الجمعة، 13 مايو، 2011

الدولة الدينية و الدولة المدنية بين الحقيقة و الوهم


طالما أننا بدأنا فى النقاش حول المصطلحات التى تثير لغطاً فى الساحة السياسية المصرية, فلنتكلم هذه المرة عن مصطلحين مثيرين للجدل بصورة كبيرة, هما الدولة الدينية و الدولة المدنية.

لكن قبل أن نعود للكلام فى حرب المصطلحات التى تكلمنا عنها من قبل, لابد أن نلفت النظر لمبدأ هام جداً, و هو أنه من غير المنطقى و من غير المعقول أن تثار حروبٌ كلامية و مشاحنات و مشادات حول مصطلحات و شعارات عفى عليها الزمان, أو ليس لها تطبيق عملى فى الواقع المعاصر, أو حتى لم يكن لها تطبيقٌ عملى حقيقى فيما مضى, و هذا هو الجنون بعينه!!

نعود لموضوع اليوم و هو الدولة الدينية و الدولة المدنية.

يبدأ الحديث برفض كامل لما يسمى بالدولة الدينية من قبل التيارات العلمانية, فيرد عليهم أتباع المنهج الوسطى من الإسلاميين أنهم بدورهم يرفضون الدولة الدينية و أنه لا وجود لها فى الإسلام من الأساس و أن ما يريدونه هو دولة مدنية مرجعيتها الإسلام.فيشكك الفريق الأول فى كلامهم و كلما وقع حادث-حقيقى أو مكذوب-متورط فيه بعض المتطرفين أو منسوبٌ إلى الإسلاميين كذباً عليهم, يُتخذ هذا ذريعةً للتخويف أكثر من الدولة الدينية.ثم يخرج علينا بعد كل هذا بعض المتطرفين و ضيقى الأفق ليحذرونا من الدولة المدنية لأنها تعنى منع الحجاب و إباحة الزنا و الخمر و الشذوذ!!!!!

فما تعريف الدولة الدينية, و ما تعريف الدولة المدنية؟

الدولة الدينية أو الثيوقراطية نظام حكم تكون فيه السيادة فى الدولة لرجال الدين, فهم الذين يشرعون و يحركون مقاليد الأمور.و هو نظام شهدته أوروبا فى العصور الوسطى.

و جدير بالذكر أن ظهور العلمانية فى أوروبا كان رد فعل قوى على فساد رجال الدين و سطوتهم.و بدلاً من تطهير المؤسسة الدينية و وضع ضوابط تنظم العلاقة بين السياسة و الدين فقد تم إستبعاد الدين نهائياً و وضعه على الرف.و بذلك فإن العلمانية هى علاج أوروبى لعرضٍ أو مرضٍ أوروبى صرف و لم يشكُ منه العالم الإسلامى.لكن جهابذتنا رأوا أن أوروبا لم تتقدم إلا بعد أن أخذت طريق العلمانية التى هى فى أبسط و أكثر تعريفاتها إختزالاً(فصل الدين عن الدولة), و كان هذا بمباركة الإستعمار و تحت رعايته.

نكرر أن نموذج الدولة الدينية حسب التعريف المذكور لم يكن له وجودٌ فى تاريخ الدول الإسلامية و لم تعرفه أرض الإسلام.لذا فإنى أرى أنه لا معنى لطرح هذا المصطلح من الأساس كخيار نرفضه و نحذر منه, لأنه ليس هناك من يدعو له, حتى التيارات الإسلامية.

و عندما يسعى المعتدلون من الإسلاميين إلى توضيح فكرة خلو الإسلام من نظام الدولة الدينية, يُطرح أمامنا النموذج الإيرانى فى العصر الحديث.يرد الفريق الأول بأننا فى مصر نتبع المذهب السنى و ليس لدينا نظام ولاية الفقيه الذى رسخه الخمينى فى الفكر الشيعى و بالتالى لا يمكن تطبيقه فى مصر.مع الإعتراف بأن النموذج الإيرانى هو دولة دينية حسب التعريف الأول.

و عندما يُقدم إلى أحد المتخوفين من الدولة الدينية و نظام الحكم الإسلامى دولة السعودية نموذجاً أكاد أستلقى على قفاى من الضحك.لأنى لا أعتبر السعودية دولة إسلامية تطبق الشريعة من الأساس, و إنما يصح فيها قول رسول الله:إذا سرق فيهم الشريف تركوه, و إذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد.و من ينظر للدولة السعودية من الإسلاميين على أنها دولة تطبق شرع الله لكونها تقيم بعض الحدود فلديه فهم قاصرٌ للغاية لمفهوم تطبيق الشريعة.

الدولة المدنية من جهة أخرى ليس لها تعريف محدد, فهناك من يرى أن هذا المصطلح هو للتمييز بين هذه الدولة و بين الدولة التى يحكمها العسكر.و هناك من يضع هذه الدولة إزاء الدولة التى يحكمها رجال الدين, و هو المفهوم الموجود حالياً فى مصر.

و يضع دعاة الدولة المدنية حالياً هذه الدولة مقابل الدولة الدينية.و يصفونها بأنها الدولة التى تضمن الحريات للجميع و تنتظم العلاقات بين أفرادها حسب مبدأ المواطنة.و لا يتدخل رجال الدين فيها فى السياسة.بل و ينفصل الدين عن السياسة كليةً عند أغلب دعاتها.

و يسعى نفس الفريق المعتدل من الإسلاميين إلى طرح صيغة الدولة المدنية ذات المرجعية الإسلامية, و يوضحون الفكرة بأن الدولة الإسلامية قامت كدولة مدنية فى الأساس.و الرسول صلى الله عليه و سلم عندما أسس دولة المدينة وضع دستوراً من 42 مادة ينظم العلاقة بين أبناء هذا المجتمع:مسلمين(مهاجرين و أنصار),و مشركين, و يهود.و كان مبدأ المواطنة واضحاً فى وثيقة المدينة و ما تلاها من عهود من النبى و خلفائه لأهل الذمة فى البلدان المختلفة و التى لُخصت فى قاعدة(لهم ما لنا و عليهم ما علينا).

أما مبادىء الحريات العامة و الخاصة فهى ثابتة و واضحة فى الإسلام بطريقة لا لبس فيها.و بالتالى فإن النقطة الفاصلة بين دعاة الدولة المدنية من الإسلاميين و من العلمانيين هى نقطة المرجعية .

و نقطة المرجعية نقطة فاصلة, فالحريات التى ننادى بها لابد أن يكون لها حدود معينة حتى لا تتحول إلى فوضى أو تتخطى قيم و تقاليد المجتمع.هذه الحدود هى القوانين المنظمة للعلاقات فى المجتمع.و لا أعتقد أن هناك ما هو أفضل و أشمل من أن نلتزم بالقواعد و القوانين و الشرائع التى سنها لنا الله تعالى فى الدين بحيث تنظم هذه العلاقات و تؤطر هذه الحريات.و بالإلتزام بهذه الأطر نجد أننا لن نقع فى المنزلق الذى وقع فيه د.عمرو حمزاوى الذى رحب بفكرة زواج المسلمة من غير المسلم فى إطار الحرية التى يدعو لها مما يعطى فرصة لمن يتبنى خطاباً متشدداً مثل الشيخ حازم شومان لكى يبرر كلامه المغلوط حول مفهوم الليبرالية و أنها تعنى منع الحجاب و حرية الزنا و إباحة الشذوذ!!!!

و عندما نعود بأنظارنا للتاريخ, سواء تواريخ الخلفاء فى الإسلام-خلفاء الملك العضوض و ليس الراشدون بالطبع- أو ملوك أوروبا فى العصور الوسطى, سنجد من خلفاء المسلمين من يحكم بمبدأ(السلطان ظل الله على الأرض), و من ملوك أوروبا من يحكم بمبدأ(الحق الإلهى). و هذا نموذج من الهيمنة السياسية بإستخدام و إستغلال الدين, و هو أمر مرفوض بالطبع.و لكن دعونا نسأل المتخوفين منه:ما الإمكانات العملية لتطبيق هذه الأنظمة فى عالمنا المعاصر؟ و من يعطى الشرعية و السلطة لأى فرد و يمكنه من حكمه بهذه المبادىء؟

الإجابة العملية: لا يوجد.

و عندما نتساءل, و ما الضمانات التى تتيح ألا يصل للحكم من يحكمنا بإسم الدين و يقمعنا بإسم الدين و تتحول الدولة إلى دولة دينية حسب التعريف الأول؟

الإجابة العملية:الشعب المصرى هو الضمانة لهذا.و طبيعة فهم الدين فى مصر-سواء إسلام أو نصرانية-هو فهم و منهج وسطى لا يسمح بهذا الوضع.

إن الشعب المصرى شعب متدين بطبعه , يحتل الدين لديه مرتبة سامية-بغض النظر عن دينه-فلا يمكن تقديم مشروع فكرى و حياتى إليه ينادى بعض دعاته بتنحية الدين جانباً.

إن الفهم الخاطىء لبعض الناس للدين لا يعنى أن ننحى الدين جانباً خوفاً من هذا الفهم الخاطىء.و إنما تُواجه الأفكار بالأفكار, و التيارات المتشددة يجب أن تواجه بالحوار و عن طريق دعم التيارات الوسطية المعتدلة.لكن الخطاب الحاصل الآن و الذى يمتلىء بالسخرية من الإسلاميين بمختلف توجهاتهم يزيد المتشدد تشدداً بل و يعطى لبعض تصرفاته مبررات.و ربما ضم لفريقه متعاطفين أكثر. و المؤسف أن التيارات المتشددة فى الطرفين هى صاحبة الصوت الأعلى لأنها تحدث ضوضاء و (شوشرة)كبيرة, لكنها ليست بالضرورة الأكثر عدداً.بل إنها بالفعل ليست الأكثر عدداً.

و الواقع العملى يؤكد عدم إمكانية فصل الدين عن الدولة لأن الدين نظام عام و شامل للحياة و العلاقات و المعاملات و لا يقتصر على العلاقة بين الإنسان و ربه فحسب, بل ينظم العلاقات بين البشر.و هذا لب السياسة.

ففصل الدين عن السياسة غير ممكن....و إستغلال الدين فى السياسة مرفوض بشكلٍ قاطع.

الخلاصة:أننا يجب أن نتحرر من المصطلحات الغير قابلة للتطبيق العملى فى عصرنا الحالى و فى أرضنا, و أن نركز الحوار فيما يستحق أن نتحاور حوله.و الحقيقة أننى أرى أن الخلاف إذا حددناه و ركزناه سينحصر فى النهاية حول المرجعية و ذلك أمر منطقى لأن طرفى الخلاف ينطلقان من مرجعيتين مختلفيتين.و إذا زدنا التركيز و التحديد سنجد أن المساحة الإنسانية الواسعة المشتركة بين التيارين تشوبها بعض القضايا الخلافية على المستوى السياسى.هذه القضايا هى التى يحتاج كل ناخب أن ينظر إلى موقف مرشحه منها قبل أن يعطيه صوته و هى التى تميز أيديولوجية عن الأخرى فى الأساس.

و أعود لأكرر أن هذا الخطاب محاولة لفتح رؤوس مواضيع لحل إشكاليات بين المثقفين لكن رجل الشارع العادى لا يأبه لدولة دينية أو مدنية و إنما يريد دولة و حسب.و هو لن يصبر علينا طويلاً. فإما أن نحسم الحروب الكلامية التى لا تنتهى و التى لا طائل وراءها طالما أن المتشددين من الطرفين ليس لديهم إستعداد لتقبل فكر الآخر أو إستعداد لتغيير بعض المفاهيم إذا ثبت عدم صحتها.إستمروا فى بروجكم العاجية و حاربوا الطواحين و دعونا نبنى هذا البلد سوياً بمختلف أطيافنا.


هناك تعليق واحد:

حسنيه يقول...

جزاك الله خيرا في هذه المعلومات القيمة يا محمد ، ونرجوا لك المزيد من التوفيق ، حسنية ابو عيد ....