السبت، 28 فبراير 2026

قراءة لكتاب (جنود وجواسيس وحكام:طريق مصر إلى الثورة) لحازم قنديل


إن دراسة التاريخ ليست بأي حال من الأحوال مجرد سرد للأحداث والوقائع التاريخية، وإنما هي في الأساس مبنية على قراءة المؤرخ أو الباحث أو الدارس لتسلسل الأحداث، وربط الوقائع بعضها ببعض، ومقارنة الروايات المختلفة، للوصول لفهم أقرب ما يكون للصواب، ولكي يستطيع الإجابة عن أسئلة من قبيل: كيف، ولم حدث ما حدث؟، وبالتبعية يكون لديه القدرة على استشراف ما قد يحدث في المستقبل القريب.

والكتاب الذي بين أيدينا هو دراسة ممتعة تمر بنا في تاريخ مصر الحديث، من قبيل يوليو 52، وحتى انتخابات الرئاسة في 2012، وليس الغرض منها هو السرد التاريخي، وإنما تحليل الأحداث عن طريق دراسة العلاقات بين أضلاع مثلث القوة الذي يمثل السلطة في مصر، والذي حدده الكاتب بأنه مثلث رأسه السلطة السياسية، وضلعاه: الجيش والأمن.
بنى الكاتب دراسته على فرضية تحمل الكثير من الوجاهة، وهي أنه من الخطأ والاختزال "افتراض أن الجيش وقوات الأمن يشكلان في الأساس "القبضة الحديدية" أو "الأيدي القوية" للسلطة أوغيرها من الاستعارات التي تصورها وكأنها مجرد توابع وليسا مؤسسات مستقلة ذات مصالح متمايزة. فالقوات المسلحة والمؤسسة الأمنية شريكان أساسيان في النظام الحاكم لأي دولة، إذ يعملان مع الجهاز السياسي وليس لصالحه، بغض النظر عما ينص عليه الدستور. تتطابق مصالح الشركاء الثلاثة عادة لتبرز وكأنها نموذج عن الوحدة فيما بينها، لكنها ليست كذلك أبدًا."

كما يذكر مقولة مكيافيلي "لا مجال للمقارنة بن الرجل المسلَّح وغير المسلَّح، ومن غير المنطقي أن نتوقع من الرجل المسلَّح الخضوع طواعية لآخر أعزل، أو أن يقف السيد الأعزل آمنًا بين خدمه المسلحين"

ثم يتساءل عن قدرة السلطة السياسية السيطرة على القوتين المسلحتين قائلاً: "فكيف يمكن للقادة السياسيين إخضاع شركائهم الأقوياء؟ عادة ما يتفاوض السياسيون وشركاؤهم على التراتبية التي تُحَدِد لكل جهة نفوذها في السلطة. والثقل النسبي لكل مؤسسة من المؤسسات الثلاث هو ما يجعل نظامًا ما سواء كان ديمقراطيًا أو غيره خاضعًا لهيمنة الجيش وأمنيًا استبداديًا. ولذا، يجب أن يبدأ تحليل أي نظام بإيضاح العلاقة بين مكونات "مثلث القوة" هذا، أو إزالة الغموض المحيط بها. وهذا هو جوهر الواقعية المؤسسية التي تسلط الضوء على الصراع المستمر على السلطة بين المؤسسات الباحثة عن مصالحها الذاتية داخل الدولة. إنها لا ترى الدولة كجسم موحد أو مترابط، بل كمزيج من المؤسسات لكل منها أجنداتها الخاصة لتعزيز نفوذها، والتي قد تكون أحيانًا متصارعة فيما بينها- بغض النظر عن الهدوء الظاهر- ومتحالفة مع بعضها البعض أحيانًا أخرى، لكن هدفها دائمًا هو تعزيز مصالحها الخاصة."

لكن هنا يجب أن نلفت النظر إلى أن قراءة التاريخ وتحليله بناءً على فرضية أو نظرية مسبقة قد تجعل الكاتب أحياناً يتعسف في تفسير الحدث، أو ينتقي من الأحداث ما يؤيد وجهة نظره، أو يجزم بأن صانع الحدث كان يخطط لكذا أو كذا، ناسياً أن الكثير من القرارات – وخصوصاً في الأنظمة المستبدة – يكون أساسها العفوية والارتجال، وليس التخطيط بعيد – أو حتى قريب – المدى بالضرورة، هذا غير دور الصدفة والغباء على تعبير إيريك دورتشميد، وهذا أشبه بالناقد الفني الذي قد يذهب في تحليل العمل الفني مذهباً بعيداً عما كان يدور في ذهن الكاتب أو المخرج نفسه. ومن وجهة نظري، أن فرضية الكاتب على وجاهتها، قد جعلته يذهب بعيداً حينما حاول اسقاطها على حرب أكتوبر، كما سيتضح لاحقاً.

أشار الكاتب إلى توافق الرؤى الغربية من قبل الثورة على الحاجة لوجود (زعيم عربي يتمتع بسلطة في يديه أكبر من أي زعيم عربي آخر في أي وقت مضى) وأن يكون (شخص يرغب بشدة في الحصول عى السلطة، من أجل السلطة فقط)، وأن خلاصة وجهة النظر الأمريكية- البريطانية المشتركة هي أن: "النوع الوحيد من الحكومة التي يمكننا أن نأمل في الحصول عى تسوية معها هي حكومة استبدادية صريحة...قاسية وعملية في آنٍ معًا... إننا نحتاج مصطفى كمال آخر لعلمنة بلاده وتغريبها... وذلك بالرغم من أن المصرين ليسوا أتراكًا، ولا يمكننا طلب رجال مثل مصطفى كمال كما لو كنا ننتقي طعامًا من قائمة في مطعم!". كما كانت وجهة النظر هذه متوافقة على ضرورة سيطرة حكومات عسكرية مستبدة لضمان عدم وصول الشيوعيين إلى الحكم، وأن العامل الأهم الذي يجب أخذه في الاعتبار هو استقرار الحكم، وهو ما ستوفره الحكومة العسكرية المستبدة.

استعرض الكاتب تكوين الجيش في مصر من قبل يوليو 52، والهزيمة في حرب فلسطين، ثم الصراع على السلطة بين ناصر ونجيب، وفشل نجيب في إدراك أن الشعبية الجماهيرية قد تُكتسب بسهولة وتتبخر بالسهولة ذاتها، وكيف استطاع ناصر تحييد والسيطرة على الاتجاهات المعارضة داخل الجيش، والحركة السريعة لاجهاض تمرد المدفعية ثم الفرسان، وعمليات التطهير المستمرة لضمان عدم بقاء أي اتجاهات مسيسة داخل الجيش قد تهدد استقرار النظام الجديد.

وتكاد تتبدى وجاهة فرضية الكاتب عن مثلث القوة أقوى ما تتبدى في الحقبة الناصرية، حيث كان الجيش بقيادة عامر دولةً داخل الدولة، ولم يتوقف هذا الوضع الشاذ الذي أودى بالبلاد إلى الهاوية إلا بعد هزيمة 67، ومرة أخرى كان تحرك ناصر وأعوانه أسرع من خصومهم في السيطرة على التمرد، وخلت الساحة باستقرار قمة الهرم السياسي، وتحييد ضلع الجيش في مثلث القوى.

طوال الحقبة الناصرية كانت هناك محاولات لتقوية ضلع الأمن بقيادة زكريا محيي الدين الوفي لعبد الناصر، لكن المشير ورجاله كانوا من القوة بحيث يحجمون هذه القوة. لكن المعادلة اختلفت بعد الهزيمة، وزاد هذا في عصري السادات ومبارك.

بدأ الكاتب تناول عصر السادات بفرضية أنقلها كما هي، فيقول: " في عام 1967 ، بدأ رجال عبد الناصر بنزع الطابع السياسي عن الجيش لكنه لم يستطع إتمام ذلك فمات وهو في مرحلة مبكرة من هذا العمل. وبدأت للتو مرحلة انتقالية للتحول من هيمنة الجيش على المشهد السياسي إلى هيمنة الأجهزة الأمنية.

ولذا، فإن شن أي حرب على إسرائيل وكسبها في هذه المرحلة يهدد بإعادة الجيش إلى مركز الصدارة. كما أن الفشل في أي حرب وتكبد الهزيمة مرة أخرى سيكون في أفضل الأحوال انتحارًا سياسيًا. أما الطريق الوسط فيما لو وُجد في أرض الواقع فقد كان ضيقًا وشائكًا، إذ يقضي بشن حرب ناجحة دون إعادة نفوذ الضباط إلى المشهد السياسي. ولا يمكن تحقيق ذلك إلا عبر تحقيق انتصار عسكري محدود، والأهم من ذلك ألا يفرز للمصرين رمزًا شعبيًا. إذ لا يمكن السماح بظهور بطل عسكري في أعين الناس لأنه قد يستأثر بولاء القوات المسلحة ويتصدر المشهد العام برمَّته. ولذا يجب أن يرى الجنود والمواطنون عى حد سواء أن تحرير سيناء إنجاز سياسي في المقام الأول لا عسكري، وأن يبدو المجهود الحربي ثانويًا في مقابل الدور السياسي. في هذا المنعطف الحرج، استغل السادات موهبته في التخطيط إلى أبعد حدود. تطلب هذا النجاح إسراتيجية حذرة وصلبة، إذ سيوظف الرئيس بعضًا من أفضل الجنرالات المصريين في مهام قصيرة الأجل لإنجاز مهام عسكرية صعبة قبل عزلهم -ويفضل حينها تشويه سمعتهم- كي لا يتمكنوا من ترجمة إنجازاتهم العسكرية سياسيًا. فهل بالإمكان القيام بذلك؟ هذا ما سيتناوله هذا الفصل."

والحقيقة أنني أرى في هذه القراءة قدراً كبيراً جداً من الشطط والمبالغة، فالظن أن السادات تعمد الدخول في حرب محدودة والخروج بنصر محدود فقط للسبب المذكور أعلاه هو مقامرة وأمرٌ غير منطقى وغير معقول بالمرة، حتى مع محاولات الكاتب من خلال سرده لوقائع الحرب وإيحائه بأن السادات كان يتعمد (فرملة) تقدم الجيش أثناء الحرب، فمع قناعتي الشخصية بأن السادات ضيع الكثير من الفرص، وكانت أوامره وتدخلاته من أسباب ضياع ثمار النصر، فإن قناعتي أيضاً أن قرارات السادات كانت مبنية على حسابات خاطئة، وقناعات شخصية منحطة منبهرة بأمريكا وترى (كل أوراق اللعبة في أيديها)، وكان السادات مسرفاً في إعطاء الأمريكان واليهود أكثر مما كانوا يحلمون به، وبالتالي كان يحرق أوراق مساوماته قبل أن يكسب مقابل ما تنازل عنه، وقد أدرك كيسنجر هذه الحقيقة مبكراً، ولعب عليها جيداً جداً. وعلى كل حال، يحتاج القاريء لمراجعة دقيقة لمذكرات العسكريين والدبلوماسيين المحيطين بالسادات خلال هذه الفترة ليكون قناعاته الخاصة حولها.

أما سياسة السادات مع العسكر، فبعيداً عن الدراسة التي بين أيدينا، فالمطلع على تاريخ السادات يرى أنه كان يزيح باستمرار كل من كان له فضل عليه في لحظات ضعفه – كما فعل مع الليثي ناصف ومحمد صادق – وكان يزيح أيضاً من لا يتوافق مع رؤيته، وقد تعمد لأسباب مفهومة تعيين أحمد إسماعيل (المريض) كوزير دفاع، ورغم تاريخه السيء مع رئيس الأركان الشاذلي، لكن على جانبٍ آخر، فبعد الحرب عمد إلى زيادة قوة الشرطة وحجم قوات الأمن المركزي، والحرص على تغيير قيادات الجيش أولاً بأول، خصوصاً حينما يكون من الواضح عدم تقبلها لتوجهه وطريقته في المفاوضات مع العدو.

لكن من الأجزاء اللافتة في الكتاب والتي تثير التأمل – والأسى في الوقت ذاته – هو الحديث عن أثر الاستبداد السياسي في الأداء العسكري للجيش، فننقل كلامه هنا لأهميته على طوله بتصرف، حيث يقول: "الحكام المستبدون لا يتحملون فكرة القائد العبقري الذي يبرز في الحرب ويستثمر إنجازاته وأمجاده في ساحة المعركة للوصول إلى منصب سياسي. لذا، تستبق الأنظمة الخائفة صعود هؤلاء الأبطال العسكريين الذي ولدوا في ساحة المعركة من خلال جعل القرار العسكري مركزيًا وحصره في بعض الجنرالات الموثوق بهم.

إن أسلوب الحرب الذي تمليه السياسة صارم للغاية بحيث لا يسمح بإستراتيجية "حرب الحركة" المتفوقة التي تعتمد على مناورات ديناميكية وعفوية، فتتطلب ضباطًا متوسطي الرتب ومستقلين يتخذون القرار بشكل ارتجالي في المعركة دون أوامر مسبقة. وقد ثبتت فعالية هذا النوع من الحروب تاريخيًا عبر معارك الفيلق الروماني والقوات الاتحادية الأمريكية والفيرماخت الألماني وآخرين، وهي أيضًا إستراتيجية القتال المُحبَّذَة لإسرائيل منذ عام 1948.

وعلى النقيض من ذلك، أثبت أسلوب الهجمات الثابتة والدفاع في الخنادق الذي اعتمد عليه الجيش المصري في الحروب مرارًا وتكرارًا أنه دون المستوى المطلوب.

لذلك يستطيع أي باحث في الحروب العربية الإسرائيلية أن يلاحظ قوة مصر في قدرتها الدفاعية العنيدة، في حين أن ضعفها الرئيسي قد يُعزى إلى عجزها المستمر عن شن حرب خاطفة متحركة. لقد عانى السلوك الحربي المصري في ظل هيكل قيادة وسيطرة شديد المركزية للضباط الميدانين يمنع الارتجال والمبادرات غير المصرح بها، و"يسفّه بشكل تام مبادرات صغار الضباط، وهم الكادر الذي تعتمد عليه الحرب المتنقلة".

برز هذا الضعف خصوصًا خلال حرب أكتوبر، فبالمقارنة بالفوضى التي سببها أمثال أدان وأرئيل شارون اللذان شقا طريقها خلف الخنادق المصرية وأحدثا الثغرة، كان قادة الفرق والألوية المصرية مقيدين بقرار حفنة من الجنرالات القدامى القابعين في مركز "العمليات 10 " بالقاهرة. وعندما سُئل ضابط مصري متوسط الرتبة خلال مقابلة بعد الحرب عن القائد الميداني الأكثر حيوية من وجهة نظره قال ببساطة "وزير الحربية أحمد إسماعيل". وعندما سُئل قائد الدبابة- الذي اشتكى من أنه كان على بُعد نصف ساعة من ممر متلا... نصف ساعة فقط"- عن سبب عدم سيطرته على هذه المواقع ذات القيمة الإسراتيجية، هز كتفيه وقال "اسألهم في القاهرة". كما سُئل صغار الضباط عن سبب عدم ردهم على الخرق الإسرائيلي للخطوط الأمامية المصرية في الدفرسوار بالسرعة الكافية، فقال أحدهم موضحًا "لشن عملية يشارك فيها الجيشان الثاني والثالث تحتاج لتعميم أوامر تحمل توقيع أربعة ضباط أركان مختلفين".

في المقابل، عندما سئل مؤسس جيش الدفاع الإسرائيي ديفيد بن غوريون عن أهم منصب في دولة إسرائيل أجاب دون تردد "قادة الكتائب... هؤلاء هم الرجال الذين يحمون مستقبل إسرائيل". وخلص الكولونيل نورفيل دي أتكن الذي تراكمت لديه سنوات من الخبرة في تدريب الضباط المصرين إلى أن "ضابط الصف في الجيش الأمريكي يتمتع بسلطة مماثلة لضابط برتبة عقيد في جيش عربي". انتهى.

تناول الكاتب علاقات مثلث القوة خلال عهد مبارك، ووضع الجيش خلال عهد أبو غزالة، ثم تقوية الداخلية لتصل إلى ما وصلت إليه في عهد حبيب العادلي، وتراجع وضع الجيش خلال هذه الحقبة إلى أن حدثت ثورة يناير، وانحياز الجيش لها في ظل تلاقي المصالح وخصوصاً أنها كانت أكبر فرصة لايقاف مشروع التوريث.

لم يتناول الكاتب المرحلة الانتقالية بالكثير من التفصيل، في الأغلب لأنه كان على وشك إنهاء الكتاب قبل الثورة أصلاً، لكن لفت نظري ما كتبه عن جماعة الإخوان، وأنقل هنا أولاً هذه الفقرة التي كتبها عن موقفهم خلال عهد نجيب، فيقول: "لم يتعاطف نجيب مع الإخوان الذين وقعوا في فخ واضح. فسذاجتهم- من وجهة نظره-أعمتهم عن رؤية حقيقة أن عبد الناصر استخدمهم لتوطيد سلطته وحسب. ومن السهل ملاحظة الطمع والسذاجة اللذان تعاملت بهما الجماعة مع كافة الصفقات السرية طوال تاريخها، ما جعلها عرضة لتلاعب الملوك أو رؤساء الوزراء أو أي شخص في موقع الحكم والمسؤولية؛ وقد ظهر هذا الاتجاه نفسه عام 2011 في علاقة الإخوان بالضباط الذين تولوا السلطة بعد انتفاضة 25 يناير الشعبية."

ثم يقول عنها بعد ثورة يناير: "كانت جماعة الإخوان المسلمين حينها قد أتمت عامها الثمانين منذ التأسيس، وهي حركة إصلاح بيروقراطية للغاية تلاعب بها النظام على الدوام (لتخويف الليبرالين في مطلع الخمسينيات، واليساريين في السبعينيات، والإسلاميين المتشددين في الثمانينيات والتسعينيات، والأمريكين طوال الوقت)، قبل أن تُستبعد من المشهد (عادة إلى السجن) بمجرد أن ينتهي دورها."

انتهى الكتاب بانتخابات الرئاسة في عام 2012، والكتاب مع كونه ممتعاً للقاريء، ويثير فيه العديد من التأملات والأفكار – والشجون أيضاً – خلال رحلة قراءته، لكنه في الوقت ذاته لا يخلو من بعض المبالغات والشطط في بعض المواضع كما ذكرنا، وهو في الوقت ذاته لا يصلح لأن يكون قاعدة مضطردة يمكن تطبيقها على كل الأنظمة ولا كل المراحل، فالأنظمة في الديمقراطيات الغربية المستقرة لها تحليل مختلف لعناصر القوة والسيطرة، وحتى الملكيات الريعية كما في دول الخليج مع كونها هي أيضاً حكومات مستبدة، فلا يصلح نفس النموذج من وجهة نظري للإسقاط عليها، بل وحتى الجمهوريات العربية المستبدة، سواء عراق صدام أو سوريا الأسد، فإنها نماذج قد تقترب من النموذج المصري في أشياء، وتبعد عنه كثيراً في نواحٍ أخرى. وحتى تطبيق نفس النظرية على مصر فيما بعد 2012 يجب أن يكون له محاذيره، لأن من البديهي أن علاقة الصراع بين جناحي السلطة في عهد عبد الناصر كان نابعاً بشكل كبير من كون الضباط الأحرار في الأصل (أقران) و (مسيسين)، وإن كان ناصر قد استطاع تحجيم الجميع، فإنه لم يستطع ذلك مع عامر، فكان ما كان، لكن هذا الوضع انتفى تماماً فيما بعد ذلك.

أختم تعقيبي على الكتاب بأن أهم ما سيخرج به القاريء، وخصوصاً وهو يتأمل فكرة صراع المصالح بين عناصر مثلث القوة، هو أنه للأسف ستترسخ لديه هذه قناعة أنه (مفيش فايدة)!