الأربعاء، 25 أبريل، 2012

الحرب النفسية


فى الأيام الأولى للثورة, و بعد إندحار قوات الشرطة أمام إرادة الشعب, كانت المعنويات ترتفع للسماء, و آمال الشعب تحلق فى الفضاء. لدرجة أننا فى يوم جمعة الغضب عندما عدنا لبيوتنا و سمعنا أن مبارك سيوجه كلمة للأمة ظن كثيرٌ منا أنه سيعلن تنحيه عن السلطة بعد أن بات واضحاً أمام العالم كله أن شعب مصر قد ثار عليه. و مرت الساعات بطيئة ساعة تلو الساعة إلى أن خرج علينا فى منتصف الليل ليخرج لنا لسانه و يقول لنا أنه قد غير الوزارة!!
بعدها ببضعة أيام خرج المصريون فى أولى مليونياتهم – الثلاثاء 1 فبراير- و كانت هذه رسالة شعبية قوية أخرى للنظام الحاكم. و مرة أخرى يتم تسريب خبر أن مبارك سيتوجه بكلمة إلى الأمة. و ننتظر من السادسة مساءً إلى منتصف الليل..و الآمال تعلو و تحلق...ثم تكون النتيجة هذا الخطاب العاطفي الذى خُدِعَ به كثيرون..و لم يفيقوا إلا فى اليوم التالي..على موقعة الجمل.
صمد المعتصمون فى الميدان أسبوعين كاملين, و إستمرت المظاهرات فى المحافظات داعمة لهذا الإعتصام. و أعتبر أن ضربات الأمن و البلطجية كانت أخف ما تعرض له الثوار, فما لاقيناه من قذارة الإعلام و تثبيط المحبطين كان أدهى و أمر. و شخصياً كان أكثر ما يسبب لى الإحباط هو هذا الكم من المصريين من أصحاب النفس القصير الذين نعيش وسطهم, و الذين لا ينظرون إلا تحت أرجلهم, و الذين يريدون منا أن نكف عن الإعتصام و التظاهر ليعودوا إلى ما كانوا يعيشون فيه, و الذين مع كل هذا يصدقون ما يُلقى فى آذانهم من قذارة من الإعلام عن كوننا عملاء و مأجورين و خارجين عن الشرعية و...و نأكل الكنتاكي!!
فى يوم الخميس 10 فبراير إرتفعت وتيرة الشائعات بشكلٍ كبير. فى البداية سمعت أن حظر التجول قد عاد ليصبح بدءًا من الساعة الثالثة و النصف بعد أن كانت مدته قد تقلصت. و بعد هذا بدأت الأخبار عن أن مبارك سيلقي بكلمة جديدة للأمة, و كان التسريب بشكلٍ أدق أنه سيتنحى بشكلٍ مؤكد. بل و قيل أن إحدى قيادات القوات المسلحة قد صرح بأن الشعب سيسمع أخبارًا ستسره الليلة. و فى هذه الليلة ذهبت للميدان و سمعت بأذني و أنا أمر بنقطة تفتيش أحد الضباط يكرر بصوت مسموع نفس الكلام و هو يحادث طرفاً آخر على اللاسلكي!!
كان الميدان يعيش فرحة حقيقية تجاوزت الشك...و لكن مرة أخرى يأخذوننا إلى قمة جبلٍ ثم يطرحونا من شاهقٍ حتى تتناثر أشلاؤنا – لكن يشاء الله أن يخيب ظنهم.
فرغم كم الإحباط الذي عم الميدان إلا أن المعتصمون ظلوا فى أماكنهم, و توجه فريقٌ منهم إلى القصر الجمهوري. أما فى المحافظات و بالأخص مدينتي الإسكندرية فكانت حشود المتظاهرين مهيبة و كلها رفض لكلمات و شخص مبارك..إلى أن عرفنا قرب غروب الشمس أن شمسه قد غربت..و تنحت.
نهج خلفاء مبارك نهجاً مخالفًا فى الأشهر الأولى بعد التنحي. كان الشعور العام أننا الآن فى مصر الجديدة, و أنه لا نكوص للماضي و لا رجعة للوراء. و كان أغلبنا يغض الطرف عن أى تجاوزٍ يحدث هنا أو هناك. و كانوا من جهةٍ أخرى يحسنون اللعب على هذه النقطة, و لنتذكر أنه عند فض الجيش للإعتصام عند مجلس الشعب فى مارس سارعوا بالإعتذار قائلين :نعتذر..و رصيدنا لديكم يسمح.
لكن عندما تغيرت الظروف, و بدا واضحًا لكل من له عينان أن المجلس العسكري لا يختلف عن مبارك – إن لم يكن أسوأ – ساعتها تغير الأسلوب, و شرعوا فى إنتهاج نفس الأساليب القذرة القديمة. و لكن هذه المرة كانت الحرب النفسية أقسى و أعنف.
ففى خلال عامٍ كامل شرع العسكر فى إتخاذ كافة الأساليب التى تجعل المواطن العادي يكفر بالثورة, و هذا المواطن الذي يخاطبه المجلس العسكري فى رسائله بصيغة : أيها الشعب المصري العظيم, و أيها المواطنون الشرفاء...هذا المواطن هو المكلف بشكلٍ غير مباشر بمساعدة العسكر فى حصار الثوار.
لا ننكر هنا دور القوى الثورية أنفسها بأخطائها و تناحرها و تشرذمها فى كل ما حدث للثورة, لكننا نركز فى هذا المقال على الجانب النفسي فى هذا الصراع.
و لأن (الزن على الودان أمر من السحر), و لأن الشعب المصري ذو نفسٍ قصير و ذاكرة سمكية, فكان هذا الشعب على إستعداد لتصديق كل ما ألقى فى آذانه من قاذورات فى الفترة الماضية بخصوص 6 أبريل, و منظمات المجتمع المدني, و مخططات تخريب و هدم الدولة, و طبيعة الداعين للإضرابات و الإعتصامات, و التمويل الأجنبي...إلخ. أضف إلى ذلك ردود أفعالهم السلبية في العديد من المواقف الحاسمة و بالأخص أحداث مجلس الوزراء و الموقف من واقعة سحل الفتاة (ست البنات) و تعريتها.
و فى الوقت ذاته ألقى هذا الشعب باللوم على الثوار في كونهم السبب في الإنفلات الأمني, و البلطجة, و تراجع الحالة الإقتصادية, و الفوضى في الشارع. أضف إلى هذا أداء مجلس الشعب و مهادنته للمجلس العسكري بل و ترديده لنفس النغمة المتعلقة بمخططات تخريب الدولة و إسقاطها!! و لا تسل عن أثر كل هذا على الثوار و هم أشبه بعداءٍ يعدو فى سبق فوجد المتفرجين بدلاً من أن يشجعوه على إنهائه يضعون فى طريقه العراقيل و يجذبونه من ذراعيه و ساقيه و ثيابه فتتباطأ سرعته إلى أن يقف رغمًا عنه. و لهذا ساد أغلب الثوار حالة عالية من الإحباط.
و لكن الإحباط هو عرضٌ لا ينبغي أن يتحول إلى مرض ليصبح يأسًا..و يشاء الله أن تجد من الحوادث ما يفتح أعين طوائف أخرى فى الشعب على حقيقة المجلس العسكري, و حتى إن ظلت هذه الطوائف على سلبيتها فعلى الأقل إن لم تتحرك معك فلا تكون ضدك. و يكثر العسكر من المناورات و الشائعات و يخرج لدينا الخبر ثم نفيه ثم الخبر مرة أخرى إلى أن تسود الناس حالة من البلبلة على المستوى العقلي و الإنهاك على المستوى النفسي و لا يصبح أى شىء مفهومًا, و فى الوقت ذاته يصبح أى شىء متوقعًا و وارد الحدوث. و يكفي أن نضرب مثلًا بقضية الجنسية لوالدة الشيخ حازم أبو إسماعيل كنموذج للبلبلة من خلال تسريبات متناقضة مرة بالإثبات و مرة بالنفي فتهز أنصاره و تأخذهم مرة إلى عنان السماء ثم فى اليوم التالي تلقيهم من علِ. و من جهةٍ أخرى يصاحب اللغط زنٌ على الآذان بأن الرجل كاذب و نجد كل من حولنا يدعي أنه يعرف أحدًا من أسرة الشيخ صرح له بأن الشيخ كاذب...و هكذا تصبح النفوس مهيأة لتلقي هذه الأخبار و منتظرة لها و مصدقة لها حتى لو تم نفيها و تبين كذبها أساسًا بعد هذا.
و الخلاصة أن الحرب النفسية قوامها الكذب و الإشاعات و الإحباطات. إضافةً إلى توقيتات نشر الأخبار المختارة بعناية مخابراتية. أضف إلى ذلك ظلم ذوي القربى الذى هو أشد مضاضةً على النفس من الحسام المهندِ و الرصاص المطاطي.
قلتها من قبل و ما زلت أقولها, لكى تحافظوا على سلامتكم النفسية يا رفاقي الثوار فلا تورطوا أنفسكم فى مناقشات مع أشباه الأناسي...من لم يفهم حتى الآن بعد كل ما مر بنا فلن يفهم أبدًا..لكن خذوا بأيدي من به أمل...و أما بالنسبة للعسكر فإنهم ((يمكرون و يمكر الله و الله خير الماكرين)).
و الحمد لله الذي أطال فى عمر الفترة الإنتقالية حتى الآن حتى يرى كل منا نفسه على حقيقتها, و نرى من حولنا – حتى أقرب المقربين منا – على حقيقتهم...فكم من أقنعةٍ زالت, و كم من رموزٍ سقطت..و يكفي أننا قد رأينا بيننا فى نهاية المطاف من عنده إستعدادٍ لإنتخاب رجلٍ مثل عمر سليمان!!
إن كم الصدمات النفسية و الإحباطات و الإنهاك الذي تعرض له أى مؤمنٍ بالثورة خلال هذا العام لو تعرض له جبلٌ لكان قد إندك...و لكن المؤمن لا يجوز له أن ييأس ...و المعركة بين الحق و الباطل ليست سهلة. و الفجر يأتي بعد أقصى ساعات العتمة. و المؤمن الحق يستعلي بإيمانه فوق الباطل...و المسألة كلها مسألة وقت...و ليقولوا إنها رومانسية و أوهام و أحلام..لكن الثورة لم تكن إلا حلماً..و تحقق..و سنكملها بإذن الله.
و إن غدًا لناظره قريب.
---------------------------------------

تم نشر المقال في موقع رصد

الثلاثاء، 17 أبريل، 2012

تأثير الفراشة و الثورة المصرية



تأثير الفراشة هى نظرية إفتراضية ظهرت من خلال رواية سافر بطلها فى رحلة عبر الزمن ليعود إلى عصر الديناصورات, و أثناء عودته إلى مركبته دهس فراشة بحذائه فلما عاد إلى زمنه وجد أن العالم أصبح خراباً و أن كل شىء تغير, لأن تغييره للماضى تسبب فى حدوث سلسلة من الأحداث سارت بالتاريخ فى مسار مختلف مما أدى به لنتائج مختلفة تماماً على المدى البعيد.فالنظرية توضح كيف أن تغيير فى حدث بسيط قد يتسبب على المدى البعيد فى نتائج ضخمة.
و يمكنك أن تعود بمقعدك إلى الوراء و تغمض عينيك و تتخيل نقاط فارقة فى التاريخ, فتخيل مثلاً كم كان سيتأخر نشوء الإمبراطورية الرومانية – لو كانت ستنشأ أصلاً- إن كان أوكتافيوس هو الذى هُزِمَ فى موقعة أكتيوم. و تخيل لو أن سيدنا أبو بكر لم يتمسك بموقفه فى وجوب مقاتلة المرتدين. و تخيل لو أن المسلمون لم يُهزموا فى موقعة تور بواتييه فى فرنسا (يقول أحد المؤرخين الإنجليز أنه لولا هذه الهزيمة لكان القرآن يُتلى و يُفسر الآن فى أوكسفورد).
و تخيل لو أن ملك الخزر إعتنق المسيحية بدلاً من اليهودية(1). أو أن أمير كييف قد اعتنق الإسلام بدلاً من المسيحية(2).
و تخيل لو أن التتار لم ينكسروا فى عين جالوت. و تخيل لو أن نابليون لم ينهزم فى ووترلو.
و تخيل لو أن هتلر قد توصل لصناعة القنبلة الذرية قبل الحلفاء.
و تخيل لو أن العرب قد تمكنوا من هزيمة اليهود فى 1948.
و تخيل لو أن يوسف صديق لم يخرج ساعة مبكراً عن موعده فى ليلة 23 يوليو (3).
ثم دعك من كل ما سبق...و تخيل
تخيل ماذا كان ليحدث لنا لو اكتفينا بالتظاهر يوم 25 يناير 2011...و لم نكمل.
لو حدث هذا لكان عددٌ ممن يقرأ هذه السطور – و ربما كاتبها أيضاً – يشاهد صورة جمال مبارك و هو يقسم اليمين كرئيس للبلاد...من خلال الجرائد...داخل السجن.
يمكن للناقمين على الثورة أن يعددوا كل المساوىء التى حدثت خلال العام الماضى, يمكنهم أن يتباكوا على عهدٍ يتناسون و يدعون أنه خلا من البلطجة و السرقة و إرتفاع الأسعار!!! لكنهم لن يتصوروا أى عهد من الإرهاب كنا لنمر به حتى نُجبر على قبول التوريث.و كل ما نعانى منه من إنفلاتٍ أمنى – بسبب تقاعس الشرطة لا بسبب الثورة – كان السيناريو المعتمد لإجبار الشعب على قبول جمال مبارك كوريث إذا حدثت إحتجاجات ضده, حتى يخرج علينا بصورة المنقذ القوى المسيطر على كل شىء, و القادر على بسط الأمن و النظام.
كل من قال لا – و لو فى قلبه – لم يكن ليأمن على نفسه و أهله, كانت السجون التى هَرَب -  أو بالأحرى هُرِبَ -  منها المجرمون و كأنها قد أُفرغت من نزلائها لندخل نحن فيها.
أيها المتباكون على الإقتصاد و عجلة الإنتاج, أراكم نسيتم إلى أين كنا سائرين. لقد كنا نهرول إلى مزيد من الإنهيار الإقتصادي بينما يخرج علينا أحمد نظيف ببياناتٍ و أرقامٍ توضح إرتفاع معدل التنمية!! و لا تظنوا أننا كنا لنكون أفضل مما نحن عليه الآن.فحتى لو أدى عدم إستقرار الأوضاع الآن لإضطراب الإقتصاد و توقف بعض القطاعات, فقد عادل هذا قفل بعض مصادر تسريب و نهب الأموال بدخول أصحابها السجون.
أيها الناقمون على الثورة, إن الثورة مرحلة, طالت أو قصرت فهى فترة مؤقتة نسعى فيها لوضع الأمور فى نصابها الصحيح و العودة إلى الطريق المستقيم لنحقق غداّ أفضل. أما السيناريو الآخر فلم يكن لنا من غدٍ أصلاً.
و إذا عدنا إلى لعبة التخيل, فقد يقول قائلٌ: ماذا لو لم نغادر الميدان فى 11 فبراير و أصررنا على تسليم السلطة لسلطة مدنية؟
أقول: لو عاد بنا الزمن ألف مرة إلى هذه النقطة, لتصرفنا نفس التصرف و لغادرنا الميدان...و الأحرى أن نسأل أنفسنا السؤال الأصعب: ماذا لو لم يتنحَ المخلوع فى 11 فبراير؟
و إذا كنا نلعب لعبة التخيل هذه بأحداث الماضى سواء البعيد أو القريب, فيمكننا أن نطبقه أيضاً على المستقبل.
ماذا لو بعد كل هذه التضحيات, و الدماء, و الدموع, و العرق...
ماذا لو بعد كل هؤلاء الشهداء, و المصابين, و الثكالى, و الأرامل, و الأيتام, و المعتقلين..
ماذا لو بعد كل هذا إستسلمنا لمسار يؤدى بنا إلى رئيسٍ طرطور, و دستور معيب, و حكومةٍ ضعيفة, و عسكر ما زالوا يحكمون من وراء الستار؟
الأمر كله منوطٌ بوجود هذا الفعل من عدمه (إستسلمنا).
لا أحسب أن أحداً آمن بهذه الثورة, و كان على إستعدادٍ للتضحية بروحه فى سبيل حرية هذا الوطن, ما زال يحتفظ فى قاموسه بهذا الفعل.و لو أعدناه لقواميسنا فلنستحق أن نسير فى المسار الذى يُرسَم لنا.
فليعتبر كل منا المرحلة الحالية هى إستراحة محارب.نتأمل فيها تجربتنا السابقة, و ما يجرى حالياً, و نرصد بأعينٍ مفتوحة السيناريوهات المتعددة للقضاء على الثورة – سواء من الداخل أو الخارج- و لتستمر حملات التوعية و فضح كذب الكاذبين لأن الإعلام يتم توجيهه ضدنا, و الزن على الآذان أمر من السحر. و فى داخل كل منا مؤشر يوضح له الوقت المناسب للنزول (إذا إستدعى الأمر ذلك).و لن نحقق أى من أهدافنا إذا نسينا الله.
توحدنا على إستكمال تحقيق مطالب الثورة و التخلص من الحكم العسكري و كل ما يمت بصلة للنظام القديم هو إعلان إستقلال لمصر, لكى تتخلص من التبعية, و تصبح مصر التى نريد....قولوا عن هذا الكلام أنه كلامٌ عاطفي و كلام شعارات..و لكن هل كانت الثورة إلا حلماً؟ و على قدر أهل العزم تأتى العزائمُ.و ستنتصر هذه الثورة بإذن الله.
و الله غالبٌ على أمره.
هوامش:
1-تقص عددٌ من المصادر أن ملك مملكة الخزر قد استدعى مثلين للديانات السماوية الثلاثة ليتناظروا أمامه, ثم آثر إعتناق اليهودية و إتبعه شعبه.و الخزر هم أصل اليهود الأشكيناز الذين انتشروا فى روسيا و شرق أوروبا – بولندا بالأخص- و ألمانيا.و منهم ظهر أكبر منظرى الصهيونية و مؤسسى إسرائيل. راجع (القبيلة الثالثة عشرة-آرثر كويستلر).
2-فى سياق مشابه للقصة السابقة هناك رواية أن أمير كييف بعد مناظرة دينية بين الدينات الثلاث فضل إعتناق المسيحية و بذلك دخل الروس فى المسيحية.راجع(هجرة اليهود السوفييت - د.عبد الوهاب المسيري).
3-كان من المقرر أن يتحرك يوسف صديق بقواته من الثكنات متجهاً إلى قيادة الجيش فى الساعة الثانية عشرة, لكنه أخطأ و ظنها الساعة الحادية عشرة.فلما وصل لمقر القيادة العامة وجد كل القادة مجتمعين لوضع ترتيبات إحتواء حركة الضباط و إستباقها.و ربما لولا هذه الساعة لكان الضباط الأحرار قد عُلقوا فى المشانق فى اليوم التالى.راجع(أوراق يوسف صديق – يوسف صديق).
 ------------------------------------
تم نشر المقال فى موقع رصد




الأحد، 8 أبريل، 2012

و الآن ماذا بعد ترشح عمر سليمان؟


لا أحسب أن ترشح عمر سليمان كان مفاجأة لنا..بل كان الخبر السيء الذى كنا نتوقع حدوثه و نتمنى ألا يقع. لكن أصدقكم القول أن هذا النبأ لم يكن وقعه على بهذا السوء, و هذا لكثرة ما مر بنا منذ بدأت الثورة .
و كالعادة, ففور إعلان نبأ ترشحه رسمياً حتى برزت المواهب المصرية فى (الألش) سواء على الفيس أو تويتر, و أتمنى ألا ينزلق رفاقى من الثوار من خانة السخرية المؤقتة إلى بئر الإحباط و اليأس, فالأمر ليس بكارثى, طالما أننا لا زلنا على إيماننا بالثورة.
دعونا نفكر فى الأمر بهدوء, عندما سمعت نبأ الترشح كتبت رأيى بإيجاز على تويتر: إن الرجل الذى يؤمن أن الشعب المصري غير مستعد للديمقراطية , من المؤكد أنه لم يخطط أن يصل للرئاسة بشكل ديمقراطي.
نعم, فالآن بت موقناً أن الإنتخابات الرئاسية سيتم تزويرها, لأن رجل مثل عمر سليمان لم يكن ليترشح إلا ليكسب, و لو جرت إنتخابات نزيهة فى الوضع الراهن فإن رئيس الجمهورية القادم هو حازم صلاح أبو إسماعيل على الأرجح.
لذا فإن إحتمال تزوير الإنتخابات هو 99%, و لاحظوا أن أشياء كثيرة تمت و ستتم إلى حين موعد الإنتخابات كى تبدو هذه النتيجة منطقية, من إستطلاعات رأى مضروبة, إلى سخط متزايد على التيار الإسلامى و مرشحيه, إلى تسويق لوهم أن البلد بحاجة لرجل قوى ذى علاقات خارجية يستطيع حمايتها من الداخل و الخارج, و هذا الرجل -  و ياللعجب – هو عمر سليمان!!
و لا ننسى مجهودٌ مخابراتى دئوب لمدة تزيد عن العام تم فيه إفتعال الكثير من الأزمات مع إنفلات أمني و بلطجة جعلت المواطن العادى يضج و يلعن اليوم الذى حدثت فيه الثورة. و حملة تكريه الناس فى الثورة هذه ليس عمر سليمان نفسه ببعيد عنها.
إذاً فما العمل إذا نجح عمر سليمان (بالتزوير) ؟
الميدان هو الحل أيها الرفاق, هذا أمر بديهى.
يبقى لنا أن نفكر فى الطريق الآخر, فى الإحتمال ال1% بعدم تزوير الإنتخابات, و من أجل هذا الإحتمال سأشارك فى الإنتخابات و لن أقاطعها.
قلت أنه لو سارت الأمور فى مسارها الطبيعى, فإن حازم أبو إسماعيل هو الرئيس القادم (لو لم تصبح أمه أمريكية فى نهاية المطاف), و ربما كان عمر سليمان هو منافسه فى جولة الإعادة.
لكن هل من الممكن أن تحدث المفاجأة, و نجد أن شخصاً مثل عمر سليمان قد نجح بدون تزوير؟
حسناً, إن التيارات الإسلامية قادرة على أن تحشد أتباعها وراء مرشحها, لكن هناك فصائل من هذه التيارات لن تعطى إلا للمرشح الذى ترى أنه إسلامى, أو بالأحرى الذى يزكيه لهم شيوخهم.
أما بقية الشعب المصري العظيم, فهناك من يعلم أنه من السخرية أن تقوم ثورة تطيح بمبارك لتأتى بمدير مخابراته و نائبه رئيساً من بعده.
و هناك آخرون نراهم كل يومٍ فى أعمالنا, و من بين أقاربنا, يرون أن البلد فى حاجة لهذا الرجل (القوي) ليضبط الأمن و يوقف البلطجية عند حدهم!!
و هناك من يرى بعد أداء الإخوان و السلفيين فى البرلمان و تأسيسية الدستور أن أى شخص و لو كان عمر سليمان هو أفضل من الإخوان (و منهم من هو محسوبٌ على الثوار ..للأسف), و الإخوان و السلفيين – سامحهم الله و هداهم – يتحملون مسئولية هذا أمام الله و التاريخ , إن لم يفيقوا و يبادروا لإصلاح أنفسهم.
و هناك من يفكر فى الأمر بطريقة أن هذا رجلٌ خبير, و اللى نعرفه أحسن من اللى منعرفوش !!
و هناك من يقول: لقد أخذ الإخوان فرصتهم, فأعطوا له فرصة !!
مع وجود هذه الأصناف, ما زلت لا أرى أن أصواتها مجتمعة قد توصل رجلاً مثل عمر سليمان لسدة الرئاسة بشكل ديمقراطي, لكن سنفترض و لو إفتراض بسيط أن هذه الكارثة قد حدثت, فما العمل إذاً؟
مرة أخرى الميدان هو الحل يا رفاقي.
ألم يقل لنا عمر سليمان نفسه أن الشعب غير مستعد للديمقراطية؟
إذا أنتجت الديمقراطية رجلاً مثل عمر سليمان فهذه إهانة للديمقراطية نفسها, و فاتحة لعهد جديد – أو بالأحرى إمتداداً لنفس العهود – من الديكتاتورية و القمع و الدولة البوليسية التى ستصبح أيضاً دولة المخابرات.
إن نزول الميدان ليس مرهوناً بنجاح الرجل بالتزوير أو بالديمقراطية, بل هو مرهونٌ بنجاح الرجل من الأساس.
إنها الآن ليست فقط مسألة متعلقة بالوطن فحسب, بل هى مسألة بقاء لكل من شارك فى الثورة, مسألة حياة أو موت لكل من تجرأ فى يومٍ من الأيام و قال: لا.
إن حالنا فى هذا الوطن كحال المذكورين فى حديث السفينة, فإذا إستسلمنا للظروف فسنغرق جميعاً, و إذا أخذنا على أيديهم نجوا و نجونا جميعاً.
الآن أمامنا إما أن نختار بين مرشح من المحسوبين على الثورة نأمل أن يقودنا لنعمل جميعاً على رفعة هذا الوطن و تعويض ما فات و العيش بكرامة.
و إما أن نسمح بوجود رئيس من الفلول – و أخطرهم عمر سليمان – ليستمر هذا البلد فى التبعية و العمالة للغرب, و يعيش الشعب كالأنعام, يعيش بالعصا و الجزرة, و فى الأغلب لا يرى الجزرة.
أيها الإسلاميون, كفاكم حسابات خاسرة و كفى كل ما ضاع من وقت, أفيقوا فحكم الله و حكم التاريخ عليكم لن يكون سهلاً. إنكم قد صرتم فتنةً و جعلتم لأقاويل خصومكم عليكم شرعية من ممارساتكم و أخطائكم.
يا كل من يدعى الإنتساب للثورة, عارٌ عليك أن تؤيد مثل عمر سليمان نكايةً فى الإسلاميين, و أنت تعلم أن رؤوسهم لن تطير وحدهم, بل ستطير رأسك أيضاً.
و يا أيها المرشحون للرئاسة, يا كل من يدعى منكم الإنتماء للثورة و يتعهد بالحفاظ على مكاسبها, حاولوا تخطى الطموحات الشخصية و ارحمونا من مأساة تفتيت الأصوات. أرونا أن مصر أهم لديكم من الأمجاد الشخصية.
و يا رفاق الثورة, ليكن إعتمادكم على الله أولاً, ثم على أنفسكم ثانياً, و بالنسبة لشعبنا العظيم فلا تيأسوا من محاولة توعية من تجدوا أملاً من الحوار معه, و لا تضيعوا أوقاتكم و لا تستنزفوا مجهودكم و أعصابكم مع أشباه الأناسى...صدقونى من لم يفهم منذ أشهر مضت فلن يفهم أبداً.
يا رفاق الثورة, اليأس غير مطروح, و الهزيمة ليست خياراً...و ما النصر إلا من عند الله, و سننتصر بعون الله, بعز عزيزٍ أو بذل ذليل.
((يا أيها الذين آمنوا اصبروا و صابروا و رابطوا و اتقوا الله لعلكم تفلحون))
يسقط يسقط حكم العسكر...و يسقط عمر سليمان و أشباهه.
----------------------------

تم نشر هذا المقال فى شبكة رصد

الأحد، 1 أبريل، 2012

الإخوان..و الوعد الذى أُخلِف


منذ أعلن الإخوان رسمياً ترشيحهم للمهندس خيرت الشاطر لمنصب الرئيس و نحن نرى سجالات و نقاشات أغلبها عقيم. و بديهى أن طرفى النقاش هم طرف مهاجم لهذه الخطوة من الإخوان و طرف مدافع على طول الخط, و عنده قدرة تبريرية غير عادية لأى موقف تتخذه الجماعة. و هو كما قلنا من قبل قد يدافع عن موقفٍ اليوم ثم يبرر نقيضه فى اليوم التالى.
و بشكل عجيب, يكاد النقاش ينحسر فى جزئية أن الإخوان قد وعدوا من قبل أنهم لن يدفعوا بمرشح للرئاسة من داخل الجماعة. و غنى عن الذكر أن هذا هو السبب (المعلن) لفصل الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح.
ففى حين يكاد أغلب المهاجمين يشتركون فى ترديد الحديث النبوى ((آية المنافق ثلاث:إذا حدث كذب, و إذا وعد أخلف, و إذا أؤتمن خان)), فإن المدافعين من جهة أخرى لهم تبريراتهم التى تصل لتأصيلات شرعية لدرجة أن أحدهم قارن بين رجوع الإخوان عن موقفهم و بين النسخ فى القرآن الكريم!!!
و بدايةً, فيجب علينا أن نضع الأمور فى نصابها.
إذا ناقشنا المبدأ من الناحية المجردة, و هو أن تعلن عن موقفٍ ما, ثم تستجد ظروف و يعن لك ما يدعوك لمراجعة نفسك و العدول عن قرارك و السير فى الطريق الآخر, فمن الناحية المجردة هذا أمرٌ براجماتى عملى. و له ما يعضده فى الدين و هو الحديث الذى يتناقله الإخوان الآن ((من حلف على يمين ثم رأى غيرها خيراً منها فليأت الذي هو خير)).
لكن عندما نخرج من التجريد و نعود للواقع الملتبس الذى نعيش فيه, فإن مثل هذه التبريرات و التأصيلات لهذا الموقف فى هذه الظروف ليست إلا نوعاً من التدليس.
نعم, فالمسألة ليست مسألة حرية حزب أو حركة فى الدفع بمرشحٍ لها فى الرئاسة, و إنما مسألة مرحلة فارقة فى تاريخ هذه الأمة نقف فيها جميعاً أمام مفترق طرق, بين رغبة فى إستكمال الثورة و تحقيق أهدافها و السير بهذا البلد إلى طريق العزة و الكرامة, و بين الإستمرار فى التبعية للغرب و حكم العسكر و لو بواجهة مدنية.
إن القرار ليس قرار فردى لن يعود بالنفع أو الضرر إلا على متخذه, بل هو قرارٌ يؤثر على مسار و تاريخ هذا البلد. فبئس القياس.
يا من تتعالون علينا بكونكم ترون ما لا نرى, و يا جهابذة السياسة و أفذاذها, ألم تكن من السياسة أن تتركوا الباب موارباً لخياركم هذا بأن تقولوا من البداية بأنكم لم تحسموا أمركم بترشيح أحدكم من عدمه, بدلاً من أن تعلنوا مراراً و تكراراً أنكم لن تدفعوا بمرشح, ثم تفصلوا أحد أهم كوادركم و نفراً من شبابكم لمخالفتهم إياكم؟
أيها الجهابذة, ألا ترون اللحظة الفارقة التى نمر بها؟ ألا ترون المعسكر الإسلامى و هو منقسم بين ثلاثة مرشحين, فأبيتم إلا أن تزيدوا الإنقسام؟ نريد أن نفهم ما الخيرية فى قراركم هذا الذى ينقص من فرصتكم و فرص الآخرين و لا يعلى إلا فرص الفلول من أمثال شفيق و موسى!!
أيها المتحاذقون, هل تغترون بكثرتكم؟ ألا تستمعون لأصوات المنتقدين لكم حتى من بين من انتخبوكم؟ هل تظنون أنه لو أعيدت الإنتخابات البرلمانية الآن ستحوزون نفس النتائج؟
بالأمس نرى منكم إستئساداً على العسكر فى موقفٍ جديد, و فى الوقت الذى اتهمتموهم فيه بنيتهم لتزوير الإنتخابات نجدكم تدفعون بمرشحٍ فى هذه الإنتخابات المزورة....ما علينا.
أعود فأكرر أن المصيبة الأكبر هى فى تفتيت الأصوات الذى لن يصب فى النهاية إلا فى مصلحة الفلول, و من واقع النظر لكافة المرشحين سواء إسلاميين أو غيرهم, فلا أرى أن أى منهم على إستعداد للإنسحاب من سباق الرئاسة أو حتى التنسيق مع مرشح آخر بحيث يكون أحدهما رئيساً و الآخر نائباً.
أما جماعة الإخوان, ففى ظل القيادة الحالية المتخبطة فلا رجاء منها...و فى وجود كتلة ممن يسمعون و يطيعون بشكلٍ أعمى و يدافعون بشكلٍ آلى فلا يُعول عليهم.
و إنما أعول على من رأيتهم فى الثورة من أول يوم...شباب الإخوان الذين يقدمون عقولهم على السمع و الطاعة, و شباب 6 أبريل, و الإشتراكيين الثوريين, و كل من كسر حاجز الخوف و نزل هذا اليوم دون أن ينتظر إذناً من جماعته أو حزبه.
إن الدائرة تضيق أكثر و أكثر ليعود الأمل محصوراً فى نطاق من بدأوا الأمر أول مرة, و لله الأمر من قبل و من بعد. و حسبنا الله و نعم الوكيل.
و لا زلت لا أعلم كيف سنخرج من هذه الدائرة بعد أن كثر خناقونا, لكن كلى ثقة بالله..و ثقة برفاق الدرب.
و الحمد لله على كل الإبتلاءات التى مررنا بها...كى يصلب عودنا, و لكى يظهر كل على حقيقته. و لقد أتت الفرصة لكل منا لكى يحطم أصنامه بنفسه, فعلى كلٍ أن يختار إما أن يحطمها, و إما أن يستمر فى السجود لها.
و إن غداً لناظره قريب.
رسائل سريعة:
1-      فى مقالى السابق كنت مدفوعاً بروح إعلاء المصلحة العليا للوطن و من ثم طلبت من رفاق الثورة أن يتناسوا مؤقتاً ما فعله الإخوان و أنه لا مجال للشماتة, و فى الوقت ذاته إنتقدت قيادة الإخوان. لكنى الآن أراجع نفسى فيما كتبت, و لا أجد أننى كنت على صوابٍ إلا فى نقدى لقيادة الإخوان.
2-      من العجيب أنه قد تم إتهامى بأنى (إخوانى حالى يحاول تجميل صورة الجماعة) أو (إخوانى سابق يهاجم الجماعة) و على أية حال فلم و لن أكون من الإخوان. و أرى بعض القراء يقول الآن (انت تطول أصلاً) و لهؤلاء أقول (ليس من طموحى أن أصل لمستواكم :) ).
3-      لن يسعدنى أن أرى مزيداً من الإنشقاقات فى جماعة الإخوان المسلمين. لكن المريع أن الجماعة تعلق على الأمر بأنها (تنفى خبثها) و فى الوقت ذاته أرى أنه لو سارت الأمور على هذا المنوال لن يتبقى فى الجماعة إلا مجموعة من المقلدين تتبع مجموعة من القيادات التى أصاب قلوبها الوهن.
و لله الأمر من قبل و من بعد.
----------------------------------------

تم نشر المقال بشبكة رصد