الجمعة، 19 يونيو، 2009

غرناطة


مع الأيام الأولى لسقوط المدينة تبدأ أحداث رواية (ثلاثية غرناطة) للكاتبة المبدعة رضوى عاشور, حيث تنقل لنا أحداث السقوط و ما تلاها من وقائع, بدأت بوعود كاذبة من المنتصرين بعدم التعرض لحرية المغلوبين فى الدين و اللغة و أسلوب الحياة, ثم التنكر لكل الوعود و التحول لسياسة الإختيار بين التنصر أو الرحيل, و ما صاحب ذلك من إضطرار من إختار البقاء للتظاهر بتغيير ملته جهراً مع ممارسة شعائرها سراً, و التحدث بالقشتالية جهاراً و بالعربية خفية, و إرتداء الأزياء القشتالية و التسمى بأسمائهم...الخ.

تعرض الكاتبة كل هذا من خلال حياة أسرة غرناطية تتنوع الشخصيات بداخلها, و كأنها تيارات يجنح بعضها للخضوع و الإستسلام بحجة الحفاظ على الأمن و البعد عن المشاكل, فى حين ينزع بعضها إلى التمرد, و يتوق الآخر الى الحرية و العيش فى الجبال مع المجاهدين فى القرى المعزولة يقدم لهم العون, و يساعد من يسعى إلى الهجرة لديار الإسلام.

يذهب أحد أبطال القصة للعيش فى إحدى القرى الثائرة على الأسبان فى جبال البشرات, و يعود بعد غياب طويل ليقص على أهل بيته أسلوب الحياة هناك, (حيث يُسمع صوت الأذان, و حيث يتحدث الجميع بالعربية, و يحتكمون لشريعة الإسلام) يقص عليهم هذا و هم مأخوذون بحديثه و ما يصفه و كأنه قد ذهب للجنة و عاد لهم ليقص عليهم ما لا عين رأت و لا خطر على قلب بشر.

فى مشهد آخر فى القصة نجد الأسرة و قد ذهبت لحضور القداس فى الكنيسة, حيث يضطرون للذهاب بإنتظام و التظاهر بأداء الشعائر لئلا يقعون فى براثن ديوان التحقيق(محاكم التفتيش), و تفكر إحدى بطلات القصة فى أهلها الذين راحوا ضحية أحكام هذا الديوان و حكم عليهم بالموت لأنهم غسلوا والدهم و صلوا عليه و دفنوه بطريقة المسلمين, بل و قرأوا عليه القرآن!!

تنظر المرأة على يمينها بعينين مليئتين بالدموع فترى تمثال المصلوب معلقاً على الحائط, تخطو إليه و كأنها ذاهبة (لتصلى), و لا تملك إلا أن تقول((و السلام على يوم ولدت و يوم أموت و يوم أبعث حيا, ذلك عيسى بن مريم قول الحق الذى فيه يمترون)).

فى مشهد آخر يقبض على بطلة أخرى بتهمة ممارسة السحر, و هى تهمة عقوبتها الموت حرقاً, و من خلال الإستجواب فى ديوان التحقيق يسألها المحقق ما إذا كانت تركب دابة بالليل و تطير بها إلى أماكن بعيدة, فتجيب بأنها لا تعلم عن أحد قد إستطاع أن يقوم بذلك إلا محمد نبى المسلمين(صلى الله عليه و سلم), و تقص عليهم قصة الإسراء, فينتبه المحقق إلى أن المسألة أخطر من هذا, فالمتهمة لا تزال تحتفظ فى داخلها بالحب لنبى المسلمين, فليكن جزاءها الموت تطهيراً لها!!.

ثم نرى الجدة و هى تضم حفيدها إلى صدرها, و هو يلح عليها أن تقص عليه قبل نومه قصة الإسراء, و لا يصبر على سماع ما جرى فى كل سماء فيطلب السماء السابعة ليستمع لوصف الجنة و سدرة المنتهى.

و تدمع عينى حين أرى فرحة الأهل المستضعفين كلما سمعوا عن ثورة يقوم بها بعضهم ضد الملك, و عن ثورة قامت فى البشرات كالعادة, حيث اختار الثوار(ملكاً بسطوا تحت قدميه أعلاماً مزينة بالأهلة, فولى وجهه شطر بيت الله و صلى بهم)و استعاد اسمه القديم (ليصبح هرناندو دى قرطبة إي بالور محمد بن أمية).

الرواية رواية أجيال, الجيل الرئيس فى القصة كان فى طور الطفولة يوم سقوط غرناطة, و عاش مرحلة التدجين و التنصر الإجبارى فى مطلع شبابه, و على هذا الوضع ربى الجيل الذى يليه, محاولاً أن يغرس فيه بعض ما تعلم من الآباء, و أن يبقى على الدين و على العربية فى قلوب أبنائه حتى لا يذوبوا فى التيار, فى الوقت الذى إستسلم فيه آخرون للأوضاع الجديدة فتنصروا بالفعل و تركوا الدين و تخلوا عن الهوية و اللسان, فى حين عبر آخرون البحر فراراً بدينهم إلى ديار الإسلام.

من الجميل فى القصة-بخلاف أسلوبها الرشيق-هو عرض وقائع تاريخية و وثائق مثبتة فى ثنايا القصة, مثال لذلك تلك الفتوى المبعوثة من أحد فقهاء المغرب إلى(المسلمين المستضعفين فى الأندلس القابضين على دينهم كالقابضين على الجمر), يوضح لهم فيها كيف يتصرفون و الرخص التى يجب أن يأخذوا بها حتى لا يقعوا تحت طائلة أعدائهم و يعاقبوهم على ممارستهم لشعائر الإسلام, و هذه الفتوى وثيقة تاريخية حقيقية مذكورة فى كتب التاريخ.

أيضاً تعرض القصة إستهجان المسلمين المورسكيين للقوانين(الغبية) التى صاغها القشتاليون ليمحوا هويتهم تماماً, و التهم الجاهزة التى تكفى واحدة منها للوقوع فى براثن ديوان التحقيق, مثل التحدث بالعربية, أو إمتلاك كتب عربية أو نسخ من القرآن, و ذكر النبى و الصلاة عليه(عليه أفضل الصلاة و السلام), و الإمتناع عن شرب الخمر أو أكل لحم الخنزير, و كذلك الغسل و الإستحمام خصوصاً فى يوم الجمعة!! نعم, فالتاريخ يقص علينا أن من التهم التى كانت توجه للمسلمين المورسكيين كثرة الإستحمام, يكفى هذا لكى يؤمن القشتاليون بأنك تدعى التنصر و ما زالت تمارس طقوس دينك خفية.

فى نفس الوقت الذى أقرأ فيه هذه الرواية بدأت فى قراءة رواية (المخطوط القرمزى) للروائى الأسبانى أنطونيو غالا, و هى رواية تسرد وقائع حياة أبى عبد الله الصغير آخر ملوك المسلمين فى الأندلس, و كأنها مكتوبة بيده, و يعرض الكاتب فى ثنايا سرده صورة للحياة فى الأندلس العربى حيث يتعايش العرب المسلمون مع النصارى المستعربين و القشتاليين مع اليهود, فى مجتمع لا يعرف إلا أن الجميع(أندلسيون), و هى تكملة للصورة بقلم كاتب من المعسكر الآخر, و من قراءة هذه الصور الإنسانية المكتوبة مع الرجوع لكتب التاريخ يفهم المرء سبب رفض العديد من المسلمين ترك ديارهم فى الأندلس الجميلة حتى بعد سقوك الحكم الإسلامى, ثم ترددهم فى هذا بعد التنكر للوعود, حتى لم يغادر من غادر إلا مضطراً, فراراً بدينه و أهله.

و قراءة تاريخ الأندلس ككل, يجعلنا نشعر بمدى تفرد هذا القطر من بين أقطار الإسلام, و مدى حب أهله له و إعتزازهم به, تجلى هذا فى أهازيجهم و أشعارهم و كتاباتهم, فى كلمات إبن زيدون و موشحات إبن الخطيب و إبن زمرك, و حتى المقرى لما كتب تاريخه سماه (نفح الطيب فى غصن الأندلس الرحيب).

الأندلس الجميلة التى كانت نموذجاً بشرياً حقيقياً للتعايش و الرقى و الحضارة, هى دليل على قدرتنا على إستيعاب الآخر و قبوله, و دليل على عدم قدرتهم على قبولنا و التعايش معنا رغم كل دعاوى التسامح و المحبة.

قصة الأندلس مأساة حقيقية , فهو فردوسنا المفقود الذى كلما مررت بآثار عظمة الإسلام الباقية به حتى يومنا هذا لا تملك إلا أن تبكى حسرة و حزناً على ضياع أرض, و أهل, و دين.

و كما قال أبى البقاء الرندى فى ختام مرثيته للأندلس:

من أجل هذا يغص القلب من كمد...........إن كان فى القلب إسلام و إيمان

قراءة هذه الرواية الممتعة بأسلوبها و حرفيتها, و المؤلمة لأحداثها, أعادتنى إلى فترة قراءتى لموسوعة دولة افسلام فى الأندلس لمحمد عبد الله عنان, حيث عشت المأساة بالتفصيل, صعوداً مع لحظات مجد و عز مع طارق بن زياد و عبد الرحمن الداخل و عبد الرحمن الناصر و المنصور بن أبى عامر و بن تاشفين و يعقوب المنصور, و هبوطاً مع سقوط المدائن:طليطلة و قرطبة و إشبيلية و بلنسية, و أخيراً غرناطة.

لكن ميزة الرواية التاريخية بوجه عام أنها ترتفع بك من مجرد رص الحقائق التاريخية الصماء, لكى تعايش أهل تلك الفترة معايشة حقيقية و كأنك بينهم, تفرح لأفراحهم, و تضحك معهم, و تبكى معهم, و هكذا عدت مرة أخرى لأندلسى و غصت فى غرناطة و تمشيت على ضفاف نهر حدرة و سلكت فى البيازين و تطلعت إلى الحمراء, و طفت فى القرى و الجبال و غدوت و رحت إلى بلنسية, أتطلع فى الوجوه بحثاً عن وجه عربى أسمر و عيون سود و شعر فاحم كى يأنس كل منا بالآخر فى وجه الإضطهاد, و لكى أتحدث معه بالعربية و أصلى معه و أقرأ معه القرآن و نصلى على الحبيب.

أهديت هذه القصة لشخصية عزيزة جداً على قلبى, و لنفس الشخصية أهدى هذا المقال, و أتمنى أن يكون مشجعاً لكل من يقرأه على إقتناء هذه الرواية.

هناك 4 تعليقات:

غير معرف يقول...

سلام عليكم مسلم من مصر
قرأت مقالك الخاص يثلاثية غرناطه وعلى الرغم انى لست من هواة الروايات التاريخيه لكن لفت انتباهى وبشده اسم الكاتبه د/رضوى عاشور وكانت تدرس لى فى السنه الرابعه من الجامعه (اداب عين شمس/قسم انجليزى) وكانت تدرس لنا الادب الافريقى الاميركى Afro American literatureوبالرغم من صعوبة الماده لكن كان شرحها وتناولها للموضوعات ممتع واكثر من رائع..وقامت ايضا بتدريس لما رواية حب فى المنفى للكاتب بهاء طاهر وكانت متالقه ايضا!وواضح من مقالك انها ايضا تالقت فى ثلاثية غرناطه كعادتها..فاين يمكن ان اجد الروايه لقراتها؟
شكرا على المقال الرائع الذى سعدت بقراته واعاد لى ذكريات محاضرات د/رضوى عاشور..
لبنى من مجموعةالوريقات

مسلم من مصر يقول...

و عليكم السلام و رحمة الله
أهلا بك يا لبنى
ستكون تجربة جميلة جداً لك أن تقرأى لنفس الشخصية التى درست لك فى الجامعة رواية بعيدة عن مجال تخصصها-الأدب الأفرو أمريكى-و جميل أيضاً أن أعرف رأيك فى شخصية الدكتورة و أسلوب شرحها, فالإنسان كل متكامل, فما كانت الرواية لتخرج بهذه الصورة إلا من شخصية مثل التى ذكرت.
الرواية يا أختى من إصدار دار الشروق,إن شاء الله تستمتعين بالقراءة,خالص تحياتى

مهندس مصري يقول...

أنا أيضاً من عشاق تاريخ الأندلس و خاصة موسوعة محمد عبد الله عنان
و قد قمت بالبحث عن الرواية على الإنترنت و وجدتها في الرابط التالي
http://www.4shared.com/get/52287980/a9e2fecc/___online.html
و سأقوم بقرائتها إن شاء الله
فقد شوقتني لذلك
أشكرك
:)

مسلم من مصر يقول...

أهلا بك يا هندسة:)
تاريخ الأندلس ممتع فى قراءته رغم الألم الذى يعتمل فى صدر المرء كلما إقترب من نهاية الإسلام فى الأندلس, و موسوعة محمد عبد الله عنان-رحمه الله- أكثر من رائعة,جزاه الله خير الجزاء, فقد وهب عمره و هو غير المتخصص فى التاريخ, للكتابة عن الصفحات المنسية من تاريخنا الإسلامى, و كانت هذه الموسوعة أعظم إنجازاته.
سعيد بأن المقال قد شوقك لقراءة الرواية, إن شاء الله تعجبك يا أخى:)
خالص تحياتى