
فى ظل التردي الأخلاقي الرهيب الذى نراه فى السينما و التلفاز, أو نسمعه فيما يصدر من أغان, أو حتى نقرأه فى صورة كتب و مقالات, فإن المرء لا يسعه إزاء هذا الطوفان من التفاهات و العهر إلا أن يدعم أى مجهود راقٍ و جاد بما يقدر عليه من وسائل مادية أو معنوية أو كليهما إن أمكن.
منذ أعوام مضت أنتج نفرٌ من المسلمين بالولايات المتحدة فيلم كارتون إسمه(محمد خاتم الرسل)يحكى قصة سيد الخلق صلى الله عليه و سلم.عندما عُرِضَ هذا الفيلم فى مصر, قررت و أحد أعز أصدقائى أن ندخله-رغم ضعفه الفنى مقارنةً بأفلام هوليوود بالطبع-و ذلك بنية دعم الفيلم و الفكرة.
بعد هذا قام المخرج الأمريكى مايكل مور بعمل الفيلم الوثائقى(فهرنهايت 911)الذى يعرض حال أمريكا منذ تولى بوش الرئاسة, مروراً بهجمات 11 سبتمبر, ثم حرب أفغانستان و إحتلال العراق.و الفيلم ينتقد الحرب و السياسة الإستعمارية الأمريكية و سياسة بوش بوجه عام.و فيلم كهذا كان لابد من دخوله أيضاً دعماً للفكرة, و تشجيعاً لعارضى الأفلام فى مصر على الإستمرار فى عرض هذه النماذج من الأفلام الجادة.
و الفيلم الذى نتكلم عنه اليوم (678) فكرة و إخراج شاب مصري (محمد دياب), و بطولة مجموعة من المثلين الذين أبدعوا فى تمثيل أدوارهم.الفيلم يعرض لقضية التحرش الجنسي, و هو مستوحى من قصص حقيقية أشهرها قصة (نهى رشدي)التى كانت أول من تمسكت بحقها و رفعت قضية ضد السافل الذي تحرش بها.
لا أحتاج أن أكون ناقداً فنياً لأتكلم عن الفيلم من الناحية الفنية, فالقصة لا غبار عليها بالطبع لأنها قصة جادة هادفة تناقش قضية هامة.و الإخراج جيد جداً و أكثر ما أعجبنى المشهد الذى جمع أبطال القصص الثلاث فى إطار واحد دون إرتباط بين هذه القصص, و كذلك حرص المخرج على أن يفهم المشاهد أن فعل تحرش ما قد تم دون أن يتم تحرش فعلاً, و ذلك بحرفية إخراجية من خلال لقطات سريعة مع بعض الخدع.أما التمثيل فقد أجادت الفتيات فى تشخيص أدوارهن و توضيح كيف تأثرت حيواتهن بما تعرضن له.و أجاد ماجد الكدوانى فى تشخيص دور ضابط المباحث المتعاطف مع القضية, و الذى تبقى يداه مكبلتان بسبب عدم قيام أى ضحية بتقديم بلاغ.
عرض الفيلم كيف تسبب فعل التحرش المتكرر فى تدمير حياة اللواتى تعرضن لهذه الجريمة, على تنوع خلفياتهم و أوضاعهم الإجتماعية.كما عرض سلبية المجتمع تجاه هذا الفعل سواء من الإناث اللواتى يتعرضن للتحرش و مع هذا يلتزمن الصمت.أو من الذكور-و لا أقول الرجال-الذين لا يحركون ساكناً إزاء هذا الفعل.
و العجيب أن نجد فى مجتمعنا من يبرر سكوته و سلبيته إزاء هذا الفعل المجرم بأن يلقى باللائمة على الضحية بدعوى أنها كانت ترتدى ملابس غير لائقة!!و فات هؤلاء أن المتحرش يتحرك وراء جسد الأنثى أياً كان ما ترتديه, حتى أننا نجد من السفلة من ييتحرش بمنتقبات!! و حتى لو كانت الفتاة ترتدى ملابس تكشف أكثر مما تستر, فإن هذا ليس مبرراً لإنتهاك جسدها و هتك عرضها.
إن فعل التحرش ليس بدنياً فقط, فما يسمى بالمعاكسة هو تحرش لفظى, و حتى النظرة العابثة المتفحصة لجسد الأنثى هى تحرش فى حد ذاتها.و قد دأب الإعلام و الأفلام على التبسيط من هذه الأمور و التهوين من شأنها حتى صارت عادية فى أذهان البعض, و أوضح مثال هو تسمية التحرش اللفظى بإسم(معاكسة), و كأنه شىء بسيط لا جريمة, فى حين أن الأمور يجب أن تسمى بمسمياتها.
و عرض الفيلم فى أحد مشاهده قيام أحد المتحرشين بملاحقة إحدى بطلات الفيلم و هو يغنى أغنية لتامر حسنى مليئة بالإيحاءات قد إنتقدناها من قبل, و ينتهى الأمر بأن يتحول الأمر من تحرش لفظى لتحرش بدنى, و هذا ليس مبالغة فإن تبسيط الإيحاءات المبتذلة فى وسائل الإعلام يبدأ بصدمة بسيطة لدى المتلقى فى البداية ثم يستمرئه ليتحول لشىء عادى, و من ثم ينطلق للمرحلة التالية ليتعود على ما هو أبشع و ينزل دركة بعد دركة.
و المسألة مسألة سلف دين(يا إبن آدم إفعل ما شئت كما تدين تدان).فنظرة أحدهم إلى جسد إمرأتك بطريقة غير لائقة قد سبقتها نظرات منك إلى عورات غيرها. و معاكسة أحدهم لأختك ربما كانت عقاباً لك على معاكستك لأخت شاب آخر.
أما وقوفك لإمرأة فى وسيلة نقل عام لتجلس و تحمى نفسها من الزحام, أو شهامتك فى حماية أخت لك فى الشارع من تحرش أحد السفلة, فلابد أن الله سيحفظ لك هذا و يشكرك عليه فى أهلك. و رحم الله الإمام الشافعي الذى قال:
عِفوا تعفُ نساؤكم فى المحرَمِ........ و تجنبوا ما لا يليقُ بمســـــلمِ
إن الزنا دينٌ إذا أقرضـــــــتهُ......... كان الوفا من أهل بيتك فاعلمِ
و على مستوى أكبر, فدولة تتحرش بأبنائها و مواطنيها لا تلبث أن تتعرض هى بدورها لتحرش-أو تحرشات-من أعدائها, و فى حالة دولنا العربية, فإن الأمر تخطى مرحلة التحرش إلى ما هو أبعد من هذا بكثير.
و قد يبدو غريباً وسط سيل المقالات و الكتابات التى تتكلم عن تونس و مستقبل المنطقة, و عن الإحتجاج يوم 25 يناير القادم أن أكتب هذا المقال. و لكنى أكتب لسببين, أولاهما, أن الفيلم جيد و هادف و يستحق المشاهدة كما بينت من قبل, و ثانيهما, أن هذه النوعية من الأفلام تستحق الدعم و نحتاج المزيد من هذه النوعية, لأنها الأفلام التى نحتاجها فى هذه المرحلة و فى المرحلة القادمة حين تنقشع الغمة و تتحرر الأوطان. فكل التفاهات و الهراء الذى يحدث حولنا هو من إفرازات الأنظمة الفاسدة التى نرزح تحت وطأتها. و يصبح مجهود مثل هذا بصيص أمل لنور قادم من بعيد لغد ننتظره بشوق, و نأمل فى المزيد منه.و لذا علينا أن نعمل لهذا الغد من الآن و نستعد له بما يلزم له, فهو آت آت.
قد يظن بعضكم أنى مبالغ, و قد يرانى البعض حالماً رومانسياً, لكنى لا أتكلم من منطلق التفاؤل المفرط غير الواقعى, بل من منطلق اليقين. اليقين الذى يجب أن يتمسك به كل ساع للحرية و كل مؤمن بالتغيير. و بدون هذا اليقين لن نخطو خطوة واحدة للأمام.
و إن غداً لناظره قريب.