السبت، 7 مارس 2026

مذكرات نشال

 



هذا كتاب خفيف الظل يحكي في معظمه بعامية لطيفة قصة النشال (عبد العزيز النص)، والأحداث تدور في العشرينيات، وتشعر وأنت تقرأ وكأنك تشاهد أحد أفلام نجيب الريحاني، بكل ما تحمله من مفردات العصر، مثل (بكل ممنونية - التقيت - كروديا...إلخ)، وجدير بالذكر أن مصطلح كروديا في لغة النشالين يكون المقصود به الضحية التي تتعرض للنشل والسرقة.

وضح الكتاب طرق النشل المختلفة ومن ضمنها طريقة اسمها الطريقة
(الأمريكانية)، وهي تتم بالاشتراك بين اثنين من اللصوص، ويكون الضحية نفسه مستحقاً لما يحدث له لأنه يسقط في شراكهما نتيجةً للطمع، حيث يتعمد أحد اللصين أن يُسقط محفظته أمام الضحية وكأنه غير منتبه، فإذا التقطها الضحية، أسرع إليه اللص الآخر ليخبره بأنه قد رآه وأنه لن يتركه إلا إذا اقتسم معه محتويات المحفظة، ويغافله فينشله، حتى إذا ما تركه، يفاجأ الضحية بأن المحفظة الأولى فارغة، وأنه هو نفسه قد سُرق!

وبينما ينقلك هذا الكتاب مائة عامٍ بالضبط إلى الوراء، ستسير في شوارع القاهرة وهي في صورةٍ أخرى تماماً، حيث ستجد الترام هو المواصلة العامة الأساسية التي يعتمد عليها الناس، وستجد بعض الأماكن كانت لا تزال تحت الإنشاء (جامع الخازندارة في شبرا كان قيد الإنشاء حينئذٍ)، أما تمثال نهضة مصر، فكان في باب الحديد قبل أن يُنقل لمكانه الحالي ويحل محله تمثال رمسيس، وقد ضحكت كثيراً حينما ذكره عبد العزيز النص في كلامه فقال (ولمحت الترمواي ماشي من جنبي روحت متشعلق فيه لحد ما وصلني عند محطة باب الحديد .. رحت نازل منه ومخرم ع الجنينة اللي فيها تمثال خيبة مصر بتاع مختار) 😄

وكان هذا المشهد معبراً جداً أيضاً:
(وصلت العتبة الخضرا ، وقفت في المحطة بتاعة الترمواي أتفرج على مخاليق ربنا، نسوان ع البهلي ورجالة زي التيوس جارينهم وراهم ولا خشا ولا حيا، والأفندية المودة دايرين يزنقوا ويحدقوا ع النسوان اللي بيستنوا الترمواي.. دي توبخ ده ودي تضحك لده، والقصد المسألة بقت طبيخ في طبيخ).

وقد حكى النص قصته للصحفي الذي حرر هذا الكتاب، عارضاً سيرة حياته منذ بدأ في كار السرقة، إلى توبته، ثم عودته للنشل مرة أخرى، وقص العديد من عملياته وضحاياه، وتعرضه هو نفسه للسرقة والاستغفال من امرأة، وانتقامه منها بسرقتها فيما بعد، وحكى كذلك عن بعض المواقف التي أشفق فيها على بعض ضحاياه حينما كان يجد أوراقاً مهمة في حقائبهم أو محافظهم، فكان يكتفي بما سرقه من مال ويرسل لهم الأوراق بالبريد، واستمر على ذلك حتى وجد أنه قد جمع مبلغاً كبيراً بمقاييس هذا العصر، فتكلم عن خوفه من الله أن يُهتك ستره ويقع في شر أعماله بعد أن أمهله الله كل هذا، فتاب إلى الله وأكمل حياته بالعمل بالتجارة، وإن كان قد بدأ هذه التجارة بمالٍ حرام...غفر الله لنا وله.

وبعد أن تنتهي قصة عبد العزيز النُص، يعرض محرر الكتاب عدداً من المقالات والتحقيقات الصحفية التي نُشرت في تلك الفترة وفي أواخر الأربعينيات وأوائل الخمسينيات كذلك عن موضوع النشل، وعن قصص من نجاح البوليس في القبض على عصابات النشل، وكذلك ضبط مدارس النشل المختلفة، وضحكت وأنا أقرأ أسماءها، فستجد (مدرسة النشل العليا)، وكذلك (مدرسة النشل الراقي)، والأخيرة تتميز بأنها تنتقي تلاميذها ولذلك لا تقبل إلا أعداداً محدودة! وتعرض المقالات طرق تعليم النشل والتدريب عليه، ومنها أن توضع ورقة على سطح طبق به ماء، وعلى النشال المتدرب أن يقطعها بالموس دون أن تبتل!
وأختم بهذه الفقرة التي جاءت ضمن حوار صحفي مع نقيب النشالين، وأنقلها بدون تعليق:
"ولعلك تذكر أن النشالين كلهم في مصر قد أضربوا عن العمل يوم عودة سعد باشا -رحمه الله- من منفاه، كما أنهم يُضربون عن النشل حتى الآن في جميع المناسبات الوطنية، كأعياد جلالة الملك وعيد الجهاد، وافتتاح البرلمان وجنازات الزعماء؛ لأنهم طبعًا ناس لهم ضمير! ".

ليست هناك تعليقات: