الأربعاء، 25 أبريل، 2012

الحرب النفسية


فى الأيام الأولى للثورة, و بعد إندحار قوات الشرطة أمام إرادة الشعب, كانت المعنويات ترتفع للسماء, و آمال الشعب تحلق فى الفضاء. لدرجة أننا فى يوم جمعة الغضب عندما عدنا لبيوتنا و سمعنا أن مبارك سيوجه كلمة للأمة ظن كثيرٌ منا أنه سيعلن تنحيه عن السلطة بعد أن بات واضحاً أمام العالم كله أن شعب مصر قد ثار عليه. و مرت الساعات بطيئة ساعة تلو الساعة إلى أن خرج علينا فى منتصف الليل ليخرج لنا لسانه و يقول لنا أنه قد غير الوزارة!!
بعدها ببضعة أيام خرج المصريون فى أولى مليونياتهم – الثلاثاء 1 فبراير- و كانت هذه رسالة شعبية قوية أخرى للنظام الحاكم. و مرة أخرى يتم تسريب خبر أن مبارك سيتوجه بكلمة إلى الأمة. و ننتظر من السادسة مساءً إلى منتصف الليل..و الآمال تعلو و تحلق...ثم تكون النتيجة هذا الخطاب العاطفي الذى خُدِعَ به كثيرون..و لم يفيقوا إلا فى اليوم التالي..على موقعة الجمل.
صمد المعتصمون فى الميدان أسبوعين كاملين, و إستمرت المظاهرات فى المحافظات داعمة لهذا الإعتصام. و أعتبر أن ضربات الأمن و البلطجية كانت أخف ما تعرض له الثوار, فما لاقيناه من قذارة الإعلام و تثبيط المحبطين كان أدهى و أمر. و شخصياً كان أكثر ما يسبب لى الإحباط هو هذا الكم من المصريين من أصحاب النفس القصير الذين نعيش وسطهم, و الذين لا ينظرون إلا تحت أرجلهم, و الذين يريدون منا أن نكف عن الإعتصام و التظاهر ليعودوا إلى ما كانوا يعيشون فيه, و الذين مع كل هذا يصدقون ما يُلقى فى آذانهم من قذارة من الإعلام عن كوننا عملاء و مأجورين و خارجين عن الشرعية و...و نأكل الكنتاكي!!
فى يوم الخميس 10 فبراير إرتفعت وتيرة الشائعات بشكلٍ كبير. فى البداية سمعت أن حظر التجول قد عاد ليصبح بدءًا من الساعة الثالثة و النصف بعد أن كانت مدته قد تقلصت. و بعد هذا بدأت الأخبار عن أن مبارك سيلقي بكلمة جديدة للأمة, و كان التسريب بشكلٍ أدق أنه سيتنحى بشكلٍ مؤكد. بل و قيل أن إحدى قيادات القوات المسلحة قد صرح بأن الشعب سيسمع أخبارًا ستسره الليلة. و فى هذه الليلة ذهبت للميدان و سمعت بأذني و أنا أمر بنقطة تفتيش أحد الضباط يكرر بصوت مسموع نفس الكلام و هو يحادث طرفاً آخر على اللاسلكي!!
كان الميدان يعيش فرحة حقيقية تجاوزت الشك...و لكن مرة أخرى يأخذوننا إلى قمة جبلٍ ثم يطرحونا من شاهقٍ حتى تتناثر أشلاؤنا – لكن يشاء الله أن يخيب ظنهم.
فرغم كم الإحباط الذي عم الميدان إلا أن المعتصمون ظلوا فى أماكنهم, و توجه فريقٌ منهم إلى القصر الجمهوري. أما فى المحافظات و بالأخص مدينتي الإسكندرية فكانت حشود المتظاهرين مهيبة و كلها رفض لكلمات و شخص مبارك..إلى أن عرفنا قرب غروب الشمس أن شمسه قد غربت..و تنحت.
نهج خلفاء مبارك نهجاً مخالفًا فى الأشهر الأولى بعد التنحي. كان الشعور العام أننا الآن فى مصر الجديدة, و أنه لا نكوص للماضي و لا رجعة للوراء. و كان أغلبنا يغض الطرف عن أى تجاوزٍ يحدث هنا أو هناك. و كانوا من جهةٍ أخرى يحسنون اللعب على هذه النقطة, و لنتذكر أنه عند فض الجيش للإعتصام عند مجلس الشعب فى مارس سارعوا بالإعتذار قائلين :نعتذر..و رصيدنا لديكم يسمح.
لكن عندما تغيرت الظروف, و بدا واضحًا لكل من له عينان أن المجلس العسكري لا يختلف عن مبارك – إن لم يكن أسوأ – ساعتها تغير الأسلوب, و شرعوا فى إنتهاج نفس الأساليب القذرة القديمة. و لكن هذه المرة كانت الحرب النفسية أقسى و أعنف.
ففى خلال عامٍ كامل شرع العسكر فى إتخاذ كافة الأساليب التى تجعل المواطن العادي يكفر بالثورة, و هذا المواطن الذي يخاطبه المجلس العسكري فى رسائله بصيغة : أيها الشعب المصري العظيم, و أيها المواطنون الشرفاء...هذا المواطن هو المكلف بشكلٍ غير مباشر بمساعدة العسكر فى حصار الثوار.
لا ننكر هنا دور القوى الثورية أنفسها بأخطائها و تناحرها و تشرذمها فى كل ما حدث للثورة, لكننا نركز فى هذا المقال على الجانب النفسي فى هذا الصراع.
و لأن (الزن على الودان أمر من السحر), و لأن الشعب المصري ذو نفسٍ قصير و ذاكرة سمكية, فكان هذا الشعب على إستعداد لتصديق كل ما ألقى فى آذانه من قاذورات فى الفترة الماضية بخصوص 6 أبريل, و منظمات المجتمع المدني, و مخططات تخريب و هدم الدولة, و طبيعة الداعين للإضرابات و الإعتصامات, و التمويل الأجنبي...إلخ. أضف إلى ذلك ردود أفعالهم السلبية في العديد من المواقف الحاسمة و بالأخص أحداث مجلس الوزراء و الموقف من واقعة سحل الفتاة (ست البنات) و تعريتها.
و فى الوقت ذاته ألقى هذا الشعب باللوم على الثوار في كونهم السبب في الإنفلات الأمني, و البلطجة, و تراجع الحالة الإقتصادية, و الفوضى في الشارع. أضف إلى هذا أداء مجلس الشعب و مهادنته للمجلس العسكري بل و ترديده لنفس النغمة المتعلقة بمخططات تخريب الدولة و إسقاطها!! و لا تسل عن أثر كل هذا على الثوار و هم أشبه بعداءٍ يعدو فى سبق فوجد المتفرجين بدلاً من أن يشجعوه على إنهائه يضعون فى طريقه العراقيل و يجذبونه من ذراعيه و ساقيه و ثيابه فتتباطأ سرعته إلى أن يقف رغمًا عنه. و لهذا ساد أغلب الثوار حالة عالية من الإحباط.
و لكن الإحباط هو عرضٌ لا ينبغي أن يتحول إلى مرض ليصبح يأسًا..و يشاء الله أن تجد من الحوادث ما يفتح أعين طوائف أخرى فى الشعب على حقيقة المجلس العسكري, و حتى إن ظلت هذه الطوائف على سلبيتها فعلى الأقل إن لم تتحرك معك فلا تكون ضدك. و يكثر العسكر من المناورات و الشائعات و يخرج لدينا الخبر ثم نفيه ثم الخبر مرة أخرى إلى أن تسود الناس حالة من البلبلة على المستوى العقلي و الإنهاك على المستوى النفسي و لا يصبح أى شىء مفهومًا, و فى الوقت ذاته يصبح أى شىء متوقعًا و وارد الحدوث. و يكفي أن نضرب مثلًا بقضية الجنسية لوالدة الشيخ حازم أبو إسماعيل كنموذج للبلبلة من خلال تسريبات متناقضة مرة بالإثبات و مرة بالنفي فتهز أنصاره و تأخذهم مرة إلى عنان السماء ثم فى اليوم التالي تلقيهم من علِ. و من جهةٍ أخرى يصاحب اللغط زنٌ على الآذان بأن الرجل كاذب و نجد كل من حولنا يدعي أنه يعرف أحدًا من أسرة الشيخ صرح له بأن الشيخ كاذب...و هكذا تصبح النفوس مهيأة لتلقي هذه الأخبار و منتظرة لها و مصدقة لها حتى لو تم نفيها و تبين كذبها أساسًا بعد هذا.
و الخلاصة أن الحرب النفسية قوامها الكذب و الإشاعات و الإحباطات. إضافةً إلى توقيتات نشر الأخبار المختارة بعناية مخابراتية. أضف إلى ذلك ظلم ذوي القربى الذى هو أشد مضاضةً على النفس من الحسام المهندِ و الرصاص المطاطي.
قلتها من قبل و ما زلت أقولها, لكى تحافظوا على سلامتكم النفسية يا رفاقي الثوار فلا تورطوا أنفسكم فى مناقشات مع أشباه الأناسي...من لم يفهم حتى الآن بعد كل ما مر بنا فلن يفهم أبدًا..لكن خذوا بأيدي من به أمل...و أما بالنسبة للعسكر فإنهم ((يمكرون و يمكر الله و الله خير الماكرين)).
و الحمد لله الذي أطال فى عمر الفترة الإنتقالية حتى الآن حتى يرى كل منا نفسه على حقيقتها, و نرى من حولنا – حتى أقرب المقربين منا – على حقيقتهم...فكم من أقنعةٍ زالت, و كم من رموزٍ سقطت..و يكفي أننا قد رأينا بيننا فى نهاية المطاف من عنده إستعدادٍ لإنتخاب رجلٍ مثل عمر سليمان!!
إن كم الصدمات النفسية و الإحباطات و الإنهاك الذي تعرض له أى مؤمنٍ بالثورة خلال هذا العام لو تعرض له جبلٌ لكان قد إندك...و لكن المؤمن لا يجوز له أن ييأس ...و المعركة بين الحق و الباطل ليست سهلة. و الفجر يأتي بعد أقصى ساعات العتمة. و المؤمن الحق يستعلي بإيمانه فوق الباطل...و المسألة كلها مسألة وقت...و ليقولوا إنها رومانسية و أوهام و أحلام..لكن الثورة لم تكن إلا حلماً..و تحقق..و سنكملها بإذن الله.
و إن غدًا لناظره قريب.
---------------------------------------

تم نشر المقال في موقع رصد

ليست هناك تعليقات: