الجمعة، 5 يونيو، 2009

القادة



القادة هو عنوان كتاب للصحافى الشهير بوب وودوورد الذى فجر فضيحة ووتر جيت الشهيرة, و كما ورد على غلاف الكتاب أنه(صراع بين تساؤلات الجيش و نزوات السياسة فى حرب الخليج).
حرب الخليج المذكورة هنا هى حرب الخليج الثانية-غزو العراق للكويت-و لما كنت قد عاصرت هذه الحرب فى صباى, فقد تأخرت فى قراءة هذا الكتاب رغم وجوده فى مكتبتى من زمن, لكن نحتاج لأن نسترجع التاريخ القريب حتى لو عاصرناه, و خصوصاً أن من كانوا أبطال الأمس القريب هم أيضاً أبطال اليوم, و ربما المستقبل القريب أيضاً.
ففى هذا الكتاب نقرأ أسماء جورج بوش الأب(الرئيس),ديك تشينى(وزير الدفاع), كولين باول(رئيس الأركان), بول وولفويتز...الخ, و هم نفس اللاعبين-مع زملا جدد-فى حرب الخليج الثالثة (احتلال العراق).
يبدأ الكتاب بعرض الأيام الأولى من وصول بوش الأب للرئاسة, و تكوينه لإدارته الجديدة و ما يدور فى الكواليس حتى يتم الإختيار, و من ثم يستمر حتى منتصف الكتاب تقريباً فى عرض أزمة بنما التى انتهت بتدخل أمريكا عسكرياً لإسقاط الديكتاتور نورييجا و القبض عليه و محاكمته!(اليس هذا السيناريو مألوفاً؟).
يفرد الكاتب النصف الثانى من الكتاب لعرض أزمة الخليج من بدايتها, فيبدأ الكاتب بعرض الاستخبارات الأمريكية على بوش صوراً ملتقطة بالأقمار الصناعية لتحركات تقوم بها القوات العراقية تجاه حدودها الجنوبية فى 16 يونيو 1990, و على مدى الأسابيع التالية كان من الواضح أن الألوية العراقية تزداد فى الجنوب, و كان هذا مصاحباً لتوترات فى العلاقة بين العراق و جيرانه الخليجيين و بالأخص الكويت و الإمارات, و يرجع هذا لسياسات هذه الدول النفطية أثناء حرب العراق مع إيران و التى اعتبرها العراق مضرة له و أنها كبدته خسائر إقتصادية فادحة.
هذا غير الخلاف الحدودى الأصلى بين العراق و الكويت, و إيمان العراق بأن الكويت بإستغلالها بعض الحقول الحدودية قد سرقت نفطه.
فى 19 يوليو صرح تشينى فى مؤتمر صحفى إجابة على سؤال حول التهديدات العراقية للكويت حول مسألة النفط,بأن أمريكا(تأخذ على محمل الجد أى تهديد ضد المصالح الأمريكية أو أصدقائها فى المنطقة).
استدعى صدام السفيرة الأمريكية لديه, و طلبت منه(بحق الصداقة) أن يعيد النظر فى نواياه, و رد صدام أنه من خلال تدخل الرئيس المصرى حسنى مبارك وافق على محادثات مع الكويتيين.
فى حين رأى البعض أن حشد القوات العراقية كان غرضه(التهويل)و الضغط النفسى على الكويت, فقد رأى آخرون أن أحداً لم يكن ليحرك كل هذه القوات إلا و هو ينوى إستخدامها.
فى فجر الثانى من أغسطس عبرت القوات العراقية الحدود بالفعل, و تم الغزو.
كانت المشاورات داخل الإدارة الأمريكية حول رد الفعل الفورى, و بعد الشجب و الإدانة بدأ بحث سبل الرد العسكرى و كيفيته, و كان هذا هو الشاغل للإدارة طوال الفترة اللاحقة, بجوار إستراتيجية أخرى هى الحصار الإقتصادى و قطع المعونات لإجبار العراق على الإستسلام و الإنسحاب.
كان هاجس بوش-تاجر النفط السابق-أن يسيطر صدام على السعودية أيضاً فيكون بيده فى النهاية 40%من احتياطى بترول العالم, و عرض الجنرال شوارزكوف-صار لاحقاً قائد القوات الأمريكية المشاركة فى المعركة-نوعين من ردود الفعل العسكرية, الأول ضربات جوية إنطلاقاً من حاملات الطائرات يكون هدفها القوات العراقية و خطوط النفط التى يصدر منها العراق نفطه, و قرر أن هذه الهجمات لا يمكن أن تطول و لن تكبد العراق خسائر كبيرة.
أما الرد الثانى فهو خطة لحماية السعودية تستدعى نقل ما بين مائة الى مائتى ألف عسكرى , و لا يمكن تحقيق ذلك إلا إذا سمحت السعودية بإنشا سلسلة من القواعد الأمريكية بها, و هى مسألة غير محتملة نظراً للتردد العربى السابق فى الأمور المماثلة.(سرعان ما تغير هذا).
نلاحظ هنا إختلاف تعاطى القادة العرب مع الأمر فى بداية الأزمة مع تعاطيهم معه فى نهايتها, ففى مكالمة هاتفية بين بوش و الملك فهد اتفقا على أن اجتياح الكويت غير مقبول, لكن بوش لم يتفق مع فهد(الشديد الحذر و متردد التأييد للغرب على حد تعبير الكاتب)لم يتفق معه على أسلوب فى التعامل مع العراق.
و فى مكالمة أخرى مع الملك حسين و الرئيس مبارك كانت وجهة نظرهما هى(منحهما مزيداً من الوقت و ترك العرب يحاولون تدبير الأمر)يعنى لا تتدخلوا.
عرض بوش على الأمير بندر بن سلطان سفير السعودية فى أمريكا صوراً جوية لحشد بعض القوات العراقية على الحدود الشرقية للمملكة, و عرض نقل القوات الأمريكية سابقة الذكر لحماية السعودية, و بلغ السفير الأمر للملك فهد الذى طلب رؤية الصور بنفسه.
أراد فهد تأكيدات عن صحة التهديد العراقى, فالكويت قد أجلت طلب المساعدة من أمريكا لأن الكويتيين ارتابوا فى أن يُستخدم التهديد العراقى كوسيلة ليطأ الجنود الأمريكيون أرضهم, و كانت نفس الريبة فى نفوس السعوديين.
وصل تشينى للسعودية ليعرض الصور, و ليوضح خطورة الموقف و (عواقبه الوخيمة)على السعوديين إذا تأخروا فى طلب المساعدة كما فعلت الكويت, و أشار للعلاقات(التاريخية)و الصداقة بين الشعبين, و أكد أنه(بعد زوال الخطر ستعود قواتنا إلى بلادها), و حينها علق الأمير عبد الله-الملك حالياً-بصوت خافت بالعربية(أتمنى أن تفعلوا ذلك).
كان تشينى فى الوقت ذاته قلقاً من أن يلجأ السعوديون الى طلب المساعدة العربية و الدولية قبل غيرها.(طبعاً السبب مفهوم).
بدأ نقل القوات الأمريكية على الفور فى نفس الشهر-أغسطس-و إنشاء مركز قيادة للقوات ترأسه الجنرال شوارزكوف.
الأشهر التالية شهدت شد و جذب بين أنصار الحل العسكرى و انصار الحل الدبلوماسى و إنتظار ما نتائج الحصار الإقتصادى و العقوبات,مع سيل من النداءات الى صدام بالإنسحاب, كان عدداً كبيراً منها من مبارك.
فى 29 نوفمبر توصل الأمريكيون الى انتزاع قرار من مجلس الأمن بإستخدام(كافة الوسائل الضرورية)ضد العراق فى حال لم ينسحب من الكويت قبل 15 يناير1991.
فى جلسة مع قواده قال بوش((...هذه ليست فيتنام,و لن تطول هذه المسألة, فمبارك يقول:نحن دربنا الطيارون العراقيون,فهم عديمو الفائدة)).
و علت الضحكات داخل الغرفة.
فشلت المفاوضات بين بيكر وزير الخارجية و بين طارق عزيز وزير خارجية العراق, و بدا أنه لا سبيل لأى حل دبلوماسى.
فى 16 يناير بدأت الحرب و التى استمرت ل42 يوماً, انتهت بإعلان العراق استسلامه و إنسحابه من الكويت, بعد أن دمر ما دمر, و حرق ما حرق من حقول النفط.
الى هنا انتهى الكتاب, و لنا تعقيبات غير ملاحظاتنا وسط السطور السابقة.
أولاً:التاريخ حلقات متصلة, و حاضر اليوم تاريخ الغد, و كما قلنا فى بداية المقال أن أبطال الأمس القريب هم أيضاً ابطال اليوم, لذا رأينا كيف أن نفس الفريق هو الذى قاد بضراوة الحملة العسكرية التى احتلت و ما زالت تحتل العراق الى يومنا هذا.
ثانياً:بوب وودوورد رغم أنه كاتب معروف بنزاهته, إلا أن هذا لا يعنى أن نأخذ كل كلامه بشكل مسلم به, فهو يعرض الموقف و كأن التحرك العراقى كان مفاجئاً للجميع بما فيهم بوش و إدارته, و حتى لو لم نسلم بنظرية المؤامرة و بأن الأمريكيون أعطوا الضوء الأخضر لصدام عميلهم الأول فى المنطقة, فعلى الأقل أى عاقل لابد أن يؤمن أن أمريكا استغلت الفرصة-و استغلتها بكل مهارة-لتضع قدمها-و تثبتها-فى المنطقة,و أن تحركها من الأساس لحماية مصالحها و السيطرة بشكل نهائى على منابع النفط, و لم يكن من أجل سواد عيون العرب بالطبع.
ثالثاً:كان العرب فى البداية-كما بدا من التصريحات و ردود الأفعال-يودون أن تحل المشكلة فيما بينهم, لكن فى النهاية فتحوا الباب لأمريكا, فى الأيام الأخيرة قبل الحرب بدا و كأن التساؤلات الموجهة من العرب لأمريكا ليست:هل ستضربون صدام أم لا؟ و إنما التساؤل:متى ستضربونه؟
رابعاً:أشرنا الى تخوف تشينى من ان يبادر السعوديون الى طلب المساعدة العربية و الدولية قبل غيرها, و السبب مفهوم, أن الفرصة سانحة لكى تضع أمريكا-و أمريكا وحدها-قدمها فى المنطقة بقوتها العسكرية و ليست الاقتصادية فقط, و لعلنا نذكر أنه إثر أزمة البترول التى نشأت فى عام 73 حينما قطع العرب بترولهم عن الدول المؤيدة لإسرائيل, كان هناك اقتراح داخل الادارة الأمريكية بإحتلال منابع البترول فى الخليج.
خامسا:مبارك الذى كان يسعى فى البداية لحل المشكلة داخلياً و كرر نداءاته لصدام بالإنسحاب, هو مبارك الذى طمأن بوش فيما بعد من قدرات الطيارين العراقيين و عدم كفاءتهم و أنه يعرف هذا(لأننا دربناهم), و هو الذى خرج علينا فى حرب العراق 2003 ليقول أنه مندهش لأن الأمريكيون أخبروه أنهم سينهون الأمر سريعاً, فى حين أنه قد طال!!
سادساً:أمريكا منذ دخلت لم تخرج, و اتخذت صدام كفزاعة تخيف بها العرب ليظلوا تحت حمايتها, لكن ها هو صدام لم يسقط فحسب, بل أعدم, فهل خرجوا؟و لم يخرجوا و لم تنضب بعد آخر قطيرة بترول من أرض العرب؟!.
سابعاً:فى كتاب أسرار حرب الخليج لتوم ماثيوز, ذكر أن أحد استراتيجيى بوش قد قال: (كنا عازمين على إنهاء هذه الحرب عندما نريد نحن, و لا بيوم واحد ابكر)
كان الأمريكيون متخوفون من نجاح الوساطات السوفيتية فى إقناع صدام بالإنسحاب, و كانوا مصرين على تدمير قوة صدام تماماً قبل أن يوقفوا إطلاق النار.
سابعاً:ظلت سياسة إدارة بوش فيما تبقى له, ثم إدارة كلينتون طوال فترتيه قائمة على حصار العراق و إماتته موتاً بطيئاً, مع ضربات محدودة من وقت لآخر-تذكروا قصف ملجأ العامرية فى بغداد فى عام 98 فى عهد كلينتون الديمقراطى الطيب كأوباما.
ثامناً:جاء بوش و فى رأسه من البداية قطف الثمرة بعد أن نضجت و استوت, و إحتل بلداً أنهكه الحصار و تدمرت قوته العسكرية, و أكمل الخطة المرسومة, و حينما يظن أحد أن الخطة ستتغير بتغير الشخص فهو واهم, فهذا لا يحدث إلا فى البلاد المتخلفة كبلادنا حيث يرتبط النظام بالشخص, و يكون الفرد الأوحد الملهم الذى يقود الدولة هو الذى يرسم كل السياسات و يمحو كل ما فعله سابقه و يبدأ من الصفر, فمن مرتم فى أحضان الإنجليز إلى مرتم فى أحضان السوفييت يليه مرتم فى أحضان الأمريكان, أما الدول الكبرى ذات المؤسسات فتعمل قياداتها على رسم السياسة بما يحقق مصالح الأمة الدائمة, و قدد تتغير الوجوه و الأساليب فقط, لكن المصالح ثابتة.
تاسعاً:بالأمس زارنا أوباما بوجه مبتسم و لسان عذب, و بما أن اليوم ذكرى النكسة, فإن تعاطى المخدوعين به هو نكسة أيضاً, على الأقل نكسة فكرية, لأننا كأننا ننسى أن من يخاطبنا هو رأس الدولة التى تعتبر أكبر أعدائنا, و الداعم الرئيس للكيان الصهيونى, و نفس اللسان العذب الذى سمعناه بالأمس هو الذى قال:أن إرتباط أمريكا بإسرائيل مسألة لا نقاش بها!!
لن نقول أن التاريخ يعيد نفسه, فهو لا يفعل هذا إلا فى حالة واحدة فقط, مع المغفلين الذين لا يقرأون تاريخهم-ناهيك عن تاريخ غيرهم-و لا يتعلمون من دروس الماضى, و صدق المتنبى حين قال:إذا رأيت نيوب الليث بارزةً.....فلا تظنن أن الليث يبتسمُ
و حسبنا الله و نعم الوكيل, حسبنا الله و ليس أوباما أو غيره.
 

ليست هناك تعليقات: