيوية التى كان أبرزها إستقلال الهند بعد سنوات من مقاومة غاندى السلمية, مروراً بحروب العصابات التى أخرجت فرنسا إلى الأبد من الهند الصينية.

عرض بعدها موجة التحرير فى عالمنا العربى, و برغم حصول دول الشام على إستقلالها السياسى فى الأربعينيات, لكن الموجة الحقيقية بدأت مع جلاء الإنجليز عن مصر بعد حرب عصابات مكثفة فى منطقة القناة فى الخمسينيات تلاها تأميم القناة, ثم كان للثورة دورها فى دعم حركات التحرر فى بقية العالم العربى-أبرزها دعم ثورة الجزائر-ناهيك عن دعم حركة التحرير فى أفريقيا و التى مثلت الموجة التحريرة الثالثة التى تكلم عنها حمدان.

لم يترك حمدان هذه النقطة دون أن يدرس مغزى التحرير بهذه الصورة و هذا التتابع, و كيف حدث ما حدث فى فترة زمنية-عشرون عاماً-لا تُذكر فى عمر الأمم.

قد يبدو من التتابع التاريخى أن موجة التحرير فى العالم العربى كانت رد فعل لحركة التحرير الآسيوية, لكن الواقع أن ثورة مثل ثورة 1919 فى مصر كان لها صدى بعيد فى آسيا و كانت وحياً لحركات التحرر هناك, عدا كون مصر مستقلة-شكلياً-منذ العشرينيات, و العراق منذ الثلاثينيات.أى أن التحرير فى العالم العربى إن تأخر ظاهرياً عن آسيا فهو أسبق واقعياً.

و الحق أن سقوط العالم العربى فى ربقة الإستعمار قد تأخر نوعياً برغم قربه من أوروبا, و ذلك لتقدم شعوبه حضارياً عن بقية العالم الثالث, و تأخر كذلك فى تحريره بسبب تشبث الغرب به(كموقع استراتيجى و شريان للمواصلات الإستعمارية).

ثم يتساءل:لم تعاصرت حركات التحرير فى العالم عموماً؟فيبدأ بكونه روح العصر, و هى عدوى تنتقل و تسرى سريان النار فى الهشيم, و أشبه هذا بأنه إن كان سقوط دولنا فى قبضة الإستعمار أشبه بسلسلة الدومينو, فحركة التحرير كانت متسلسلة دومينو عكسية بعد أن أفاقت الشعوب و تخلت عن هزيمتها النفسية و الحضارية و إستعادت روح الحياة و الحرية.

هذا إلى جانب مفارقة طريفة, فالإستعمار ليستغل مستعمراته يحتاج إلى تمدينها و تحديثها لكى يستطيع إستغلاها إقتصادياً, و مع الإحتكاك الحضارى يتحول الإنهيار النفسى و الإنبهار لدى المغلوب إلى شعور بالإحتقار و الندية, فلا تلبث الهوة الحضارية أن تضيق فتصرخ الشعوب طالبةً حريتها.

أضف إلى هذا الصراعات الداخلية و الحروب العالمية التى تورطت فيها القوى الإستعمارية فخرجت منها أكثر ضعفاً.و يبقى أهم عامل هو المقاومة و الكفاح الشعبى المسلح الذى يعتبر بلا شك أهم عامل لإستعادة الأرض, لذا نتفاءل أنه طالما وجدت مقاومة فالتحرير آت, و يذكر حمدان أن الإستعمار الصهيونى(محكوم عليه بحتمية التاريخ أنه قد ولد ليموت).

و فى وقت كتابة هذا الكتاب كانت موجة التحرير ما زالت مستمرة, و ما زال للإستعمار جيوبه فى أفريقيا و آسيا, و لكن فيما بعد تحررت معظم هذه المناطق, و تبقى لنا :فلسطين.

---------------------------------------------------

الإنقلاب النووى

لا شك أن موازين القوة قد تغيرت بشكل صارخ مع إكتشاف قوة الذرة, فدولة صغيرة تمتلك سلاحاً نووياً هى أقوى من دولة أكبر تفتقر لهذا السلاح,و مع إزدياد عدد الدول أعضاء النادى النووى يزداد القلق من دنو العالم و الحضارة من النهاية و التى قد تأتى فى شكل ومضة يضيع بعدها كل شىء.

و يمكن إجمالاً أن نورد عبارة حمدان(أن الدول الغير ذرية فقط هى التى سيكون عليها أن تفكر بصيغ الإستراتيجية القديمة) و لم لا؟ فظهور الغواصات النووية و الصواريخ العابرة للقارات جعل البعد أو القرب من مواقع العدو أمر سيان.

غير أن الموقع الإستراتيجى تظل له أهمية وقت السلم, أى أننا إن تكلمنا عن نسخ العصر النووى للموقع الجغرافى فإن هذا ينطبق على الإستراتيجية العسكرية فقط.

و لإن كان حمدان قد تكلم بعد ذلك عن التوازن النووى بين القوتين العظميين آنذاك و الوصول لعدم التخوف بشكل كبير من نشوء حرب شاملة, إلا أن حمدان قد توفى قبل أن يشهد إتجاهاً من الدول الكبرى لتفكيك أجزاء من ترسانتها النووية, لكن مع هذا يظل الخطر قائماً-بل أشد من ذى قبل-فأعضاء النادى النووى قد زادوا, و بينهم دول مثل إسرائيل لها ترسانة غير قابلة للنقد فى حين أن هذه التكنولوجيا محرمة على المسلمين, أما هؤلاء الذين يدعون تفكيك أسلحتهم فماذا يفيد أن تفكك أسلحة يمكنها تدمير الأرض مائة مرة و تحتفظ بأسلحة تمرها عشر مرات؟ الدمار سيكون مرة واحدة على أية حال.

نعود لنتكلم عن نظرية ماكيندر بعد وصولنا للعصر النووى, فبإختصار تتحول النظرية من الجغرافيا السياسية الحية لتستقر فى متحف الجغرافيا التاريخية حسبما عبر حمدان, فما من قوة بر و قوة بحر فالكل سواء, هناك فقط قوى نووية و قوى تقليدية.

و هنا أعود لتساؤل دار بذهنى و أنا أقرأ تفصيل نظرية ماكيندر:هل من جدوى لمثل هذه النظريات بعد ظهور سلاح الجو و الصواريخ العابرة للقارات و القوة النووية, ناهيك عن الحروب البيولوجية و الإلكترونية؟

بكلمات أخرى:هل مع كل ما سبق سنصف الصراع على أنه صراع بين قوى بر و بحر؟

الحقيقة أننى أعتقد أنه مهما تطور العلم فإن هناك ثوابت, و قد تفر من أى شىء لكن هل تستطيع أن تفر من الجغرافيا مثلا؟

و قد دلل حمدان على هذا بتطبيق النظرية على العصر الحديث, ففى وجه الكتلة الشرقية و الإتحاد السوفيتى نجد تكتلاً من أمريكا و أوروبا الغربية-ظهر الإتحاد الأوروبى فيما بعد-مع حلفاء تقليديين محسوبين على الغرب سياسياً و لو لم يكونوا فى الغرب جغرافياً:مثل استراليا, جنوب أفريقيا, و إسرائيل.

ذلك مع وجود منطقة إرتطام تصارع فيها السياسات و الأيديولوجيات فى العالم الثالث و بالأخص الشرق الأوسط و منطقتنا العربية.بإختصار يمكننا أن نقول: قد تتغير الأسلحة و الدول و لكن أنماط الصراع ستبقى, و نضيف تساؤلاً:ما يدرينا أن العالم لن ينتكس علمياً و حضارياً و يعود مرغماً إلى أنماط الصراع القديم:جيوش برية غازية و أساطيل إستعمارية؟!

--------------------------------------------------

إستراتيجية عدم الإنحياز, و ما بعد عدم الإنحياز

فى عرض حمدان لعدم الإنحياز, بدأ بعرض ألاعيب الإستعمار الذى حاول ربط الدول المتحررة حديثاً لتدور فى فلكه سياسياً و إقتصادياً و ثقافياً و إن حصلت على إستقلالها, و تمثل هذا فى محاولة دمج دول العالم الثالث فى سلسلة أحلاف موجهة أساساً ضد قوى أخرى.

و يبرز حمدان كتلة عدم الإنحياز كقوة ثالثة تعادل القوتين العظميين, و من منظور الجغرافيا السياسية كقوى بينية بين الكتلتين الشرقية و الغربية, على أن نظرة جمال حمدان-إبن الثورة-لحركة عدم الإنحياز و سياسة الحياد الإيجابى هى نظرة إنسان متحمس و مؤيد لها فى مواجهة الإمبريالية العالمية.

و الحقيقة أننى شخصياً منذ صغرى كنت أعجب لكوننا محسوبين على دول عدم الإنحياز, فى حين أن معظم هذه الدول من جهة التطبيق كانت تتعاون بصورة كبيرة مع أحد القوتين:مصر مع الإتحاد السوفيتى فى مقابل كون إسرائيل مع أمريكا, و الهند مع الإتحاد السوفيتى فى مقابل باكستان مع أمريكا....الخ, فأين الحياد إذاً؟

و هنا يحاول حمدان تبرير هذا فى فصله(ما بعد عدم الإنحياز)حيث يناقش التطبيق الفعلى لتلك السياسة, نجد فى النهاية أن حمدان نفسه(ينحاز)للكتلة الشرقية فى مواجهة الإمبريالية الغربية الرأسمالية, من منطلق(أن هناك وحدة كفاح أساسية و مصيرية بين دول الثورة الإشتراكية و دول التحرير الوطنية, و الصراع النهائى إذاً هو بين الثورية العالمية من جانب و الإمبريالية العالمية من الجانب الآخر)لذا يدعو إلى (إيجاد صيغة عملية للترابط و التنسيق بينهما فى وجه الخطر المشترك)مع إعتراف حمدان أن القرن العشرين هو القرن الأمريكى بإمتياز.

لكن من الأهمية بمكان أن نبرز هنا المعادلة الثلاثية التى يرى حمدان أنها تختزل أساسيات الصراع المستقبلى:

-مصير الإمبريالية العالمية يتوقف على مصير العالم الثالث.

-مصير العالم الثالث يتوقف على مصير العالم العربى.

-مصير العالم العربى يتوقف على مصير فلسطين/إسرائيل.

فالعالم الثالث هو نقطة الإرتكاز بين القوتين, و العالم العربى طليعته الحرجة و الصراع مع إسرائيل هو أبرز صور صراعه مع الإمبريالية, لذا يرى حمدان أن(مصير إسرائيل سيحدد فى النهاية مصير الإمبريالية العالمية , و يوم تزول إسرائيلةسوف تكون بداية النهاية للإمبريالية)و أن(الصهيونية أعلى مراحل الإمبريالية و الإستعمار).

و من ثم يخلص إلى أن القطبين النهائيين فى الصراع بين الإمبريالية و العالم الثالث هما أمريكا و مصر, و كل منهما يلخص زعامة مجموعته, مما يفسر تركيز العدوانية الأمريكية على مصر(تذكر أن هذا الكتاب من الستينيات).

و ينتهى إلى أن الصمود و المقاومة هما الحل فى نهاية المطاف لحسم هذا الصراع, و هو ما نتفق معه, و بشدة.

---------------------------------------------------

تعقيب

حين نقرأ الفصلين الأخيرين من الكتاب قد يرغب القارىء فى إعادة طرح الرؤية تجاه مبادىء عدم الإنحياز من جديد, نعود لنذكر أن هذا الكتاب قد كُتب فى أواخر الستينيات, فى عصر اعتبره حمدان ثلاثى الأقطاب بإضافة قوة عدم الإنحياز بجوار الإتحاد السوفيتى و الولايات المتحدة, لكننا شهدنا سقوط الإتحاد السوفيتى و تفرد أمريكا بالقوة لعقد كامل إلى أن لمسنا تراجعاً فى توحد القطب و بروزاً لكتل أخرى, بعضها على إستحياء, و بعضها يمشى بخطى حثيثة كعودة روسيا بوتين.

لكن على أية حال, فإن عدم الإنحياز ليس له أى معنى حالياً, و لم يكن له-من وجهة نظرى-أى معنى فى الماضى, كان الأجدر أن تُسمى كتلة الدول هذه بكتلة الدول الداعمة للتحرر الوطنى مثلاً, بحيث يكون لها دور مساعد فى تحرير بقية العالم الثالث-مثلما فعلت مصر-لكن التطبيق العملى وضح أن أياً من هذه الدول منفردة لم تكن من القوة بحيث تقاوم إغراء الإرتماء فى أحضان قطب فى مواجهة القطب الآخر.فهى نظرية فاشلة من وجهة نظرى, و أبسط شىء أن الإنسان لا يستطيع أن يزعم أنه حيادى و موضوعى إلا فى أمر لا يخصه, بكلمات أخرى, قد أقبل مصطلح(الحياد السلبى), أما (ألحياد الإيجابى) فهو الإنحياز فى نهاية المطاف:لجانب أو لمبدأ أو لأيديولوجية أو لدولة.

أما ما يؤسف له بحق فهو خروج مصر من الإطار الذى تصوره حمدان كقطب مواجه للولايات المتحدة فى صراعها مع العالم الثالث-كقوة تحريرة فى مواجهة الإمبريالية-بعد أن تم تحييد مصر و تدجينها إن صح الوصف, و لقد ناقش حمدان فكرة العزلة السياسية و وضح أهميتها المرحلية للدول فى مرحلة البناء أو إعادة ترتيب البيت الداخلى, و مثل ذلك بعزلو الولايات المتحدة فى طور تكوينها ثم خروجها إلى العالم مع الحرب الأولى لتتخذ موقعاً لم تغادره حتى اليوم, و لقد كنا نأمل أن تكون كامب دايفيد-التى يجب النظر لها كهدنة لا كمعاخدة سلام لا حرب بعدها-أن تكون فرصة لترتيب البيت الداخلى نبنى فيها بلدنا و نستعد لما هو قادم, لكن مرة أخرى نجد أن التطبيق قد إتخذ مساراً آخر, ليس بالضرورة لظروفٍ قهرية, لكن للأسف لإقتران الظروف بما يمكن أن نلخصه فى كلمات مثل:الغباء, التخاذل, الجبن, القصور, و ..و الخيانة.

و مرة أخرى نؤكد أنه لاسبيل لإستعادة الأرض إلا بإعادة بناء الدولة و إعادة بناء العنصر البشرى, و حينها سيستطيع هذا العنصر إستعادة دوره و القيام بواجبه فى الصمود و المقاومة وصولاً للتحرير الشامل الذى نبغيه.

و بعد هذه السطور الكثيرة قد يتساءل القارىء:و لم هذا العرض المطول للكتاب؟و الحق أنه كتاب ثرى جداً-من وجهة نظرى-و لا أريد لمن يقرأ هذين المقالين أن يعتبرهما تلخيصاً يغنى عن قراءة النص الكامل, بل على العكس, فلم تكن الأسطر السابقة إلا محاولة من كاتب هذه السطور لعرض ملخص ما استوعبه من الكتاب مع التعقيب على عدد من نقاطه فى ثنايا المقال, و كل قارىء قد يخرج برؤى و إستنتاجات و تطبيقات أفضل و أعمق.

قد نرى أن الكتاب بحاجة للتحديث كل فترة, و هى مهمة المهتمين بالإستراتيجية و الجغرافيا السياسية, لكن يظل الكتاب يحوى بين دفتيه نظريات قد يتغير بعضها بحكم التطور العلمى و تغير الزمن, و قد يظل بعضها ثابتاً, لكن الإنسان فى النهاية لن يستطيع الهرب من الجغرافيا و التاريخ إلا فى حالة واحدة:عندما يدمرهما بحماقته.

الخميس، 16 يوليو، 2009

إستراتيجية الإستعمار و التحرير-ج1


هذا الكتاب القيم هو أحد إبداعات المفكر الموسوعى د.جمال حمدان رحمه الله, هذا المفكر العبقرى الذى أعطى فى كتاباته أبعاداً جديدة للقارىء العربى يفهم بها العلاقات المتشابكة بين الجغرافيا و التاريخ و السياسة, و يلخص ذلك فى فقرات عبقرية موجزة مثل: (إن التاريخ هو معمل الجغرافى كما قيل,و هو كذلك مخزن الاستراتيجى الذى لا ينضب, و كل منهما يستمد منه خامته و يجرى عليها تجاربه.و بالنسبة للجغرافى بالذات, فإن التاريخ إذا كرر نفسه-و هو قد يفعل-فهذا التكرار هو الجغرافيا:أعنى أن الجغرافيا بهذا هى الجذر الجبرى للتاريخ, و عملية استقطاب له و تركيز.أكثر من هذا, ليس التاريخ كما عبر البعض إلا جغرافيا متحركة,بينما أن الجغرافيا تاريخ توقف, و هما معا أشبه شىء بقرص الطيف:إذا سكن على عجلته تعددت ألوانه فإن هو دار و تحرك استحال لوناً جديداً واحداً) و كذلك (البيئة قد تكون فى بعض الأحيان خرساء,و لكنها تنطق من خلال الإنسان.و ربما تكون الجغرافيا صماء, و لكن ما أكثر ما كان التاريخ لسانها.و لقد قيل بحق إن التاريخ ظل الإنسان على الأرض,بمثل ما أن الجغرافيا ظل الأرض على الزمان).

و فى هذا الكتاب الذى كتبه مؤلفه فى عالم يموج بالصراع بين قوى الإستعمار و حركات التحرير, وضح الكاتب فى مقدمته أن الإستعمار ليس بشىء حديث نسبياً يعود الى القرن التاسع عشر أو عصر الكشوف الجغرافية, و أنه لفهم استراتيجية القوى العالمية لابد أن نوغل الى أبعد أعماق التاريخ لأنه بالدور التاريخى الكامل وحده تبرز الاستراتيجية الكامنة لأى إقليم و تتضح الشخصية الإقليمية, و من خلال هذا البعد التاريخى يمكن فهم الحاضر و من ثم التنبؤ بالمستقبل.

-----------------------------------------------------------

العصور القديمة

عرض الكاتب تاريخ الاستعمار فى شكل محاولات متكررة من جماعة بشرية للسيطرة على جماعة أخرى فى صورة هجرات و غزوات و غارات يكون الدافع الأساسى لها هو الاستحواذ على الثروات الطبيعية الموجودة لدى الجماعة المغلوبة و التى تفتقر اليها الجماعة الغالبة فى بيئتها الأصلية, و الصراع فى جوهره بين قوى بر و بر, بين الجبل و السهل, أو بين الاستبس و الغابة.

من أبرز الأمثلة هى غارات و غزوات الهكسوس و الآلان و الهون, و هى غزوات تخريبية لم تبنِ حضارة أو دولة لها قابلية للإستمرار, بقدر ما كانت بسبب طرد البيئة الصحراوبة الصعبة لساكنيها و بحثهم عن الدفء و الخضرة و الماء.

لكن مع هذا شهد العالم القديم نوعاً آخر من الاستعمار التوسعى كان أساسه الصراع بين قوى البر و البحر للفوز (بالموقع و الموضع معاً), و لعل أبرز الأمثلة إمبراطورية الإسكندر التوسعية, و التى ورثتها روما, فجمعت بين السيطرة على ثروات الأمم المغلوبة, و بين اكتساب أماكن لها أهميتها الاستراتيجية.

و هذا الصراع بين القوى-قوى البر و البحر الاستعمارية-أبرز أهمية المناطق البينية و لزوم السيطرة عليها, و كونها منطقة صراع تخضع مرة لسيطرة هذه أو تلك, و تمثل هذا أكثر ما تمثل فى منطقة الشرق الأوسط التى كانت ضحية الصراع بحكم موقعها بين الإمبراطورية الفارسية و الرومانية, الى أن تبدلت الأدوار فى العهد الوسيط.

------------------------------------------------------

العصور الوسطى

ظهرت قوة الدولة الإسلامية العربية و توسعت شرقاً و غرباً, و لكن يوضح الكاتب أن هذه الدولة أبعد ما تكون عن فكر الإستعمار بل إنها(أول فصل فى جغرافيا التحرير) فقد كانت(امبراطورية تحريرية بمعنى الكلمة حررت كل هذه المناطق من ربقة الاستعمار الفارسى أو الرومانى و لم تعرف الدولة الجديدة عنصرية أو حاجزاً لونياً).

و إن كان الكاتب قد أشار على إستحياء إلى عوامل (ميتافيزيقية) غير مادية تفسر هذا الاتساع الذى بلغته الدولة الإسلامية فى زمن وجيز و العامل الرئيس هو الإيمان, فإنه أبرز السبب المادى لتفكك الدولة مفسراً ذلك بترامي أطرافها و كثرة الحواجز الصحراوية بين الحواضر الزراعية الخصبة-العراق-الشام-مصر-الأندلس..الخ-بالإضافة لتكالب قوى البر و البحر المحيطة بهذه القوة البرية البحرية الجديدة, لكنه لم يشر للضعف الروحى بدوره كسبيل للتفكك لأن الدراسة جغرافية تاريخية سياسية فى الأساس.

فى مراحل التفكك تعرضت الدولة العربية الإسلامية لهجمات خارجية كثيرة أبرزها الاستعمار الصليبى و الهجمة المغولية, و التى كانت فى وقت شبه متزامن أوقعت الدولة بين شقى الرحى حتى كتب النصر للمسلمين و توقف كلا منهما, و إن كان الإستعمار الصليبى فصلا مبكراً من الإستعمار الأوروبى الحديث و نشوء المد القومى بها.

ورثت الدولة العثمانية الدولة العربية الإسلامية, و كان توسعها (ضفدعياً) أى أنها تقفز على منطقة لتسيطر عليها ثم تعود لتسيطر على منطقة أخرى قبلها(مثال أن سيطرتها على شرق أوروبا سبقت زمنياً فتح القسطنطينية).

بدأت الدولة العثمانية كقوة بر ثم تحولت الى قوة بر و بحر معاً, و كان للموقع أثره فى تحولها فيما بعد الى منطقة بينية كما سيتضح فى الأسطر القادمة.

---------------------------------------------------

عصر الكشوف الجغرافية

يبدأ الكاتب هنا فى عرض الاستعمار فى صورة جديدة, حيث يميز بين الاستعمار الذى ظهر مع بداية عصر الكشوف الجغرافية فى القرنين السادس عشر و السابع عشر بأنه إستعمار سكانى إستيطانى, كما نرى من إستيطان الأسبان و البرتغاليين فى الأمريكتين, و استيطان الانجليز فى امريكا الشمالية و استراليا..الخ.

أما الاستعمار فى القرن التاسع عشر فقد كان إستعماراً إستغلالياً إقتصادياً فى المقام الأول, و فى الفصول التالية سنرى أنواعاً أخرى من الإستعمار منها الإستعمار الأيدلوجى حينما تصدر قوى أيدلوجيتها الى دول أخرى لكى تسير فى ركابها مثلما دأب الإتحاد السوفييتى على تصدير شيوعيته الثورية.

كانت الضغوط التى تتعرض لها اوروبا الغربية من الشرق دافعا لها لعبور المحيط و الاستكشاف و الاستعمار, هذا إلى جانب كونها بيئة بحرية فى المقام الأول.

تنقلت مراكز القوى الإستعمارية حسب قوة الدولة, فقد بدأ مع البرتغال رغم كونها دولة صغيرة الحجم بعدما صارت فى الطليعة بإكتشافها طريق رأس الرجاء الصالح و وصولها الى الهند على يد فاسكو دا جاما الذى اعتمد على البحار العربى أحمد بن ماجد.

كان من أهداف البرتغاليين ضرب الطريق التجارى القديم الذى كان يسيطر عليه العرب المسلمون, كانت البضائع تنزل فى القلزم (السويس), ثم تحمل على الجمال الى الفرما على البحر المتوسط, و منها تنتقل الى اوروبا, و كانت مصر تحصل ضرائب نتيجة لهذا مرور مثلما يحدث فى قناة السويس حالياً,( لذا كان هذا من أسباب نشوء القتال بين المماليك و البرتغاليين).

من جهة أخرى, كان الأسبان قد فتحوا آفاقاً جديدة للإستعمار بإكتشاف الامريكتين, و انفتحت شهية أوروبا لتغزو العالم الجديد, و كان التبشير هو السمة المشتركة بين البرتغاليين و الأسبان, أما نمط الاستعمار للأسبان فهو الاستعمار الاستيطانى السكنى.

-----------------------------------------------------

الإستعمار البحرى

نشأت قوة استعمارية جديدة هى هولندا, لكنها سرعان ما بدأت تفقد مستعمراتها بنمو القوة البحرية لكل من فرنسا و إنجلترا و اللتان تنافستا بدوريهما فى تقسيم تركة من سبقوهم, هذا غير الاستيلاء على ما حازوه من أراض و مستوطنات, و كانت محاولة نابليون لتأسيس إمبراطورية فى المشرق فى مصر و الشام لكى تكون توطئة لضرب بريطانيا فى الهند, لكن الأمور حسمت للقوة البحرية فى النهاية بإنتصار إنجلترا فى الطرف الأغر.

برزت إنجلترا كقوة بحرية من الأساس, فهى جزيرة ذات أسطول قوى مكنها من الانتقال بقوتها الى أى مكان, و إستطاعت أن ترث القوى الاستعمارية الأخرى, و كانت سياستها أن تترك القوى الأخرى فى القارة تتصارع حتى تضعف جميعا فتتقدم هى لترثها, و كانت تحرص أيضاً على عدم إستئثار طرف بالقوة و السيادة فتعمل على دعم الطرف الأضعف فى مواجهة المنافس و يتضح هذا أوضح ما يتضح فى سياستها التقليدية مع منافستها الدائمة:فرنسا.

---------------------------------------------

الإستعمار البرى

كان أبرز الأمثلة التى عرضها الكاتب هو نشوء قوة روسيا البرية, لكن ما نود التركيز عليه ليس تاريخ روسيا الإستعمارى فى الأساس, و إنما التشابه فى الأساس الإستعمارى بين قوى البر و قوى البحر و كون الفرق فقط فى الطبيعة و الظروف, و إن حرصت كلتا القوتين على الإحتفاظ بمساحة فاصلة-بينية-بينهما تمثلت فى الدولة العثمانية المتداعية.

------------------------------------------

الإنقلاب الصناعى و الإستعمار

كان للثورة الصناعية و الإنقلاب الصناعى دوراً دافعاً و قوة منشطة للإستعمار و مغيرة من شكله, ليس بسبب التطور فى تقنية الأسلحة بالطبع, و لكن فى الأساس لتطور وسائل النقل و ظهور وسائل جديدة مثل القطار الذى حقق (وحدة اليابس) , و السفينة البخارية التى حققت (وحدة المحيط) ليصبح العالم القديم قارة عالمية لا عدة قارات.

من جهة أخرى-سياسياً-سهلت تلك الوسائل ضبط و ربط الدولة, فيسر ذلك نمو الدول و ترامى أطرافها بعد أن كان الإتساع و البعد عن العاصمة يسهل التمرد و الإنفصال.أما خارجياً, فتطور المواصلات سيسهل على الإمبراطوريات الظهور و الإرتباط بمستعمراتها مهما ترامت أطرافها و بعدت المسافات.

من جهة أخرى كان الإنقلاب الصناعى عاملاً حفازاً لفتح شهية الإستعمار, فالصناعة تبحث دوماً عن مصادر الخامات و أسواق تصريف السلع.

و كان النموذجين المتتاليين تاريخياً للإستعمار ما بين عصرى الكشوف الجغرافية و عصر الإنقلاب الصناعى هما إستعمار المعتدلات ثم الإستعمار المدارى على الترتيب, و ننتهز الفرصة للتمييز بين أنماط الإستعمار ذاته.

فالبنسبة لمرحلة إستعمار المعتدلات, فقد تميزت بإتجاه الأوروبيين لإستعمار عروض معتدلة تقترب فى طبيعة المناخ من مثيله فى بلادهم, و بدأ بإستعمار شرائح ساحلية فى البداية مكونة رؤوس جسور لتعميق الإستعمار, و تميز بكونه إستعماراً سياسياً لجأت فيه كل دولة لتوسعة أراضيها و نفوذها فى العالم الجديد-و القديم أيضاً-مع كونه إستعماراً إستيطانياً إبادياً تم فيه القضاء على أعداد كبيرة من أهل البلاد الأصليين-مثل الهنود الحمر فى أمريكا-و إحلال مستوطنين مستعمرين مكانهم.

و مع الإنقلاب الصناعى, ظهر الإستعمار المدارى, حيث سيطرت أوروبا فى أقل من قرن على معظم أفريقيا و آسيا و مبتلعة معظم العالم العربى أخيراً فى سباق إستعمارى غرضه توسيع المجال الحيوى و الإستراتيجى لكل دولة, و بالطبع إستنزاف ثروات الأمم المغلوبة و جعلها مصدراً للخامات و سوقا لتصريف السلع, و هو نموذج الإستعمار الإستغلالى الإقتصادى, و بهذا صارت دولة كمصر مثلاً مزرعة قطن لانكشاير بعد أن كانت سلة غلال روما.

و فى صفحات الكتاب عرض عالمنا الكبير نماذج تاريخية لتطور هذا الإستعمار فى أفريقيا و آسيا, ثم أبرز حالة إسرائيل كنموذج للإستعمار فى العصر الحديث مقارناً بين صورته و بين أنماط الإستعمار القديم, فهو إستعمار: طائفى بحت, و عنصرى مطلق, و إستعمار سكنى إستيطانى قائم على إبادة أهل البلاد الأصليين, و قد أوجز حمدان هذه النقطة بقوله: (أنها-إسرائيل-تجمع أسوأ ما فى نماذج الإستعمار السكنى, ثم تضيف إليه الأسوأ منه:هى كأستراليا و أمريكا انتظمت قدراً محققاً من إبادة الجنس, و كجنوب أفريقيا تعرف قدراً محققاً من العزل الجنسى, و لكنها تختلف عن الجميع فى أنها طردت كل السكان الأصليين خارجها ليتحولوا إلى لاجئين على حدودها, و إسرائيل بهذا كله أعلى-أم نقول أدنى-مراحل الإستعمار السكنى).

و إسرائيل تجسيم للإستعمار المتعدد الأغراض, فهى مع كل ما سبق تمثل إستعماراً إستراتيجياً و إستعماراً إقتصادياً, و هى إستعمار توسعى ذو مخططات معروفة, و هى إجمالاً إستعمار بالأصالة و الوكالة معاً:بالأصالة لأنها أقيمت لتحقيق رؤية الصهيونية العالمية, و بالوكالة لأنها أقيمت لتحقق إرادة الإستعمار الغربى و تكون له الطليعة و رأس الحربة فى بلادنا كما أوضحنا هذا فى مقال سابق لنا يحمل نفس الإسم.

و نكتفى بهذا القدر من هذا الكتاب الجميل الصعب فى عرضه و تلخيصه لأنه بحق يستحق قراءة و تشرب كل حرف منه, و بإذن الله نكمل عرض بقية الكتاب لاحقاً.

الجمعة، 19 يونيو، 2009

غرناطة


مع الأيام الأولى لسقوط المدينة تبدأ أحداث رواية (ثلاثية غرناطة) للكاتبة المبدعة رضوى عاشور, حيث تنقل لنا أحداث السقوط و ما تلاها من وقائع, بدأت بوعود كاذبة من المنتصرين بعدم التعرض لحرية المغلوبين فى الدين و اللغة و أسلوب الحياة, ثم التنكر لكل الوعود و التحول لسياسة الإختيار بين التنصر أو الرحيل, و ما صاحب ذلك من إضطرار من إختار البقاء للتظاهر بتغيير ملته جهراً مع ممارسة شعائرها سراً, و التحدث بالقشتالية جهاراً و بالعربية خفية, و إرتداء الأزياء القشتالية و التسمى بأسمائهم...الخ.

تعرض الكاتبة كل هذا من خلال حياة أسرة غرناطية تتنوع الشخصيات بداخلها, و كأنها تيارات يجنح بعضها للخضوع و الإستسلام بحجة الحفاظ على الأمن و البعد عن المشاكل, فى حين ينزع بعضها إلى التمرد, و يتوق الآخر الى الحرية و العيش فى الجبال مع المجاهدين فى القرى المعزولة يقدم لهم العون, و يساعد من يسعى إلى الهجرة لديار الإسلام.

يذهب أحد أبطال القصة للعيش فى إحدى القرى الثائرة على الأسبان فى جبال البشرات, و يعود بعد غياب طويل ليقص على أهل بيته أسلوب الحياة هناك, (حيث يُسمع صوت الأذان, و حيث يتحدث الجميع بالعربية, و يحتكمون لشريعة الإسلام) يقص عليهم هذا و هم مأخوذون بحديثه و ما يصفه و كأنه قد ذهب للجنة و عاد لهم ليقص عليهم ما لا عين رأت و لا خطر على قلب بشر.

فى مشهد آخر فى القصة نجد الأسرة و قد ذهبت لحضور القداس فى الكنيسة, حيث يضطرون للذهاب بإنتظام و التظاهر بأداء الشعائر لئلا يقعون فى براثن ديوان التحقيق(محاكم التفتيش), و تفكر إحدى بطلات القصة فى أهلها الذين راحوا ضحية أحكام هذا الديوان و حكم عليهم بالموت لأنهم غسلوا والدهم و صلوا عليه و دفنوه بطريقة المسلمين, بل و قرأوا عليه القرآن!!

تنظر المرأة على يمينها بعينين مليئتين بالدموع فترى تمثال المصلوب معلقاً على الحائط, تخطو إليه و كأنها ذاهبة (لتصلى), و لا تملك إلا أن تقول((و السلام على يوم ولدت و يوم أموت و يوم أبعث حيا, ذلك عيسى بن مريم قول الحق الذى فيه يمترون)).

فى مشهد آخر يقبض على بطلة أخرى بتهمة ممارسة السحر, و هى تهمة عقوبتها الموت حرقاً, و من خلال الإستجواب فى ديوان التحقيق يسألها المحقق ما إذا كانت تركب دابة بالليل و تطير بها إلى أماكن بعيدة, فتجيب بأنها لا تعلم عن أحد قد إستطاع أن يقوم بذلك إلا محمد نبى المسلمين(صلى الله عليه و سلم), و تقص عليهم قصة الإسراء, فينتبه المحقق إلى أن المسألة أخطر من هذا, فالمتهمة لا تزال تحتفظ فى داخلها بالحب لنبى المسلمين, فليكن جزاءها الموت تطهيراً لها!!.

ثم نرى الجدة و هى تضم حفيدها إلى صدرها, و هو يلح عليها أن تقص عليه قبل نومه قصة الإسراء, و لا يصبر على سماع ما جرى فى كل سماء فيطلب السماء السابعة ليستمع لوصف الجنة و سدرة المنتهى.

و تدمع عينى حين أرى فرحة الأهل المستضعفين كلما سمعوا عن ثورة يقوم بها بعضهم ضد الملك, و عن ثورة قامت فى البشرات كالعادة, حيث اختار الثوار(ملكاً بسطوا تحت قدميه أعلاماً مزينة بالأهلة, فولى وجهه شطر بيت الله و صلى بهم)و استعاد اسمه القديم (ليصبح هرناندو دى قرطبة إي بالور محمد بن أمية).

الرواية رواية أجيال, الجيل الرئيس فى القصة كان فى طور الطفولة يوم سقوط غرناطة, و عاش مرحلة التدجين و التنصر الإجبارى فى مطلع شبابه, و على هذا الوضع ربى الجيل الذى يليه, محاولاً أن يغرس فيه بعض ما تعلم من الآباء, و أن يبقى على الدين و على العربية فى قلوب أبنائه حتى لا يذوبوا فى التيار, فى الوقت الذى إستسلم فيه آخرون للأوضاع الجديدة فتنصروا بالفعل و تركوا الدين و تخلوا عن الهوية و اللسان, فى حين عبر آخرون البحر فراراً بدينهم إلى ديار الإسلام.

من الجميل فى القصة-بخلاف أسلوبها الرشيق-هو عرض وقائع تاريخية و وثائق مثبتة فى ثنايا القصة, مثال لذلك تلك الفتوى المبعوثة من أحد فقهاء المغرب إلى(المسلمين المستضعفين فى الأندلس القابضين على دينهم كالقابضين على الجمر), يوضح لهم فيها كيف يتصرفون و الرخص التى يجب أن يأخذوا بها حتى لا يقعوا تحت طائلة أعدائهم و يعاقبوهم على ممارستهم لشعائر الإسلام, و هذه الفتوى وثيقة تاريخية حقيقية مذكورة فى كتب التاريخ.

أيضاً تعرض القصة إستهجان المسلمين المورسكيين للقوانين(الغبية) التى صاغها القشتاليون ليمحوا هويتهم تماماً, و التهم الجاهزة التى تكفى واحدة منها للوقوع فى براثن ديوان التحقيق, مثل التحدث بالعربية, أو إمتلاك كتب عربية أو نسخ من القرآن, و ذكر النبى و الصلاة عليه(عليه أفضل الصلاة و السلام), و الإمتناع عن شرب الخمر أو أكل لحم الخنزير, و كذلك الغسل و الإستحمام خصوصاً فى يوم الجمعة!! نعم, فالتاريخ يقص علينا أن من التهم التى كانت توجه للمسلمين المورسكيين كثرة الإستحمام, يكفى هذا لكى يؤمن القشتاليون بأنك تدعى التنصر و ما زالت تمارس طقوس دينك خفية.

فى نفس الوقت الذى أقرأ فيه هذه الرواية بدأت فى قراءة رواية (المخطوط القرمزى) للروائى الأسبانى أنطونيو غالا, و هى رواية تسرد وقائع حياة أبى عبد الله الصغير آخر ملوك المسلمين فى الأندلس, و كأنها مكتوبة بيده, و يعرض الكاتب فى ثنايا سرده صورة للحياة فى الأندلس العربى حيث يتعايش العرب المسلمون مع النصارى المستعربين و القشتاليين مع اليهود, فى مجتمع لا يعرف إلا أن الجميع(أندلسيون), و هى تكملة للصورة بقلم كاتب من المعسكر الآخر, و من قراءة هذه الصور الإنسانية المكتوبة مع الرجوع لكتب التاريخ يفهم المرء سبب رفض العديد من المسلمين ترك ديارهم فى الأندلس الجميلة حتى بعد سقوك الحكم الإسلامى, ثم ترددهم فى هذا بعد التنكر للوعود, حتى لم يغادر من غادر إلا مضطراً, فراراً بدينه و أهله.

و قراءة تاريخ الأندلس ككل, يجعلنا نشعر بمدى تفرد هذا القطر من بين أقطار الإسلام, و مدى حب أهله له و إعتزازهم به, تجلى هذا فى أهازيجهم و أشعارهم و كتاباتهم, فى كلمات إبن زيدون و موشحات إبن الخطيب و إبن زمرك, و حتى المقرى لما كتب تاريخه سماه (نفح الطيب فى غصن الأندلس الرحيب).

الأندلس الجميلة التى كانت نموذجاً بشرياً حقيقياً للتعايش و الرقى و الحضارة, هى دليل على قدرتنا على إستيعاب الآخر و قبوله, و دليل على عدم قدرتهم على قبولنا و التعايش معنا رغم كل دعاوى التسامح و المحبة.

قصة الأندلس مأساة حقيقية , فهو فردوسنا المفقود الذى كلما مررت بآثار عظمة الإسلام الباقية به حتى يومنا هذا لا تملك إلا أن تبكى حسرة و حزناً على ضياع أرض, و أهل, و دين.

و كما قال أبى البقاء الرندى فى ختام مرثيته للأندلس:

من أجل هذا يغص القلب من كمد...........إن كان فى القلب إسلام و إيمان

قراءة هذه الرواية الممتعة بأسلوبها و حرفيتها, و المؤلمة لأحداثها, أعادتنى إلى فترة قراءتى لموسوعة دولة افسلام فى الأندلس لمحمد عبد الله عنان, حيث عشت المأساة بالتفصيل, صعوداً مع لحظات مجد و عز مع طارق بن زياد و عبد الرحمن الداخل و عبد الرحمن الناصر و المنصور بن أبى عامر و بن تاشفين و يعقوب المنصور, و هبوطاً مع سقوط المدائن:طليطلة و قرطبة و إشبيلية و بلنسية, و أخيراً غرناطة.

لكن ميزة الرواية التاريخية بوجه عام أنها ترتفع بك من مجرد رص الحقائق التاريخية الصماء, لكى تعايش أهل تلك الفترة معايشة حقيقية و كأنك بينهم, تفرح لأفراحهم, و تضحك معهم, و تبكى معهم, و هكذا عدت مرة أخرى لأندلسى و غصت فى غرناطة و تمشيت على ضفاف نهر حدرة و سلكت فى البيازين و تطلعت إلى الحمراء, و طفت فى القرى و الجبال و غدوت و رحت إلى بلنسية, أتطلع فى الوجوه بحثاً عن وجه عربى أسمر و عيون سود و شعر فاحم كى يأنس كل منا بالآخر فى وجه الإضطهاد, و لكى أتحدث معه بالعربية و أصلى معه و أقرأ معه القرآن و نصلى على الحبيب.

أهديت هذه القصة لشخصية عزيزة جداً على قلبى, و لنفس الشخصية أهدى هذا المقال, و أتمنى أن يكون مشجعاً لكل من يقرأه على إقتناء هذه الرواية.

الجمعة، 5 يونيو، 2009

القادة



القادة هو عنوان كتاب للصحافى الشهير بوب وودوورد الذى فجر فضيحة ووتر جيت الشهيرة, و كما ورد على غلاف الكتاب أنه(صراع بين تساؤلات الجيش و نزوات السياسة فى حرب الخليج).
حرب الخليج المذكورة هنا هى حرب الخليج الثانية-غزو العراق للكويت-و لما كنت قد عاصرت هذه الحرب فى صباى, فقد تأخرت فى قراءة هذا الكتاب رغم وجوده فى مكتبتى من زمن, لكن نحتاج لأن نسترجع التاريخ القريب حتى لو عاصرناه, و خصوصاً أن من كانوا أبطال الأمس القريب هم أيضاً أبطال اليوم, و ربما المستقبل القريب أيضاً.
ففى هذا الكتاب نقرأ أسماء جورج بوش الأب(الرئيس),ديك تشينى(وزير الدفاع), كولين باول(رئيس الأركان), بول وولفويتز...الخ, و هم نفس اللاعبين-مع زملا جدد-فى حرب الخليج الثالثة (احتلال العراق).
يبدأ الكتاب بعرض الأيام الأولى من وصول بوش الأب للرئاسة, و تكوينه لإدارته الجديدة و ما يدور فى الكواليس حتى يتم الإختيار, و من ثم يستمر حتى منتصف الكتاب تقريباً فى عرض أزمة بنما التى انتهت بتدخل أمريكا عسكرياً لإسقاط الديكتاتور نورييجا و القبض عليه و محاكمته!(اليس هذا السيناريو مألوفاً؟).
يفرد الكاتب النصف الثانى من الكتاب لعرض أزمة الخليج من بدايتها, فيبدأ الكاتب بعرض الاستخبارات الأمريكية على بوش صوراً ملتقطة بالأقمار الصناعية لتحركات تقوم بها القوات العراقية تجاه حدودها الجنوبية فى 16 يونيو 1990, و على مدى الأسابيع التالية كان من الواضح أن الألوية العراقية تزداد فى الجنوب, و كان هذا مصاحباً لتوترات فى العلاقة بين العراق و جيرانه الخليجيين و بالأخص الكويت و الإمارات, و يرجع هذا لسياسات هذه الدول النفطية أثناء حرب العراق مع إيران و التى اعتبرها العراق مضرة له و أنها كبدته خسائر إقتصادية فادحة.
هذا غير الخلاف الحدودى الأصلى بين العراق و الكويت, و إيمان العراق بأن الكويت بإستغلالها بعض الحقول الحدودية قد سرقت نفطه.
فى 19 يوليو صرح تشينى فى مؤتمر صحفى إجابة على سؤال حول التهديدات العراقية للكويت حول مسألة النفط,بأن أمريكا(تأخذ على محمل الجد أى تهديد ضد المصالح الأمريكية أو أصدقائها فى المنطقة).
استدعى صدام السفيرة الأمريكية لديه, و طلبت منه(بحق الصداقة) أن يعيد النظر فى نواياه, و رد صدام أنه من خلال تدخل الرئيس المصرى حسنى مبارك وافق على محادثات مع الكويتيين.
فى حين رأى البعض أن حشد القوات العراقية كان غرضه(التهويل)و الضغط النفسى على الكويت, فقد رأى آخرون أن أحداً لم يكن ليحرك كل هذه القوات إلا و هو ينوى إستخدامها.
فى فجر الثانى من أغسطس عبرت القوات العراقية الحدود بالفعل, و تم الغزو.
كانت المشاورات داخل الإدارة الأمريكية حول رد الفعل الفورى, و بعد الشجب و الإدانة بدأ بحث سبل الرد العسكرى و كيفيته, و كان هذا هو الشاغل للإدارة طوال الفترة اللاحقة, بجوار إستراتيجية أخرى هى الحصار الإقتصادى و قطع المعونات لإجبار العراق على الإستسلام و الإنسحاب.
كان هاجس بوش-تاجر النفط السابق-أن يسيطر صدام على السعودية أيضاً فيكون بيده فى النهاية 40%من احتياطى بترول العالم, و عرض الجنرال شوارزكوف-صار لاحقاً قائد القوات الأمريكية المشاركة فى المعركة-نوعين من ردود الفعل العسكرية, الأول ضربات جوية إنطلاقاً من حاملات الطائرات يكون هدفها القوات العراقية و خطوط النفط التى يصدر منها العراق نفطه, و قرر أن هذه الهجمات لا يمكن أن تطول و لن تكبد العراق خسائر كبيرة.
أما الرد الثانى فهو خطة لحماية السعودية تستدعى نقل ما بين مائة الى مائتى ألف عسكرى , و لا يمكن تحقيق ذلك إلا إذا سمحت السعودية بإنشا سلسلة من القواعد الأمريكية بها, و هى مسألة غير محتملة نظراً للتردد العربى السابق فى الأمور المماثلة.(سرعان ما تغير هذا).
نلاحظ هنا إختلاف تعاطى القادة العرب مع الأمر فى بداية الأزمة مع تعاطيهم معه فى نهايتها, ففى مكالمة هاتفية بين بوش و الملك فهد اتفقا على أن اجتياح الكويت غير مقبول, لكن بوش لم يتفق مع فهد(الشديد الحذر و متردد التأييد للغرب على حد تعبير الكاتب)لم يتفق معه على أسلوب فى التعامل مع العراق.
و فى مكالمة أخرى مع الملك حسين و الرئيس مبارك كانت وجهة نظرهما هى(منحهما مزيداً من الوقت و ترك العرب يحاولون تدبير الأمر)يعنى لا تتدخلوا.
عرض بوش على الأمير بندر بن سلطان سفير السعودية فى أمريكا صوراً جوية لحشد بعض القوات العراقية على الحدود الشرقية للمملكة, و عرض نقل القوات الأمريكية سابقة الذكر لحماية السعودية, و بلغ السفير الأمر للملك فهد الذى طلب رؤية الصور بنفسه.
أراد فهد تأكيدات عن صحة التهديد العراقى, فالكويت قد أجلت طلب المساعدة من أمريكا لأن الكويتيين ارتابوا فى أن يُستخدم التهديد العراقى كوسيلة ليطأ الجنود الأمريكيون أرضهم, و كانت نفس الريبة فى نفوس السعوديين.
وصل تشينى للسعودية ليعرض الصور, و ليوضح خطورة الموقف و (عواقبه الوخيمة)على السعوديين إذا تأخروا فى طلب المساعدة كما فعلت الكويت, و أشار للعلاقات(التاريخية)و الصداقة بين الشعبين, و أكد أنه(بعد زوال الخطر ستعود قواتنا إلى بلادها), و حينها علق الأمير عبد الله-الملك حالياً-بصوت خافت بالعربية(أتمنى أن تفعلوا ذلك).
كان تشينى فى الوقت ذاته قلقاً من أن يلجأ السعوديون الى طلب المساعدة العربية و الدولية قبل غيرها.(طبعاً السبب مفهوم).
بدأ نقل القوات الأمريكية على الفور فى نفس الشهر-أغسطس-و إنشاء مركز قيادة للقوات ترأسه الجنرال شوارزكوف.
الأشهر التالية شهدت شد و جذب بين أنصار الحل العسكرى و انصار الحل الدبلوماسى و إنتظار ما نتائج الحصار الإقتصادى و العقوبات,مع سيل من النداءات الى صدام بالإنسحاب, كان عدداً كبيراً منها من مبارك.
فى 29 نوفمبر توصل الأمريكيون الى انتزاع قرار من مجلس الأمن بإستخدام(كافة الوسائل الضرورية)ضد العراق فى حال لم ينسحب من الكويت قبل 15 يناير1991.
فى جلسة مع قواده قال بوش((...هذه ليست فيتنام,و لن تطول هذه المسألة, فمبارك يقول:نحن دربنا الطيارون العراقيون,فهم عديمو الفائدة)).
و علت الضحكات داخل الغرفة.
فشلت المفاوضات بين بيكر وزير الخارجية و بين طارق عزيز وزير خارجية العراق, و بدا أنه لا سبيل لأى حل دبلوماسى.
فى 16 يناير بدأت الحرب و التى استمرت ل42 يوماً, انتهت بإعلان العراق استسلامه و إنسحابه من الكويت, بعد أن دمر ما دمر, و حرق ما حرق من حقول النفط.
الى هنا انتهى الكتاب, و لنا تعقيبات غير ملاحظاتنا وسط السطور السابقة.
أولاً:التاريخ حلقات متصلة, و حاضر اليوم تاريخ الغد, و كما قلنا فى بداية المقال أن أبطال الأمس القريب هم أيضاً ابطال اليوم, لذا رأينا كيف أن نفس الفريق هو الذى قاد بضراوة الحملة العسكرية التى احتلت و ما زالت تحتل العراق الى يومنا هذا.
ثانياً:بوب وودوورد رغم أنه كاتب معروف بنزاهته, إلا أن هذا لا يعنى أن نأخذ كل كلامه بشكل مسلم به, فهو يعرض الموقف و كأن التحرك العراقى كان مفاجئاً للجميع بما فيهم بوش و إدارته, و حتى لو لم نسلم بنظرية المؤامرة و بأن الأمريكيون أعطوا الضوء الأخضر لصدام عميلهم الأول فى المنطقة, فعلى الأقل أى عاقل لابد أن يؤمن أن أمريكا استغلت الفرصة-و استغلتها بكل مهارة-لتضع قدمها-و تثبتها-فى المنطقة,و أن تحركها من الأساس لحماية مصالحها و السيطرة بشكل نهائى على منابع النفط, و لم يكن من أجل سواد عيون العرب بالطبع.
ثالثاً:كان العرب فى البداية-كما بدا من التصريحات و ردود الأفعال-يودون أن تحل المشكلة فيما بينهم, لكن فى النهاية فتحوا الباب لأمريكا, فى الأيام الأخيرة قبل الحرب بدا و كأن التساؤلات الموجهة من العرب لأمريكا ليست:هل ستضربون صدام أم لا؟ و إنما التساؤل:متى ستضربونه؟
رابعاً:أشرنا الى تخوف تشينى من ان يبادر السعوديون الى طلب المساعدة العربية و الدولية قبل غيرها, و السبب مفهوم, أن الفرصة سانحة لكى تضع أمريكا-و أمريكا وحدها-قدمها فى المنطقة بقوتها العسكرية و ليست الاقتصادية فقط, و لعلنا نذكر أنه إثر أزمة البترول التى نشأت فى عام 73 حينما قطع العرب بترولهم عن الدول المؤيدة لإسرائيل, كان هناك اقتراح داخل الادارة الأمريكية بإحتلال منابع البترول فى الخليج.
خامسا:مبارك الذى كان يسعى فى البداية لحل المشكلة داخلياً و كرر نداءاته لصدام بالإنسحاب, هو مبارك الذى طمأن بوش فيما بعد من قدرات الطيارين العراقيين و عدم كفاءتهم و أنه يعرف هذا(لأننا دربناهم), و هو الذى خرج علينا فى حرب العراق 2003 ليقول أنه مندهش لأن الأمريكيون أخبروه أنهم سينهون الأمر سريعاً, فى حين أنه قد طال!!
سادساً:أمريكا منذ دخلت لم تخرج, و اتخذت صدام كفزاعة تخيف بها العرب ليظلوا تحت حمايتها, لكن ها هو صدام لم يسقط فحسب, بل أعدم, فهل خرجوا؟و لم يخرجوا و لم تنضب بعد آخر قطيرة بترول من أرض العرب؟!.
سابعاً:فى كتاب أسرار حرب الخليج لتوم ماثيوز, ذكر أن أحد استراتيجيى بوش قد قال: (كنا عازمين على إنهاء هذه الحرب عندما نريد نحن, و لا بيوم واحد ابكر)
كان الأمريكيون متخوفون من نجاح الوساطات السوفيتية فى إقناع صدام بالإنسحاب, و كانوا مصرين على تدمير قوة صدام تماماً قبل أن يوقفوا إطلاق النار.
سابعاً:ظلت سياسة إدارة بوش فيما تبقى له, ثم إدارة كلينتون طوال فترتيه قائمة على حصار العراق و إماتته موتاً بطيئاً, مع ضربات محدودة من وقت لآخر-تذكروا قصف ملجأ العامرية فى بغداد فى عام 98 فى عهد كلينتون الديمقراطى الطيب كأوباما.
ثامناً:جاء بوش و فى رأسه من البداية قطف الثمرة بعد أن نضجت و استوت, و إحتل بلداً أنهكه الحصار و تدمرت قوته العسكرية, و أكمل الخطة المرسومة, و حينما يظن أحد أن الخطة ستتغير بتغير الشخص فهو واهم, فهذا لا يحدث إلا فى البلاد المتخلفة كبلادنا حيث يرتبط النظام بالشخص, و يكون الفرد الأوحد الملهم الذى يقود الدولة هو الذى يرسم كل السياسات و يمحو كل ما فعله سابقه و يبدأ من الصفر, فمن مرتم فى أحضان الإنجليز إلى مرتم فى أحضان السوفييت يليه مرتم فى أحضان الأمريكان, أما الدول الكبرى ذات المؤسسات فتعمل قياداتها على رسم السياسة بما يحقق مصالح الأمة الدائمة, و قدد تتغير الوجوه و الأساليب فقط, لكن المصالح ثابتة.
تاسعاً:بالأمس زارنا أوباما بوجه مبتسم و لسان عذب, و بما أن اليوم ذكرى النكسة, فإن تعاطى المخدوعين به هو نكسة أيضاً, على الأقل نكسة فكرية, لأننا كأننا ننسى أن من يخاطبنا هو رأس الدولة التى تعتبر أكبر أعدائنا, و الداعم الرئيس للكيان الصهيونى, و نفس اللسان العذب الذى سمعناه بالأمس هو الذى قال:أن إرتباط أمريكا بإسرائيل مسألة لا نقاش بها!!
لن نقول أن التاريخ يعيد نفسه, فهو لا يفعل هذا إلا فى حالة واحدة فقط, مع المغفلين الذين لا يقرأون تاريخهم-ناهيك عن تاريخ غيرهم-و لا يتعلمون من دروس الماضى, و صدق المتنبى حين قال:إذا رأيت نيوب الليث بارزةً.....فلا تظنن أن الليث يبتسمُ
و حسبنا الله و نعم الوكيل, حسبنا الله و ليس أوباما أو غيره.
 

الأحد، 26 أبريل، 2009

الاستشهاد

قد يكون من الغريب أن أسارع الى كتابة هذه الخاطرة و أنا أستمع لمقطوعة موسيقية وردت فى نهاية فيلم (الطريق الى ايلات).
أستمع إليها و أمام عينى تمر مشاهد أذكرها, صور الضباط المشاركين فى العملية, ثم تأتى الموسيقى فى لحظة شديدة الشجن تتزامن مع عرض صورة الشهيد الوحيد فى العملية(رقيب محمد فوزى البرقوقى).
عند هذه اللحظة أشعر بقشعريرة و أن شعر جسدى يقف!!
هذه اللحظة تذكرنى بمرة أخرى, فيلم(عمالقة البحار), الذى تدور احداثه فى فترة العدوان الثلاثى, و بطولة ضباط البحرية المصرية و صمودهم فى وجه المعتدين, و فى مشهد يظهر طاقم السفينة و قد استشهد كله, و على وجوههم امارات الطمأنينة و الهدوء, و أذكر أن الدموع وقتها قد طفرت من عينى.
مشهد آخر, كنت و صديق نتذاكر البطولات التى حدثت فى حرب أكتوبر, ذكر لى أنه قد حضر محاضرة ألقاها محارب قديم كان ضابطاً شارك فى الحرب, كان يتحدث عن النقاط الحصينة التى أقامها اليهود, و مدى صعوبة دكها و تدميرها و السيطرة عليها, فكان الاستيلاء عليها عن طريق الأفراد هو الوسيلة المتبعة, و كان الجندى يتحرك من تلقاء نفسه بدون تلقى أى أوامر, فيلقى نفسه فوق المدفع الرشاش البارز من النقطة الحصينة ليكون جسده درعاً , و ليحمى زملاءه و يفسح لهم الطريق للعبور و السيطرة.
أتخيل هذا المشهد فأقول لصديقى كفى, و عيناى تدمعان.
أتذكر لقاءً تليفزيونياً مع الشيخ حافظ محمد قائد المقاومة المسلحة فى السويس أيام حرب رمضان, يتكلم الرجل العجوز عن البطولات التى قام بها أهل البلد فى القتال مع اليهود, و كيف اضطروا الى دفن بعض الشهداء فى اماكنهم فى الشوارع, و تنتهى الحرب و تمر الأيام و تحفر الشوارع ليجدوا أجساد الشهداء كما هى بدمائها الساخنة, و ابتسامة الرضا على وجوههم, الأجساد الطيبة فى الأرض الطيبة التى تأبى أن تأكل أجساد الشهداء.
أستمر فى التذكر و فى الكتابة جنباً الى جنب, يمر أمام عينى شريط من مشاهد رأيتها فى أفلام سينمائية, أو وثائقية, أو لقطات حية من الأخبار, أتذكر شهداء سقطوا فى ميادين القتال فى سيناء و مرج عيون و كابل و الفلوجة و غزة, و أبرياء استشهدوا فى مذابح جماعية كما حدث فى سربرينتشا و جروزنى و جنين, أتذكر شهداء أحد الذين بكى عليهم الرسول صلى الله عليه و سلم, و شهداء مؤتة, و شهداء القادسية و اليرموك و الزلاقة و حطين و عين جالوت, أتذكر شهداء التل الكبير الذين راحوا ضحية الخيانة, و شهداء هزيمة يونيو الذين راحوا ضحية ال......
أتذكر شهداء الدعوة و الجهاد على مر العصور, أتذكر أن كل هؤلاء قد حملوا أرواحهم على أكفهم و بذلوا أنفسهم لكى نعيش نحن, و لكى تصلنا دعوة الله, و لكى تصبح كلمة الذين كفروا السفلى و كلمة الله هى العليا.
أتذكر أن أى شهيد هو فى الأصل مقاتل أو مقاوم أو مجاهد, و هذه هى الخطوة السابقة لكى تصل لهذه المنزلة, أو قل, لكى تصل لهذه الغاية, نعم هى الغاية طالما كنا ننتمى لأمة تبغى إحدى الحسنيين:نصر أو شهادة.
أتذكر سيدنا خبيب بن عدى و هو معلق فوق الصليب بين مشركى مكة و يقول لهم:
و لست أبالى حين أُقتلُ مسلماً.........على أى جنبٍ كان فى الله مصرعى
و ذلك فى ذات الإلهِ و إن يشأ.........يبارك فى أوصالِ شلوٍ مُمزعِ
أتذكر أحاديث مختلفة لرسولنا الكريم: من جهز غازياً فقد غزا, و من خلف غازيا فى أهله بخير فقد غزا.
من طلب الشهادة بصدق, بلغه الله منازل الشهداء و لو مات على فراشه.
أتذكر دعاء سيدنا عمر:اللهم أرزقنى شهادةً فى سبيلك, و اجعل موتى فى حرم رسولك.
أتذكر كل هذا و أكثر, و أردت أن تتذكروه معى.

الاثنين، 20 أبريل، 2009

رأس الحربة



عندما كان المرء يعجب فى صغره لرؤية إسرائيل و هى تعربد فى الدنيا, و تفعل كل ما تفعله بدون حساب, و بتأييد مطلق من العالم الغربى و على رأسه أمريكا, فإن التفسير الذى كنا نجده ممن هم أكبر منا, أن هذا راجع لأن اليهود متحكمون بشكل كبير فى إقتصاديات الدول الكبرى, و أنهم لهذا يشكلون التوجه و القرار السياسى لهذه الدول.

هذا التبرير يوحى أن ساسة هذه الدول كأنهم مغلوبون على أمورهم, و كأنهم واقعون طوال الوقت لضغوط و إبتزازات من إسرائيل و من كل لوبى صهيونى فى الغرب, و فى المقدمة اللوبى الصهيونى الأمريكى, لكن ما نود أن نوضحه فى هذا المقال أن هذا التبرير قاصر إلى حد كبير.

فوجود إسرائيل من البداية هو ثمرة للتحالف غير المقدس بين اليهود و قوى الإستعمار الغربى, تحالف بين صهاينة من أديان مختلفة, نعم من أديان مختلفة, فالصهيونية كفكر ليست حكراً على اليهود, بل إنها كفكرة تنادى بعودة اليهود إلى فلسطين قد ظهرت بين مسيحيين قبل أن يتبناها من تبناها من اليهود أنفسهم.

كان من الممكن أن أضع علامة تعجب فى نهاية الفقرة السابقة يا قارئى العزيز, لكن الأمر كله ليس فيه ما يدعو للعجب, إن أى تحالفات غير مقدسة مثل هذه قائمة فى الأساس على مبدأ المصلحة, و كما قال تشرشل:لا توجد صداقات دائمة أو عداوات دائمة, توجد فقط مصالح دائمة.

الصهيونية المسيحية حينما نشأت و نادت بعودة اليهود (لوطنهم القومى) فى فلسطين, فإن هذا كله لغرض وحيد, هو تحقيق نبؤات الكتاب المقدس, و التعجيل بقيام حرب نهاية العالم(هرمجدون) تمهيداً لعودة المسيح و حكمه الألفى السعيد(يؤمن هؤلاء بأنه لابد لعودة المسيح أن يتجمع جميع اليهود فى أرض فلسطين, ثم تقوم حرب شاملة بين قوى الخير و الشر, و يعتنق من تبقى من اليهود المسيحية و تنتصر قوى الخير-النصارى-و يعود المسيح ليحكم العالم ألف سنة ينعم فيها العالم بالسلام التام).

أما الصهاينة اليهود, و جلهم من العلمانيين و غير المتدينين, بل و الملاحدة, فنظرتهم للمسألة اليهودية نظرة قومية عنصرية بحتة, و الصهيونية مشروع قومى إستعمارى إستيطانى من الدرجة الأولى, و عندما تعلم أن هرتزل كان لديه خيارات متعددة بخلاف فلسطين لكى تقوم الدولة العبرية عليها-شرق أفريقيا(كينيا و أوغندا), الأرجنيتين, مدغشقر, سيناء!-عندها ستدرك هذه الحقيقة, و ما كان إختيار فلسطين إلا لكى تكتسب الصهيونية بعدا روحيا يجتذب معه قلوب اليهود المؤمنين المتدينين, و يكون حافزاً لهم لترك أوطانهم و الهجرة, أو قل إن شئت(العودة لوطنهم الأصلى).

و لكى يتحقق هذا كان لابد من التحالف غير المقدس مع الإستعمار الغربى, و كان لابد من إقناع القوى الغربية بأن مصلحتها فى الشرق تكتمل بوجود جيب إستيطانى دائم لها فى المنطقة, يفصل بين الدول العربية, و يقطع الطريق على أى إتصال أو وحدة, و يكون مركزاً للفكر و النمط الغربى (المتقدم) فى الشرق(المتخلف), و يكون حتى منفذاً لتصريف البضائع الغربية-بما فيها البضاعة الفكرية-يعنى بإختصار, رأس الحربة للإستعمار الغربى.

طرق الصهاينة أبواب عدة دول فى رحلتهم هذه, فى أوج قوة العسكرية البروسية الألمانية فكروا فى ألمانيا, كما فكروا فى فرنسا(كان لنابليون سبق فى هذا المضمار عندما نادى يهود العالم أثناء حملته على الشرق بالعودة الى فلسطين!), و كانت إنجلترا هى الورقة الرابحة و التى تلاقت مصلحتها مع مصالح اليهود على طول الخط فكان وعد بلفور الشهير, و عندما غربت الشمس عن الإمبراطورية البريطانية إرتموا فى أحضان الوريثة الشرعية لقوى الإستعمار:الولايات المتحدة الأمريكية.

و كما كان تحالف هذه القوة الإستعمارية الصغيرة مع الإستعمار بكافة أشكاله, لم يجد الصهاينة من اليهود حرجاً من التعاون مع عدد من المعروفين بمعاداتهم الشديدة للسامية-قد تندهش عندما تعلم أن بلفور نفسه كان معادياً للسامية-و كان التعاون بين الصهاينة و النازيين تعاوناً مشهوداً, و كل هذا لتحقيق مصلحة مشتركة للطرفين, فللجانب الصهيونى:العمل على تهجير اليهود من أوروبا إلى فلسطين, و بالنسبة للإستعمار الغربى:التخلص من عبء وجود اليهود فى المجتمعات الأوروبية(بسبب النظرة العنصرية القومية, أو عدم قدرة اليهود على الإندماج, أو عدم الإقتناع بكون اليهود عنصراً صالحاً فى المجتمع الأوروبى من الأساس) و نعود مرة أخرى لنضيف أهم نقطتين اللتان نعتبرهما ملخصاً لهذا التحالف غير المقدس: الرؤية الصهيونية المسيحية لليهود التى توجب مساعدة اليهود على (العودة) لفلسطين, و من ثم إقامة دولة لهم و العمل على دعمها على طول الخط, و السبب الثانى, هو أن تصبح رأس الحربة لقوى الإستعمار, تطعن بها بلادنا فى القلب.

لذا فالدعم غير المشروط الذى تقدمه أمريكا مثلاً لإسرائيل ليس ضعفاً من أمريكا بطبيعة الحال, فإن وجود إسرائيل كدولة طفيلية مزروعة فى المنطقة مرتبط حتى الآن بشكل كبير بالهبات الرسمية و الغير رسمية التى تصلها من الغرب, من الحكومة الأمريكية فى شكل معونات الأسلحة و المعونات المادية, و من يهود الشتات و المسيحيين الصهيونيين الذين يقدمون دعماً ماليا ضخماً لضمان بقاء دولة إسرائيل.

لكن فى لحظات معينة حينما تتصرف إسرائيل تصرفاً ضد مصلحة أمريكا, فإن أمريكا تضرب على يدها على الفور, نذكر مثلين أحدهما قديم من الخمسينيات من القرن الماضى, حينما شاركت إسرائيل فى العدوان الثلاثى على مصر, و كان لتهديد الرئيس الأمريكى أيزنهاور و ضغطه على إسرائيل أثره فى التعجيل بإنسحابها, صحيح أن بن جوريون وقتها وعد الشعب الإسرائيل أن ما حدث-من ضغط أمريكى على إسرائيل-لن يتكرر, لكن هذا الوعد أكبر من بن جوريون ذاته.

المثل الثانى قريب, حيث أبدت أمريكا إعتراضاً كبيراً على قيام إسرائيل ببيع عدد من طائرات الإستطلاع المبكر بتكنولوجيا حديثة طورتها إسرائيل إلى الصين, و حينها لم تجد إسرائيل مفراً من إلغاء الصفقة حتى لا تغضب راعيتها و أمها أمريكا.

قد ينخدع البعض لرؤية كم التزلف لليهود الذى يبديه المترشحون للرئاسة الأمريكية, و حقيقى أن اللوبى اليهودى يمثل قوة ضغط داخلية كبيرة, لكن من جانب آخر, فإن لعبة السياسة و الإنتخابات و ما تتطلبه من حتمية إجتذاب كل الأصوات و رؤوس الأموال المؤثرة القادرة على دعم العملية الإنتخابية, كل هذا يوضح سبب هذا التزلف و النفاق, لكن أى دعم غير مشروط لإسرائيل بعد هذا هو قائم بصورة أساسية على دعم مصالح أمريكا و الغرب الإستعمارى فى بلادنا.

إن الحذاء الإسرائيلى لا يدوس على رقبة أمريكا, بل إن العكس هو الصحيح, و الطريق لسقوط تل أبيب يمر بسقوط واشنطن, لا تظنوا أن أمريكا ستتنفس الصعداء إذا سقطت إسرائيل, أو إختفى كل اليهود, إنهم حتى لم يعودوا يكتفون بوجود هذا الجيب الإستيطانى, و لا بإستعمارهم الإقتصادى و الثقافى لنا, فعادوا مرة أخرى للإستعمار بشكله الكلاسيكى كما هو حادث فى العراق.

إن تغيير السياسة الأمريكية فى الشرق الأوسط سيكون أحد العوامل الأساسية فى تفكيك إسرائيل, فإسرائيل بكل ما تبدو عليه من تقدم و تطور و إكتفاء لا تستطيع الصمود وحدها بدون دعم قوى الإستعمار, و أعود و أكرر كلمة الإستعمار و لن أمل من تكرارها , فالبعض يظن أن الإستعمار مصطلح كلاسيكى قديم قد ولى زمنه منذ ستينيات القرن الماضى, لكن الصحيح أن هذا المفهوم موجود منذ بداية التاريخ, و سيستمر و لكنه يتخذ صوراً و أشكالاً مختلفة حسب الزمان و المكان و تغير الظرف السياسى.

و نحن لن نربط مصيرنا برغبتنا فى أن يتعطف علينا الإله الأمريكى و ينظر لنا بعين العطف و يغير سياسته نحونا, فالخيار الأول و الأساسى هو الإستمرار فى المقاومة بكل أشكالها, و على رأسها المقاومة المسلحة, تسير معها أسلحة المقاطعة و دعم المقاومين مادياً و أدبياً و معنوياً, و نشر فكر المقاومة و روح الجهاد و إحياء العزائم و رفع الهمم.

القضاء على مخططات الإستعمار التخريبية فى بلادنا هو السلاح الثانى فى معركتنا, و أبرز مظاهر التخريب هو تخريب الجيل و القضاء على الشباب:فكرياً, و حتى جسدياً, و هو ما علينا أن نقاومه-كل حسب قدرته فى المحيط الذى يتحرك به-بتصحيح المفاهيم و رفع الغشاوات عن العيون, و أن ننتقل من مقاعد التنظير إلى العمل الفعلى.

و مخاطبة الرأى العام الغربى و إستمرار التواصل معه, مع الأحرار من الشعوب الأخرى, لكى تكون الصورة واضحة أمامهم, لكى يعلموا أن مصالح بلادهم ليست فى إستمرار الإستعمار, هذا التواصل مهم, فمع تزايد عدد المؤمنين بوجهة نظرنا تتولد قوة ضغط داخلية أخرى فى الغرب, قد لا تكون حتى الآن لها نفس تأثير القوى المعادية, لكن على المدى البعيد, ستنقلب الموازين, لأن العالم يتغير, و هذه من سنن التاريخ التى تعودنا عليها.

و قد يرى كثيرون أن هذه أوهام و أضغاث أحلام, لكن التاريخ علمنا أن دوام الحال من المحال, فهناك قوى تولد و قوى أخرى تغرب عنها الشمس, و هناك آخرون همل لا يؤثرون فى أى شىء, و لكن قد يصبحوا مؤثرين بدورهم فى فترة لاحقة-كحال العرب قبل و بعد الإسلام-المهم أن نتحرك و نعمل كى نكون بدورنا من المؤثرين لا من الهمل و الأتباع.

و لسوف يأتى اليوم الذى تنكسر فيه رأس الحربة بأيادينا, و ربما يكون هذا مقروناً بإنكسار الحربة ذاتها.