الجمعة، 11 مايو، 2012

الزن على الودان


الإعلام سلاح خطير تستخدمه الأنظمة الحاكمة في توجيه و تشكيل الرأى العام بالطريقة التي تحلو لهم, و أهم إستراتيجية يلجأ لها الإعلام هي إستراتيجية (الإلحاح) و التي نطلق عليها في هذا المقال (الزن) الذي هو أمر من السحر كما يقول المثل الشعبي.
فعندما يريد النظام منا أن نقتنع بفكرة معينة أو برأى معين تراه مقروءًا شا في الصحف و مرئيًا في التلفاز و تجده مسموعًا في الراديو حتى تكاد تتذوقه بلسانك أو تبتلعه رغمًا عنك كلفافة البانجو. و يجد النظام مجالاً لدس هذه الأفكار في العقول التي بها مساحات كثيرة فارغة و ليس بها أفكار مضادة للطرح الذي يطرحه.
و قد يكون هذا الإلحاح متخذًا لصورة تدفعك في الطريق الذي يريد منك النظام أن تسير فيه, و نسميه هنا الإلحاح الإيجابي..و كلمة إيجابي ليست بمعنى أنه جيد بل بمعنى أن الإلحاح يجعلك تتخذ موقفًا حركيًا بغض النظر عن كون الفعل خيرًًا أم شرًا..و غني عن الذكر أن أنظمتنا لا يأتي من ورائها الخير.
و قد يكون الإلحاح غرضه أن تتبني موقفًا سلبيًا, و هذا الإلحاح السلبي هو نشر لفكرة أو في الأغلب لروح إنهزامية الغرض منها تهيئة النفوس لتقبل فكرة معينة و الإستسلام لها كأمرٍ حتمي الحدوث.
و حتى تكون الأمور أوضح سندلل بأمثلة..فمن أمثلة الإلحاح السلبي موقف النظام مع الشعب في مسألة التوريث.
كان بزوغ نجم جمال مبارك و تداخله - أو تدخله - في أجهزة الدولة و سياستها دليلاً للأعمى أنه يتم إعداده ليرث إدارة العزبة بعد والده, و في الوقت نفسه كان مسئولو النظام ينفون وجود هذه النية, و حتى مبارك كان قد صرح هازئاً بأن مصر ليست سوريا (لأنه كان يؤمن في داخله أنها أقذر من سوريا).
كل فترة كان يخرج ديوث من أتباع النظام (و كلمة ديوث هنا بدلاً من سبة عامية بنفس المعنى لا بديل عنها في هذا الموضع) ليطرح سؤالاً: و ما العيب في أن يترشح جمال للرئاسة في المستقبل؟ لماذا نحجر على حق من حقوقه كمواطن مصري لمجرد أنه إبن رئيس الجمهورية؟!!
و مع تغول نفوذ جمال مبارك و تلميعه الإعلاني, و تكرار النفي من نظامٍ لم يُعرف بالصدق, و خروج (ديوث) كل فترة بمقال أو تصريح من العينة السابقة, أصبحت شرائح واسعة من الشعب مهيئة نفسياً لفكرة أن جمال هو الرئيس المقبل..حتى إذا ما قرر مبارك عدم الترشح و نزل جمال مرشحاً عن الحزب الواطي لا يكون في هذا مفاجأة للشعب, فقد أخذ الشعب جرعة مسكنة لمدة سنوات جعلت نفسيته متقبلة بإستسلام لهذه الفكرة و كأن حدوثها تحصيل حاصل..و يحاول إقناع نفسه بأن: من تعرفه أحسن ممن لا تعرفه, و أنه لا بديل...حتى عندما فكر البعض في بديل كان البديل هو علاء مبارك حينما داعب مشاعر عدد من المصريين بتصريحاته أيام أزمة الجزائر!!
و لولا الثورة لكان جمال على الأرجح يؤدي اليمين الدستورية رئيساً في سبتمبر الماضي.
بعد الثورة كان لابد للنظام - الذي هو إمتداد لما قبل الثورة -  أن يتخلص من الصداع الذي تسببه له الحركات الثورية, فكانت الحرب الإعلامية الممنهجة عليهم و الربط بينهم و بين البلطجة كتهمة مطاطة, و إثارة مسألة التمويل الأجنبي...و لامس هذا الزن إستعداداً في نفوس و عقول طائفة كبيرة من الشعب الذي ينشد الإستقرار و آمن أن هؤلاء عقبة في طريقه...لذا وجدنا المواطنين الشرفاء الذين يتعرضون للمظاهرات بأنفسهم, و يخطىء كل من يظن من الثوار أن من يتهجم على المظاهرة بلطجي..فبعضهم مواطنون مصريون شرفاء قاموا من الكنبة لا ليثوروا على الظالم بل ليضربوا من ثار عليه!! و لم لا و قد وجدت أكاذيب النظام مساحات خالية في عقولهم فملأتها بالنفايات. و من لم يفهم من 6 أشهر رغم كل ما رآه فلن يفهم أبداً..أبداً.
من أمثلة الإلحاح أيضاً الحملة الكبيرة على الإسلاميين في وسائل الإعلام المختلفة من إعلام مقروء و مرئي. فكمية الأخبار الكاذبة و التصريحات المحرفة و الشائعات حولهم غير طبيعية و ممنهجة, و للأسف فإن الأداء المزري لهم في البرلمان و تخاذلهم بشكل رسمي في الميدان مع الكثير من الزن و الحشو و اللغو يجعل الأكاذيب مصدقة عند طوائف من عموم الشعب و التي قررت أنها لن تعطي صوتها للإسلاميين في الإنتخابات المقبلة, و أحد آخر الأمثلة هو تصديق البعض للإشاعة البلهاء بخصوص أن البرلمان يناقش قانون يتيح للزوج مضاجعة زوجته بعد موتها!! فأي عبث.
من جهةٍ أخرى فإن الإعلام تناول قضية حازم أبو إسماعيل بشكل فج, و في الوقت الذي كانت قضيته لا تزال تبحث كان الحكم قد صدر عليه في الإعلام بأنه كاذب و أصبحت هذه قناعة لدى الكثيرين حتى قبل أن يصدر أى قرار من لجنة الإنتخابات (النزيهة)...و بغض النظر عن سوء إدارته لقضيته فإن الإعلام لم يكن محايداً في هذه القضية من البداية...و السبب مفهوم.
نأتي لنوع آخر من الإلحاح مرتبط بالإنتخابات, و هو أن تجد صورة المرشح تطاردك في كل مكان, إذا فتحت نافذتك, و أنت في المصعد, و أنت في طريقك للعمل, أحد زملاءك يوزع عليك ورق دعاية له, عندما تفتح التليفزيون, و ربما عندما تفتح الثلاجة!!
هذا النوع من الإلحاح تسويقي بدرجة عالية, و هو يجعل النفس بشكل لا إرادي تعتقد أن هذا المرشح له حظٌ أوفر في الفوز, و بالنسبة لفئة كبيرة من شعبنا المصري العظيم فإن المراهنة تكون على الجواد الرابح - أو من يُظن أنه الجواد الرابح -  و ليس بالضرورة على من تؤمن أنه الأصلح, و إن لم تصدق فاعلم أن هناك من يقرر لمن سيصوت من خلال ورق الدعاية الذي يوزع عليه و هو واقف في الطابور أمام لجنة الإنتخابات, و يمكنك أن تتأكد بنفسك.
و غني عن الذكر أن الدعاية التي ستصاحب حملتي موسى و شفيق لن تنافسها في هذا الصدد إلا حملة مرسي, لكن حملات الفلول سيصاحبها تلميع إعلامي بشكل مكثف في البرامج و الصحف في مقابل الغمز و اللمز في البقية.
و الأثر النفسي الذي تصاحبه حملة التلميع لفل مثل شفيق أو موسى هو تهيئة النفوس لتقبل فكرة أن أحدهما سيصبح رئيساً للجمهورية, و في ظل الإنقسام و تفتت الأصوات بين عدد من المرشحين الآخرين يرى كل منهم نفسه مرشحاً للثورة ! فإن النتيجة ستجد لها تبريراً منطقياً, فالأرجح أن تكون النتيجة إعادة بين موسى و مرسي أو أبو الفتوح, و في جولة الإعادة يمكن بتزوير طفيف مع إستمرار حملة التلميع و بعض إستطلاعات الرأى المضروبة أن تستقر النتيجة لموسى, و خصوصاً إذا كان مرسي هو من يعيد أمامه. و كل شىء ممكن مع لجنة الإنتخابات (النزيهة) التي تدير هذه الإنتخابات !! و إني لأعجب من أنصار المرشحين و كل منهم يطعن في الآخر و كأنهم في معركة إنتخابية حقيقية, في الوقت الذي يتم فيه تشحيم الخازوق لنا ( و ربما لن يتم تشحيمه)!!
لا أقول هذا من قبيل أن تزوير الإنتخابات أمر تحصيل حاصل و بالتالي لا تشاركوا فيها, لدي إحتمال و لو 1% أنها لن تزور, لهذا سأشارك لأبرىء ذمتي و أختار (أحسن الوحشين) لأن أياً منهم ليس بمقبولٍ لدي...لكني لن أنساق للعبث الدائر و المهاترات بين أتباع المرشحين الذين أعلى كل منهم أيديولوجيته و نفسه فوق المصلحة العامة, و لم نر أحدهم معترضاً على تجاوزات لجنة الإنتخابات طالما أنها لم تمسه بسوء...و لا حول و لا قوة إلا بالله.
و لله الأمر من قبل و من بعد.
----------------------------------------
تم نشر المقال في موقع رصد 






ليست هناك تعليقات: