الأحد، 25 مايو 2025

تاريخ فلسطين الحديث


 يتناول هذا الكتاب تاريخ فلسطين الحديث حتى نهاية الثورة الفلسطينية الكبرى عام 1939، ويُعتبر من الكتب الهامة والمتميزة في مجاله، لاعتماده بشكل كبير على الأرشيفات والسجلات والرسائل والوثائق التاريخية، بل وحتى المقابلات الشخصية مع بعض صناع الحدث كالمفتي أمين الحسيني.

بدأ الكتاب بعرض لمحة عن جغرافيا فلسطين وتاريخها القديم بشكل مختصر، ثم تناول في الفصل الثاني بشكل أكثر تفصيلاً الوضع العام لفلسطين في أواخر العهد العثماني.
وهنا أستطرد قليلاً لأن من خلال هذا العرض المبدئي، يتبين للقاريء خلفية الكاتب الفكرية وتوجهه، والذي يتضح أنه قومي، وهو شيء طبيعي ومتفهم نظراً للعصر الذي شهد خروج هذا العمل للنور (أواخر الستينيات)، وبشكلٍ عام، فإن خلفية الكاتب وتوجهه تحدد انحيازاته واختياراته ومفاهيمه، ولذلك يجب على قاريء التاريخ أن ينتبه لأيديولوجية المؤرخ قبل القراءة، وأن ينتبه لمدى تأثيرها على جهده البحثي وموضوعيته، وأن ينتبه للفارق بين المعلومة والرأي، فإنه لا يُتوقع أن يخلو أي عمل من تحيزات لأن عدم التحيز هو أمرٌ مخالفٌ للطبع البشري، لكن غاية ما يرجوه المرء من الكاتب هو أن يكون موضوعياً، وأعتقد أن د. عبد الوهاب الكيالي في هذه الدراسة قد غلبت موضوعيته تحيزاته مهما ظهرت.
ومن جانبٍ آخر، فإنه من المفيد أن ينظر المرء للحدث التاريخي بأعين مؤرخين من خلفيات فكرية مختلفة حتى لو لم يتفق معها، فإن كل مؤرخ حينها سيتناول الحدث التاريخي من منظورٍ مختلف ويركز على زوايا لم يركز عليها غيره، سواء عن حقٍ أو بتعسف، وحينها لن يعدم القاريء من حصول الفائدة الناتجة من تنوع الرؤى واكتمال الصورة.
نعود لموضوع الكتاب، تحدث الكاتب عن بدء نمو ظاهرة الهجرة اليهودية لفلسطين أواخر عهد العثمانيين، وبدى الجانب القومي في تناوله للثورة العربية، وهو ما يدعونا لاستطراد آخر لأننا نحتاج ونحن ندرس مثل هذه الأحداث الفارقة أن ننتبه لمنظور أهل العصر لها، ونتفهم الدوافع والمسببات حتى لو لم نتفق معها بالضرورة، فهذه الثورة إن كانت بحساباتنا الحالية – وخصوصاً لو كانت أيديولوجيتك إسلامية - هي من قبيل الخيانة، فهي من منظور الغير رد فعل على سياسات التتريك والتهميش للعرب وغيرهم.
لعب اليهود على كل الحبال لكي يحققوا أحلامهم، ولكنهم تعلقوا بعنق بريطانيا التي رأت في تبني الحلم الصهيوني اتفاقاً في المصالح، وبالتالي كان وعد بلفور، ومن بعده وثيقة الانتداب، في الوقت الذي كان العرب فيه ممزقين ما بين الاستعمار أو الانتداب أو الملكيات المتحالفة مع الاستعمار.
نلاحظ أن وعي أهل فلسطين المبكر بخطر الصهيونية والهجرة اليهودية، وسعيهم بشتى الوسائل لتنظيم صفوفهم للوقوف ضد هذا الخطر، فنشأت العديد من الجمعيات الإسلامية المسيحية، ونشط دعاة الوحدة المطالبين بوحدة سوريا الكبرى الممزقة بين الفرنسيين والإنجليز، ويُلاحظ أنهم كانوا يُعبرون عن فلسطين بصفتها (سوريا الجنوبية)، كما تكررت الهبات والانتفاضات الشعبية الناتجة من الاحتكاك مع العدو، وعلى رأسها ثورة العشرين، وثورة البراق عام 1929. وفي وسط هذه الهبات نشأت على استحياء بعض الجماعات التي تبنت الكفاح المسلح ومنها جماعة (الفدائية)، ولكن هذه المجموعات كانت تُطارد وتحاصر وتوئد، ليس فقط بواسطة قوات الانتداب البريطاني، بل أيضاً من خلال اليهود الذين كونوا أجهزة استخبارات خاصة بهم!
على مدار الكتاب يبدو جلياً تباين المواقف بين الشباب وبين الشيوخ والوجهاء، ففي حين كان الشباب أكثر وعياً بالمخاطر وسعياً للكفاح والحل الثوري، كان الوجهاء أكثر تريثاً وميلاً للمهادنة والسلام مع الإنجليز، ولم يكن هذا مستغرباً لكون أكثرهم من الاقطاعيين أصحاب المصالح، وكانت تسيطر عليهم مشاعر الهيبة تجاه بريطانيا والخوف منها ومن قوتها، وحتى حينما قررت بريطانيا أن تعين شخصية صهيونية (هربرت صمويل) كأول مندوبٍ سامٍ لها بفلسطين، فإن الوجهاء تهيبوا حتى أن يقاطعوا الاجتماع معه!
تعدد الاضطرابات نشأ عنه تعدد للوفود التي تكرر سفرها لبريطانيا لعرض وجهة النظر العربية، والتي كانت ترجع صِفر اليدين سوى من وعودٍ بأن وعد بلفور كما تبنى فكرة الوطن القومي اليهودي في فلسطين، فإنه جعل ذلك مشروطاً بعدم التعرض لحقوق أهل البلاد، وكانت الأحداث تثبت أن بريطانيا كانت تسوف وتشتري الوقت لصالح اليهود.
تحدث الكاتب عن مؤتمر القاهرة عام 1921، وهو مؤتمر هام دعا إليه تشرشل بصفته وزير المستعمرات، والتقى فيه بكبار المسؤولين الإنجليز في الشرق الأوسط ليناقش ترتيبات المنطقة في مرحلة الانتداب والاضطرابات في العراق وسوريا، وكان من ضمن توصيات المؤتمر إنشاء إمارة شرق الأردن بقيادة عبد الله بن الحسين، لتكون مأوى للفلسطينيين الذي سيضطرون مستقبلاً لمغادرة بلادهم بسبب المخطط الصهيوني!
شهدت المرحلة منذ بداية الانتداب وحتى اندلاع الثورة الفلسطينية الكبرى عام 1936 متغيرات عدة، فقد فترت الهجرة اليهودية قليلاً في العشرينيات ثم عادت لترتفع وتيرتها بشكلٍ كبير بعد صعود النازية في ألمانيا في الثلاثينيات، وازدادت معاناة الفلاحين الفلسطينيين إزاء زيادة الأعباء الاقتصادية والضرائب الحكومية عليهم، بخلاف نزع الأراضي من صغار الفلاحين وتواطؤ حكومة الانتداب لتيسير استحواذ اليهود عليها، وتعددت الصدامات بين العرب واليهود، وبين العرب وحكومة الانتداب، وفي خلال هذا كانت دعوة الشيخ عز الدين القسام تكتسب الأنصار في حيفا ومحيطها، إلى أن خرج الشيخ مع بعض أنصاره لبدء الاستعداد للجهاد أواخر عام 1935، واستشهد مع بعض رفاقه مشتبكاً مع العدو، وكان استشهاده علامة فارقة وإحدى الشرارات التي أدت لاندلاع الثورة بعدها بأشهرٍ قليلة.
مع اندلاع الثورة وبدء الاشتباكات المسلحة مع العدو وانضمام العديد من المتطوعين من خارج فلسطين لدعم الثورة، اضطر الانجليز لاستدعاء الاحتياطي وطلب قوات من مصر ومن بريطانيا ذاتها لكي تستطيع السيطرة على الموقف، وفي حين كان الشعب يسجل مواقف مشرفة في النضال والقدرة على التحرك بشكل موحد لدعم الثورة عن طريق الاضرابات العامة مثلاً، فإن القيادات مرة أخرى لم تكن على مستوى الحدث، وكانوا يصارحون الانجليز أنهم لا يستطيعون كبح جماح الجماهير كي لا يفقدوا مصداقيتهم أمامهم، أما الملكيات والحكومات العربية المحيطة، فما كان منها إلا أن ضغطت على الثوار ترضيةً لبريطانيا وثقةً بها، ودعوا لحل الإضراب والاعتماد على النيات الطيبة لصديقتهم بريطانيا!
وفي نفس السياق، كان حزب الدفاع الوطني التابع لآل النشاشيبي - المنافسين لآل الحسيني عائلة المفتي – لديه النية للموافقة على قرار تقسيم فلسطين بين العرب واليهود، وكان ذلك بالتواطؤ مع عبد الله ملك الأردن الذي كان سيكسب من ذلك توسيع مملكته إذا ضم إليها الضفة. ومع تباين المواقف، كان بعض الساسة يسعى لإيجاد أي قدر من المرونة والوصول لحل وسط، لدرجة أن جمال الحسيني عرض الموافقة على بقاء اليهود الحاليين في فلسطين واعتبارهم مواطنين لهم حقوق كاملة وتمثيل نسبي وحكم ذاتي في مناطقهم، لكن حتى مثل هذه التنازلات لم تقبلها حكومة الانتداب التي كان همها الأول هو كسر الثورة ومحاكمة (المتمردين).
وقد تعرضت الثورة للعديد من الضربات داخلياً وخارجياً حتى خمدت في عام 1939، الذي شهد مطلعه مؤتمراً في لندن حضرته وفود من فلسطين ومن الدول العربية (المستقلة)، وحضر كذلك وفد صهيوني بقيادة وايزمان، وقابل الإنجليز كل طرف على حدة لرفض العرب الاجتماع بالصهاينة، وكانت الطلبات العربية هي استقلال فلسطين ووقف الهجرة اليهودية وبيع الأراضي وفكرة الوطن القومي اليهودي، أما وايزمان فقد طالب باستمرار تنفيذ ما ورد بصك الانتداب وتصريح بلفور، ورفض أن يكون اليهود أقلية في فلسطين، بل وقدم البراهين والحجج التي تثبت للإنجليز الفائدة التي تعود عليهم من وجود (حليف مخلص نشيط تقدمي) في هذا الجزء من العالم. أما الإنجليز، فكان الوضع العام في أوروبا الذي ينذر بقرب نشوب الحرب دافعاً لهم لعدم إغضاب العرب وإثارة حفيظتهم، لكنهم لم يعطوا لهم شيئاً حقيقياً في المقابل، أما اليهود فقد شعروا أن بريطانيا توشك على التخلي عن سياسة الوطن القومي اليهودي، فبدأ الصهاينة في الوقت نفسه بالتطلع شيئاً فشيئاً نحو الولايات المتحدة.
وبعد أن أنهى الكتاب، وضع الكيالي ملحقاً للوثائق، أدرج به مراسلات الحسين مكماهون، وكذلك نص صك الانتداب، والمطلع على المراسلات يجد أن الإنجليز باعوا الهواء للعرب، وحفلت ردود مكماهون بعبارات مطاطة لا تلزم الإنجليز بحدود الدولة التي رغب فيها الشريف حسين، بل لقد قلصوا منها وجعلوا الشام والعراق رهناً للاعتبارات السياسية والعسكرية لكل من إنجلترا وحليفتها فرنسا، وحتى عام 1939 كانت الوفود العربية في مفاوضاتها مع الإنجليز تستدعي ما فهموه من هذه المراسلات بأن فلسطين مشمولة في المنطقة التي تعهد مكماهون نيابةً عن الحكومة البريطانية بأن يعترف باستقلال العرب فيها ويؤيده، وكان رد الإنجليز أنهم يأسفون لسوء الفهم الذي نشأ حول بعض العبارات الواردة في هذه المراسلات، وأنهم لا يرون إلا أن فلسطين وكل الأراضي الواقعة غرب نهر الأردن كانت خارجة عن هذا التعهد!
أما صك الانتداب، فإن المطلع على مواده يجد أنه يُمكن أو يوصف باختصار أنه اللائحة التنفيذية لتطبيق وعد بلفور، وترتيب كافة الأوضاع التي تُمكن من إقامة الوطن القومي اليهودي على أرض فلسطين.
وإلى هنا ينتهي هذا الكتاب الهام في موضوعه والمميز في مصادر جمع مادته، وإن المرء ليأسف أن العدو قد اغتال كاتبه قبل أن يتمكن من إعداد الجزء الثاني من الكتاب. ولا يملك المرء وهو يقرأ هذه التفاصيل التاريخية، ما بين ثورة الشعب المقاوم ضعيف التسليح أمام عدو مدجج بالسلاح، وهو ما بين مطرقة العدو، وسندان القيادات المتخاذلة والحكومات العربية العميلة، إلا أن يقارن ما بين الحاضر والماضي، فنحن نشهد ما حدث حينها رأي العين، لكننا نوقن أن النهاية ستكون مختلفة، وعسى أن يكون هذا قريباً!

التطهير العرقي في فلسطين


 

يعتبر هذا الكتاب من أفضل وأهم الكتب التي تناولت النكبة، لا من جهة السرد التاريخي فقط، ولكن من جهة منهجية الدراسة في المقام الأول.
يبدأ الكتاب بمشهد سينيمائي متخيل لاجتماع حقيقي حدث في تل أبيب في 10 مارس 1948 في البيت الأحمر الذي صار مقر قيادة الهاجاناه، حيث اجتمع أحد عشر رجلاً من القيادات العسكرية والسياسية ليضعوا اللمسات الأخيرة لخطة التطهير العرقي في فلسطين، وفي مساء نفس اليوم، أرسلت الأوامر لكافة الوحدات العسكرية لتنفيذ المخطط، كلٌ في منطقته.
يذكرنا هذا المشهد وهذا الاجتماع باجتماعٍ آخر عُقد في أحد ضواحي برلين قبل هذا التاريخ بقرابة الستة أعوام، وهو المعروف باسم مؤتمر فانسي، الذي نوقشت فيه قضية (الحل النهائي) للمشكلة اليهودية، ووضعت فيه أيضاً اللمسات الأخيرة لتطهيرهم عرقياً في أراضي الرايخ، وهكذا أصبح ضحايا الأمس، جلادي اليوم.
يبني إيلان بابيه – وهو أحد أهم المنتمين لتيار المؤرخين الجدد في دولة العدو – فرضيته في هذا الكتاب على أن أغلب الدراسات التي تناولت النكبة كحدث، إما تناولته من وجهة النظر الإسرائيلية بصفته (حرب الاستقلال)، وأن السكان المحليين غادروا أراضيهم طوعاً، وإما تناولته من وجهة النظر العربية بصفته (النكبة) فحسب، والذي يعتبره بابيه تعبير مراوغ يشير إلى الحدث أكثر ما يشير إلى من تسبب به، لكن بابيه يؤكد على أن التوصيف الأدق لما جرى في النكبة هو دراستها من منظور أنها عملية تطهير عرقي.
شرع بابيه بعد مقدمته في عرض تعريف التطهير العرقي، ونماذج تاريخية لهذا العمل ومقارنتها بما جرى على أرض فلسطين، ثم انتقل إلى عرض الدوافع الصهيونية الأيديولوجية لعملية التطهير، من سعي الصهيونية لخلق دولة يهودية حصراً، ومن ثم انتقل إلى الوسائل المبكرة التي لجأ لها الصهاينة لتحقيق هذا الهدف، والتي تضافرت فيها الجهود السياسية والاقتصادية، مع الاستخباراتية والعسكرية.
كانت التحضيرات العسكرية الأولية تتضمن تشكيل نواة القوة العسكرية الصهيونية، حيث نشأت الهاجاناه في مطلع العشرينيات بغية حماية المستعمرات اليهودية، وتطورت عبر السنوات تحت أنظار ودعم سلطات الانتداب البريطاني، وحدثت لها طفرة حين تولى تدريبها الضابط الإنجليزي أورد وينجيت خلال فترة الثورة الفلسطينية الكبرى، ليقودهم في الأعمال التأديبية والانتقامية ضد القرى العربية الثائرة.
على التوازي بدأ الصهاينة جهدهم الاستخباراتي من وقت مبكر، حيث بدأوا بإعداد ملفات للقرى العربية، وقاموا بمسح كامل القرى في أرض فلسطين (بما فيها المسح الفوتوجرافي الجوي!) وتسجيل كافة المعلومات عنها، جغرافياً وبشرياً، مع تحديد العناصر الوطنية والشخصيات التي شاركت في الثورة الفلسطينية سواء بالدعم أو بالقتال المباشر، وكونت شبكة من العملاء والواشين في القرى للإبلاغ عن العناصر الوطنية والمتعاونة مع المفتي أمين الحسيني، وكل هذه المعلومات كانت تحت أيدي الوحدات العسكرية الصهيونية قبل بدء عمليات التطهير، وتصرفت على أساسها.
يؤكد بابيه على أن كل الإحصاءات تشير إلى أن أقصى ما كان بحوزة الصهاينة من أراضي فلسطين بنهاية عصر الانتداب هو 6% من مساحة فلسطين، وذلك بعد كل عمليات الشراء والإخلاء والطرد للفلاحين، وتسهيل امتلاك الأراضي من خلال سلطات الانتداب، وهذا الأمر رسخ قناعة لدى قادة الصهيونية وعلى رأسهم بن جوريون أن إقامة الدولة الصهيونية لن يكون ممكناً إلا من خلال طرد العرب من أراضيهم بالقوة، وأن هذا الطرد لن يكون ممكناً بدوره إلا من خلال القوة المسلحة وعمليات الإرهاب والتطهير العرقي.
من النقاط التي لفتت نظري مدى البراجماتية والمرونة التي كانت لدى بن جوريون ورفاقه، ومدى قدرتهم على تغيير خططهم وتطويرها في ضوء متغيرات الواقع، وكذلك قدرتهم على قراءة هذا الواقع والتقدير الصحيح لموازين القوى، ومن بعد منتصف الأربعينيات بدأ الصهاينة يشعرون بأنهم استجمعوا مقومات القوة وصاروا ينظرون إلى وجود السلطات الانتدابية نفسها كعائق، فبدأت سلسلة من العمليات الإرهابية ضد الإنجليز، وكان رد الفعل باهتاً وضعيفاً مقارنةً بالقسوة المفروطة والقمع الذي واجهت به سلطات الانتداب الثورة الفلسطينية، وانتهى الأمر بإعلان الإنجليز في فبراير 1947 أنهم قرروا مغادرة فلسطين – وإن كان هذا قد تم فعلياً في مايو 1948 - وعلى كلٍ، فما كانت إسرائيل لتكون لولا دعم الانتداب، الذي كان صكه يذكر بكل صراحة أن من أهدافه تنفيذ وعد بلفور وتمكين إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين. أما فيما يخص العمليات ضد العرب، فقد تطورت الخطط، بدءاً من الخطة ألف (أ)، وصولاً إلى التصور النهائي الخطة داليت (د)، وهي الإصدار الأخير الذي شكل عمليات التطهير العرقي قبيل وأثناء النكبة.
على الصعيد الدولي، أعلنت الأمم المتحدة في نوفمبر 1947 قرار تقسيم فلسطين، وأعطت للصهاينة 56% من مساحة فلسطين، ورفضت الدول العربية القرار، أما الصهاينة فقبلوا القرار فيما يتعلق بحقهم في إقامة دولتهم، أما حدود هذه الدولة، فقد صرح بن جوريون بأنها "ستتعين بالقوة، لا بقرار التقسيم". وفي المجمل، كان للصهاينة طموح للحصول على كافة أراضي فلسطين وما بعدها، وكانوا يطورون أهدافهم طبقاً لقدراتهم المرحلية، وكانت الأولوية في هذه المرحلة هو إقامة دولة على أكبر قدر ممكن من الأراضي العربية.
بدأت عمليات التطهير العرقي أوائل ديسمبر 1947 بسلسلة من الهجمات على قرى عربية وأحياء في المدن، رداً على الأعمال التخريبية التي واكبت الاحتجاجات الفلسطينية على قرار التقسيم، وكانت هذه الأعمال (الانتقامية) الأولية من العنف الذي أدى إلى نزوح عدد كبير من الناس من بيوتهم.
في أوائل يناير 1948 بدأ دخول وحدات قليلة من المتطوعين العرب لمقاومة الصهاينة، وانتصرت القوات اليهودية عليها بسهولة، وغيرت تكتيكاتها من عمليات انتقامية إلى عمليات تطهير وطرد بالقوة، وخصوصاً بعد إقرار الخطة دالت في مارس 1948، ومع حلول أبريل 1948، كان اليهود قد نجحوا في اقتلاع 250 ألف فلسطيني من أراضيهم!
بدأ مخطط اليهود في الانتشار وفقاً للمساحة المقررة لهم بخطة التقسيم، مع الأخذ في الاعتبار أماكن المستعمرات اليهودية النائية، وقد قرر الصهاينة أنه لابد من الوصول لهذه المستعمرات وجعل كل الأراضي الواصلة لها يهودية خالية من العرب، وبدا أن الحدود قابلة للتمدد في كل الجهات، مع وجود عامل مقيد، هو حدود ما عُرف بعد ذلك بالضفة الغربية لنهر الأردن.
أشار بابيه لوجود مفاوضات مبكرة للصهاينة مع عبد الله الأول ملك الأردن، الذي كان يرغب في توسيع مملكته الصحراوية بضم أراضي الضفة الخصبة إلى مملكته، ورغم أن أراضي الضفة تضم مواقع يعتبرها الصهاينة توراتية تنتمي لوجودهم القديم في فلسطين، لكنهم كانوا عمليين ويدركون أن الكثافة السكانية العربية في الضفة تمنعهم في الوقت الحالي من احتلالها، لذا تلاقت الرؤى، وعلى إثره اكتفى الأردن خلال الحرب بنشر قوات جيشه (الفيلق العربي) على حدود الضفة الغربية، واقتصر على صد أي هجمات من الصهاينة، دون الدخول في عمليات هجومية توقف عمليات التطهير والطرد الجارية في بقية فلسطين!
أشار بابيه أيضاً لفارق القوة العسكرية بين اليهود والعرب، فقد شكل اليهود جيشاً بلغ عشية حرب 1948 50 ألف مقاتل، وصلت بعد التعبئة العامة إلى 80 ألف جندي بنهاية الصيف، في مواجهة قوة عسكرية فلسطينية متواضعة لا تجاوز 7000 بتسليح رديء، مع نحو 3000 متطوع عربي، أما إجمالي الجيوش العربية، فلم يتجاوز 50 ألف جندي، وإذا أخذنا في الاعتبار أن قسماً كبيراً منهم لم يكن ذو فعالية حقيقية – كما ذكرنا في حالة الفيلق العربي – وأن قوات جيش الإنقاذ قد تقسمت بين ثلاثة قادة (فوزي القاوقجي وحسن سلامة وعبد القادر الحسيني) واتخذت في أغلبها مواقع دفاعية وكانت تحركاتها في الأغلب وفق توجهات الدول العربية التي كانت تخشى طموحات المفتي، وأن القوات النظامية لم تكن تتحرك بتنسيق ولم تكن على نفس القدر من التسليح مقارنةً بالصهاينة الذين نجح الحزب الشيوعي الصهيوني في الحصول للصهاينة على شحنة كبيرة من الأسلحة من تشيكسلوفاكيا والاتحاد السوفييتي في وقت مبكر، فقد كان هناك فارق حقيقي في القوة، مع مراعاة أن حتى الأرقام أعلاه تختلف بين المراجع، زيادةً ونقصانا. وفي رسالة لبن جوريون في فبراير 1948 ذكر موشيه شاريت أن القوات اليهودية تكفي بالكاد للدفاع عن النفس، لا للاستيلاء على البلد، فرد بن جوريون أنهم "إذا استلموا الأسلحة التي اشتروها والتي وُعدوا بها في الوقت المناسب، سيكون بإمكانهم أيضاً إيقاع ضربات مؤلمة بالسوريين في عقر دارهم، وأن يحتلوا فلسطين بأسرها، ومواجهة القوات العربية كافةً، وأن هذا ليس إيماناً صوفياً، ولكن حسابات منطقية تستند إلى معطيات عملية". كما صرح بن جوريون بأن "خريطة التقسيم تتضمن 40% من غير اليهود في الأماكن المقررة للدولة اليهودية، وأن هذه التركيبة لا تمثل أساساً متيناً لدولة يهودية من حيث الميزان الديمغرافي، وأن فقط دولة لا يقل اليهود فيها عن 80% ممكن أن تكون دولة مستقرة". وعلى هذا الأساس كانت عمليات التطهير العرقي لازمة لتشكيل هذه الدولة.
تطورت أساليب العنف الصهيوني، فمن البدء بتحرشات بالعرب تنتج عنها أعمال مقاومة تكون ذريعة لأعمال انتقامية، مروراً بعمليات التطهير الكامل بأساليبها المتعددة، تدرجاً من حصار القرى العربية بالآليات والقوات المسلحة، والإنذار والتخويف بمكبرات الصوت والمنشورات، وصولاً للتفجيرات ونسف البيوت والقتل العشوائي، مما يخلق حالة من الرعب والإرهاب تجبر الأهالي العزل على الهروب إلى القرى المجاورة، ويروون على مسامع غيرهم ما لقوا، فتكون القرية التالية مهيأة نفسياً للنزوح قبل أن تلقى نفس المصير، وهلم جرا. وكانت مجزرة قرية دير ياسين في أبريل 1948 من أهم وأشهر الأمثلة على هذه السياسة.
وبخلاف القرى، فقد استفاض بابيه في عرض تفاصيل ما حدث لأهم المدن العربية: صفد، بيسان، القدس، كما تعرضت الأحياء العربية في حيفا وعكا وغيرها من مدن الساحل لأكبر صور العنف الصهيوني، وكل هذا على مرأى ومسمع من قوات الانتداب البريطاني التي لم تحرك ساكناً حتى بعد استغاثة السكان العرب بهم، وامتلأ ميناء حيفا بأعداد كبيرة من النازحين الذين يبحثون عن وسيلة يهربون بها من الموت. واستسلمت عكا بعد أن لوثت القوات المحاصرة لها مصادر المياه بالتيفود، أما يافا فقد كانت آخر مدينة تم احتلالها، وذلك في 13 مايو قبل يومين من نهاية الانتداب، وهوجمت من قبل 5000 جندي من الهاجاناه والإرجون، وحاول الدفاع عنها عدد من المتطوعين العرب تحت قيادة ميشيل العيسى، وهو مسيحي فلسطيني، وكان من بين المتطوعين وحدة استثنائية مكونة من 50 مسلماً من البوسنة، وبعد البحث وجدت أن قضية فلسطين قد اجتذبت في هذا الوقت بخلاف المتطوعين العرب متطوعين مسلمين من البوسنة، وقد أشار لهذا أيضاً أمين الحافظ في شهادته على العصر، وبخلاف ذلك، شارك في الدفاع عدد من أفراد الجيل الثاني من فرسان الهيكل، وهم مستعمرون ألمان جاءوا البلد في منتصف القرن التاسع عشر كمبشرين دينيين، وقرروا الآن أن يدافعوا عن مستعمراتهم (وجدت إشارة لمقدم هؤلاء الألمان في كتاب الجذور الاجتماعية للنكبة)، ويستطرد بابيه بأن فرسان آخرين قد استسلموا في الجليل بدون قتال، وطردوا من أماكن تواجدهم بجوار مدينة الناصرة.
يذكر بابيه أنه في غضون أسبوعين بعد نهاية الانتداب، كانت القوات اليهودية قد وصلت إلى معظم المستعمرات اليهودية المعزولة، اثنتان منهما فقط احتلهما الفيلق العربي لأنهما كانتا واقعتين في المنطقة التي اتفق الطرفان قبل مايو 1948 على أن يحتلها الأردن ويضمها إليه، أي الضفة الغربية، وقد أصر الأردنيون على أن لهم يكون نصف القدس الذي يحوي المدينة القديمة والأماكن الإسلامية المقدسة، وحيث لم يكن هناك اتفاق مسبق بشأن القدس، فقد اضطروا للقتال من أجل حصتهم، ونجحوا في تحقيق هدفهم، وكانت تلك المرة الوحيدة التي اشتبك فيها الطرفان في معركة، وذلك خلافاً لامتناع الفيلق العربي من التدخل حينما كانت وحداته مرابطة بالقرب من القرى والبلدات الفلسطينية، بينما كان الجيش الإسرائيلي يقوم بالاحتلال والتطهير والتدمير.
ومن المعلومات التي استوقفتني، معلومة ذكرها بابيه عن قرار عدد من الأقليات الإثنية في فلسطين أن تنضم للقوات اليهودية التي استشفوا أنها ستكون الجانب المنتصر، وفي ذلك يذكر أن 500 من الدروز فروا من جيش الإتقاذ وانضموا للقوات اليهودية، ولكنهم قبل أن يغيروا معسكرهم طلبوا من القادة اليهود افتعال معركة وهمية وأخذهم أسرى! وشاركوا في عمليات التطهير العرقي في الجليل، وكذلك انضم لليهود 350 من الشركس القاطنين في قرى في شمال فلسطين، ومن هذه الأقليات تكونت نواة حرس الحدود الإسرائيلي.
ويتحدث بابيه عن ما أسماه (الحرب الحقيقية) و(الحرب المزيفة)، فبتحييد أقوى الجيوش العربية الداخلة لفلسطين (الجيش الأردني) بفعل التحالف الضمني بين الملك عبد الله والحركة الصهيونية، سمى الجنرال جلوب قائد الفيلق العربي حرب 1948 (الحرب المزيفة)، بينما اعتبر بابيه أن (الحرب الحقيقية) كانت تمثل استمرار اليهود في مخطط التطهير العرقي بالتوازي مع العمليات العسكرية الحقيقية مع بقية القوات العربية المتشرذمة، مع تكثيف عمليات التطهير خلال فترات الهدنة. وكانت مجزرة الطنطورة من أشهر المجازر التي جرت بعد اندلاع الحرب بأيامٍ قلائل.
وقد لخص بابيه أداء القوات العربية التي من المضحك أن القائد العام لها هو الملك عبد الله نفسه، فالقوة التي أرسلتها مصر تم تجميعها قبل يومين فقط من بدء الحرب، والقوات السورية كانت أفضل تدريباً والساسة كانوا أكثر التزاماً، ولكن أداء القوات على الأرض كان سيئاً لدرجة أن اليهود فكروا في توسيع حدود الدولة اليهودية شمالاً لتشمل الجولان!، أما لبنان، فقد كانت القوات القليلة التي وفرتها قد أمضت أغلب فترات الحرب في الجانب اللبناني من الحدود، أما القوات العراقية، فقد أمرتها حكومتها باتباع تعليمات الأردن، وبالتالي التمركز في الضفة الغربية وعمل عمليات دفاعية فقط في نطاق رباطها شمال الضفة، لكن القوات تحدت أوامر ساستها، وحاولت القيام بدور أكثر فاعلية، وبالتالي نجت 15 قرية عربية من الطرد، لكن تخلت عنها لاحقاً الحكومة الأردنية لصالح إسرائيل في صيف 1949 بعد اتفاقيات الهدنة! وفي المجمل كانت النجاحات الأولية للقوات العربية تشمل العمليات العسكرية في الأسابيع الثلاثة الأولى للحرب، وبنى الصهاينة أسطورة انتصارهم في الحرب على دعوى أنهم قابلوا قوات عدة دول عربية مجتمعة واستطاعوا الصمود في وجوههم، وأن السكان قد نزحوا عن أرضهم تحت طلب القوات العربية للابتعاد عن مجال العمليات العسكرية، مع التجاهل التام لجريمة التطهير العرقي.
بعد نجاح اليهود في اغتصاب ما استطاعوا اغتصابه من أرض فلسطين، تحدث بابيه عن الوجه القبيح للاحتلال، ومشكلة اللاجئين، ومعاناة الفلسطينيين الذين بقوا في أراضيهم وعرفوا لاحقاً بعرب 48، والاستيلاء على أراضي وأملاك وبيوت الغائبين، وتدنيس وهدم الأماكن المقدسة، وتدمير الأماكن التاريخية لمحو أي مظاهر لهوية عربية إسلامية. وتحدث أيضاً عن المشكلة الديمغرافية التي تواجه الكيان الصهيوني، والإجراءات التي يتخذها الصهاينة في هذا الصدد ومنها الجدار العازل الذي يبقى التجمعات الفلسطينية الكثيفة خارجه، كما خصص فصلاً أسماه (محو ذكرى النكبة) لعرض المحاولات الحثيثة للصهاينة لإزالة أي آثار للوجود العربي من الأرض المحتلة، وبخلاف عبرنة أسماء المدن والقرى والأماكن، لجأوا للتوسع في عمل الحدائق العامة وغرس الأشجار في مواقع القرى العربية المدمرة، واختاروا الصنوبريات بدلاً من النباتات الطبيعية الملائمة لمناخ فلسطين لإضفاء مظهر أوروبي على البلد، ويذكر أن الغابات الموجودة في فلسطين اليوم تحتوي على 1% فقط من أنواع النباتات الأصلية، وهي تمثل 10% فقط من إجمالي الغابات الموجودة قبل عام 1948، وفي لفتة شاعرية يذكر بابيه أنه في بعض الأحيان تعود الأشجار الأضلية إلى الظهور بطرق مذهلة، لأن الكثير من الشجر الذي غرسه الصهاينة فشل في التأقلم مع التربة الفلسطينية، فظلت الأشجار تصاب بالأمراض، وفي قرية المجيدل شوهدت بعض أشجار الصنوبر وقد انشقت نصفين، وبرز وسط الجذوع المنشقة أشجار زيتون متحدية الأشجار الغريبة التي غرست فوقها قبل 50 عاماً! وبهذه الصورة الشاعرية التي تمثل في نظري انشقاق الأرض ليخرج من بطنها أبناؤها المقاومون ضد الغزاة المحتلين، أختم هذه المراجعة لهذا الكتاب الهام الذي أتمنى لو يتاح لي أن أقرأه مرةً أخرى، والذي أعتبر قراءته واجباً على كل مهتم بالقضية الفلسطينية.

ابن الجنرال: رحلة إسرائيلي في فلسطين


 

ميكو بيليد هو ناشط سلام إسرائيلي من المتعاطفين مع الحق الفلسطيني، والرافضين لجرائم جيش الاحتلال، والمثير في قصته هو أن والده كان جنرالاً في جيش العدو، وشارك بشكل مباشر في النكبة وحرب 67
بدأ الكاتب كتابه بالحديث عن أسرته من جيل الأجداد الذين هاجروا إلى أرضنا في فلسطين من بلدان مختلفة (روسيا-أوكرانيا-بولندا..إلخ)، وعن كيفية تعارف والديه ببعضهما، وعن انضمام والده للهاجاناه والبالماخ، وعن هذا الجيل من أبناء المهاجرين الذين عبرنوا أسماءهم بدلاً من الأسماء الأوروبية واختيار والده اسم بيليد الذي يعني حديد بالعبرية، ومشاركته في حرب 48، وأنه كان يعتبر أحد أبطالها من منظورهم، ومن أهم إنجازاته تمكنه من صد هجوم للقوات المصرية في النقب!
بعد احتلال غزة خلال العدوان الثلاثي عام 56، تولى بيليد إدارة القطاع كحاكم عسكري إلى حين الانسحاب عام 57، وكان هذا أول احتكاك عن قرب بالمدنيين الفلسطينيين، ثم ترقى حتى وصل لرتبة الجنرال، وكان المسؤول عن الإمداد واللوجيستيات، وكان أحد الصقور الذين ضغطوا على الحكومة المدنية الإسرائيلية للمبادرة بالهجوم على مصر في عام 67 فيما عُرف بانقلاب الجنرالات.
بعد الحرب ببضعة سنوات ترك الخدمة، وقد تبين في نهاية الكتاب أن أحد العوامل التي غيرت تفكيره ومواقفه بشكلٍ كبير هو علمه بمذبحة قام بها أفراد من جيش العدو في غزة، حيث جمعوا عدداً كبيراً من الأطفال والشباب والرجال وأطلقوا عليهم النار ثم هرسوا أجسادهم بالمعدات ثقيلة حتى لا يتعرفهم أحد!
اتجه ماتي بيليد لمجال الأكاديميا وتخصص في الأدب العربي ودرسه في الجامعات الإسرائيلية، وأصبح منادياً للسلام مع العرب، وكان من أوائل من تواصل مع مسئولي حركة فتح منذ منتصف السبعينيات لتبادل الأفكار والرؤى حول كيفية الوصول للسلام، وإن كانت هذه الحوارات لم تكن بشكل رسمي، لكنه استطاع عمل علاقات متينة مع بعض كوادر فتح، وصولاً إلى ياسر عرفات نفسه، أي أن ياسر عرفات كان على تواصل مع الإسرائيليين بشكلٍ غير رسمي في نفس الفترة التي كان يهاجم فيها السادات في مبادرته، بغض النظر عن معارضتي الشخصية لما فعله السادات.
تردد اسم نجيب محفوظ من ضمن الشخصيات التي كان يلتقيها في مصر، وكانت أطروحته في أدب نجيب محفوظ.
سار ميكو بيليد في نفس المسار بشكلٍ مستقل، لا بتوجيه من والده، وإن كان يبدو أثر والديه فيه، وخصوصاً والدته التي أخبرته أنها رفضت في عام النكبة أن تسكن في البيت الذي عُرض عليها في أحد أرقى مناطق القدس بصفتها زوجة ضابط، لأن هذا البيت كان منزل أسرة فلسطينية كانت قد طُرددت منه.
يسرد ميكو بيليد أنشطته المختلفة وبداية علاقاته الشخصية مع الفلسطينيين المهاجرين في أمريكا حيث عاش هناك كمدرب للكاراتيه في سان دييجو، والمبادرة المشتركة من خلال الروتاري لإرسال 1000 كرسي متحرك للأطفال مناصفةً بين الإسرائيليين والفلسطينيين، وزياراته المتكررة للضفة الغربية وتعرفه على دعاة المقاومة السلمية اللاعنفية في بلعين وغيرها، مع تحفظي على بعض الآراء التي نقلها عنهم، لأني أؤمن أنه لا بديل عن الكفاح المسلح مع عدو همجي مثل هذا
حكى كذلك عن مشاركاته في الاحتجاجات ضد عنف الجدار العازل، وإلقاء الجيش الإسرائيلي القبض عليه، ومحاولته لزيارة غزة عام 2008 ودخولها من جهة مصر وفشله في ذلك.
في الجزء الخاص بمصر، وصف ما لقاه من ضباط المخابرات المتواجدين عند المعبر، ورفضهم لدخوله أو فتح المعبر أصلاً بدعوى أن إسرائيل لن توافق على هذا، وهو ما يثير الألم مع ما نراه من الموقف المخزي الحاصل الآن خلال معركة طوفان الأقصى، وأنقل هنا هذه الفقرة المعبرة على لسان ميكو بيليد:

"لو كانت للمصريين يدٌ في إدارة بلدهم وحكمها، فلربما كانت الأمور تسير بشكل أفضل في كل المنطقة؛ على عكس ما هو حاصل نتيجة خضوعهم لدكتاتور وكما تبين، إن الحكومة المصرية كانت ملتزمة مع إسرائيل والولايات المتحدة في إحكام الحصار على غزة"

لكي يكون القاريء على بينة، فكون الرجل ووالده من دعاة السلام، فهذا لا يعني أنهما يؤمنان بأن اليهود ما كان لهم أن يأتوا لهذه الأرض ويستعمروها من الأساس، فالأب كان ممن قاتل في سبيل اغتصاب هذه الأرض ولم يجد في ذلك غضاضة، والابن لا ينكر كونه صهيونياً يؤمن بحق اليهود في أرضنا، لكنهما يرفضان سياسات الحكومة الإسرائيلية وعنصريتها ووحشيتها تجاه الفلسطينيين، وبخلاف دعاة (السلام) الداعين لما يسمى بحل الدولتين، فإنه يؤمن بأن الحل هو في بلد واحدة تحت نظام ديمقراطي علماني لا يفرق بين مواطنيه على خلفية الدين واللغة!

الكتاب مفيد بالطبع للاطلاع على القضية من المنظور الآخر، وعلى لمحات من داخل مجتمع العدو.

قاريء الجثث (مذكرات سيدني سميث)


 

تعد هذه السيرة الذاتية من أكثر السير التي قرأتها امتاعاً وتشويقاً، فهي ليست مجرد سيرة تنقل قارئها إلى أجواء وتفاصيل زمنٍ ماض، بل إنها تفتح أمام القاريء أبواباً ينطلق من خلالها إلى عالم الطب الشرعي وما يقابله من تحديات، ويجد تجسيداً حياً لشخصيات محققي الروايات البوليسية وعلى رأسهم شيرلوك هولمز.
على أن عنوان الترجمة العربية للكتاب ليس دقيقاً، فالعنوان الأصلي هو (Mostly Murder) أي (في الأغلب جريمة قتل)، أما العنوان الذي اختاره المترجم (قارئ الجثث: مذكرات طبيب تشريح بريطانى فى مصر الملكية) فيعوزه الدقة، فالرجل مبدئياً نيوزيلندي وليس بريطاني، وعمله كطبيب تشريح في مصر الملكية قد دام لفترة 11 عاماً فقط، من ضمن ما يقرب من 50 عاماً من الحياة العملية، وإن كانت هذه الفترة باعتراف الكاتب من أهم وأخصب فترات عمله، والتي قابل فيها من القضايا المتنوعة واكتسب فيها من الخبرات ما رافقه بقية عمره. أما الجزء الدقيق في العنوان فهو عبارة (قاريء الجثث)، لأن من يطلع على تفاصيل هذا العمل، يجد أن الطبيب الشرعي وكأنه بالفعل يقرأ ما جرى للجسد قبل الوفاة، من خلال البقايا التي تتوفر أمامه، والتي في بعض الأحيان قد لا تزيد عن بضعة عظام!
بخلاف ذلك، فإني أنتهز هذه الفرصة لأعبر عن استيائي من الغلاف، فمن الواضح أنه شأنه شأن أغلب أغلفة كتب هذه المرحلة قد صمم من خلال (الذكاء) الاصطناعي، ليخرج لنا هذا المسخ الذي يجعلك تشعر أن الطبيب هو سفاح يقف بين جثث القتلى!

يبدأ الكاتب كتابه بمشهد مثير لواقعة العثور على ثلاث عظام صغيرة في قاع بئر في مصر، وطلب الشرطة منه كإجراء روتيني تحديد ما إذا كانت العظام تخص حيواناً أم إنسانا، ليكتب لهم تقريراً يقول فيه: "إن هذه عظام سيدة شابَّة، قصيرة القامة، نحيلة القد، يتراوح عمرها بين 23 و25 عامًا عند وفاتها، والتي مر عليها ثلاثة أشهر، وذكرت أن هذه الفتاة حملت مرة أو أكثر، وأن ساقها اليسرى أقصر قليلًا من ساقها اليمنى؛ لذا فإنها مصابة بعرج ناتج عن مرض شلل الأطفال منذ صغرها. وأضفت في تقريري أنها قُتلت ببندقية محشوة بطلقات مُصنَّعة محليًّا وأُطلق عليها الرصاص من وضع أفقي على مبعدة ثلاث ياردات، وكان القاتل واقفًا أو جالسًا قبالتها ومائلًا قليلًا إلى اليسار ولم تمت الضحية على الفور ولكنها ماتت بعد إصابتها بنحو سبعة إلى عشرة أيام، وفي الغالب حدثت الوفاة نتيجة إطلاق الرصاص."، لتبدأ الشرطة تحرياتها وتنجح في تحديد شخصية الفتاة والقبض على قاتلها!
بهذه المقدمة ينجح الكاتب في تجهيز القاريء لما هو مقبلٌ عليه، ولكي يعرف أنه من مجموعة من الأدلة، مع قدرٍ من الخبرة والمعرفة والقدرة على الخيال، يمكن للطبيب الشرعي أو المحقق الاقتراب من الحقيقة بشكلٍ كبير.

بعد ذلك بدأ الكاتب سرد ذكرياته بالحديث عن أسرته، وعن نشأته في نيوزيلندا، وعن رغبته في دراسة الطب كوسيلة للإنطلاق في العالم، ثم سفره للدراسة في أفضل جامعات الطب في العالم (جامعة أدنبره التي أصر المترجم طوال الكتاب على تسميتها إدنبرج!).
تحدث سيدني سميث عن شخصية شيرلوك هولمز الذي كانت رواياته ذائعة الصيت حينذاك، وعن مؤلفها سير آرثر كونان دويل، الذي كان بدوره طبيباً في الأصل، والذي استوحى شخصية هولمز من شخصية حقيقية هي طبيب الجراحة والأستاذ الجامعي جوزيف بل، الذي اشتهر بدقة ملاحظته وقدراته الفائقة على الاستنتاج من خلال الالتفات للتفاصيل الصغيرة، وفي ذلك يذكر سميث أن المحقق أو الطبيب الشرعي يحتاج كما يذكر هولمز إلى (قوة الملاحظة وقوة التخمين ونطاق واسع من المعرفة الدقيقة)، ويضيف إلى ذلك (القدرة على التخيل المنطقي).

بعد التخرج ساقته الظروف إلى التخصص في الطب الشرعي، وبعدها جاءته الفرصة ليُعرض عليه تولي رئاسة الطب الشرعي في مصر، ليسافر إليها ويعيش فترة حافلة بالأحداث والقضايا السياسية والجنائية، وتحتل هذه الفترة ما يزيد عن ثلث الكتاب، لكنها الأكثر امتاعاً في تفاصيلها.
تتقاطع المذكرات في هذه الفترة مع مذكرات توماس راسل حكمدار القاهرة، كما تُلقي نظرة عن طبيعة الجرائم وخاصةً جرائم القتل ودوافعها، والتي كانت في الأغلب بدافع الثأر، ويتبين من القضايا المختلفة أهمية المعارف العامة للطبيب الشرعي، التي بدونها قد لا يستطيع تضييق نطاق البحث، أو توجيه التفكير للإتجاه الصحيح، وكان من أهم الأمثلة التي تدلل على ذلك هي تفاصيل العثور على بقايا بعض ضحايا ريا وسكينة، فمن ملاحظة أن شعر العانة لم يكن محلوقاً، ومن معلومة أن هذه الممارسة مقتصرة على المومسات، بخلاف السيدات المتزوجات اللاتي يحرصن على إزالة الشعر، وجه المحققين للبحث عن مومسات مفقودات، لتبدأ سلسلة من التحريات تصل للكشف عن العصابة والعثور على جثث بقية الضحايا!

من جانبٍ آخر، نجد في كثير من الحالات استعانة العدالة بالطب الشرعي للتحقيق في حالات قد تتضمن اتهامات لبعض أفرادها، وقد ذكر حالة فحصها لمسجون يشكو تعرضه للتعذيب بالسوط من الضابط، وفي حين أن لجنة من الأطباء (مصريون وأجانب) قد استبعدوا وجود تعذيب، إلا أنه أثبت لهم بالدليل أن الإدعاء حقيقي، بل وجرب ضربة السوط على ذراعه في المحكمة أمام القاضي ليوضح له شكل أثر السوط، وبذلك اقتنع القاضي وأغلب الأطباء، وأُدين الضابط.
ويعقب سميث بعد ذلك قائلاً: "والتقيت بعد ذلك بمحامٍ ذكرني بهذه القضية وأخبرني بتأثيراتها عليهم، ليس بسبب استعراضي بالسوط داخل المحكمة، وإنما لأنني وقفت كموظف حكومي إلى جانب مسجون ضد موظف حكومي آخر." وفي ذلك إثباتٌ لنزاهته وتحريه تحقيق العدالة لمعرفته أن بيده إعدام أو سجن متهم، أو تبرئته، وفي ذلك يقول: "إن مهمة القانون في تصوري هي تحقيق العدل، وأي شاهد من الخبراء يتم استدعاؤه سواء من خلال الدفاع أو المُدعي فإنه يقدم خدمة للقانون والعدالة، وربما غير رأي أحد الخبراء موقف إنسان ما في قضية بعينها؛ لذا فإن عليه أن يركز على الحقائق لا على تأكيد رأيه، ودون النظر إن كانت شهادته تقوي أو تضعف موقف المتهم في القضية أو حتى تهدم أركان القضية كلها. لقد قلت مرارًا إن رأي الخبير الشرعي قد يكون مصيريًّا وقد يؤدي بإنسان إلى الموت أو يحرره تماماً".

في ثنايا المذكرات تحدث عن حوادث الاغتيال التي حدثت لعددٍ من الأجانب والبريطانيين، ثم تحدث بالتفصيل عن اغتيال السير لي ستاك، وعن ملابسات الإيقاع بمجموعة الاغتيال من خلال فحص الرصاصات، وبالتالي تحديد السلاح المستخدم من خلال البصمة المميزة التي يتركها كل سلاح في الرصاصات المنطلقة منه! وفي حالات أخرى، تحدث عن جثث جاءت له بدعوى أن أصحابها قُتلوا برصاص من الثوار – خلال فترة ثورة 1919 – ليتمكن من خلال التشريح وفحص الرصاص المستخدم إثبات أن الضحايا قُتلوا برصاص حكومي ميري، أو رصاص من القوات الإنجليزية.
وعلى هامش ذكره للثورة، فإنه يخبرنا أن السلطات الإنجليزية كانت تستطلع آراء كبار الموظفين التابعين لها لمعرفة أفكارهم وتصوراتهم عن مستقبل العلاقة مع المصريين، وأنه أخبر المسؤول بتصوره بمنح مصر نوعًا من السيادة مثلما هو الحال في نيوزيلندا، في ظل حكومة مستقلة، متصورًا أن ذلك قد يكون مقبولًا من الطبقات المتعلمة. لكن المسؤول علق على هذا بسخرية قائلاً له أنه يبدو أنه قد أكثر من الشراب!

تحدث سميث أيضاً عن البصمات، وعن السموم ومن أهمها الزرنيخ، وعن دوره في نشر ثقافة الاحتفاظ بسجلات للبصمات لجميع المواطنين، وعن كون إدارة الطب الشرعي في مصر في ذلك الوقت رائدة على مستوى العالم في معاملها وفي تحليلاتها وفي نجاحها في حل الكثير من القضايا. وهو في كل ذلك لا ينسى الإشادة بمعاونيه المصريين.
في مجمل حديثه عن مصر والمصريين كان يتحدث بحب وتقدير وإنصاف، وقد ضحكت وأنا أقرأ هذه الفقرة التي تحدث فيها عن الرشوة، حيث قال: " وللأمانة فإن المصريين لم يكونوا وحدهم المتورطين في الرشاوى، فبعض الأجانب كانوا يقومون بالشيء نفسه وأتذكر يومًا أن سألني أحد الأصدقاء الأورُبيين إن كنت أعرف السيد إكس القاضي بأحد المحاكم المختلطة، فقلت إنني أعرفه جيدًا وسألني: "هل يمكن أن أرسل إليه صندوق شامبانيا، فإن لي دعوى استنئاف مقامة أمام دائرته؟" فقلت له: "إن الرجل شديد النزاهة، ولو أرسلت إليه صندوق شامبانيا فقد يعاقبك وتخسر دعواك" وشكرني السائل ومضى متفكرًا وبعد أكثر من أسبوع رأيته وقال لي إنه كسب الدعوى المقامةأمام القاضي إكس، وأن الفضل في ذلك يرجع إلى صندوق الشامبانيا. فاندهشت، فقال لي إنه أرسل صندوق الشامبانيا إلى القاضى باسم الطرف الآخر في الدعوى!"

بعد إنهاء خدمته في مصر، قضي بقية حياته في إدنبره متولياً عدداً من المناصب (الطب الشرعي – عمادة كلية الطب)، ويحكي لنا في بقية الكتاب عدداً من أهم القضايا التي صادفها، والتي تكاد تكون تطبيقات وتنويعات عملية لما تعلمه في مصر من خبرات، وإلى هنا ينتهي هذا الكتاب الممتع الذي تشعر عند إنهائه أنه قد جمع لك عددا من مغامرات شيرلوك هولمز أو هركيول بوارو بين دفتي كتاب واحد، لكنه يتميز بكون أحداثه حقيقية، بعيدا عن الخيال والمبالغة.
وأختم حديثي هنا بأن التطور العلمي وتطور الأدوات ووسائل الفحص بالقطع قد جعل التحديات التي تواجه الطبيب الشرعي والمحقق أقل مما كان يواجه أقرانه منذ مائة عام - فيما يخص الجرائم الاعتيادية على الأقل - لكن التطور التكنولوجي بدوره يصحبه تطورات أخرى في أنواع الجرائم، لتخلق تحديات جديدة، لكن فكرة استنطاق الجثث في عهد به تكنولوجيا متواضعة مقارنة باليوم يعوضه المواهب والقدرات النوعية التي يصطفي بها الله بعض بني آدم، والذين يعوضون نقص التكنولوجيا بتنمية مهارات البحث والتدقيق والانتباه للتفاصيل ومراكمة الخبرات، وهو شيء لا يمكن أن ينجح بدون توفيق الله، وصدق الله عز وجل إذ قال: "علم الإنسان ما لم يعلم".

مذكرات حكمدار القاهرة توماس رسل

 



تلقي هذه السيرة الذاتية الممتعة الضوء على الدور الذي لعبه الاحتلال الانجليزي داخل الإدارة الحكومية المصرية من خلال المسيرة المهنية لتوماس راسل الذي بدأ كضابط مبتديء بخفر السواحل ثم مساعد مفتش ثم مفتش وتدرج في الوظائف بوزارة الداخلية وصولاً لمنصب حكمدار القاهرة. وعلى هامش هذه المسيرة يتبين لنا مدى تغلغل الاحتلال داخل الإدارة المصرية من خلال (مستشاريه) الذين كانت لهم اليد العليا على الموظفين الأتراك والمصريين.
يعرض الكتاب صورة الحياة في مصر مطلع القرن العشرين من منظور المحتل الإنجليزي، مع عرض للعديد من التفاصيل المهمة في الحياة الاجتماعية والسياسية، سواء في المدن أو الريف أو الصعيد، وحتى حياة البدو، نظراً لتنقل صاحب السيرة بين مختلف مديريات مصر على مدار خدمته. كما وصف ريف مصر وصحاريها من واقع جولاته ورحلات الصيد التي شارك فيها.
قدم الكاتب تحليله لنوعيات الجرائم المختلفة في مصر ونسبة جرائم القتل منها وأسبابها التي تعود في الأغلب للثأر، كما مر عرضاً بالحالة الصحية للمصريين في الريف والصعيد، وانتشار الأمراض المتوطنة وبالأخص البلهارسيا بينهم، وأثر تغيير نظام الري بعد تشييد القناطر المختلفة على النيل من انتشار البلهارسيا في الصعيد بعد اقتصارها على الدلتا، وبالتالي تأثير ذلك على إنتاجية العمال والفلاحين من أهل الصعيد، وحساب ذلك من خلال استطلاع آراء عدد من المقاولين عن الفارق بين انتاجية عمال الصعيد على مدار عدد من السنوات وبالأخص أعمال الحفر، والتي وجد أنها انخفضت للنصف بسبب الوهن والضعف العام الناتج من البلهارسيا.

تحدث الكاتب أيضاً عن الفروق بين سكان مصر ما بين الحضر والريف والصحراء، وبالأخص الفروق بين الفلاحين والبدو. كما تحدث كثيراً عن رحلات الصيد التي قام بها في مختلف صحاري مصر، وبالأخص الصحراء الشرقية، وتحدث باستفاضة عن قص الأثر، مع سرد للعديد من المواقف والقضايا التي ظهرت فيها مهارة قصاصي الأثر ودورهم في حل بعض القضايا الشائكة وكشف وتحديد الجاني، وأشار إلى مقولة للبدو "الصحراء لا تكذب"، وقبول النيابة لقص الأثر كأحد الأدلة، بل وطلبهم لقصاص الأثر في بعض القضايا للتأكد من نتيجة التحقيق. كما أشار إلى أهمية الطب الشرعي في البحث الجنائي، وذكر عدداً من الأسماء اللامعة في ذلك المجال ومنهم نولان وسيدني سميث، الذي تُرجمت مذكراته للعربية بواسطة نفس مترجم هذا الكتاب.

أفرد الكاتب أيضاً فصلاً للحديث عن الثعابين والرفاعية ومدى اهتمامه بهم، كما أفرد فصلاً خاصاً بالغجر وتنقلهم الدائم بين قرى مصر، وعاداتهم ولغتهم الخاصة، وأشار إلى أن قبيلتهم تُلقب بالغوازي، ولعل هذا سبب إطلاق لقب "الغازية" على الراقصات في الريف.

تحدث الكاتب أيضاً عن بدء تدريب واستخدام الكلاب البوليسية، وتحدث بشكلٍ خاص عن أشهر هذه الكلاب في مطلع القرن العشرين وهو "الكلب هول"، وأذكر أني سمعت إسمه لأول مرة في أحد الأفلام القديمة. وعرض الكاتب عدداً من القضايا التي كُشف الجاني فيها بمعاونة الكلب هول، والذي كان له قدرة فريدة في تمييز الروائح المختلفة وتتبعها.

تحدث الكاتب أيضاً عن المجتمع السفلي للقاهرة، وعن الأماكن الشهيرة بالبغاء والعاهرات والقوادين، سواء من المصريات أو الأوربيات، وعن محاولات التضييق على هذه الجرائم من خلال مداهمات بغرض ضبط الحشيش أو القمار، ولكنه للمفارقة أشار أيضاً لدور الامتيازات الأجنبية في إعاقة عمل الشرطة، فقال: "لقد كانت الامتيازات الأجنبية تعوقنا، خاصة عند التعامل مع دور البغاء غير المرخصة التي يمتلكها الأجانب. إن أحد بيوت البغاء الشهيرة لم نستطع أنا ورجالي الاقتراب منها بسبب التغيير الدائم لجنسية القوادة؛ وذلك لأن الشرطة لم يكن في إمكانها دخول بيت أجنبي من دون إذن وحضور القنصل الخاص بذلك الأجنبي أو من يمثله. وأتذكر أننا عندما وصلنا إل هذا البيت ومعنا مندوب القنصل الفرنسي للتفتيش على الرخصة لدى القوادة الفرنسية التي تدير البيت، انفتحت شراعة الباب وسمعت صونتا أجشا يقول لنا: (إن مدام يوفانا باعت البيت إلى مدام جتتيلي الإيطالية) التي من دون وجود قنصلها لا نستطيع الدخول إلى البيت. وفي الأسبوع التالي ذهبنا إلى البيت ومعنا مندوب القنصل الإيطالي لنقابل تغييرًا جديدًا في جنسية مديرة الدار. وقمتُ؛ من خلال مأمور القسم؛ بسبع محاولات تغير فيها مندوبي القناصل في كل مرة!"وهي صورة من صور أثر الامتيازات الأجنبية، وكان الكاتب في موضع آخر من الكتاب قد تكلم عن ملمح آخر من سيادة الامتيازات الأجنبية في شكل المحاكم المختلطة التي لابد أن يتحاكم أمامها المصري لو اختلف مع أجنبي، أو التي يحال لها الأجنبي لو ارتكب مخالفة أو جرما، والتي بطبيعة الحال كانت تحكم في الأغلب بالبراءة للأجنبي.

ومع كون الكاتب في مقدمة كتابه قد أشار إلى أن موضوع الكتاب مهتم في الأساس بعرض هذه الفترة من تاريخ مصر من المنظور الشرطي الأمني، بعيداً عن الحديث عن الجانب السياسي والوطني، إلا أنه خصص فصلاً للحديث عن ثورة 1919، والتي عبر عن تعاطفه مع الأماني الوطنية المصرية، وأقر بصدور أعمال غير مقبولة منه، لكنه لم يبين هذه الأعمال، بل على العكس، كان أغلب الفصل يتحدث عن أعمال الشغب والتخريب وما أسماه الفوضى، في مقابل محاولاته للتهدئة وترشيد الأمور والسيطرة على سير المظاهرات. كما ذكر عدداً من حوادث استهداف الأجانب، في حين لم يذكر مثلاً أعداد الشهداء والجرحى والمعتقلين من الثوار، وبغض النظر، فإن هذه هي المرة الأولى التي أقرأ فيها عن الثورة من المنظور الآخر.. منظور المحتل.

خصص رسل الفصول الأربعة الأخيرة للحديث عن المخدرات ومكافحتها وطرق تهريبها المختلفة بما فيها بطون الجمال، وقد اعتبر جهوده في هذا الصدد من أهم إنجازاته المهنية، وبدأها بذكر ملاحظاته حول بدء انتشار الكوكايين والهيروين في مصر خلال الحرب العالمية الأولى، وتحول المدمنين إلى حطام بشر، وسعيه لصدور تشريع قانوني يجرم امتلاك المخدرات والاتجار فيها، والذي صدر لأول مرة عام 1925، وإن كانت العقوبات في البداية خفيفة (حبس عام وغرامة 100 جنيه!).
وبسبب استفحال المشكلة، استجابت الحكومة لطلبه بتشكيل مكتب مركزي لاستخبارات المخدرات، لتعقب مصادر المخدرات المستوردة من أوروبا، وملاحقة تجار المخدرات في مصر، مع التعاون مع لجنة مكافحة المخدرات في عصبة الأمم، ويوضح رسل أن مصر كان لها دورٌ رائدٌ في هذا المجال بالرغم من أنها لم تكن عضواً بعصبة الأمم. ويلاحظ أن هذا المكتب كان من ضمن أنشطته من خلال عناصره الأوروبية الاندساس وسط بعض كبرى المنظمات والعصابات الدولية في أوروبا والتجسس عليها والإيقاع بأفرادها بالتعاون مع السلطات في الدول الأوروبية، وقد سرد رسل عدداً من العمليات التي أسفرت عن الإيقاع بعدد من شبكات تجارة المخدرات والمهربين، أما فيما يتعلق بتجار المخدرات الأجانب داخل مصر، فقد كانت معضلة الامتيازات الأجنبية تعوق إنزال العقوبات الرادعة على المهربين الأجانب الذين كانوا يُحاكمون أمام المحاكم المختلطة، ولم يتحسن الوضع إلا بعد إلغاء الامتيازات الأجنبية.

وبهذا أنهى رسل الكتاب الذي لخص فيه حياة حافلة شملت 44 عاماً من الخدمة المهنية في مصر في عددٍ من الوظائف الشرطية وصولاً لحكمدار القاهرة برتبة لواء ولقب باشا، ولا شك أن هذه الفترة الطويلة كانت ثرية بالأحداث والتفاصيل والمغامرات، وقد عبر رسل عن استمتاعه بفترة خدمته في مصر، فبجوار قيامه بأعباء وظيفته، فقد استمتع – شأنه شأن جميع الأجانب الذين استوطنوا مصر – بطقسها ونيلها وطبيعتها، وتجول فيها بالطول والعرض، ورأى فيها أشياءً سنموت دون أن نراها، واستمتع بالصيد والرحلات في الصحاري والريف.
ونلاحظ في أمثال هذه المذكرات انخراط الأجانب من جنسيات مختلفة (إنجليز – طليان – يونانيين ...إلخ) في المؤسسات الحكومية سواء في المواقع القيادية أو حتى التنفيذية الدنيا، والتي تخول لهم مواقعهم التحدث باسم الحكومة المصرية، وقد كان رسل هو المتحدث باسم مصر في الاجتماعات الخاصة بمكافحة المخدرات في عصبة الأمم. كما نلاحظ مدى تغلغلهم في المجتمع وصولاً للطبقات الدنيا، واتقان بعضهم للعربية والعامية المصرية، وتمكنهم من عمل علاقات وثيقة مع العُمد وشيوخ القبائل وحتى آحاد الناس، واستفادتهم من هذه العلاقات في التحكم والسيطرة وتسيير الأمور.
وقد يندهش القاريء من مدى الدأب والجهد والجدية التي مارس بها هذا الرجل وأقرانه أعمالهم في مصر، والتي تبدو أنها في خدمة مصر والمجتمع المصري، وعلى حد تعبير راسل: "لقد جئت أنا وزملائي الإنجليز إلى مصر في الأيام المبكرة لخدمة المصريين لاتخاذ طريقهم نحو الحكم الذاتي، والآن بعد تحقُّق الاستقلال، فإن المرء يشعر أن عمله انتهى" وهو أمرٌ مثير للسخرية، والحقيقة أن الأمر لا يعدو كون كل هذه الجهود هي في النهاية لخدمة الاستعمار وأهدافه، فكل مشروعات الطرق والسكة الحديد التي استكملها الإنجليز كانت في الأساس لخدمة خطوط المواصلات الإمبراطورية لضمان سرعة الانتقال سواء للأغراض التجارية أو العسكرية، وبطبيعة الحال فإن أي استثمار في (المستعمرة) يجب أن يؤَمَن وأن يكون استقرار المجتمع مضموناً، أما الإشارات للحالة الصحية للمصريين والحرص على إزالة ما يهددها، سواء من أمراض وأوبئة، أو من مهلكات للصحة كالمخدرات، فإن الأساس في ذلك هو ضمان استمرار الأيدي العاملة اللازمة لخدمة مشروعات الإمبراطورية البريطانية، ولتغذية مصانعها بالمواد الخام وعلى رأسها القطن.
لقد تذكرت أثناء قراءة هذا الكتاب فقرة صادفتني في مذكرات مونتجمري، يتحدث فيها عن الوضع في ألمانيا بعد هزيمتها في الحرب العالمية الثانية، وحيثما كان مسؤولاً عن إدارة القسم الواقع تحت السيطرة البريطانية، فقد لفت النظر إلى الفروق بين أنماط الاستعمار المختلفة، وذكر أنه طالما أن ألمانيا عليها أن تدفع نفقات الاحتلال، فلابد أن تتاح لها القدرة على فعل ذلك، ولم يكن الفرنسيون محبذين لإعادة بناء ألمانيا عدوتهم القديمة، وكان الروس متعجلين للحصول على تعويضات على شكل آلات وخدمات، ثم قال نصاً: "ونظراً للاختلاف في الأهداف، كنا سنضطر إلى معاملة منطقتنا كمستعمرة، وكذلك سيفعل الفرنسيون في منطقتهم ، ولكن الفرق بين نظرياتنا الاستعمارية كان كبيراً، فالفرنسیون سيبقون منطقتهم كسيحة، بينما سنجتهد نحن لانهاض منطقتنا."، وفي هذا تلخيص لمفهوم الاستعمار البريطاني الذي يستثمر في المستعمرة لكي يعظم العائد منها، أو بتشبيه آخر، هو لا يكتفي بمص دمها، بل ينظفها ويغسلها ويسمنها أولاً، ثم يمص دمها بعد ذلك! ولو جاز لنا التشبيه، لقلنا إن الحكومات (الوطنية) في حقبة ما بعد الاستعمار هي كلها على النمط الفرنسي، هي حكومات لمص دم الشعوب وإفقارها فقط، أزاحهم الله عنا كما أزاح الاستعمار المباشر من قبلهم.

وأختم هذه المراجعة بنقل فقرة هامشية لكنها مرتبطة بالواقع المصري الحالي، حيث يقول رسل: "لقد غيَّرت الحرب العالمية الأولى (١٩١٤ – ١٩١٨م) كثيرا من الأشياء؛ فالعربان المحليون تحولوا إلى الصيد سعيا إلى الربح، وقطعوا أشجارا تتجاوز أعمارها مئات السنين وأحرقوها للحصول على فحم ليبيعوه في الوادي؛ ومع العادة الهمجية لقطع الأشجار في تلك المناطق لاستخدامها كفحم فقد اختفت الحيوانات والكائنات النادرة التي كانت تعيش بهذه المنطقة تمامًا."
وهذه الفقرة ذكرتني بهمجٍ آخرين، لكنهم يقطعون الأشجار ليحصلوا منها على فحم يبيعونه للعدو، في مزيج من الهمجية والغباء والجشع والخيانة، قطعهم الله وحرقهم، هم ومن خلفهم ومن يشتري منهم.

الأربعاء، 13 نوفمبر 2013

الإسلاميون المستقلون و مستقبل علاقاتهم مع غيرهم


حينما اندلعت الثورة المصرية – و حين أقول ثورة فأنا أعني 25 يناير بالطبع – كان الإسلاميون أحد أركان المشهد مع غيرهم من أبناء الشعب, آمن بذلك من آمن و أنكر ذلك من أنكر.
بعد تنحي مبارك, اختلفت المواقف تبعًا لتغير الوضع السياسي...التزمت نسبة كبيرة من الإسلاميين الحزبيين بقرارات و مواقف قياداتهم و أحزابهم و جماعاتهم في السير في المسار السياسي و الإصلاحي بكل ما شاب هذا المسار من عوار, في حين إنحاز آخرون مع إخوانهم من الإسلاميين المستقلين إلى مسار الحل الثوري, و لم يتخلفوا عن أي من الجولات الكبرى مع العسكر سواء في محمد محمود أو مجلس الوزراء أو العباسية..و كان تحركهم مبنيًا على قناعاتهم و فهمهم للإسلام الذي هو أكبر من رؤية أي حزب أو جماعة. و كان عدم تقيدهم بقيود الحزبية و بفهم و رؤية شيوخ معينين للدين محررًا لهم من الالتزام إلا بالمباديء.
لا أحب أن أصف هؤلاء بأنهم (الإسلاميون الثوريون) لأني أرفض مصطلح الإسلام الثوري من الأساس, لأن الإسلام في أصله يحوي مباديء الثورة و عدم الخنوع و السكوت على الظلم..الإسلام هو دينٌ سيد الشهداء فيه بعد حمزة هو رجلٌ خرج إلى إمامٍ جائر فأمره و نهاه, فقتله.
من هذه الرؤية و الفهم للإسلام, و من مبدأ الاستعلاء و رفض الظلم و الخنوع, و من مبدأ نصرة المظلوم, كان تحرك هذا النفر من الإسلاميين...و في إطار الهدف المشترك و هو إنجاح هذه الثورة, كانت أكتافهم في أكتاف (إخوانهم) من التيارات الأخرى غير الإسلامية.
كانت فترة حكم مرسي فترة صعبة على الجميع, كانت فترة مليئة بالأحداث الملتبسة بجوار الأخطاء الواضحة التي لا يزال نفرٌ من الإخوان لا يرونها حتى اليوم...و عندما وصلنا لنهاية المشهد في 30 يونيو, كان الشقاق الكبير.
بشكل شخصي, كنت أرى أن وجود مرسي – أو استمرار سياسته بغض النظر عن وجود شخصه – هو أمرٌ مضر بالبلد و بالدعوة في الوقت ذاته, لكن النقطة هي في كيفية خروجه من المشهد, فإن كان وجوده خطأ, فإن إصلاح هذا الخطأ لا يكون بخطأ أكبر منه...بل بكارثة.
لا يزال بيننا مغفلون حتى اليوم يتكلمون عن 30 يونيو على أساس أنها ثورة شعبية, و في الوقت نفسه فقد وجدنا أن رفاق الأمس قد صار عديدٌ منهم في معسكر الإنقلاب و في صف العسكر الذين كنا ننهتف ضدهم فيما مضى, في حين اختار آخرون أن يعيشوا في أجواء يوتوبية حالمين باليوم الذي سيقودون فيه جماهير (الشعب) عما قريب ليتخلصوا فيه من العسكر بعد أن يقضي العسكر على الإخوان و الإسلاميين جميعاً...أما أحسنهم حالًا فقد اختار الصمت.
خرج البعض حاملًا الشعار السخيف (يسقط كل من خان..عسكر فلول إخوان) متحدثين عن تيار ثالث, و لكن حتى التيار الثالث هذا ولد في حالة استقطاب حاد فصار عندنا (التيار الثالث) و (الميدان الثالث) لعدم قبول البعض أن يقف في مربع واحد مع شباب حركة أحرار الموصومين في نظرهم بأنهم إسلاميون, في حين يحاول هؤلاء أن يدرءوا عن أنفسهم (الشبهة) بالمبالغة في ترديد الهتاف السخيف السابق المساوي بين الجميع في نفس درجة الجرم. و في النهاية فيبدو أن رفاق الأمس قد انخفضوا بسقف أحلامهم و عادوا حتى لما قبل 2010, في حين يشغل آخرون أنفسهم بالحديث عن (معركة الدستور) في حين أننا نعيش في (اللا دولة) و نُحكم بشريعة الغاب!
كان الاستقطاب في أشده في الوقت السابق و التالي مباشرةً للإنقلاب, و كانت المشاعر السلبية في أوجها...انقطعت العديد من العلاقات و تحطمت أواصر الصداقة السابقة بين رفاق الأمس, أو صارت على شعرة في أحسن الأحوال....ربما هدأت النفوس قليلاً بمرور الوقت, لكن التجربة قد تركت قناعة لدى الكثيرين: أن ما حدث بالأمس لن يتكرر, و أن هذه الأكتاف لن تنضم في مظاهرة واحدة مرةً أخرى.
الحقيقة أن هذا البلد يحتاج تيار ثالث إسلامي, و تيار ثالث بشرطة أو سمه تيارًا رابعًا أو ما شئت من غير الإسلاميين...هذه التيارات مكونة في الأساس من النخبة الشبابية داخل الإسلاميين و غيرهم, و التي تؤمن بالحل الثوري, و في الوقت ذاته تؤمن أن المشكلة الأساسية ليست في شخص الحاكم أو أيديولوجيته, بقدر ما هي في النظام نفسه..نظام الدولة الحديثة المهيمنة على أقدار من يعيش فيها, الدولة التي تسحق مواطنيها و تتعامل معهم على أساس كونهم أدوات و أرقام فحسب. يؤمن جميع هؤلاء الشباب أنه لا خلاص إلا بتفكيك هذه الدولة, و أن هذا التفكيك يحتاج معارك و جولات متتالية من احتلال المساحات التي تسيطر عليها الدولة, بالإضافة إلى إنهاكها و كسر قيودها. هذا النظام يحتاج إلى تكتيك حرب العصابات, و أعني التكتيك فقط لا الحرب نفسها, بمعنى هجمات صغيرة كثيرة متفرقة بأشكال متنوعة في أماكن مختلفة بشكل ينهكه و يعريه أمام شعبه, و هو التكتيك المعروف باسم (الكلب و البرغوث).
 بشكل مختصر: الحلول واحدة و المسار واحد, لكن كل منهم سيسير في مسار منفصل...مساران متوازيان يؤديان لنفس الهدف, و يكون الخلاف التالي هو مرجعية و حدود النظام المنشود بعد التخلص من النظام القائم.
ما يبغيه الطرفان من قيم مجردة مثل الحق و العدل و المساواة و الحرية هي أهداف مشتركة, لكن المرجعية هي التي تعيد تعريف هذه المصطلحات, و هي التي تؤطرها و تضع حدودها.
في الوقت الحالي, يبدو مسار الإسلاميين المستقلين متقاطعًا مع مسار الإخوان, و المسألة في نظر العديد من رفاق الأمس مختزلة في كون السبب هو المرجعية النهائية المشتركة, متغافلين عن كون المعركة الحالية أكبر من مجرد خلاف أيديولوجي, و أكبر من أن تختزل في مرسي أو جماعة الإخوان كلها, و أننا في حرب مع النظام الذي ثرنا عليه في يناير لكن بشكل أعنف و أكثر دموية بشكل لا يُقارن مع أي مواجهات سابقة. و لا يعنينا هنا أن نذكر هؤلاء بما هو بدهي لكل من يدعي إتساقًا مع الشعارات التي يرفعها – أو كان يرفعها – لكن نعود و نتكلم عن أن المسار الحالي المتقاطع مع الإخوان لن يكون كذلك بالضرورة إلى النهاية.
فالواقع أن الإنقلاب و ما تبعه و تكشف قيادات الجماعة أمام قواعدها قد أحدث هزة كبيرة داخل الجماعة, هذه الهزة و إن كانت قد غيرت مفاهيم العديد من شباب الجماعة و سببت مراجعات فكرية لدى الكثيرين, لكنها من جهة أخرى قد قامت برد فعل معاكس تماماً لدى البقية, فما زالنا نقابل كثيرين داخل صفوف الجماعة و مؤيديها ممن لا يتكلم سوى عن المؤامرة التي حدثت, متناسيًا الأخطاء و الخطايا بل و الحمق الذي كان بدوره مؤامرة أخرى لكن مؤامرة داخلية أوصلتنا في النهاية للمشهد الراهن. و إن كان هناك من يشعر بالأنفة لأن يعترف بأخطاء الماضي, فليس مطلوبًا منك يا سيدي أن تعترف, لكن المطلوب على الأقل أن تدرك, لأن إدراك هذه الأخطاء و فهم هذه الحقيقة هو السبيل الوحيد لمنع تكرارها.
و لهذا أقول أن المسار المتقاطع حالياً مع جماعة الإخوان لن يكون بالضرورة مسارًا واحدًا للنهاية, لأنه ليس من الواضح هل سينتصر التيار الذي قام بالمراجعات و أدرك أخطاء الماضي, أم التيار الثاني الغارق حتى أذنيه في نظرية المؤامرة. لكن المؤكد هو أن الخارطة الإسلامية قد أعيد تشكيلها و ترتيبها بشكلٍ كبير, و بالأخص داخل جماعة الإخوان. يكفي التغير الكبير في النظرة تجاه الديمقراطية, ففي حين كان هناك من يكفر بمبادئها و يؤمن بآلياتها فقط, كان هناك من يؤمن بكليهما..أما الآن, فلا آليات و لا مباديء.
و في حين يتذبذب الجميع بين التيارات سواء التقليدية أو ثالث أو رابع, يقف تيار آخر بهدوء على جنب يمسك ببندقيته و ينظر لكل العبث الدائر على الساحة, و يعرف أن قلوبًا عديدة قد صارت معلقة به, و لا يمنعها إلا محاذير شرعية و تورع عن الدماء و عن سفك دم من لا يزالون يؤمنون بكونهم (مسلمين), رغم أنهم يومًا عن يومٍ يثبتون لنا بعدهم عن هذا الاسم, لنكون شعبًا و هم شعب بحق.
و ما زالت اللوحة تُرسم, و ما زالت القصة لم تنته بعد.

الخميس، 28 فبراير 2013

بين مفهوم الجهاد, و الجيوش النظامية الحديثة




هذه خواطر دارت بذهني أثناء حضور محاضرة لأخٍ عزيز تطرق في ثناياها لمسألة الجيوش النظامية, و ضرب مثلاً بالإنكشارية في الدولة العثمانية و كيف كان فساد افرادها قد استفحل حتى اضطر الخليفة محمود الثاني للتخلص منهم بأن جمعهم في ميدان و ضربهم بالمدافع. ثم بدأ تكوين جيش نظامي حديث على الأساليب الغربية.
الفكرة التي أريد أن أسلط عليها الضوء, و التي يجب أن تكون واضحة لكل من يسمع الأطروحات المنتقدة لفكرة الدولة القومية الحديثة في صورها االمختلفة و بالأخص الجيش...أن هناك إختلاف بين فكرتي الجيش النظامي, و الجيش الحديث.
فكرة الجيش النظامي بمعني وجود قوات ثابتة تكون مهمتها الدائمة هي حماية البلاد و الدفاع عنها و كذلك الغزو في حالات الإمبراطوريات المتوسعة في مقابل رواتب ثابتة, هذه فكرة موجودة منذ عهود الإمبراطوريات و الحضارات القديمة بالأساس.
عندما ظهر الإسلام, لم يكن لدى العرب – الذين كانوا يعيشون حياة قبلية – جيوشاً نظامية, و حينما كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يخرج للغزو كان المؤمنون يُستنفرون للجهاد معه, ثم يعودون بعد هذا لأعمالهم و حياتهم العادية.
بعد إنتقال الرسول للرفيق الأعلى, و توسع حركة الفتوحات الإسلامية..تضاعف حجم الدولة الإسلامية, و في الوقت نفسه تغير نظام الحكم. لم تعد خلافة راشدة و إنما تحول الأمر إلى ملك عضود. و عند هذا بدأ وجود قوات نظامية.
أحسب أنه حتى لو كان نظام الحكم قد استمر كخلافة راشدة, فإن إتساع الدولة كان يقتضي وجود قوات نظامية مرابطة بإنتظام و إستمرار على الثغور, و لم يكن الإعتماد ليكون فقط على المتطوعة و الإستنفار...لكن من جهة أخرى فإن مرحلة الخلافة الراشدة قد ولت و ولى معها المجتمع المتأثر بها..و جاء عهدٌ جديد بأساليب جديدة كان لها تأثيرٌ سلبي على المجتمع...فجعل من وجود القوات النظامية ضرورة, و لكن ليس للرباط فقط بل لحماية نظام الحكم أيضاً, و ربما لا نفتري عليهم لو قلنا أن هذا هو الدافع الأول..فهذا الجيش النظامي هو جيش الخليفة أولاً قبل أن يكون جيش المسلمين.
عندما كانت الدولة ما زالت في طور قوتها, كان جيش الخليفة يخرج للغزو و يخرج معه آلاف المتطوعة ممن يبتغون شرف الجهاد في سبيل الله...و حينما دارت الأمور و أخذ الصليبيون ثم التتار يقتطعون من بلادنا, كانت الأمة تُستنفر, و يخرج جيش السلطان و معه المجاهدون يبتغون إحدى الحسنيين.
إذا سلطنا الضوء على النخبة العسكرية الممثلة في جيش الخليفة, أو جيش السلطان, سنجد أن هذه النخب تمر بمراحل تكاد تكون واحدة..فالخليفة يبدأ بتشكيل جيش يدين له بالولاء و يربي أفراده على الجندية و الجهاد و الفداء..ثم يمر الزمن و تنحرف عقيدة هذا الجيش و يسبب المشاكل للحاكم و تكون النهاية إما بالقضاء على الحاكم نفسه, أو أن تُستبدل بهذه النخبة العسكرية نخبةٌ أخرى تدين بالولاء للحاكم...ثم هلم جرا.
أنظر للترك الذين استكثر المعتصم العباسي من إلحاقهم بجيشه كيف استفحل نفوذهم حتى صاروا يلعبون بالخلفاء بعد عدة عقود. و أنظر للمماليك كيف استكثر الأيوبيون في مصر من شرائهم و اعتمدوا عليهم بشكلٍ كلي حتى آلت إليهم الأمور في النهاية...و أنظر إلى الإنكشارية كيف بدأوا..ثم إلى اين صاروا.
الإنكشارية ربما كانوا من أهم و أوضح الأمثلة..هؤلاء كانوا يتم تربيتهم على الجندية منذ الصبا, و يخضعون لتدريبات بدنية و عسكرية و روحية في الوقت ذاته, بحيث يتشبعون بروح الجهاد...لكن من الواضح أن الإهتمام بالجانب الروحي كان في طور إتساع الدولة العثمانية, و وقت أن كانت ترفع راية الجهاد, لكن حينما ألقت هذه الراية جانباً و انحرف طريقها صار هذا نسخة أخرى من (جيش الخليفة), و بالتالي كان من الطبيعي أن ينتهي هذه النهاية.
و هنا يتضح بشكلٍ جلي أن العامل الأساسي هو العامل الروحي و الفكري..أو بكلماتٍ أخرى, عقيدة الفرد المقاتل..هذه العقيدة هي التي تميز بين كون المرء مجاهداً, أو محارباً. و لا أقول أن معنى هذا أن كل من كانوا ضمن الجيوش النظامية على مدى تاريخ الإسلام ليسوا بمجاهدين..الأمر منوطٌ بنواياهم و عقيدتهم, فمن يقاتل لتكون كلمة الله هي العليا هو مجاهدٌ سواء كان زيه رسمياً أم لا, أما من يقاتل لأن هذه وظيفته, فلن يعدو أن يكون جندياً في جيش الخليفة.
نأتي للحظة تاريخية فارقة و هي التحديث الذي جرى لمصر و العالم العربي, هذا التحديث الذي جعل بلداً كمصر إنهزمت قواته النظامية أمام الحملة الفرنسية لكن لم يمنع هذا المجتمع من أن يقاوم المحتل و يثخن فيه, ثم انسحبت قواته النظامية أمام الإنجليز في حملة فريزر فنكل الشعب بالقوات الغازية في رشيد...ثم هُزِم الجيش النظامي (الحديث) في موقعة التل الكبير عام 1882, فصارت مصر محتلة سبعون عاماً.
ما زال مناط الأمر هنا متعلقٌ بالعقيدة, لا أريد الدخول في كلام عن الدولة الحديثة لأني بشكل شخصي مللت المصطلح و سماعه :) , لكن لو تناولنا أثر التحديث على الجيش و علاقة المجتمع بالجندية و الجهاد ستجد أن الأثر كان في غاية السلبية.
فتكوين الجيش الحديث صارت العقيدة فيه هي الإنضباط و الأوامر فقط, لا يعني هذا أن الإنضباط لم يكن موجوداً في الجيوش النظامية القديمة فالإنضباط أحد أعمدة الجندية من الأساس, لكن الجيوش الحديثة يتم فيها تحطيم الفرد و إعادة قولبته و تشكيله من جديد ليصبح أشبه بإنسان آلي. و في الوقت ذاته فقد تم تدجين المجتمع و جعل حمل السلاح مقتصراً على جيش الحاكم فقط, و لم يعد الدفاع عن الأمة مسئولية الجميع..لذا كان من الطبيعي أن تقع الأمة فريسة سهلة للإحتلال دون مقاومة تذكر.
إن الجهاد في سبيل الله هو أحد أهم الأركان التي تثبت لهذه الأمة عقيدتها, و كان من الطبيعي أن يكون هم أعداؤنا هو قلب مفهوم المسلمين تجاه هذه الفريضة لتصبح مرادفاً للإرهاب في أذهان الكثيرين, و في الوقت نفسه فإن العقيدة القتالية للجيوش في الدول المسلمة – و لا أقول إسلامية- لا علاقة لها بالجهاد, و إن كانت أحاديث (خير أجناد الأرض) أو (فإنهم في رباطٍ إلى يوم القيامة) تصح أصلاً, فإنها لا تنطبق برأيي على جيش المكرونة الذي عندنا.
و لو ألقينا نظرة على أقرب أرض للجهاد منا و هي سوريا, فإني أجزم أن أداء المجاهدين المتطوعين يختلف بشكلٍ كبير عن أداء قوات الجيش الحر التي كانت من قبل جزءاً من الجيش النظامي...إن حق هؤلاء جميعاً فوق رأسي و هم خيرٌ مني فهم من المجاهدين و أنا من القاعدين, لكني أقول أن التأثير السلبي على الفرد داخل الجيوش الحديثة عميق جداً, لدرجة تستدعي جهداً من الفرد و درجة من اليقظة و الوعي لكي يصبح مجاهداً بدلاً من جندي في جيش الحاكم.
مرةً أخرى, الأمر كله مناطه القلب و النية و العقيدة, سئل رسول الله عن الرجل يقاتل شجاعة, و الرجل يقاتل حمية, و الرجل يقاتل رياءً.أيهم في سبيل الله, فأجاب رسول الله: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله.
لا ندعو لتفكيك الجيوش الحديثة في بلاد المسلمين و العودة لنظام المتطوعة و الإستنفار, هذا عبثٌ و ضياعٌ للأمة في عالمٍ صارت فيه أمةٌ قادرةٌ على إبادة أمةٍ أخرى بضغطة زر. لكن المطلوب هو تصحيح عقيدة الفرد المقاتل و كذلك عقيدة الفرد العادي. نحن في مجتمع مدجن يؤدي فيه كثيرٌ من الشباب خدمتهم العسكرية دون أن يحملوا بندقية, فما بالك بمن لم يؤدها أساساً. و نحن مجتمع قد نسى مفهوم الجهاد و أنه مسئولية الأمة كلها و ليس قاصراً على من يحمل السلاح..و يحتاج أن يتذكر هذا.
يشعر المرء بالعار و هو يكتب هذا الكلام و هو من القاعدين عن الجهاد, لكن هذا تذكيرٌ لي قبل أن يكون لكم و لا يعلم المرء ماذا يكسب غداً.سلوا الله لنا و لكم الإخلاص و القبول و أن ييسر لنا سبل الجهاد في سبيله في الميدان الذي يرتضيه لنا.
ملحوظة: سيكون من المفيد لقارىء المقال أن يطلع على كتابي (و دخلت الخيل الأزهر) لمحمد جلال كشك, و (كل رجال الباشا) لخالد فهمي, و نسأل الله أن ينفعنا جميعاً بما يعلمنا

السبت، 23 فبراير 2013

خواطر عن الحرب في الإسلام



في قضايا عدة يتم توجيه الإتهامات للإسلام, و يكون رد فعل المسلمين هو تقديم إعتذارات و تبريرات. لكن منطق هذه الإعتذارات يكون منطلقاً إما من موضع الجهل, أو في الأغلب من موضع الإستضعاف و الهزيمة النفسية.و في هذا المقال نناقش أحد أهم هذه القضايا و التي يكثر فيها الكلام..و هي الحرب في الإسلام.
فكل فترة يخرج علينا من يتبرم بمصطلح (الفتوحات الإسلامية) و لا يرى فيها إلا صورة من صور الإستعمار, و ربما كان أقرب مثال هو السجال الذي حدث في إحياء ذكرى سقوط الأندلس في يناير الماضي.
مشكلة من يعتنقون هذا الطرح أنهم يحسبون حساباتهم بمقاييس العصر الحالي, و برؤية ليبرالية غربية. و المفارقة أن أغلب من يرد عليهم يكاد ينطلق من نفس المنطلقات, و يرد بنفس الرؤية و الحسابات!!
يتم إتهام الفاتحين المسلمين بأنهم غزاة إستعماريين غزوا بلاد غيرهم و اغتصبوا خيراتها, فيكون الرد عليهم هو نفي التهمة بالمقارنة بين سلوك الإستعمار الأوروبي في البلاد التي إحتلها و سلوط الفاتحين المسلمين في البلاد التي فتحوها. و في سياق آخر يتم عرض و تسويق الحروب الإسلامية على أساس أنها كانت حروب دفاعية تهدف لحماية الدين في بدايته من الإمبراطوريتين الفارسية و البيزنطية و اللتان كانتا تهدفان للقضاء على الدعوة بعد أن إستشعروا خطرها إثر إنضواء كافة القبائل العربية تحت دينٍ واحد. و يتم تسويق الحروب كذلك على أنها حروب تحريرية هدفت لتحرير الشعوب المضطهدة التي كانت ترزح تحت نير الإمبراطوريتين سالفتي الذكر.
في نفس السياق نجد من يعرض الموضوع من وجهة نظر عرقية, و يعرض صلات القربى بين العرب و بين المصريين مثلاً, ثم العرب و البربر. و كأن هذا مبررٌ لطرد الروم الأوروبيين ليحلوا مكانهم!!
و مشكلة هذا الطرح أنه ينزلق لفكرة القومية و القطرية التي لا يعرفها الإسلام أساساً...فالعرب الأوائل لم يحاربوا الفرس لأنهم فرس, أو الروم لأنهم روم, أو البربر لأنهم بربر...إلخ. و لم ينظروا للجهاد على أنه سبيلٌ لتحقيق الوحدة العربية و لا ترسيخ القومية العربية مثلاً, بل لم يعرضوا أنفسهم في الأساس على أنهم عرب و إنما هم مسلمون أولاً و أخيراً .و إنما حاربوا لنشر دين الله, و لتكون كلمة الله هي العليا. أما مسألة الحروب الدفاعية فهي هدف إستراتيجي أولي و ليس منتهى الغاية, و أما تحرير الشعوب المقهورة من الفرس و الروم و غيرهم فهو نتيجة للفتح...و ليس سبباً له كذلك.
الحرب في الإسلام تقتضي أن يقوم المسلمون قبلها بدعوة غيرهم للإسلام و عرضه عليهم, فإن قبلوه صاروا إخواناً لنا في الدين و يبقوا على حالهم و يحكموا أنفسهم بأنفسهم بمقتضى شريعة الإسلام, فإن أبوا الإسلام فليدفعوا الجزية و على المسلمين حمايتهم من أعدائهم, فإن أبوا فهي الحرب. و إذا أتم الله للمسلمين النصر إنضوت هذه الأرض تحت لواء دولة الإسلام و حكمت بشريعته. و من شاء أن يعتنق الإسلام فأهلاً و مرحباً و إلا فعليه الجزية و له ما لنا و عليه ما علينا. و الغاية من كل هذا هي نشر الدين و أن تُحكم الأرض بمقتضى شريعة الله, و لعل رد ربعي بن عامر على رستم يلخص المسألة كلها (جئنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد ؛ ومن ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة ؛ ومن جور الأديان إلى عدالة الإسلام) 
و ربما لولا إنحراف المسلمين عن الدين الحنيف و تحول الأمر من خلافة إلى ملكٍ عضوضٍ سرى فيه الوهن و نخر فيه السوس, ربما لاستمر الجهاد و لاستمرت حركة الفتوحات الإسلامية و لسادت الشريعة أغلب أقطار الأرض...لكن الله قد قضى بالإستبدال لكل من أوتي نعمته ثم جحدها و نسيها.
هذا بإختصار هو مفهوم الحرب في الإسلام, ليقبله من يقبله, و ليرفضه من يرفضه..لكننا لسنا مطالبين أن نشكل رؤانا و قراءتنا للأمور حسب الرؤى الغربية و لا الأفكار القومية و بالتالي نقدم إعتذارات و تبريرات لكل من ألقى علينا حجراً. و ليس هناك معنى للحكم على تاريخنا بأفكار الواقع المعاصر و خصوصاً أن فكر هذا الواقع مشكلٌ برؤى الغالب المسيطر. و ليس هناك سبيل لأن تكون محايداً في قراءتك للأمور..لا تستطيع أن تكون محايداً طالما أنك رجلٌ حرٌ و صاحب رأي, و الحياد لا يكون إلا في قضية ليس لك بها علمٌ أو مصلحة...فإذا إنتفى الجهل و ظهرت المصلحة فلا حياد...و لكن ينبغي عليك أن تكون موضوعياً و منصفاً.
و الإنصاف يقتضي منا أن نعيد قراءتنا و دراستنا للتاريخ كله, و نقيم كل الحروب في تاريخ الإسلام, فما كان منها في سبيل الله و التزم بأخلاقيات الحروب التي علمنا إياها رسول الله صلى الله عليه و سلم فهي فتوحات و جهاد, و ما كان صراعاً على ملكٍ زائل, أو غدراً بقومٍ بيننا و بينهم ميثاق..فليس بذلك.
بكل بساطة..لدينا أصولٌ نحتكم إليها كي نحدد نظرتنا للأمور...هذه الأصول هي كتاب الله و سنة نبيه المصطفى, لا الآراء و لا الأهواء...و يقاس الالتزام أو الإنحراف بمدي القرب أو البعد من هذه الأصول.
و من حق الأسباني النصراني أن يرى لنفسه الحق في طرد المسلمين من الأندلس و أن يسمي حروبه حروب الإسترداد و هذا حق دينه عليه, و من واجبي كمسلم أن أدافع عن ديني و عن الأرض التي تُحكم بشريعة ربي, و هذا حق ديني علي.
ربما تبدو الحروب المعاصرة أنها حروب قوميات و مصالح في المقام الأول, لكن سيظل الدين هو أساس و جوهر الصراعات و المحرك لها حتى لو كانت الرؤوس المحركة علمانية أو حتى ملحدة...و في الأوقات التي تتعايش فيها الأديان سلمياً, فإنها ستظل تتصارع فكرياً..و كل منها يأخذ مساحات من الآخر إما على الأرض, أو في عقول و قلوب سكان الأرض..و سيبقى التدافع و الصراع بين الحق و الباطل إلى أن يرث الله الأرض و من عليها. و حتى لا يبقى بيتٌ على هذه الأرض إلا بلغه هذا الدين..بعز عزيزٍ أو بذل ذليل...فكونوا أعزة يرحمني و يرحمكم الله.
---------------------------
تم نشر المقال بموقع يقظة فكر