الثلاثاء، 24 أغسطس 2010

الجماعة


تابعت منذ بداية رمضان مسلسل(الجماعة) فقط من باب الفضول لرؤية الصورة التى سيظهرهم عليها وحيد حامد-الذى له سوابق فى السخرية من الإسلاميين فى أعماله التليفزيونية و السينمائية. و لما كان الكاتب قد عرض مجموعة مراجع قد إستند لها فى جمع مادة العمل و فى مقدمتها كتاب(مذكرات الدعوة و الداعية)للإمام حسن البنا مؤسس الجماعة, فقد عمدت إلى قراءة الكتاب لمعرفة مدى قرب الكاتب أو بعده من الأحداث التى خطها الإمام الراحل بنفسه, و بعد أن أنهيت قراءة الكتاب, و بعد رؤيتى لطريقة عرض الأحداث سواء التاريخية المتعلقة بسيرة مؤسس الجماعة و الرعيل الأول لها, أو المتعلقة بالجماعة فى عصرنا الحالى, فإن لدى العديد من الملاحظات السلبية و الإنتقادات لأنى أرى الكثير من التجنى على شخص حسن البنا الذى لا أملك إلا أن أحترمه و أقدره لما قدم للإسلام و الدعوة الإسلامية, و الذى كان أستاذاً لكل الحركات الإسلامية الحديثة فى العالم كله, و الذى يعتبر بحق فى مقدمة مجددى القرن الرابع عشر الهجرى, و ليس الذب عنه من واجب الإخوان المسلمين فقط لأن قيمته أكبر من أن تختزل داخل جماعته فقط. كما أن جماعة الإخوان و إن لم أنتم إليها, و إن كنت أختلف مع بعض أساليبها و توجهاتها الحالية, فإنها لا تستحق هذا القدر من التجنى و المغالطات التى ظهرت فى المسلسل, و التى سأعرضها فى الأسطر التالية:

-بدايةً, فقد عمد الكاتب إلى المباشرة الشديدة فى جمله الحوارية فيما يتعلق بإنتقاد الجماعة, فلسان حال منتقدى الجماعة من أبطال المسلسل يقول:هذه جماعة من الأفاقين الكذابين النصابين المخادعين مدعى التدين الذين يلبسون مسوح الرهبان و يتاجرون بأحلام و آمال الناس و لا غرض لهم إلا الوصول للسلطة لتحقيق مآربهم الخاصة!!!

-منتقدو الجماعة فى المسلسل لا يقتصر إنتقادهم على الجماعة وحدها, بل نجد إنتقادات لمظاهر متعددة مثل النقاب مع التعريض الخفى بالحجاب, و نجد التغنى بالزمن الجميل الذى كانت المرأة لصيقة بالرجل و مختلطة به فى كل المجالات و منها التشجيع فى مباريات كرة القدم-و كأن هذا غير موجود الآن, و كأن الإخوان قد ساهموا فى منعه أصلاً- هذا غير إظهار العديد مما يسعى الإسلاميون لنشره و يمثل قيوداً عليهم بأنه ردة ثقافية و إنتكاسة حضارية.

إنها صورة المسلم المعتدل الجميل الوسطى من وجهة نظر وحيد حامد, المسلم كما يريده النظام الحاكم, و لعلنا نذكر الأسرة المسلمة(المعتدلة)التى ظهرت فى فيلم الإرهابى, حيث النساء غير محجبات بل و متبرجات, و الأبناء لا يصلون, و الإبن يشرب البيرة!!!! أما ما خرج عن هذا الإطار فهو التطرف سواء كان تطرفاً بحق أم الإلتزام الإسلامى الصحيح.

-الصورة التى أظهر فيها معاملة ضباط أمن الدولة(الخمس نجوم) للإخوان الذئاب المتوحشين هى صورة طريفة بحق و لا تحتاج لتعليق.

-يصر وحيد حامد طوال المسلسل سواء فى العرض التاريخى أو المعاصر, و كذلك فى أعماله كلها على إطلاقها على إظهار الإسلاميين فى صورة المتشنجين ضيقى العقول الذين لا يملكون من العلم إلا قشوره, و تجد هذا الإسلامى دوماً عندما يتكلم أمام غيره يجد من ينبرى له (فيسكه)و يذكره بأنه مسلم و يفهم فى الإسلام أكثر منه, و أن الإسلام ليس كما يقول, ثم ينبرى فى عرض الإسلام المعتدل الذى ذكرناه آنفاً.

-نعرض الآن لذكر الجانب المتعلق بالإمام حسن البنا, و أنا أوقن أن الحقيقة المتعلقة بأى شخصية لا يمكن أن تعرف بالكامل من قراءة الكتب التى تروى سيرته, بله كتاب واحد, لكن على الأقل فإن مصادر معلوماتنا عن الفترة الأولى من حياة حسن البنا لن تخرج عن ما كتبه حسن البنا نفسه فليس لنا مصدر غيره, و قد نتسامح مع كاتب الدراما التاريخية حينما يتخيل سيناريو و حوار يعرض من خلاله الحدث التاريخى, طالما أن السيناريو و الحوار لم يخالف الوقائع التاريخية, و طالما أنه يسير فى الخط التاريخى للأحداث و يلتزم بروحها, لكن الكاتب فى حالتنا هنا لم يلتزم الموضوعية و لا الأمانة فى النقل, بل أسقط مشاعره و رؤيته الخاصة عن الإخوان على الجماعة منذ رعيلها الأول و على شخص مؤسسها.

لقد أظهر حسن البنا فى صباه فى صورة إرهابى صغير, صبى متشنج عنيد لا يستمع لمن هو أكبر منه, له ميل للعمل السرى, و ليس عنده ما يكفى من العلم الشرعى (فهو يعمد إلى الإلتحاق بالمدرسة الإعدادية قبل أن ينهى حفظ القرآن الكريم), أما فى شبابه فهو ذات الشخصية المتشنجة التى لا تراعى العلماء, و التى تسحر الناس بلب حديثها رغم أن كله قشور!!!و لا تعدم من ينبرى له بالنقد المباشر الجارح مسفهاً له و لرأيه و معرضاً بقلة بضاعته من العلم!!!

لقد إخترع الكاتب واقعة أظهر فيها حسن البنا فى صباه و قد حول لعبة (عسكر و حرامية)إلى(مؤمنين و كفار), و نسى نفسه فى اللعب و إشتد على زملائه حتى ترك أثر الضرب فى وجوه زملائه, و هى قصة لم ترد بالمذكرات. ثم جاء لموضوع جمعية الأخلاق التى أسسها و زملاؤه و كانوا يرسلون الخطابات لأصحاب المعاصى من باب الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر, و فى حين إستخدم الإمام فى كتابه لفظ(النهى الشديد عن المعاصى)فإن ما ظهر فى المسلسل هو التهديد و الوعيد و الإرهاب!!

أقدم البنا الصغير فى المسلسل على دخول المدرسة الإعدادية و ظهر و كأنه زاهد فى إكمال حفظ القرآن الكريم, فى حين أن الرجل يذكر فى مذكراته أنه قد تعهد بمواصلة الحفظ خلال الدراسة, ثم عرض المسلسل حدثاً لم يرد له ذكر فى المذكرات, ألا و هو سؤال شيخه الشيخ زهران له عن التبرعات التى يجمعها و من هو الرقيب عليه فيها, و ذلك فى إطار الغمز و التعريض بالتبرعات التى تجمعها الجماعة عبر تاريخها و طرق صرفها و الملف المالى للجماعة عموماً, و قد تكرر ذلك الأسلوب, فنرى الإمام بعد سنوات فى الإسماعيلية فى جلسة مع أتباعه و هم يفكرون فى طريقة يجمعون بها التبرعات من الناس لإقامة مقر لهم, فيخبرهم أنه إذا كانت الدعوة لبناء مسجد فسيهب الناس للتبرع, و يظهر فى المسلسل و كأنه قائم على التبرعات بنفسه, و فى مقابلة له مع البارون الفرنسى مدير شركة القناة يبدو فى مظهر المتسول و هو يقول للمترجم(متخليه يبحبح إيده شوية), فى حين أن الرجل فى مذكراته قد ذكر بأنه أخبر البارون بأنه ليس المخول بجمع التبرعات و أنه سيرسل له مسئول جمع التبرعات للمسجد ليتسلم قيمة التبرع لوضعها فى الصندوق!

و فى حلقة أخرى يظهر عدد من إخوان الإسماعيلية فى حالة ثورة على تعيين حسن البنا مسئول عن الجماعة فى الإسماعيلية لا يرضون عنه, و يذكرون أنه قد إختاره لكونه طيعاً فى يده, ثم يتساءلون فى ثورة عن الموارد المالية للجماعة فى الإسماعيلية و التى تذهب لشعبة القاهرة, و يبدو حسن البنا و هو عاجز عن الإجابة مثلما ظهر فى مشاهد مختلفة, حيث عمد الكاتب إلى إظهار عجزه عن الرد أمام مخالفيه و أنه يلجأ للمراوغة و التهرب و الإنحناء للعاصفة حتى تمر فى حال الضعف, أو قمع المخالفين فى حال القوة مثلما أظهر المسلسل تسليطه لأتباعه على مخالفيه لينهالوا عليهم بالضرب!!!

و فى مشهد ساذج يظهر شيخ أزهرى يريد أن يثبت قلة بضاعة صاحبنا من العلم و أنه يتكلم فقط فى القشور فيسأله سؤالاً ألمعياً غاية فى الأهمية ألا و هو:ما إسم والد سيدنا إبراهيم؟!! و كأن الإجابة من أركان الإسلام, و يظهر المسلسل أنه الإمام قد عجز عن الرد فى حين أن الكتاب يذكر الواقعة بشكل عكسى تماماً.

أما واقعة إشتراك الإمام فى مجلس بدار الشيخ الدجوى و هو من كبار علماء الأزهر وقتها, و التى أظهرته فى المسلسل بصورة الشاب المتشنج الذى لا يكن إحتراماً للعلماء الذين قاموا بدورهم بالتقليل من شأنه و التحدث معه و كأنه صعلوك, فقد ظهرت فى الكتاب بصورة مخالفة, فقد تحدث الشاب بحماسة فى المجلسين و لكن كانت نهاية المطاف أن إتفق الحضور على ضرورة القيام بشىء و قاموا برفع الأكل عن المنضدة و إحضار ورق و اقلام لكتابة أسماء الشيوخ و الشخصيات التى يمكن الإستعانة بها, و أثمر هذا عن عمل مجلة إسلامية بإسم مجلة الفتح!!

و فى مشهد مستفز نجد البنا فى أولى خطواته للدعوة بالمقاهى و هو يقوم بإلقاء جمرة أمام الناس ليفزعهم و يخوفهم من نار جهنم بصورة منفرة تثير الإنتقاد بشدة, و هى قصة لم ترد فى الكتاب الذى ورد فيه أنه كان يشير لأصحابه أن أهم ما يجب أن يحرصوا عليه فى الخروج للدعوة هو حسن إختيار الموضوع و طريقة العرض و الدعوة بالحكمة و اللين و الموعظة الحسنة!!!

و لما كانت دعوة الإخوان فى نظر وحيد حامد خروجاً عن الإسلام المصرى الوسطى المعتدل من وجهة نظره, فقد أظهر فى أحد المشاهد إجتماعاً بين الشيخ رشيد رضا و الشيخ محب الدين الخطيب و الإمام حسن البنا خلاصته أن الدولة السعودية الناشئة تدعم الجماعة و فكرها و تشجعها على نشر منهجها, و غنى عن الذكر أن هذا مما لم يرد فى الكتاب و ليس عدم وروده بالدليل الوحيد على نفيه, لكن من جهة أخرى أين دليل إثباته؟!!

إن دليل إثباته الوحيد من وجهة نظرى هو النغمة المستمرة التى طالما سمعناها من النظم الحاكمة عن الدعم الخارجى للإسلاميين و أنهم ينفذون أجندات خارجية لحكومات رجعية, و هو ما حاول الكاتب إسقاطه على الجماعة منذ بدايتها!!!

الخلاصة أن وحيد حامد قد أسقط كل الإتهامات و السلبيات التى يسوقها النظام الحاكم و أبواقه على جماعة الإخوان, أسقط كل هذا على مؤسسها الأول ليبين أن هذه السلبيات متجذرة فيهم لأنها صميم دعوتهم و أساسها, و ما عرضناه فى الأسطر الماضية هو قليل من كثير قد جاء فى 13 حلقة من مسلسل ما زال يعرض, و يا ليت الكاتب قد ركن إلى الموضوعية فإنتقد السلبيات التى يراها الناس العاديون فى بعض-و ليس كل-أعضاء و شباب الجماعة الحالية, لكنه بدأ ذلك من أول السطر حتى وصل بأن شبه حسن البنا بالحسن بن الصباح زعيم جماعة الحشاشين الباطنية!!!

لقد عمد وحيد حامد لإختراع أحداث لم تحدث من الأصل, أو عرض وقائع قد حدثت بصورة مبتسرة لإيصال صورة سلبية, و شارك مع المخرج فى إظهار البنا فى صورة إنسان مراوغ لئيم متطرف مضطرب النفسية!!!

إن المتابع للمسلسل إما مؤيد لتوجهه فسيزداد فرحاً برؤية هذا التوجه على الشاشة, أو معارض لتوجهه فسيصاب بالغيظ و حرق الدم, أو ليس عنده فكرة عن الموضوع من الأساس, و أظن أن الإنسان العادى الذى لديه قدر من التمييز سيشعر بمدى التحيز و عدم الموضوعية, و لو أن الزن على الآذان أمر من السحر.

ليس دور هذا المقال أن يفند كل إفتراءات المسلسل, فهذا دور جماعة الإخوان التى يحق لها أن ترد على كل أكذوبة و تفندها بالمراجع و الوثائق, و لكن يعز على أن أرى كل هذا التجنى و الإسقاطات فى هذا الإطار الفج السطحى, و أن يكون الإسلاميون فى قفص الإتهام و كأنهم مجموعة من الضباع.

إن جماعة الإخوان ليسوا بالحملان الوديعة, و لكنهم ليسوا بالذئاب التى تظهر فى المسلسل, و الإمام الشهيد حسن البنا ليس بالملاك المعصوم بطبيعة الحال, و لن يكون بأية حال بالشيطان الذى يظهروه لنا, و لو لم تكن دعوته قد خرجت بإخلاص, ما بذل فيها كل هذه الجهود و التضحيات, و ما كان لها هذا الأثر العميق فى مصر و العالم كله من وقته و حتى يومنا هذا.

و لله الأمر من قبل و من بعد.


الثلاثاء، 13 يوليو 2010

وقعت على بيان التغيير؟


منذ فترة إنطلقت حملة التوقيعات على الإنترنت على بيان الجمعية الوطنية للتغير المعروف بإسم بيان أو مطالب البرادعى, و لما كانت المطالب متعلقة بإنهاء حالة الطوارىء و عودة الإشراف القضائى على الإنتخابات و تمكين المصريين بالخارج من حق التصويت...الخ, و كلها مطالب شرعية و حقوق يجب أن نسعى لإنتزاعها, فقد كان من الطبيعى أن أوقع على البيان-بغض النظر عن إتفاقى أو إختلافى مع د.البرادعى-و أن أدعو كذلك من حولى لقراءة البيان و التوقيع عليه.

كنت جالساً فى مكتبى فى عملى السابق, فقررت مع زميل لى أن نشجع كل من يدخل مكتبنا للتوقيع بعد أن نشرح له المطالب, كان أول الداخلين علينا أكمل الساعى, و هو رجل (تحفة) فلاح من الشرقية و دماغه (خربانه) و ردوده و تعليقاته(دبش)لكنها مضحكة, ربما يستحق هذا الرجل تدوينة مستقلة, لكنى لا أستطيع أن ألا أذكر المرة التى دخل فيها على عندما علم أنى سأترك العمل فدار بيننا الحوار التالى:

أكمل:يا باشا قل لى أين ستذهب لأذهب معك.

أنا:يا أكمل أنا إن ذهبت للجنة و وجدتك داخلها فلن أدخلها, فكيف أصطحبك معى؟

أكمل:ليه يا باشا, دنا حتى أخدمك فى الجنة برضه

أنا:كيف ستخدمنى يا رجل؟ سنكون كلنا سواسية فى الجنة, فلا خدمة و لا يحزنون.

أكمل:إزاى يا باشا, مش (و يطوف عليهم ولدانٌ مخلدون)

أنا:بقى إنت ولدان مخلدون إنت, أكمل , بقول لك ايه, إطلع برة أنا مش فايق لك.

لما دخل على أكمل يومها سألته :أكمل, هل سمعت عن بيان دكتور البرادعى؟

أكمل:بيان إيه يا هندسة؟

أنا:تعرف من هو البرادعى أصلاً؟

أكمل:مش ده بتاع الطاقة النووية يا باشا؟

أنا:تمام يا أكمل, تعرف عنه إيه تانى؟

أكمل:عايز يرشح نفسه للرئاسة, مش كدة برضه يا باشا؟

أنا:الله ينور عليك يا أكمل منتا متابع أهو, طيب بص, فى عدة مطالب بيطالب بيها د. البرادعى و البلد محتاجة لها, و إحنا عايزين نوقع عليها عشان ندعمها, المطالب دى هى إنهاء حالة الطوارىء ........الخ, ايه رأيك يا أكمل, توقع؟

أكمل: طبعاً يا باشا أوقع, موقعش ليه يعنى, مش أنا مواطن مصرى و لا إيه؟ أوقع طبعاً, قال موقعش قال, دنا مواطن مصرى.

أنا:طب هات رقم بطاقتك يا أكمل.

أكمل(مستديراً و متجهاً جهة الباب):سلام عليكم يا باشا.

عاد أكمل بعد عشر دقائق فلما دخل قلت له:إنت رجعت يا خواف, بقى مجرد ما سألتك على رقم البطاقة تجر ورا كدة

أكمل:يا باشا إنى أعول 4 أطفال و أمهم و ستهم.

أنا:طب يا أكمل ما كلنا مسئولين عن أسر, و بعدين لو كل واحد فكر كدة يبقى عمرنا ما حنغير حاجة.

أكمل:معلش يا باشا, بس لو الموضوع فيه بطاقة يبقى تولع مصر.

أنا: طب إطلع برة يا أكمل و ناديلى عماد السواق.

دخل عماد (بكالوريوس تجارة) فسألته: وقعت على بيان البرادعى؟

عماد(مبتسماً):لأ, أصل أنا بحب حسنى مبارك.

أنا:من حقك أنك تؤيد حسنى مبارك و من حقى أنى أقول لك إطلع برة.

عماد(ضاحكاً):يا هندسة منتا عارف إنى مليش فى السياسة كلها, مفيش حاجة حتتغير, يبقى مفيش داعى نشغل دماغنا مدام مفيش فايدة.

أنا:طب هاتلى فتحى السواق.

دخل فتحى (دبلوم) فسألته:سمعت عن بيان البرادعى؟

فتحى:بص بقى يا هندسة, العملية كلها متطبخة, سيبك من الحوارات دى مفيش فايدة...........الخ

أنا:إحنا لو فضلنا كدة يبقى عمرنا ما حنتغير يا فتحى, عموماً بقول لك ايه, ابعتلى الشاهد اللى بعدك, ابعتلى حسن أمين المخزن.

دخل حسن (ليسلنس لغة عربية): أيوة يا هندسة

أنا:سمعت عن بيان البرادعى

حسن:يعنى, بيقول ايه بالضبط

أنا:رفع حالة الطوارىء...الخ, ايه رأيك, توقع عليه و تسجل رقم بطاقتك؟

حسن: أيوة أوقع, اكتب لى رابط الموقع أو أرسله لى على الميل.

أرسلت له الرابط فعاد بعد 10 دقائق ليتأكد من أنى لم أنس إرسال الرابط له J

دخل علينا مدير التنفيذ فسألته:م.محمد, سمعت عن بيان البرادعى؟

م.محمد (على وجهه نظرة بلهاء):هه؟!

أنا:طب خلاص يا هندسة و لا يهمك.

دخل علينا عبد اللطيف(ليسانس تربية)مشرف الأمن الصناعى, حدثته عن مطالب البرادعى بإختصار, فوافق على أن أملأ بياناته على الموقع, سألته عن إسمه فقال بمكر:عبد اللطيف محمد مبارك.

قلت له بإمتعاض:مبارك؟!طب هات رقمك القومى

أعطانى بقية بياناته ثم طلب أن يلقى نظرة بنفسه على المطالب قبل أن أنهى عملية التسجيل, فلما قرأها قال لى:شيل بقى كلمة مبارك و حط البرادعى J

بعد قليل دخل علينا أ.ياسر(ليسانس حقوق) مشرف تنفيذى و هو يسأل بلهفة: فين يا هندسة البيان بتاع البرادعى ده؟

أنا:مالك مستعجل عليه قوى كدة؟

ياسر:عايز أقرأه و أوقع عليه.

أنا:طب تعال كمان شوية بس عشان ورايا حبة شغل.

لم يهدأ ياسر حتى سجل توقيعه على المطالب و جلس جانبى و قال:ياه يا هندسة, أهو أنا دلوقتى إستريحت, يا رب بقى يحصل تغيير عشان كدة خلاص كفاية.

----------------------------------------------------------------------------------------------------------------------

مثلت المشاهد السابقة شريحة صغيرة من المصريين, أعمار و أشغال و عقليات و خلفيات و درجات تعليم مختلفة, لذا إختلفت ردود الفعل بالتالى, و كما رأيتم ليست درجة التعليم وحدها هى المقياس, فالتعليم فى بلادنا للأسف ليس مرتبطاً بالضرورة بدرجة الوعى, إن العامل المؤثر هو الروح التى بين جنبيك, إلى أى إتجاه تدفعك هذه الروح, هل تفتح عقلك و تنير طريقك و تملأك بالأمل و الحماس, أم تغلف عقلك بطبقات من الجهل و تختم على قلبك بختم اليأس و تقيدك بقيود الخوف؟

إنى أكتب هذا المقال و عدد الموقعين على بيان التغيير على الموقع اليوم 12-7-2010 هو 75000, أضف إليهم 20000 على موقع التصويت التابع للإخوان فيصبح العدد الكلى 95000 فى فترة ثلاثة أشهر!!!

هل هؤلاء فقط هم الراغبون فى التغيير؟حتى إذا تذكرنا أن هناك من بين المعارضين للنظام من يعارض البرادعى كذلك و ربما لم يشارك فى التوقيع على البيان-رغم أن البيان محايد و به كل ما يطالب به أى داع للتغيير- لكن على الرغم من هذا فإن العدد ما زال قليلاً جداً بالنسبة لعموم الشعب المصرى.

لن أرجع ضعف الإقبال على التصويت لكونه على الإنترنت, لأن الشريحة التى تستخدم الإنترنت فى مصر أكبر من هذا بكثير , و لنتذكر عدد المشاركين فى مجموعات الفيس بوك, فى حين أن التوقيعات كان من المتوقع لها أن تغطى مجتمع النت و كذلك توقيعات المرتبطين بأفراد هذا المجتمع.

ما سر ضعف الإقبال إذاً؟

هل شخصية البرادعى غير جذابة أو غير مقنعة كشخصية يلتف حولها الراغبون فى التغيير؟ ربما, لكن المطالب التى يطالب بها لا يختلف عليها إثنان إلا إذا كان أحدهما يرغب فى بقاء الحال كما هو.

إنها إذاً مشكلة من يخلطون بين الفكرة و الشخص, دعمك للفكرة لا يعنى بالضرورة تأييدك لنفس الشخص على طول الخط, البرادعى ليس ملاكاً, و لكنه ليس شيطاناً فى الوقت ذاته.

ما المشكلات الأخرى إذاً؟

ربما نجد بيننا الكثير ممن يسارع فى المشاركة فى الإستفتاءات الإلكترونية, و أقصى ما يفعله هو التوقيع على بيان بإسم مستعار, لكن عندما يجد نفسه إزاء إلتزام و جدية تستدعى إدراج رقم بطاقته فإنه يخاف, فمثله مثل أكمل.

و ربما نجد من لا يجد للأمر فائدة من الأساس, فهو يائس من أى محاولة للتغيير بسبب سنوات طويلة من قمع أى محاولة للإصلاح, فمثله كمثل عماد و فتحى.

و ربما نجد بيننا من لا يحتاج إلا للتنبيه, و ما أن ترشده للطريق حتى يشارك بإيجابية مثل حسن و عبد اللطيف.

و ربما نجد بيننا من يعيش فى (الطراوة) مثل م.محمد(الذى أرجو أن يقرأ هذا الكلام J ).

و ربما نجد بيننا من هو متعطش للخلاص و يجرى فى إتجاه أى طريق يسمع أنه يؤدى للإصلاح مثل أستاذ ياسر.

أرجو ألا يتبادر لذهن أحد أن الغرض من هذا المقال هو تشجيع القراء على التوقيع على بيان البرادعى, ليس هذا الغرض على الإطلاق, فالمسألة أكبر من هذا بكثير.

إنى أتمنى أن ينكسر حاجز الخوف من النفوس, الخوف من حتى إدراج رقم بطاقة بين 90ألف مصرى و كأن النظام قادر على أن يعتقلنا جميعاً و يسومنا سوء العذاب لمجرد أننا أعلنا رأينا-الذى يعرفه مسبقاً-فيه.

إنى أتمنى أن تتحطم قيود السلبية, و أن يزول اليأس من النفوس.

إنى أتمنى أن يصبح الجميع واعياً بالجهود المبذولة للتغيير و الإصلاح, إنى لا أتكلم عن أن ينتقل المصريون من مقاعد المتفرجين إلى مراكز اللاعبين, فالمصيبة أن الأكثر ليسوا من المتفرجين أصلاً و لا يدرون شيئاً مما يحدث أو يشعرون به إلا إذا جاء تحت أقدامهم, و لابد أن الشباب المشارك فى الوقفات الصامتة على روح الشهيد خالد سعيد قد لمسوا هذا مع العديد من المارة فى الشوارع!!

إنى أتمنى ...و أتمنى....و أتمنى

و أعلم أن ما أتمناه هو ما سيكون, لأنه فى النهاية لا يصح إلا الصحيح, و لأن بشائره بدأت بالأمس, و نلمسها اليوم, و ستزداد و تزداد.

لست مغرقاً فى تفاؤل بلا أساس, لكنى أمقت اليأس و الإحباط, و أؤمن بأن الله مع الصابرين.

اللهم إستخدمنا و لا تستبدلنا, و أذقنا ثمرات النصر....اللهم آمين.

الأحد، 11 يوليو 2010

خواطر حول الوقفة الثالثة


كان يوم الجمعة 9 يوليو 2010 يوماً ننتظره بشوق منذ شرفت و زوجتى بحضور الوقفة الصامتة الثانية على روح الشهيد خالد سعيد, كانت وقفتنا فى كورنيش كليوباترا لذا فكرت أن نقف فى مكان آخر هذه المرة, و وقع الإختيار على مكتبة الإسكندرية.

يومها زارنا أقارب لنا من خارج الإسكندرية سعدنا بزيارتهم لكن كنا ننتظر مغادرتهم بأحر من الجمر حتى نلحق الوقفة, نزلنا على عجل فى الساعة السابعة لنصل مكتبة الإسكندرية بعد 10 دقائق, رأينا أخوتنا من المتشحين بالسواد فذهبنا لنقف بجوارهم, لاحظنا وجود عدد كبير من المخبرين.وقفنا, ما إن فتحنا مصاحفنا لنشرع بالقراءة حتى إضطررنا لإغلاقها و التحرك من مكاننا بضغط الأمن, سرنا فى صورة طابور متجهين شرقاً, منذ وصولى و أنا أشعر أن العدد أقل من المرة الماضية, إتصلت ب3 أصدقاء نزلوا فى الوقفة الثانية لأجد إثنين منهما لم ينزلا, أما الثالث فقد وقف مع مجموعة سيدى جابر ثم فرقهم الأمن و شتتهم, فتوجه مع عدد قليل إلى القلعة حيث تشتتوا مرة أخرى!!

أثناء سيرنا كنا نقابل كل فترة بضعة شباب مثلنا قد تشتتوا من وقفات أخرى, كانوا ينضمون إلينا و نحن متجهين نحو سيدى جابر التى سمعنا أن أخوتنا الواقفين بها قد ضُربوا, وقفنا فى منتصف الطريق ليبين أحد الأخوة لنا الموقف و لينبه الفتيات حتى يرحلن, و لكن الطابور إستمر فى المسير كما هو, لم ينقص منه أحد, بل إزداد بمن إنضموا لنا فى الطريق.

بالرغم من تضايقى فى البداية من إجبار الأمن لنا على مفارقة مكاننا رغم وقوفنا بشكل غاية فى التحضر و السلمية, نقرأ القرآن أو الإنجيل أو نتطلع إلى البحر, فإن منظرنا و نحن نسير كطابور واحد فى نظام و إنسجام دون أن يعرف بعضنا بعضاً, و دون أى سابق معرفة أو إتفاق, هذا المنظر رفع معنوياتى بشدة, لقد جئنا من أماكن مختلفة لغاية واحدة بعد أن طفح كيلنا كلنا, و نحن ماضون بعزم فى طريق ندرك عواقبه لكننا نمشى بكل ثبات, المارون من حولنا ينظرون إلينا و إلى عيوننا التى إمتزجت فيها الصرامة بالحزن, و وجوهنا التى حملت تعابير الحزم و الغضب, كان منظرنا ملفتاً للأنظار بشدة تجعلك تتعجب من الغباء الأمنى المطبق, إننا لم نكن لنستطيع فى أية حال من الأحوال أن نملأ الكورنيش كله من شرق الإسكندرية لغربها, لكنهم و قد أجبرونا على أن نتحرك قد جعلنا الإسكندرية كلها ترانا و تشعر بنا.

هكذا تحدث إبن العاشرة

أثناء المسيرة كان يمشى أمامى مباشرة صبياً فى العاشرة يتحدث مع رجل أكبر منه بنصف قرن, كان الرجل يسأل الصبى و كان الصبى يجيبه ثم يسأله بدوره بكل براءة:لماذا تسأل كل هذه الأسئلة؟ هل أنت صحفى؟ إلتقطت جزءاً من الحوار, كان الصبى-الذى عرفت أن إسمه زياد-يجيب عن سؤال عن كيفية التغيير فى مصر, و أجاب بأننا يجب أن نسعى لإنهاء حالة الطوارىء, و أن مجلس الشعب قد مدد العمل بالقانون بسبب هيمنة الحزب الوطنى عليه, و أننا يجب أن نتكاتف و نقف ضد التعذيب و الإنتهاكات.

سعدت جداً لسماعى هذا الكلام و لإحساسى بوعى زياد و نضجه المبكر و متابعته و إيجابيته, و هو ما يفتقر له الكثير ممن يكبرونه بعشر أو حتى عشرين سنة, تركه الرجل و سرت بجوار زياد و دار بيننا هذا الحوار.

أنا:ربنا يحميك يا زياد

زياد:ربنا يحمى مصر

أنا:هل جئت وحدك اليوم يا زياد؟

زياد:نعم, لكنى خائف أن تتصل بى أمى على التليفون, لقد قلت لها أنى سأذهب إلى الوقفة فنهتنى عن ذلك فأخبرتها أنى سأذهب للنادى, و عندما وصلت لنادى الإتحاد مشيت إلى مكتبة الإسكندرية.

أتعلم, لقد كنت أتمنى أن نظل واقفين عند المكتبة, حتى يرانا الزوار الأجانب و تكون وقفتنا فضيحة و إحراج للنظام, لابد أنهم أجبرونا على الرحيل لهذا السبب.

أنا(مبتسماً):كلامك سليم بالفعل, لكن لا تبتئس فمسيرتنا ستجعل تأثيرنا قوياً كذلك, إنه فضيحة لهم فى حد ذاته لأنهم لا يطيقون رؤية شباب مسالم لا يفعل أكثر من الوقوف على الكورنيش فى صمت, و الآن كل الناس ترانا.

قل لى يا زياد, كيف عرفت بأمر الوقفة؟

زياد:من الفيس.

أنا:هل حضرت الوقفة السابقة أم كنت لا زلت فى الإمتحانات؟

زياد:لم أحضر للأسف بسبب الإمتحانات و لأنى لم أكن أعرف وقتها أين أماكن التجمع.

أين نحن الآن؟

أنا:لقد وصلنا سبورتنج, هل تعرف كيف تعود لمنزلك؟

زياد:نعم, سأعود بالترام, أنا أسكن فى الإبراهيمية

أنا:و أنا أيضاً, بالمناسبة يا زياد, أنت صغير الآن فلن يتعرض لك أحد بأذى, لكن فى المستقبل أرجو ألا تتبسط فى الكلام مع من لا تعرف و تخبره بمعلومات شخصية عن نفسك.

زياد:أنا لم أقل أكثر من أنى زياد من الإبراهيمية, شوف بقى فى كام زياد هناك.

أنا(مبتسماً): تمام كدة.

بعد أن أنهينا حوارنا بقليل وصلنا إلى كليوباترا حيث وجدنا عدد من الضباط و المخبرين يسدون علينا الطريق و يرفضون السماح لنا بالتقدم, طلب أحد المشاركين و هو رجل كبير السماح لنا بالتوجه لأقرب نفق حتى يعبر الطريق من يريد أن يرحل, و حمل الضابط مسئولية سلامة الشباب و الفتيات إذا عبروا الطريق و رفض الضابط تحمل المسئولية أو السماح بالتقدم, بدا من الواضح أن المسيرة قد وصلت لنهايتها إزاء هذا السد, بدا الإنفعال و الغيظ واضحاً على وجوه الجميع و بدأ بعض الشباب فى المقدمة فى التكلم بإنفعال مع الضباط, بدأ بعض الفتيات فى عبور الطريق و معهم زوجتى, من جهة أخرى قام الضباط و المخبرين بتعنيف الشباب بشدة و بدأوا فى دفعهم و محاولة تفريقهم فعلا الهتافات و صرخوا قائلين: حرية....حرية....حرية

حرية ....حرية....حرية

طلبت من زوجتى ألا تفارق مكانها على الضفة الأخرى و عدت لأشارك الشباب فى الهتاف, لم يكد الهتاف يبدأ حتى ضرب الأمن المركزى كردوناً حولنا و حاصرنا حتى لا ينضم إلينا المزيد, تنوعت الهتافات فى الداخل من شباب لم يكن يخطط إلا لوقفة صامتة لكن منظر الضباط و المخبرين و الجنود قد أشعل غضب الجميع, جلسنا على الأرض كى نعلن إعتصامنا, بدأ البعض فى قراءة القرآن و البعض إستمر فى الهتاف و آخرين إحتكوا مع الأمن و قمنا بجذبهم إلى الوراء و تهدئتهم حتى لا يصابوا بأذى, إقترحت أن نفتح مصاحفنا جميعاً على نفس السورة و نقرأها كلنا فى صوت واحد, إقترح آخر أن نقرأ الآية(و لا تحسبن الله غافلاً عما يعمل الظالمون...), إقترح ثالث أن نعود للهتاف, ثم إجتمعنا على أن نصلى المغرب.

بعد الصلاة إستمر الحال على ما هو عليه, دخل ضابط كبير بزى ملكى فبدأ بعض الشباب بالحديث معه بإنفعال, صرخ الضابط فى وجه أحدهم فتدخل لواء شرطة يرتدى الزى الميرى قائلاً:أنظروا, المسيرات مرفوضة, و الهتافات مرفوضة, ماذا تريدون؟ قلنا له أننا لم نكن نسعى لمسيرة أصلاً و لكن تضييقكم علينا هو ما دفعنا لهذا, فقال: هل تريدون فقط أن تقفوا فى هدوء كما كنتم تفعلون من قبل؟ أجبنا بالإيجاب, فقال:تعالوا, و فتح لنا الكردون لنعبر, و تدفقنا خارج الكردون.

شعر الأمن أنه قد أخطأ فقد خرجنا كجماعة و ليس كأفراد, فأعاد تكوين الكردون مرة أخرى على بعد أمتار قليلة من الكردون الأول.

بدأنا فى الحديث مع جنود الأمن المركزى, كان البعض يتهكم عليهم و يكلمهم بقسوة, البعض الآخر كان يحاول توعيتهم باللين, تكلمت مع بعضهم مذكراً إياهم بقول الله ((إن فرعون و هامان و جنودهما كانوا خاطئين)), و أن عليهم مسئولية و حساب, كانوا يردون بأنهم لولا الخدمة لكان مكانهم معنا و وسطنا و أنهم غير راضين لكنهم لا يستطيعون فعل شىء, إن الإرهاب الذى يرونه مما يحدث لمن يخالف الأوامر قد زرع فى نفوسهم الخوف من قادتهم و من مجرد التفكير فى العصيان و التمرد, و غاية ما يستطيعون فعله هو عدم الضرب بقسوة.

كنت على إتصال مع زوجتى العزيزة التى كانت تقف فى الجهة الأخرى-و التى لولا الكردون لشاركت بشجاعة مع المشاركين-و لم تكن تضيع وقتها بل كانت مع فتيات أخريات يحاورن المارة و يوعونهم بالقضية و سبب الوقفة و يدعونهم للمشاركة فى الوقفة القادمة.

يبدو أن الأمن قد شعر أن المسألة قد خرجت عن حدود ما توقعوا, و إزاء إصرار الشباب و ثباتهم حدث إتصال مع مدير الأمن الذى أقسم أنه أحداً لم يُقبض عليه, و طلب أن يتم التقدم إليه بطلب رسمى قبل أى وقفة مقبلة ليتم التصريح لها على ألا تزيد على ساعة, و هو ما كنا سنقوم به بالفعل لولا تضييقهم علينا ما جعل الأمور تتطور, تقبل البعض هذا الكلام بينما رفضه الباقى و لم يصدقوه, فالثقة قد صارت معدومة تجاه الأمن و النظام عموماً.

قرأنا الفاتحة فى صوت واحد و تم الإعلان عن نهاية الوقفة و إختلف الحضور بين مؤيد يرى أن الوقفة قد إستوفت غرضها و زيادة, و معارض يريد أن يستمر فى الإعتصام.

طلب اللواء أن تخرج الفتيات أولاً فرفضن الخروج وحدهن حتى لا ينفرد الأمن بالشباب داخل الكردون, و إزاء إصرارهن على عدم الخروج وحدهن سمح الأمن بخروج مجموعات صغيرة من الفتيات و الشباب على أن ينصرفوا على الفور كى لا تحدث تجمعات خارجية.

عندما خرجت من الكردون إلتقيت بزوجتى العزيزة, جلسنا نستريح بعد مسافة قصيرة من الكردون, كلما مرت فتاة سارعت إليها زوجتى لتؤكد عليها القدوم فى المرة القادمة, و كلما مر شاب إبتسم لى و أشار بيده و كأنه يقول:الجمعة القادمة J

داخل الكردون إختلطت لدى المشاعر, وجدت شباباً و فتيات على قدر عال من الشجاعة و النقاء, مؤمنين بالله و كافرين بالحكومة, متفقين فى الغاية و متفرقين فى الوسيلة, و ربما كانت النقطة الأخيرة ملحوظة بشكل كبير, كان هناك من يسعى للإلتزام بتعليمات الوقفة الصامتة و يسعى لتقليل الهتافات و عدم إستفزاز الأمن, بينما فريق آخر قد عمه الغضب من الشعور بالتضييق و الحصار و الكبت رغم أنه لم يفعل ما يستوجب أى من هذا.

وجدت بجوارى شاباً يمسك بيده نسخة صغيرة من العهد الجديد تماثل فى حجمها المصحف الذى كان بيمينه, سعدت لهذا و لرؤية كم وحدتنا القضية و الهدف رغم كل محاولات الفتنة و التفرقة, لقد خرج كل منا رفضاً للظلم و القهر و التعذيب و الإرهاب الذى نتعرض له جميعاً بلا تفرقة.

رفعنا أبصارنا لأعلى فوجدنا سكان العمارات المقابلة يشيرون لنا من النوافذ و البلكونات بعلامات التأييد و على وجوههم الفرح.

وجدت صبية آخرين من عمر زياد وسطنا, و رأيت رجالاً و نساءاً فوق سن الأربعين و الخمسين.

أحسست بمدى عجز النظام و ضعفه, إنه لا يطيق أن يرى شباباً يعلنون عن رفضهم له حتى بالصمت, و يحاول التضييق عليهم و تفرقتهم و إحباطهم, إنه يظن أن هذه(الغلاسة) ستؤدى بنا فى النهاية إلى الملل و اليأس, لكنها معركة لن يكسب فيها إلا صاحب النفس الأطول, و لو كانوا أذكياء لأدركوا أنهم لا يزيدون النار إلا إشتعالا.

أحسست بالسعادة لنضج معظم الحضور, إن القضية التى جمعتهم أكبر من خالد سعيد, إستشهاد خالد كان القشة التى قصمت ظهر البعير, نقطة فارقة ألقت فى الميدان بمزيد من اللاعبين تركوا مقاعد المتفرجين إلى الأبد, كلنا أناس عاديون معظمنا لا ينتمى لأحزاب أو جماعات, لكن طفح الكيل فخرجنا لنعلن بصمتنا رفضنا لما يحدث.

النصر فى معركة التغيير يحتاج لبذل و تضحية و قدر كبير من الإخلاص و الصبر, إن المشاركة فى هذه الوقفات هى أضعف الإيمان و كلما أخلص كل مشارك نيته كلما قوى الأثر و تحقق المراد.

إن عجلة التغيير قد دارت منذ زمن, كان ظهور حركة كفاية صخرة حركت المياه الراكدة و كسرت حاجز الخوف لدى الكثير, ثم ظهرت جماعة 6 أبريل لتحدث المزيد من الحركة, و كلما إستمر القمع, فعلى النظام أن يتوقع المزيد و المزيد.

أسوأ ما يمكن أن نواجهه هو اليأس و الإحباط و الملل و التعجل, يا كل من شارك لا تتعجل قطف الثمار قبل نضوجها فأنت نفسك لم تنضج إلا بالأمس حينما تحركت, و لا تشعر بالملل لطول الأجل فالمنتصر هو صاحب النفس الأطول, و لا يتسرب إليك اليأس فإنك بهذا تحقق مراد من خرجنا لنقف ضدهم, فهل نسمح لهم أن ينتصروا علينا و يحققوا مرادهم؟

كان السواد هو شعار بنى العباس لدى خروجهم على بنى أمية, و لم تنجح حركتهم إلا بسبب ضجر الناس من ظلم الأمويين فى أواخر عهدهم, و العدل أساس الملك و على الباغى تدور الدوائر, و يحضرنى قول نصر بن سيار آخر ولاة بنى أمية على خراسان, حيث كتب إليهم يستصرخهم و ينبههم لإنتشار دعوة بنى العباس فقال:

أرى خلل الرماد وميضُ جمرٍ.............و أحرى أن يكونَ لها ضِرامُ

فإن النار بالعيدان تُذكـــــــــى.............و إن الحربَ مبــدؤها الكلامُ

فقلتُ من التعجبِ ليت شعرى............أيُقاظٌ بنو أمية أم نيـــــــــامُ؟

فهل سيستيقظ بنو أمية؟

إن غداً لناظرهِ قريب.