الاثنين، 9 يناير، 2012

مشاهد من الثورة المصرية-3-ما بين جمعة الغضب و الخطاب الثانى للمخلوع




عندما بدأت كتابة مذكراتى عن الثورة, توقفت – و يا للعجب – عند جمعة الغضب, ثم تكاسلت طوال عامٍ كامل عن كتابة البقية. لكن و نحن على أعتاب الذكرى الأولى للثورة – و ربما ثورة جديدة – أحببت أن أستعيد هذه الذكرى بكل ما كان فيها من مشاعر و روحانيات و حماسة و غضب و إحباط و ثورة و إنتشاء بالنصر فى النهاية.
لمطالعة ما فات:


إن الأسبوعين الذين فصلا بين جمعة الغضب و جمعة التنحى كانا حافلين بالأحداث بشكل مذهل.عشنا فيهم القلق و الترقب و الخوف و اليأس و حرق الدم بجوار الفرحة و الأمل و التفاؤل و الإحساس بالقوة.
إستيقظت يوم السبت فى أول مرة ننزل فيها إلى الشوارع بدون أن نرى شرطياً واحداً.كان ردالفعل الأولى هو فوضى محدودة لكن لم تدم إلا لسويعات.فالإحساس بالمسئولية قد غلب الجميع و كان أن رأينا اللجان الشعبية تتكون فى سائر القطر دون تنظيم أو قيادة أو إتفاق.
ذهبت لأشترى بعض لوازم المنزل فوجدت تكالباً من الكثير من المواطنين على الشراء.الكل يشترى بكميات كبيرة و الأرفف تكاد تخلو من البضائع.ماكينة السحب النقدى قد خلت من النقود.أسمع أخباراً عن تعرض كارفور للنهب مساء الأمس.تعود شبكة المحمول للعمل حوالى الساعة الحادية عشرة قبل الظهر.أتصل ببعض الأصدقاء لأطمئن على سلامتهم.نفس الوضع متكرر فى مناطق مختلفة مع إنتشار واسع للإشاعات و مبالغات كبيرة.أتفق مع بعض الأصدقاء على الذهاب لجامع القائد إبراهيم للإنضمام للمظاهرة هناك.و هكذا كان جامع القائد إبراهيم هو نقطة الإنطلاق للمظاهرات طوال الأسبوعين التاليين, و حتى بعد تنحى مبارك.
وصلنا للجامع.أعداد غفيرة من البشر كلها تهتف ضد مبارك.ألتقى بالعديد من الأصدقاء الذين لم أرهم منذ فترات طويلة.نسمع شيخ الجامع و هو يخطب فى الجموع بضرورة الثبات على المواقف و عدم التنازل عن مطلب تنحى مبارك و نظامه الفاسد.ربما تكون هذه هى المرة الأولى التى يقول فيها كلاماً مثل هذا على الملأ لكن البركة فى الثورة التى حطمت حاجز الخوف لديه مثلما حطمته عند بقية المصريين.
كانت المنطقة المحيطة بالجامع تحمل آثار معركة الأمس.عربات الشرطة المتفحمة و كسر الطوب و رائحة الغاز.لكن الغريب أن الجو قد إختلف عن الأمس:الشمس ساطعة, السماء صافية, أما البحر...ماذا أقول عن البحر....إنى لم أر فى حياتى بحر مدينتى الإسكندرية بهذا الجمال و هذا الصفاء.هل كان للظلم المخيم علينا تأثير على الطبيعة أم تأثيرٌ على أعيننا نحن؟هل للظلم سوادٌ مادى يشوش عليك الرؤية و يمنعك من رؤية الجمال الكامل؟هل تجسدت هذه الظلمة و هذا السواد فى ثياب قوات الأمن المركزى؟
لا أعلم, لكن ما أعلمه هو أنى رأيت جمال مدينتى بغير العين التى كنت أراها بها طوال ثمانية و عشرين عاماً لى فى دنيا البشر.و أن هذا الأمر لم يكن مقتصراً على عينى فقط بل شمل أعين من حولى.
عند العودة للمنزل بدأنا نسمع عن حوادث البلطجة و السرقة بطريقة مخيفة.أخذت عصا و سكيناً و نزلت لأقف مع حارس العمارة, ففوجئت بأن الشارع ممتلىء بشباب و رجال نزلوا من منازلهم ليدافعوا عن بيوتهم.و هكذا بدأت اللجان الشعبية و تطورت يوماً بعد يوم.فمن حواجز توضع على مداخل الشوارع إلى أكمنة على الشوارع الرئيسية توقف السيارات و تطلع على هويات الراكبين بل و تفتش السيارات أحياناً و تستخدم كلمة سر كى تمر من كمين لآخر.و وزع بيان بأرقام سيارات مشبوهة قامت بإطلاق النار على الشباب فى مناطق مختلفة.و كان من المخزى أن يكون محل الإشتباه هو من يحمل هوية تدل على أنه يعمل بالشرطة!!!
فى نهار اليوم التالى فى الطريق للقائد إبراهيم شاهدت شباباً يقوم بتنظيم المرور فى مناطق متفرقة.الجميل كان تجاوب الناس معاهم و إلتزامهم بتعليمات السير.كان هذا الجو غريباً علينا جميعاً. الشعب هو الذى يتولى فعلياً تأمين نفسه بنفسه و تنظيف الشوارع و تنظيم المرور فى بلد قد سقطت ذراعه الباطشة و قصمها الله.فى هذا الوقت كانت النظرة للجيش شديدة الرومانسية..إنه الفارس النبيل الذى جاء ليحول بين الشعب و جلاديه من الشرطة..لكن هذا الفارس لم يجىء على صهوة جواد و إنما على متن دبابة...و لاحقاً تبين أنه ليس بفارسٍ من الأساس.
فى اليوم الثالث – الإثنين 31 يناير – توجهت كالعادة عند صلاة الظهر إلى جامع القائد إبراهيم, الأعداد المنتظمة فى التظاهرات تزداد يوماً عن يوم...قبل هذا كان تواجد الأمن المركزى هو الذى يوحد الصفوف. الآن تجمعنا الرغبة المشتركة فى إسقاط هذا النظام العفن.كان العنصر الأكثر تنظيماً و وضوحاً هو جماعة الإخوان.كانوا يأتون بمكبرات الصوت على عربات بيك آب و تتقدم المسيرة و تتنوع بين الهتاف و بين النشيد الوطنى و بعض الأغانى الوطنية و خصوصاً أغنية (يا حبيبتى يا مصر).و أشهد أنى لم أر أو أسمع منهم هتافاً فئوياً خاصاً بهم بل كانت كل الهتافات متسقة مع ثورة عموم شعب مصر.
تحركت المظاهرة من القائد إبراهيم تجاه محطة الرمل و قطعت شارع صفية زغلول إلى أن وصلت ميدان محطة مصر و تم الإعلان عن النية للإعتصام هناك موازاة لإعتصام التحرير.
الحقيقة أن الإسكندرية كمدينة ليس بها أماكن تصلح للإعتصام من وجهة نظرى, و على تعدد ميادينها فإن الإعتصام فى ميدان المحطة أشبه بمن يريد أن يعتصم بميدان الجيزة أو رمسيس.حتى القاهرة نفسها ليس بها مكان يماثل عبقرية موقع ميدان التحرير بكل المعالم و المؤسسات القريبة منه.الإسكندرية بشوارعها الطويلة شبه المستقيمة هى مدينة مظاهرات متحركة بإمتياز.لذا لم يدم هذا الإعتصام أكثر من يومين تقريباً ثم عدنا لمظاهراتنا السيارة.
لم أكن مستعداً أنا و أصدقائى للإعتصام فى العراء فاتفقنا على البقاء حتى منتصف الليل ثم المبيت فى أحد الفنادق الرخيصة المطلة على الميدان ثم العودة فى الصباح للإستعداد لأول مظاهرة حاشدة تم الدعوة إليها...أول مليونية.
مما استرعى انتباهى أنه بعد وصولنا للميدان بقليل حدث نوع من التمايز...الإخوان فى جزء من الميدان و معهم ميكروفوناتهم بهتافاتهم العالية...و أتباع التيارات السياسية الأخرى(ليبراليين أو يساريين) متجمعين عند النصب التذكارى فى قلب الميدان يغنون أغانى سيد درويش و الشيخ إمام و يرددون بعض الهتافات.كان صوت ميكروفون الإخوان أعلى فعلق أحد أصدقائى ساخراً أن هذا أشبه بميكروفونات مدرسة الولاد و مدرسة البنات فى فيلم الناظر.لكن يبدو أن هناك من لفت نظر الإخوان لهذا لأننا ذهبنا لنصلى و عند عودتنا وجدنا أنهم قد خفضوا الصوت.
فى المنطقة المحيطة بالميدان كانت الحياة شبه عادية.المقاهى الرخيصة مزدحمة بمرتاديها المعتادين من متابعى الأفلام الهندى و المصارعة النسائية.مقاهى أخرى لمتابعى كرة القدم.بعض المقاهى ممن تستضيف المحللين الإستراتيجيين من أبناء الشعب المصرى تفتح الجزيرة أو القناة الأولى!!
فى هذه الليلة إصطدمنا بما يذاع فى التليفزيون الحكومى عن الثورة و الثوار. فى خضم إنشغالنا بالمظاهرات لم نكن نتابع التليفزيون إلا قليلاً و إذا شاهدناه نتابع قنوات إخبارية محترمة كالجزيرة و البى بى سى. لكن التليفزيون الحكومى المصرى بمذيعيه و ضيوفه أثبتوا أن الحقارة كنزٌ لا يفنى.
فى الصباح – الثلاثاء 1 فبراير- توجهت إلى منزلى لتبديل ملابسى و لأخذ قسط من الراحة قبل المشاركة فى المليونية الأولى. فوجئت بمجموعة من الشباب أحدهم جار لى – سلفى – يمسكون بلافتات فى وسط شارع أبى قير مكتوب عليها (كفاية تخريب-كفاية مظاهرات-المسلم من سلم المسلمون من لسانه و يده)!!
هرعت إليهم أسألهم ما هذا الذى تفعلونه؟ و عن أى تخريبٍ تتكلمون؟ كانت ردودهم على مقتضبة و لكن ما صعقنى هو رد جارى لى و أنا أسب حسنى مبارك : إنه الأمير, و لا يجوز الخروج عليه!!!
تركتهم و دمى محروق و ذهبت لأريح جسدى و أعصابى قليلاً. بعد سويعات ذهبت لميدان تحريرنا بالإسكندرية..لجامع القائد إبراهيم. بعد صلاة الظهر و الغائب على الشهداء ألقى علينا الشيخ المحلاوى خطبة فى أول مرة من سنين ظل فيها ممنوعاً من الخطابة فى مسجده. طالت الخطبة و نحن نتحرق شوقاً للبدء فى المسيرة و أوصانا بالثبات على مطالبنا و ألا نرضى بغير رحيل مبارك و نظامه بديلاً. إنطلقت أولى أكبر مظاهرات الإسكندرية متجهة إلى ميدان محطة سيدى جابر.لا أستطيع تقدير الأعداد فهى لا تحصى فهناك أممٌ تسير أمامى و أناس على مرمى البصر من خلفى. عندما وصلت إلى شارع أبى قير قبل كلية الهندسة إتصل بى أخى ليخبرنى أنه ما زال عند مكتبة الإسكندرية و لا يزال من خلفه عدد لا يرى آخره!!
تنوعت هتافاتنا و إن كانت كلها تصب فى خانة إسقاط النظام, و (إرحل يعنى إمشى) و (كلموه بالعبرى مبيفهمش عربى) تلك الهتافات التى انتشرت فى ميادين مصر كلها و لم نكن نظن أننا سنضطر لإعادة إستخدامها بعد التنحى.
من المواقف الطريفة أننا رأينا من يرفع بروازاً قديماً به صورة لسعد زغلول فهتفنا :سعد سعد يحيا سعد...نموت نموت و يحيا سعد J  و بعدها بقليل كنا نهتف :حرية...حرية...حرية. و كانت هناك سيدة توزع بعض الحلوى و العسلية علينا فتحول الهتاف إلى: عسلية...عسلية..عسلية J J
عند الوصول لميدان سيدى جابر ضاق الميدان بالواقفين فيه و بعد فترة قررت و زوجتى العودة لمنزلنا و الجميل أننا شاهدنا المزيد من المجموعات ما زالت فى طريقها تتوجه لسيدى جابر.
عند عودتنا و من متابعتنا للأخبار وجدنا أن حجم المشاركة فى التحرير كان عملاقاً و كانت مليونية حقيقية. كانت معنوياتنا مرتفعة للغاية و تسربت أخبار أن مبارك سيوجه خطاباً للأمة هذه الليلة. تركنا الوغد 6 ساعات لنبنى قصوراً فى الهواء ثم أطاح بنا بخطاب عاطفى أثر فى الكثيرين. كنا نستمع للخطاب و نحن نجز على أسناننا من الغيظ من خبث هذا الرجل الذى سيشق الصف و يقسم الشعب. ظهرت أولى إرهاصات هذا الإنقسام بتليفون جاءنى فور إنتهاء الخطاب من أختى, قالت لى:ألا يكفى هذا؟ البلد واقفة و العيال .....إلخ. لم تقتنع بكلامى و أنهيت معها المكالمة لأجد مكالمة أخرى من أحد أعز أصدقائى – كان معى فى جمعة الغضب – لأفاجأ به يقول:مبرووووك. قلت له:على ماذا؟ قال:الرجل قال أنه سيرحل بعد 6 أشهر؟ فقلت له:إذا كانت أنت بكل ما تملك من ثقافة قد صدقت الرجل فما بال البسطاء إذاً؟ أنسيت كذا و كذا و كذا؟ فأفاق و إستعاد رشده. لكن هناك آلاف لم يستعيدوا رشدهم إلا متأخراً...جداً.
و جاءتنى الأخبار أنه بعد أقل من 10 دقائق من خطاب مبارك تعرض المعتصمون فى ميدان محطة مصر لهجوم من بلطجية بالسلاح الأبيض و لكن الثوار ردوهم على أعقابهم بمعاونة الجيش. و ها قد ظهرت أولى بشائر خطاب الكاذب المخلوع.
و نمت فى غاية النكد لأستيقظ على يوم الأربعاء الأسود – 2 فبراير -  المعروف بإسم: موقعة الجمل.

ليست هناك تعليقات: