الاثنين، 26 مارس، 2012

والآن ماذا نفعل مع الإخوان؟


لعل الشعور المشترك بين أغلب المؤمنين بالحل الثورى تجاه الإسلاميين عموماً – و الإخوان خصوصاً – هو السخط. هذا السخط نتيجة لتكرار المواقف المهادنة للعسكر فى أوقات لا ينفع فيها غير الحسم و إقتناص اللحظة الفارقة (أبرز مثال أحداث محمد محمود), و هذا السخط أيضاً نتيجة لتكرار الإتهامات لمخالفيهم بأنهم عملاء و مخربين يسعون لهدم مؤسسات الدولة ....إلخ إلخ. أضف إلى ذلك أداء نوابهم فى ما يسمى (برلمان الثورة)!!
و قبل أن يبادرنى أحد شبابهم و يقول لى (موتوا بغيظكم) فاعلموا أن كاتب هذه السطور يعد نفسه من الإسلاميين, و ستظل هذه مرجعيته التى لن يبدلها بإذن الله ما دام حيا. لكن الإسلام كما يفهمه فيه قوةٌو عزةٌ و إستعلاء, لا خوارٌ و هوانٌ و إنبطاح.
قلت من قبل أن أحد أهم أسباب الإحباط الذى يعم كثيرٌ من المؤمنين بالثورة هو بسبب مواقف الإسلاميين و أداء البرلمان. و كنا فى أواخر كبريات مظاهراتنا ننادى بتسليم السلطة لهذا البرلمان و لم نكن ننادى بالإنقلاب عليه بل كنا نرى أن الميدان هو الحارس لهذا البرلمان و سلاحه فى الشارع و وسيلة ضغطه لإستكمال و تحقيق مطالب الثورة, لكن البرلمان كان بمثابة لجام للثورة و كابحاً لها. و تناوب العسكر و الحكومة و البرمان شد هذا اللجام حتى أوشكت الثورة على الإختناق.
و الآن نجد أن جماعة الإخوان قد خرجت علينا أخيراً ببيانٍ يعترفون فيه بإبتزازات العسكر لهم بحل البرلمان و يسردون فيه تقاعس العسكر و حكومتهم فى إسترداد الأموال أو محاكمة الفاسدين و القتلة. أضف إلى هذا الأزمات المفتعلة المتتالية و آخرها أزمة السولار.
و بطبيعة الحال فإن الإخوان ليسوا أطفالاً سُذجاً حتى نظن أنهم كانوا يحتاجون لكل هذا الوقت حتى يدركوا سوء نية العسكر. هم يدركون هذا من البداية و نحن لا ندرى عدد المرات التى اجتمعوا فيها سوياً للإتفاق و التنسيق فى صفقاتٍ متبادلة رأوا فيها أن هذه هى السياسة (كفن الممكن) بينما نسوا أننا فى ثورة إستطاعت أن تحقق المستحيل. و ليس كلامى من باب العاطفة و الخيال كما أن مواقفهم لم تكن أبداً من باب الواقعية و الحكمة.
إن إبتزازات العسكر و تهديداتهم لكم  لم تبدأ بالأمس أيها الإخوان, و هذه الخطوة التى اتخذتموها متأخراً جداً من مصارحة الشعب و الإنحياز له ضد العدو الأول للثورة كان من الأجدر بكم أن تتخذوها فى وقتٍ مبكرٍ جداً. قبل أن تفقدوا ثقة المؤمنين بالحل الثوري, و قبل أن يفقد الزخم الثوري قوته من الأساس. أما شعبنا ذو النفس القصير و الذاكرة السمكية فلا تنتظروا منه سنداً لكم, و لا تنتظروا منه أكثر مما يمكنه فعله.
ظللتم تعللون مهادنتكم للعسكر بخوفكم من سيناريو 54, و لكن مواقفكم أدت فى النهاية لأن نصل بالفعل لأقرب نقطة من تحقيق هذا السيناريو. فأنتم تقريباً وحدكم بعد أن فقدتم ثقة و أحترام الكثيرين.
أيها الإسلاميون, ظننتم المعركة أولاً و أخيراً هى معركة مع العلمانيين. و جعلتم من العلمانيين بعبعاً و هم لا يمثلون خطراً حقيقياً أمامكم إن أحسنتم إحتواءهم. و تناسيتم أن المشكلة الأكبر مع العسكر. و من خلفه الغرب الذى يحركهم. و ما ثورتنا عليه إلا لرفضنا أن نظل فى دائرة الخضوع و التبعية.
و الآن ماذا نفعل معكم؟
كلامى الآن موجه لرفاقى من الذين ظلوا مؤمنين بإستمرار الحل الثوري. أيها الثوار, من الصعب أن نقول الآن عفا الله عما سلف, و أن ننسى الماضى. لكن من أجل مصر علينا أن نتناساه...مؤقتاً.
ربما يرى الكثير منكم أن الإخوان خونة و لا يهمهم إلا مصالحهم الشخصية, لكنى أشهدكم أنى عرفت فيهم رجالاً على درجة عالية من النقاء و الإخلاص و الوطنية, و هم لا يرضون بما تقوم به قيادتهم. و فى هؤلاء نأمل, و عليهم نعول. و جماعة الإخوان ليست عصابة من اللصوص, لكنهم حسبوا أنهم إجتهدوا فأخطأوا الإجتهاد..بشكل شنيع.
من أجل مصر على كل منا أن يتحمل رفيقه, و نكمل سوياً...فالأيام المقبلة قد تشهد تطوراتٌ تستدعى هذا.
أما أنتم يا قادة الإخوان, فقد سئمنا بالونات الإختبار و ألعاب القط و الفار. سئمنا الموائمات و كذلك المناورات. إذا ظننتم أن بيانكم الأخير هذا مناورة فبئس القوم أنتم. هذه خطوة لا رجوع عنها. و لا ينفع بعدها الرجوع أو الإكتفاء بالكلام.
و  يا شباب الإخوان, لا تكونوا ببغاوات تبرر كل ما تقوم به قيادتكم حتى لو فعلت الشىء اليوم و نقيضه غدا. و تذكروا أن حسن البنا دعا لدعوة لا لعصبية.
معركتنا الحالية هى الدستور و الرئيس. لا يجوز السماح بوجود أوضاع خاصة فى الدستور للعسكر الذين يريدونها باكستان أخرى. و ليس معقولاً أن نزيح مبارك من كرسيه ليجلس بعده إحدى صنائعه كواجهة للعسكر يحكمون من ورائه.
أيها الإخوان, إستقيموا يرحمكم الله و كونوا رجالاً على قدر هذه اللحظة. لا تضيعوها كما ضيعتم فرصاٌ أخرى من قبل.
و لله الأمر من قبل و من بعد.
--------------------------------------------------------
تم النشر بشبكة رصد 

الجمعة، 9 مارس، 2012

خواطر مبعثرة من ثائر محبط



ملحوظة: لا تقرأ هذا المقال إذا لم تكن مؤمناً بالثورة حتى لا تحرق دمك و دمنا...إن كان عندك دم.
منذ بدأت الثورة و الحالة النفسية لكل منا متأرجحة بين أعلى درجات الفرح و الإنتشاء إلى أقصى درجات الكمد و الإحباط. ليتذكر كل منا حاله يوم 25 يناير حين خرجنا إلى المجهول لنلتقى فى ميادين مصر المختلفة فى جموعٍ ليس لها آخر. لنتذكر حالنا و نحن نتابع ما يجرى فى السويس و يزداد الغليان داخلنا لننفجر فى جمعة الغضب. لنتذكر حالنا عندما كنا نسد شوارع المدينة فى مظاهراتنا و مسيراتنا فى الصباح ثم نصاب بالنكد و حرق الدم عند سماع خطاب المخلوع فى آخر الليل.لنتذكر يوم موقعة الجمل. لنتذكر الجو الخانق الذى عشناه مع كل من حاول تثبيط همتنا و إقناعنا بأن نعطى الرجل فرصة!! و أنه سيرحل بعد ستة أشهر!! ثم لنتذكر جمعة التنحى و تحية الفنجرى و نظرة الرجل اللى واقف ورا عمر سليمان.
فى الفترة الأولى التى تلت التنحى بدا أننا فى مصر جديدة مختلفة تماماً عن مصر التى عشنا فيها منذ وعينا على الدنيا.الشعب ما زال قادراً على الإحتشاد فى الميدان لإسقاط وزارة رأسها معينٌ من المخلوع.رئيس الوزراء الجديد يعاهد الجماهير على العودة لصفوفهم إن لم يستطع تنفيذ مطالب الثورة (لم يفلح و لم يصدُق).
وزير الخارجية نشيط و يبدو حريصاً على كرامة بلاده و مواطنيه (إلى أن ذهب إلى مقبرة السياسيين جامعة الدول العربية).الوزارة الجديدة تضم عدداً من المحسوبين سابقاً على المعارضة و ممن كنا نظن بهم الشرف.المسئولون القدامى كل منهم يرتعش على كرسيه خائفٌ من مصر الجديدة..و الفساد فى حالة تجمد..أو بتعبير أدق : فى حالة كمون...إلى حين.
(لا تلق ورقة – لا تكسر إشارة – لا تدفع رشوة...من اليوم هذه بلدك) شعارٌ إنتشر بيننا. الكل حريصٌ على هذا البلد بعد أن شعر أنه قد إستردها. البعض يتناقل القصص عن أن أمناء الشرطة قد كفوا عن أخذ الإتاوات و أن رخصة القيادة تصدر فى أقل من ساعة و أن المعاملة فى الأقسام تغيرت. الشعب يتمكن – أو يُمَكَن – من إقتحام قلاع التعذيب (مقرات أمن الدولة)...و الجيش و الشعب إيد واحدة.
يمكننى أن أستمر فى سرد مشاهد سريعة إلى أن أصل إلى لحظتنا الراهنة لكن ساعتها سيطول المقال بلا داع. و فى الوقت ذاته فإن المشهد صار سخيفاً و مملاً و مكرراً..إنه يتلخص فى كلام..يتلوه كلام..ثم المزيد من الكلام.
أسكرتنا الفرحة و أعمتنا عن رؤية الحقيقة. تعامينا عن الواقع الذى يزداد قتامةً يوماً بعد يوم..و تورطنا فى كثير من المعارك الجانبية التى لا طائل منها و لا ينتج عنها غير تشتيت الإنتباه و تفتيت الجهود...فى حين أن الجهة التى تقود المرحلة الإنتقالية ترعى أزلام النظام البائد و تعيد إنتاج النظام تدريجياً بوجوه جديدة...بل بنفس الوجوه أيضاً!!!
تعددت جرائم المجلس العسكرى المباشرة و الغير مباشرة, التى ورط فيها جنود الجيش إلى جانب التى أعطى الوكالة فيها للداخلية...و مع أن الأمور فى كل مرة تصبح أكثر وضوحاً....و مع أن كذب العسكر كل مرة أصبح مفضوحاً, إلا أنك تجد من يجادلك فى هذا حتى الآن و يعتبرك خائناً عميلاً تريد إحداث فتنة بين الشعب و جيشه و تريد هدم الدولة.
إن الفترة التى نعيشها منذ تنحى المخلوع و التى كان مقدراً لها أن تكون ستة أشهر طالت لما زاد عن السنة كان لها أكبر الأثر فى كشف حقيقة الكثير من المشاهير على الساحة...كما أنها كشفت أمام كل منا حقيقة من حولنا..بل و حقيقة أنفسنا.
لقد أبرزت هذه الفترة أحسن ما فينا بجوار أسوأ ما فينا...و كم الهزات النفسية التى مر بها كل من يهتم بأمر هذه الثورة كان كفيلاً بهدم جبال...كم من رموز سقطت...و أقنعةٍ زالت...و نفوس تعرت.
لا يعنينى العسكر و كذبهم فهم عندى ليسو بأمناء و لا أهل ثقة من البداية لأن المقدمات السيئة لا تؤدى أبداً لنتائج طيبة, و نحن نعرف كيف جاء هؤلاء إلى مناصبهم أساساً...لكن ما كان يستنزفنى نفسياً هو مواقف من أحتك بهم من أبناء شعبنا فى حياتنا اليومية..فى العمل..فى المواصلات..على هامش المظاهرات..و فى نطاق العائلة و الأصدقاء كذلك.
تعلمت فى هذه الفترة أن التعليم ليس بمعيارٍ للوعى...ففى الوقت الذى كان مدير المشروع عندى يصف الثوار أثناء الثورة بأنهم (العيال الصيع اللى فى التحرير), كان لدى عمال يذهبون إلى هناك و أحدهم شارك فى موقعة الجمل دفاعاً عن الميدان....و فى الوقت الذى كان العمال يتناقشون معى بخصوص الإستفتاء و هل نقول نعم أم لا, كان مساعد مدير المشروع يتجادل معى أنه كان من الأفضل أن نعطى للمخلوع فرصة أخرى و ننتظر 6 أشهر حتى تنتهى ولايته!!
كان إنقلاب الناس على الثورة و لومهم إياها على ظروف هى بريئة منها من أكثر ما يسبب القرف.لديك سلطة حاكمة للبلد متآمرة على الثورة تضغط على زر فيعمل البلطجية, و تضغط على زرٍ آخر فيخرج الشرطة, ثم زرٍ ثالث فيعودوا لتقاعسهم..و الناس يرون هذا ثم يلقون باللائمة على (الثورة التى كسرت الشرطة و أظهرت البلطجة), إنه شعبٌ ذو ذاكرةٍ سمكيةٍ بحق...شعب نسى و ينسى أو يتناسى (أو نقول يتغافل) عما كانت الشرطة تفعله قبل الثورة – و حتى بعدها – شعبٌ يريد لكل شىءٍ أن يتغير دون أن يشارك بفعلٍ إيجابى..شعبٌ كان يطالب الثوار بالعودة لمنازلهم لأن (البلد خربت) و لأن (مبارك قال إنه ماشى خلاص), و عندما تنحى المخلوع قفز أفراده فى الشارع فرحاً بتنحيه!!
شعبٌ يتقن أكثر أفراده فنون التزويغ من العمل, و يتمنى لو كانت السنة كلها أجازة, ثم تجده يتكلم عن عجلة الإنتاج بكل حماس و قلبه غير مؤمن و اليد تصدق القلب و تكذب اللسان.
إن أكبر هزةٌ نفسية مررت بها خلال الثورة كانت خلال أحداث مجلس الوزراء, هذه الحادثة عرت الجميع بلا إستثناء..فردود الأفعال تجاه تعرية فتاة التحرير (ست البنات) كانت مخزية بشكلٍ لم أكن أتخيله. شعرت وقتها أنى لا أعيش بين بشرٍ بل بين كائناتٍ لا أجد لها وصفاً. لن أقول حيوانات لأن حتى الحيوانات لا تفعل هذا ببعضها.و منذ هذه اللحظة أحسست أن كل ما يحدث عبث و أن (كله محصل بعضه)..
و لكن لم العجب و لم الصدمة..إن الشعب الذى كنت أجد بين أفراده من يصب جام غضبه على الفلسطينيين لا الإسرائيليين بسبب أنه أضعف من أن ينصر قضية فلسطين..من الطبيعى أن أجده يلوم الضحية و يجد المبرر للجلاد و يدافع عنه بكل حماسة.
و مع هذا لعقت جراحى و حاولت أن أتغلب على إحباطى و أن أستمر مع الثورة و أهلها...كانت الإنتخابات البرلمانية قد قاربت على الإنتهاء و الأبصار شاخصةٌ إليه لترى كيف سيقوم (برلمان الثورة) بإنتزاع حقوقنا و لكنى كنت أجزم أننا سنباع (و قد تم هذا)...كانت هناك مبادرة تسعى لتسليم السلطة من العسكر لمجلس الشعب فرفضها رئيس المجلس (و الحمد لله أنه رفضها). و بدأ المجلس أعماله و رأينا ما يحدث فى جلساته من كوميديا سوداء أزعم أنها من أكبر أسباب زيادة الإحباط لدى كل من يرى رأى كاتب هذه السطور. فمن كنا نظن بهم أنهم و قد حازوا الشرعية و الأغلبية و ثقة معظم الشعب سيتحركون بقوة و نرى منهم حياةُ تسر الصديق فإذا بمواقفهم تسر العدا.
إن من يقول أن هذا البرلمان ليس معبراً عن الشعب المصرى هو متجن و واهم..هذا البرلمان هو خير من يعبر عن الشعب المصرى...جل ما يمكنك قوله هو أنه غير معبر عن الثورة.
لا أعول على هذا البرلمان – إن ظل على أدائه هذا – فى إنتزاع أى حق. أما الشعب المصرى العظيم – كما يسميه و يخاطبه العسكر فى رسائلهم – فلم أكن أعول عليه قبل الثورة و لم أعول عليه خلالها و لا أعول عليه بعدها..إنما أعول على من نزلوا للميدان من أول يوم و لم تخب جذوة الثورة من قلوبهم...و أعول على الله الذى شاء أن تقوم هذه الثورة, و التى ستنتصر بإذنه و مشيئته أيضاً.بعز عزيزٍ أو بذل ذليل.
أيها الشعب المصرى العظيم..أيها المواطنون الشرفاء...لقد سودتم حياتنا و صدقتم أن منا الخونة و العملاء ....إلخ. و أراكم من النوع الذى (كلمة توديه و كلمة تجيبه)..تأبون أن تفتحوا عيونكم و تتغافلون عما يحدث لنا و لكم....كان نظام المخلوع يستهدف أن يجعلنا جميعاً كالأنعام لا نفكر إلا فى إشباع بطونكم...أحيا فيكم الشهوات و أمات فيكم الإحساس بالعزة و الكرامة...هتفنا (إرفع رأسك فوق أنت مصرى) فلم تتحملوا رفعها كثيراً بل إشتقتم لمن يصفع أقفيتكم...يؤمن أكثركم أن هذا الشعب لا يمكن حكمه إلا بالكرباج و كأن كل منكم إبن باشا و ليس من هذا الشعب.و من المضحكات المبكيات فى مسألة الكرامة أننا عندما أخذنا الصفعة الأخيرة من أمريكا فى قضية التمويل الأجنبى وجدت منكم مصمصةً للشفاه و تبرم لحظى من هذه الصفعة ثم تساؤلٌ مستفز : ألن تنزلوا إلى التحرير إعتراضاً على ما حدث؟
ألا تباً لكم..كلما كان نمر بكم فى المظاهرات كنا نهتف بكم (إنزلوا من بيوتكم...عايزين نجيب حقوقكم) و كنا نجد منكم نظرات الإستياء.كنتم تقولون لنا (البلد واقفة- إهدوا-إدوا المجلس فرصة-إدوا الجنزورى فرصة-إدوا البرلمان فرصة) و ها نحن قد سمعنا و أطعنا (رغماً عنا) فماذا تريدون الآن؟
لا شىء...ستتناسون هذا الموقف كما نسيتم آلاف قبله من قبل...و تستعدون للقفا الجديد.
لا أريد أن يُفهم من كلامى أنى ألقى باللائمة على الشعب, هو ضحية تنتهك منذ عقود أساساً, و لا أحب أن أفعل مثل هذا الشعب الذى يتقن فن لوم الضحية و يتغافل عن الجلاد..لا أحب أن أكون مثل من (يتشطر على البردعة و ينسى الحمار)..الحمار الذى صار معلوماً بالضرورة لدى الجميع.
و لا أريد أن يُظن أنى أتعالى على هذا الشعب...قلت أنى لم أكن أعول عليه أصلاً...لكن (ظلم ذوى القرى أشد مضاضة على النفس من وقعِ الحسامِ المهندِ).
كما ذكرت فى عنوان المقال..هذه خواطر مبعثرة من ثائرٍ محبط....زفرات ألم فى صدور الكثير من الثوار الذين ماتت بداخلهم أشياء كثيرة. إحباطٌ أدى لسوداوية و تشاؤم و أفكار ربما لم تجد لعقول أصحابها طريقاً فى أسود ايام مبارك فكان من المخزى أن تأتى الآن. و عندما نزلت فى أدنى مستوى من بئر الإحباط لعنت فى لحظة ضعف هذا البلد و كل ما يمت له بصلة.
كل من شارك فى هذه الثورة قد شارك لأنه يؤمن أن هذا البلد يستحق أن يكون أفضل, فهذا مكانه...و مكانته..كلٌ منا كان يرغب فى إرساء دولة العدل و القانون..كل منا كان يأمل أن يكون محترماً داخل بلده و خارجها, و ألا يضطر أن يكون خارجها من الأساس..اللهم إلا سائحاً.
و من الطبيعى عندما نفتقد كل هذا و بالأخص (العدل) أن يتولد لدينا هذا الإحباط, و خصوصاً عندما نجد أن كل الطرق التى نحاول السير فيها تُسد أمامنا.
ما العمل إذاً؟
هل بعد كل ما سال من دماء
و كل ما ذهبت من أعين
و كل صرخة من أم ثكلى
و كل دمعة من بنت يُتمت
هل بعد كل هذا نلقى الراية؟
لا أظن
ربما نكون قد وُضعنا رغماً عنا فى مسارٍ لم نرتضِه, لكن إذا كتب علينا أن نكون فى موضع رد الفعل, فليكن رد الفعل الصادر منا هو ما يناسبنا لا ما يراد لنا أن نفعله. و لا يلدغ مؤمن من جحرٍ مرتين.
الخطوة القادمة التى تتعلق بها الأنظار هى إنتخابات الرئاسة...خلال هذه الفترة قد تحدث أشياء كثيرة...و أزعم أن لدى كل منا مؤشر ينبهه للوقت السليم للنزول إن إستدعى الأمر هذا....و يا حبذا لو كان لدينا أساليب أخرى متنوعة...فليدل كلٌ بدلوه.
من الكائنات من يكون من العبث أن تضيع وقتك معه فى محاولة إقناعه أن يكون من بنى آدم, فللحفاظ على السلامة النفسية لكل منا و حتى لا تستهلك أرواحنا أكثر من هذا فأوصى بتجنب الجدالات السياسية مع هذه الأصناف التى أدمنت مؤخراتها ملمس الكنبة الوثير, و ستصاب (بلطشة هوا) إذا فارقتها. و تذكروا أن من أسباب الإحباط هو عدم تحقق ما علقت آمالك به, و طالما أن هؤلاء غير معول عليهم فمن الحماقة أن ننتظر منهم غير ما نكره.و بشكل عام علق آمالك بما تسعى أنت وحدك لتحقيقه و لا تضم آخرين لأحلامك.
أما الإحباط الذى نعيشه, فتذكروا أنه خلال الثورة مرت بنا أيامٍ لم نكن نظن أن شمس اليوم التالى ستطلع علينا بما يسر نفوسنا, و لو إستسلم المرابطون فى الميدان للإحباط لما أكملوا فيه...و لأنهم ثبتوا..انتصروا.
أما اليأس فكلمةٍ يجب حذفها من القاموس أساساً...من الطبيعى أن نصاب بالإحباط و نقع فريسة الإكتئاب فى مثل هذه الظروف..نحن بشر...لكن اليأس جريمة...اليأس كفرٌ فى ديننا...و لولا الأمل ما قامت ثورة.
(من كان يؤمن بالله و اليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت)..فإذا لم تكن قادراً على نشر روح التفاؤل..فبالله عليك لا تكن من جنود اليأس. لا أطلب منك أن تستسلم لأحلام اليقظة و تبنى قصوراً فى الهواء, لكن فى الوقت ذاته لا تكن سوداوياً يائساً و تسمى هذا واقعية....تذكروا أنا قد غيرنا من قبل واقعاً لم يكن أحد يحلم بتغييره.
سننتصر بعون الله...لا أعلم كيف و لا متى...لكنى أقول هذا بيقين لأنى أثق بكم..و من قبل أثق بالله.
((فإن مع العسر يسرا . إن مع العسر يسرا))
-------------------------------------------------
تم نشر المقال فى شبكة رصد