الثلاثاء، 10 يونيو 2025

مذبحة الأبرياء في 5 يونيه


 كُتب هذا الكتاب عن الحرب بأسلوب صحافي، وما ورد به من معلومات عن الحرب نفسها لن يمثل جديداً للمطلع على الكتب الأخرى التي تناولت الحرب وفي مقدمتها مذكرات القادة العسكريين، لكن يأتي تفرد الكتاب فيما حواه من شهادات نقلها الكاتب بطريقته الصحفية من حواراته مع عدد من الجنود والضباط بل وكبار القادة، أنقل على سبيل المثال منها هذا الحوار المضحك المبكي مع أحد الجنود عقب الهزيمة، يقول وجيه ابو ذكري:

" سأروى هنا قصة طريفة مضحكة حتى البكاء، لقد التفيت بأحد الجنود الذين تمكنوا من عبور قناة السويس فور قرار الانسحاب ، وكان يرتدى الحذاء العسكرى، ثم البنطلون العسكرى، وفوق كل هذا جلباب، وعلى الجلباب الجاكت العسكرى، ولا يحمل معه سلاح ... وعندما شاهد دهشتی .. قال :

-          لقد جئت بالجلباب من باب الاحتياط، حتى اذا صدر قرار الانسحاب - كما حدث عام ١٩٥٦ - خلعت ملابسي العسكرية وارتديت ملابسي المدنية حتى يتركنى الاسرائيليون أرحل الى قريتي.

·         والسلاح، هل تركته ؟

-           لم أتسلم سلاحاً.

·          أين كنت ؟

-          - لا أدرى ..

·          ماذا كان يجب أن تفعل ؟

-          - لا أدرى ..

·         - وماهى التعليمات التي أصدرها لك قائدك ؟

-          لا شي.

·          ألم تطالبوا بالسلاح؟

-          القائد نفسه لم يكن معه سلاح .. القائد نفسه كان كل ما يشغله تدبير الغذاء لنا والماء لنا ، وكان يضحك معنا ، ويقول أنه لو دخل بنا معركة ضد أرانب الصحراء ، فسوف تنتصر علينا الأرانب"!

كما نقل أبو ذكري كشاهد عيان مأساة القوات المنسحبة عندما توجه للإسماعيلية، وكان شاهداً على تضافر الأهالي وتسابقهم للتبرع بالدم وتضميد الجراح، وحكى عن سماعهم لخطاب التنحي، وإتاحة الوزير المواصلات بالمجان لمن يريد الذهاب للقاهرة لإبداء الدعم لعبد الناصر، مع عدم السماح للعسكريين بالمغادرة. ونقل رسالة مؤثرة لجندي شارك في حرب اليمن، ثم كان ضمن من حُشدوا إلى سيناء، وعاش مأساة الانسحاب وقتل العدو قائده وزملائه أمامه، واستطاع الهرب وعبور القناة، ثم واصل الهرب إلى ليبيا لسماعه شائعة بأن المنسحبين سيحاكمون عسكرياً، ووجد ما لا يقل عن 100 جندي مثله، آواهم الملك السنوسي وأجارهم وأعطاهم هويات مؤقتة وسمح لهم بالعمل في ليبيا.

ومن ضمن فصول الكتاب فصل مخصص عن هيكل، وبغض النظر عن أنه يبدو فيه نوع من تصفية الحسابات، إلا أنه يوضح ليس فقط دور هيكل في تخدير الشعب المصري والشعوب العربية بتسويق الوهم الناصري قبل الحرب، بل إن مقالاته التي كان يقرأها الجنود والضباط على الجبهة كانت تؤكد أن مصر لن تبدأ بالقتال وبالتالي ظنوا أنه لن تقوم الحرب، وكان ذلك دافعاً لمزيدٍ من الاسترخاء، بل إن البعض توجهوا لمدينة غزة للشراء من السوق الحرة! وكلنا نعلم أن هيكل هو من نحت مصطلح (النكسة) ليكون أقل وطأة من (الهزيمة)، وهو غيره من أقطاب الحكم الناصري كانوا يقللون من فجاجة الهزيمة، وبحد وصف عبد المجيد شديد أحد الأقطاب الناصريين، أن العدو قد استولى فقط على تلالٍ من الرمال، وهو ما يدل ليس فقط على نظرة قاصرة لسيناء، بل وعلى أولوية التطبيل للحاكم والحرص على بقاء النظام على حساب الحفاظ على الأرض، وهو ما يذكرنا بتصريحات مشابهة في سوريا عقب الهزيمة.

قص الكاتب بعض البطولات الفردية التي حدثت خلال الهزيمة وبعدها بقليل، منها قصة بطل التبة في العريش، ومعركة الطيران فوق القناة وقصف الطيران المصري لقوات العدو في يوليو 67، ثم معركة رأس العش وإغراق المدمرة إيلات.

ومن القادة الذين حاورهم أبو ذكري الفريق الجمسي، والفريق أنور القاضي رئيس هيئة العمليات، وكان قد قابله قبل الهزيمة بسنوات أثناء حرب اليمن، وسأله عن السيناريو الذي يراه إن حصلت مواجهة من العدو أثنار تورط بقية الجيش في اليمن، فرد بأنها ستكون كارثة، والفريق كمال حسن علي الذي كان قائد لواء مدرع ضمن الفرقة الرابعة المدرعة وتحدث عن كواليس الانسحاب بالمعدات سليمة ثم العودة لسيناء مرة أخرى والتي دُمرت على إثرها مدرعات الفرقة، ويذكر على لسان كمال حسن علي قصة مفادها أنه عقب حرب 1956، توجه أحد أقطاب المعارضة الإسرائيلية باستجواب في الكنيست لموشي ديان، ومن ضمن أسئلته: متى يكتمل التفوق الجوي لإسرائيل بما يسمح لها ألا تعتمد على أحد ويكون لها ذراع طويلة، ورد ديان بأن الأمر يحتاج إلى عشر سنوات، وقد استغرق الأمر من العدو عشر سنوات بالفعل من التدريب والإعداد والتجهيز حتى وقعت الواقعة.

نقل كذلك شهادة للفريق مرتجي لا تزيد في إطارها العام عما أورده في كتابه، باستثناء بعض الأمور الشخصية في انتقاد عبد الناصر وعامر والفريق فوزي، ومع ذلك، فإن كل القادة السابقين لهم شهاداتهم المنشورة سواء في كتب أو مقالات، لكن ينفرد الكتاب بإيراد شهادة للواء صدقي الغول قائد الفرقة الرابعة المدرعة التي تعرضت للمذبحة الشهيرة حينما صدر لها قرار الانسحاب ثم العودة مرة أخرى في ظل السيادة الجوية للعدو، ويبدو من الشهادة مقدار الظلم والغبن الذي تعرض له هذا الرجل، كما يتضح أن أمر الانسحاب وصله من قائد الجيش الفريق صلاح محسن رأساً، وعند الوصول للإسماعيلية  وجد صلاح محسن الذي طلب منه العودة بالفرقة مرة أخرى، وتبدو من الحوارات بينهما أن هم صلاح محسن الأول هو تنفيذ الأوامر الصادرة له فقط مهما كانت غير عقلانية أو ستؤدي لتدمير القوات، وتنتهي الحرب ويُحاكم الغول ويشهد صلاح محسن ضده في المحكمة ويدعي خلاف الحقيقة أنه انسحب من تلقاء نفسه وأنه أصدر له أمراً بالبقاء في موقعه ولم ينفذه، ورغم أن الشهادات في المحكمة تضافرت لتأييد موقفه وتبرئته، إلا أن صدر ضده حكم بالمؤبد خفف بعد ذلك إلى 5 سنوات، ويشير الغول إلى تعمد فوزي التشهير به في الصحف حتى قبل صدور الحكم، وكذلك سوء معاملته في مستشفى السجن، وهي مواقف تلقي أضواء أخرى مكملة لشخصية فوزي الراغب في تثبيت مكانه في السلطة على أجساد من اعتبرهم موالين للمشير.وينقل أبو ذكري بعد ذلك شهادة اللواء عمر هزاع أحد ضباط الفرقة الرابعة المدرعة، وهي تذهب إلى نظرية المؤامرة المتكررة في عددٍ من شهادات الضباط، أن الغرض من الأمر بعودة الفرقة إلى سيناء هو تخوف عبد الناصر من أن تُستخدم الفرقة في الانقلاب عليه، وهو أمرٌ أراه شديد المبالغة.

ثم ينتقل إلى حوار مع اللواء طيار إسماعيل لبيب، وقد تناوله اللواء الدغيدي بالنقد في مذكراته واعتبره ممن ظلمه، وهنا يُظهره أبو ذكري في صورة المظلوم، وبغض النظر، فإنه يشير هنا لواقعة أشير إليها في بعض الكتب ولا نجد لها دليلاً، وهي أن عبد الناصر في اجتماعه مع الطيارين في أبو صوير أعلن أنه لن تحدث حرب، وأن ما يحدث هو مظاهرة عسكرية لا أكثر، وأن هذا الاجتماع كان مسجلاً وجمع سامي شرف بتعليمات من عبد الناصر نسخ التسجيلات خشية تسرب ما به للشارع المصري، وأن عبد الناصر قال لسامي شرف: لو الناس سمعته حيشنقونا في الشوارع، وأن مصدر المعلومة هو سامي شرف نفسه عندما قابله في السجن، وحسب ما أذكر أن سامي شرف نفى هذه المعلومة لاحقاً، لكنه ليس بالثقة الثبت حتى نصدقه على أية حال. وفي المقابل، حوكم لبيب بدعوى أنه لم يبلغ الوحدات بمعلومات الرئيس في 2 يونيو بالضربة الجوية الوشيكة للعدو، علماً بأنه لم تصدر تعليمات أصلاً لا من المشير ولا رئيس الأركان، ورئيس الأركان نفسه هو الذي أمر بتقييد الدفاع الجوي أثناء طيران المشير يوم 5 يونيو، كما أغلق قبل الحرب غرفة عمليات القوات الجوية على حد قول لبيب!

وكانت آخر شهادة عرضها هي شهادة اللواء أحمد حلمي من قوات الصاعقة عن دوره هو وجلال هريدي، وعن قرار إرسالهم إلى الجبهة الأردنية قبل الحرب بيومين للاستعداد لعمل غارات على قواعد ومطارات العدو انطلاقاً من الضفة الغربية، ويذكر أنه لو توفرت لديهم معلومات كافية عن الأماكن لاستطاعوا عمل خسائر مؤثرة في العدو داخل الأرض المحتلة، لكن صدرت لهم الأوامر كذلك بالرجوع إلى مصر، ثم قُبض عليهم بتهمة الولاء للمشير، ويثني أحمد حلمي كذلك على أداء الجيش الأردني وعلى قتاله في حدود إمكانياته، وعلى تنفيذه الانسحاب طبقاً للأصول العسكرية بدون فوضى، بخلاف ما حدث على الجبهة المصرية.

وإلى هنا ينتهي هذا الكتاب، وهو مكتوبٌ بمرارة من شخصٍ كان كأبناء جيله مؤمناً بالناصرية حتى أفاق من وهمها بصدمة الهزيمة، فانقلب ناقماً عليها، وبالرغم من حجم الكتاب الذي يزيد عن 500 صفحة، فهو في النهاية لا يصلح سوى كوجبة خفيفة لمن يريد الإطلاع على تفاصيل الهزيمة، ولا يغني عن الرجوع للشهادات والمراجع الأصلية، ومقارنة ما به من شهادات مع شهادات بقية القادة بعينٍ ناقدة.

الطريق إلى النكسة: مذكرات قادة العسكرية المصرية 1967

 


في هذا الكتاب، يعرض د. محمد الجوادي شهادات القادة العسكريين المشاركين في هزيمة 67، وبعضها نُشر في كتب، وبعضها نُشر في مقالات.

بدأ بمذكرات اللواء عبد الحميد الدغيدي قائد سلاح الطيران والدفاع الجوي في جبهة قناة السويس وسيناء، وهو أحد الذين حوكموا بعد الهزيمة، وقد حوكم مرتين وبرأته المحكمة من كل ما نُسب إليه في كل مرة. واعتبر أن محاكمته كانت لجعله كبش فداء، وأن القوات الجوية كلها ظُلمت في الحرب، وصدر منها ومن الدفاع الجوي بطولات لم ينتبه إليها أحد. وفيما اطلعت عليه من شهادات تخص الهزيمة، فإن شهادة الدغيدي على قدرٍ عالٍ من الأهمية فيما تحتويه من تفاصيلٍ عسكرية، ولكنها في الوقت ذاته محملة بقدرٍ كبير من الغضب والمرارة، وكيل الاتهامات للككثيرين، لدرجة أنه اتهم أجهزة الدولة بأنها وراء الكتاب الذي نشره العدو بعنوان (وتحطمت الطائرات عند الفجر)! وكذلك اتهم الاتحاد السوفييتي بالتضليل والتواطؤ مع العدو.

في شهادته تجد الحرقة والغضب الشديد مما وُصمت به القوات الجوية، ويؤكد على أن المسئولين عن الهزيمة هم خمسة: عبد الناصر وعامر، ومحمد فوزي وصلاح محسن ومحمد صادق، ويشير لما أسماه جهل محمد صادق وخطأه في معلومة المدى الذي تستطيعه طائرات الميراج والذي بنيت على أساسه خطط الدفاع الجوي، وكذلك عدم تقديم معلومات عن قنبلة الممرات التي استخدمها العدو لتدمير المطارات، وأنه بالرغم من تقصيره هو ومحسن وفوزي، فقد استبقاهم عبد الناصر، وأطاح ببقية القادة، ومنهم الدغيدي الذي حذر عبد الناصر من التورط في حربٍ بلا استعداد. كما ذكر الدغيدي في ضوء استنكاره لمدى التخبط في القرارات، أنه بينما كانت لدى القوات البرية خطة دفاعية، كان للقوات الجوية خطة هجومية! ويتحسر على إلغاء الضربة الجوية الاستباقية في 27 مايو.

من المعلومات والمفاهيم العسكرية الجديدة علي هنا هو مفهوم المظلة الجوية، ويؤكد اللواء الدغيدي أن المظلات الجوية ظلت مستمرة كل نصف ساعة فوق بحيرة البردويل، ويصب جام غضبه على الضابط المسؤول الذي ألغى – لأسباب غير مفهومة – المظلة ما بين الساعة الثامنة والنصف والتاسعة من صباح 5 يونيو، وهو توقيت هجوم العدو، ويكاد يتهم الضابط بالخيانة، كما يكيل لفوزي الاتهامات لإغلاقه مركز القيادة العام صباح يوم الهجوم، وتعجب من تغيير الشفرة للرسائل المرسلة من الفريق عبد المنعم راض بمحطة عجلون والتي حذرت من الهجوم، وعدم انتباه أحد للرسالة التي أرسلها قائد مخابرات العريش برصده لتحركات مدرعات العدو ليلة 5 يونيو والتي تنبيء بهجوم وشيك، وكذلك عدم إخطار القوات البرية ببدء الهجوم البري في أم بسيس فجر يوم 5 يونيو، وكذلك غياب كافة القادة عن مراكز قيادتهم لتوجههم لاستقبال المشير بمطار بير تمادا – باستثناء الدغيدي الذي بقى في موقعه – وكلها عوامل ربما لو تغيرت لاختلف مجرى التاريخ!

الشهادة التالية كانت شهادة الفريق مرتجي في كتابه (الرفيق مرتجي يروي الحقائق)، والتي كتبت عنه مراجعة مستقلة على مدونتي هنا

والشهادة تحوي تفاصيل كثيرة، ولن نذكر من بقية الشهادات إلا ما لم نجده في هذه الشهادة.

بعد ذلك تأتي شهادة الفريق أنور القاضي رئيس هيئة العمليات، ويتحسر في بداية شهادته عن إلغاء الضربة الجوية الاستباقية المقررة في فجر 27 مايو 1967، وأن قرار الإلغاء كان بعد مقابلة عاجلة جرت بين عبد الناصر والسفير السوفييتي، وهو ما يدل على أن خططنا كانت مكشوفة للسوفييت وأنهم تسببوا في حرماننا من فرصة كان يمكن أن تقينا الكثير بعد ذلك.

ويشير إلى التضارب بين عبد الناصر وعامر، وبين القيادات العسكرية بعضها البعض، ويتحدث عن وجود قيادة عليا مكونة من المشير وومحمد فوزي وشمس بدران، وقيادة عامة تضم رئيس العمليات وقادة القوات والأسلحة، وصدرت قرارات متضاربة من القيادة العليا سببت ارتباكاً في القيادة العامة، بل ويذكر أن أوامر بدء تحرك القوات صدرت يوم 15 مايو مباشرةً من القيادة العليا دون علم القيادة العامة!، ثم يتحدث عن مسألة الحشود الإسرائيلية على حدود سوريا لينفرد بأن المعلومة أتت لناصر من مصدرين: سوفييتي وبلغاري، وأن السوريين لم يكن لديهم معلومة أصلاً! وأن التهديدات الإسرائيلية لسوريا كانت عادة سنوية تتم عند الاحتفاق بقيام دولة العدو، وأنه لولا المعلومات التي وردت من السوفييت، لم تكن القيادة المصرية لتأخذها بجدية.

كما يتحدث عن الخطة الدفاعية الأصلية المعدة للدفاع عن سيناء وأنها كانت قاصرة ولا تشمل رفح وشرم الشيخ، وأن قواتنا – مع وجود ثلثي الجيش في اليمن - كانت عاجزة حتى عن تنفيذ هذه الخطة، بله الانتقال إلى الهجوم، وأنه عند آخر مراجعة للخطة عام 1966، وفي ضوء نقص القوات والمعدات والتجهيزات وتخفيض الميزانية، حذرت هيئة العمليات في تقرير رسمي من الاندفاع إلى مواجهة عسكرية مع العدو، ولو حتى بعمليات تعرضية صغيرة، وفي مناقشة مع الفريق فوزي قال الفريق أنه (مفيش حرب مع إسرائيل، لأن حالتنا الاقتصادية لا تسمح بذلك)، ورغم عرض التقرير على القيادات العليا، اندفعنا وحدث ما حدث!

ولأن الفريق القاضي كان في مرحلةٍ ما مسئولاً عن حملة اليمن، فيذكر أنه في أكثر من مناسبة كان يحث القيادتين السياسية والعسكرية على ضرورة الانسحاب من اليمن قبل التورط أكثر وأكثر في هذا الفخ، لكن دون جدوى.

وعندما ينتقل لسرد تفاصيل الحرب، ينكر معلومة الهجوم البري الذي سبق الضربة الجوية، ثم يتحدث عن ثبات القوات المصرية في مواقعها رغم عدم وجود غطاء جوي، ويذكر أنه في الساعة الحادية عشر والنصف من صباح يوم 6 يونيو أصدر عامر أمراً بالصمود في وجه العدو في خط الدفاع الثاني، ثم تغير الموقف وصدر قرار الانسحاب الأول الساعة الخامسة مساءً، وأن الانسحاب يكون إلى غرب القناة خلال ليلتين، وأنه جرت مناقشات مع المشير بأنه لا داع للانسحاب وأن الوضع العسكري لقواتنا ليس سيئاً إلى هذا الحد، ويذكر القاضي أن رد عامر هو أنه (قرار سياسي) يعني أنه صادر من عبد الناصر، وهذه الرواية تختلف بشكلٍ كبير عن رواية الفريق فوزي في شهادته.

ومن جملة العبث أن قائد الجيش في سيناء الفريق صلاح محسن استأذن عامر في قطع الاتصال بينه وبين القيادة لكي يتفرغ لتنفيذ الانسحاب، وأذن له عامر في ذلك! وبذلك أصبحت القيادة عمياء عن تحركات القوات في سيناء، ونتذكر هنا أن الفريق مرتجي قائد الجبهة لم يُخطر أصلاً بقرار الانسحاب في حينه.

في الحادية عشرة والنصف من مساء 7 يونيو - ثالث أيام الحرب – صدر قرار آخر بإلغاء الانسحاب الأول وإيقاف عبور القوات من الشرق إلى الغرب، وإعادة وحدات الفرقة الرابعة المدرعة إلى مواقعها في خط الدفاع في الممرات، وقد قرأنا في المصادر الأخرى الكارثة التي حدثت لهذه الفرقة.

أما اليوم الرابع فكان بمثابة الانهيار الشامل، فالاتصال مع الجبهة مقطوع، والأوامر متضاربة، والقوات تتعرض لمذبحة حقيقية، فأجمعت الآراء على الانسحاب، وصدر قرار الانسحاب الثاني، واكتملت الكارثة.

بعد ذك تأتي شهادة الفريق صلاح الدين الحديدي في كتابه (شاهد على حرب 67)، وقد قرأت الكتاب منذ فترة طويلة وأجده ضمن أفضل ما كُتب عن الهزيمة لأن كاتبه وإن كان رجلاً عسكرياً برتبة عالية، إلا أنه لم يكن في منصب يجعله مشغولاً بتبرئة نفسه، بقدر ما هو معني بعرض الأوضاع بموضوعية، أضف إلى ذلك توليه مسئولية المحاكمة العسكرية لقادة الهزيمة، مما جعله يطلع على العديد من التفاصيل، وإن كان انتقى منها – فقط للأسف - ما يرى أنه يصلح للنشر!

يحلل الحديدي وضع القوات المسلحة في سنوات ما قبل الحرب، ويرى أنها حبست نفسها في خانة رد الفعل، تتصرف طبقاً لتصرفات العدو وليس طبقاً لما تمليه عليها مطالب تأمين أراضيها، إلى درجة منع إجراء أي استطلاع جوي أو أرضي للمناطق التي يسيطر عليها العدو تجنباً لإثارته وأي أعمال انتقامية منه، والاكتفاء بالمعلومات غير الدقيقة – وأحياناً غير الصحيحية – من البدو الرحل!

أما الأوضاع الداخلية العامة للجيش فقد عرضها وانتقدها وانتقد الشللية وترقي أصحاب المصالح، وتحدث بالنقد عن عامر وشمس بدران ومحمد فوزي بما يوضح عدم صلاحية كل منهم لمنصبه، وانتقد تشكيل ما سُمي بالقيادة العامة للقوات البرية في إطار الصراع على النفوذ والذي أدى في النهاية لتضارب القرارات. والقسم الأكبر من الكتاب يعرض مسببات الهزيمة الداخلية للأسباب سابقة الذكر، بالإضافة إلى حرب اليمن، وتخفيض الميزانية، وانخفاض مستوى التدريب، وسوء توزيع الضباط، واعتبار الولاء قبل الكفاءة.

وفي فصلٍ آخر نجد شهادة أخرى للحديدي عن حرب اليمن، ومن ضمن ما أشار إليه موقف عدد من الطيارين السعوديين والأردنيين الذين لجأوا بطائراتهم إلى مصر تأثراً بالمد القومي الناصري، ومعارضةً لمواقف بلادهم المعارضة له، وكذلك موقف الملك سعود.

والفصل ليس به معلومات جديدة على المطلع على ملف حرب اليمن، والتي تثير مشاعر الأسى لكونها أحد أسباب قسوة الهزيمة في 67، وأيضاً لما خسرته مصر من مبالغ طائلة ما بين مصاريف الحملة من نقل للأفراد والمعدات ومرتبات إضافية وتكاليف لإنشاء المطارات والبنية التحتية ومؤسسات حكومية ومدارس ومستشفيات، بالإضافة إلى المبالغ التي كانت تُصرف لشيوخ القبائل، أضف إلى ذلك قيمة ما لا يقل عن نصف الأسلحة والمعدات والسيارات والمخازن وخلافه، والتي رؤي أن نقلها لمصر سيتكلف مبالغ باهظة، فُتركت هدية للحكومة اليمنية، ويحكي أنه أثناء انسحاب القوات المصرية تعرضت لمظاهرات صاخبة وتعدي وقُتل ما يزيد على مائة جندي مصري.

وينتهي الكتاب بفصل طويل يعرض فيه شهادة الفريق أول محمد فوزي في كتابه (حرب الثلاث سنوات)، والذي كتبت عنه كذلك مراجعة مستقلة على مدونتي هنا


مذكرات الفريق محمد فوزي (حرب الثلاث سنوات)

 


تحتل هذه المذكرات موقعاً هاماً بين مذكرات القادة العسكريين لموقع صاحبها الذي تولى منصب قيادة أركان القوات المسلحة منذ عام 1964، وليكون أحد القلائل الذين استمروا في مواقعهم بعد هزيمة 67، انتهاءً بتوليه وزارة الحربية، التي ظل فيها إلى أن استقال في مايو 1971، ثم قُبض عليه وحوكم في قضية مراكز القوى.

بدأ فوزي فصول كتابه باستعراض الأوضاع السياسية والعسكرية في السنوات السابقة على الهزيمة، ويُحمل المشير عامر وجوقته المسؤولية الأكبر عن تردي الأوضاع، بينما لا ينتقد ولي نعمته عبد الناصر. أما عن مسئوليته الشخصية، فنجده يؤكد من البداية أنه وجد نفسه بلا صلاحيات فعلية بعد أن استحدث المشير منصب (مدير الأركان) وألحقه بقيادته، وبعد استحداث قيادة القوات البرية، وحذوها حذو القوات البحرية والجوية في العيش في جزر منفصلة، ويذكر أنه قرر أن يستغل (وقت فراغه) في تلبية دعوات الزيارات لدول مختلفة!

من أهم ما عرض من أوجه القصور انشغال الجيش بالأمن على حساب العسكرية، وضعف مستوى التدريب، واعتبارات الولاء قبل الكفاءة، والأثر السلبي لحرب اليمن..إلخ، وكلها عوامل مشتركة في شهادات القادة العسكريين لهذه الفترة، لكنه ينفرد هنا بنفي معلومة تخفيض ميزانية القوات المسلحة في العام السابق للحرب، ويذكر بالأرقام أن الميزانية كانت رقماً ثابتاً 174 مليون جنيه لمدة ثلاث سنوات على التوالي للأعوام المالية 1965، 1966، 1967، وفي رأيي أن عرض الأمر بهذه الصورة قد يكون مضللاً، فالمتوقع أن تزيد الموازنة ولو بشكل طفيف كل عام نتيجة للمتغيرات الاقتصادية على الأقل، ناهيك عن استيعاب أي مشروعات جديدة، لكن تثبيت الرقم في حد ذاته هو دلالة على التخفيض، وفي الأغلب أن الموازنة الأصلية قُدمت بأرقامٍ أعلى فكان الرد أنه لن يمكن تدبير اعتمادات أعلى من العام السابق، فُخفضت لتستمر بنفس الرقم، وما أراه أن هذا النفي هو جزء من الرسالة التي يريد إيصالها بأن القيادة السياسية ممثلة في عبد الناصر لم تُقصر في تدبير متطلبات القوات المسلحة، والله أعلم.

ثم بدأ في استعراض الأحداث التي أدت لاندلاع الحرب، ويبدأ بالحديث عن قصة الحشود المزعومة على حدود سوريا، ويذكر هنا أن وزير الدفاع السوري أبلغ المشير عامر بحشد العدو 11-13 لواءاً على الحدود، وتتضارب شهادات القادة في هذه النقطة، ففي حين تُجمع الشهادات على كون الاتحاد السوفييتي أهم مصدر لهذه المعلومة، فإن بعض الشهادات تذكر أن المعلومة أتت من السوريين أنفسهم أيضاً، بينما بعضها يذكر أن السوريين كانوا يسألون المصريين عن مصدر هذه المعلومة وأنه لا صحة لها!، والبعض يذكر أن السوريين كانوا يثيرون قضية الحشود لدفع الأمور لحافة الحرب لمواجهة الضغوط الداخلية، بينما يصل الفكر التآمري لأبعد من هذا بكثير، ولكن في كل الأحوال، الثابت أن فوزي أُرسل إلى سوريا للإطلاع على الحقيقة بنفسه ولم يجد أثراً لهذه الحشود، لكنه استغل الزيارة للترتيب على التنسيق بين الجيشين والتأكيد على أن يقوم سلاح الجو بضرب العدو إذا بادر العدو بمهاجمة أي من الدولتين، وبالطبع لم يحدث هذا التنسيق على أرض الواقع، وكان فوزي في موضعٍ سابق قد أشار للقيادة العربية الموحدة وأنها كانت شعاراً أكثر منها حقيقة مُنفذة.

وفي كل الأحوال عاد فوزي لينقل الصورة لعامر، ومع هذا بدأ حشد الجيش لسيناء، ويذكر فوزي أنه اتضح له وجود رغبة مشتركة بين عبد الناصر وعامر لانتهاز أي ظرف دولي أو إقليمي لإلغاء تبعات حرب 1956 من وجود قوات دولية في شرم الشيخ، وعبور سفن العدو في خليج العقبة، ويذكر أن "عبد الناصر من جانبه كان يرى أن تحقيق هذا الهدف لا يصل إلى درجة الدخول في صراع مسلح مع العدو، بخلاف ما يهدف إليه المشير من الزج بالقوات المسلحة في صراع مسلح سريع مع إسرائيل" وهذا أيضاً في إطار تصوير عبد الناصر في صورة صوت العقل، بينما تصوير عامر في صورة المندفع بدون تفكير، وكأن قرارات مثل تحريك الجيش إلى سيناء وسحب قوات الأمم المتحدة كانت قرارات المشير وحده!، ولكن بغض النظر، فإنه من المفهوم والمجمع عليه وجود تضارب في القيادة، لكن من المفهوم أن يكون على مستوى التفاصيل، لكن ليس في الأُطر العامة.

تشير أغلب المذكرات إلى ضربة جوية مصرية استباقية كان مقرر لها فجر يوم 27 مايو 1967، ويُفهم من هذه المذكرات أن عبد الناصر لم يكن على علمٍ بها، وأنه أوقظ من نومه ليلة الهجوم وأخبره السفير السوفييتي بضرورة ضبط النفس وإلغاء هذا الهجوم، وعليه صدرت الأوامر بذلك، وتوحي هذه الرواية بمدى اختراق العدو والقوى العظمى لنا، ولكن لا يُتصور عقلاً أن يُقدم عامر على بدء الحرب فعلياً بدون علم عبد الناصر.

أما فوزي في كتابه هذا فيذكر أن اسم العملية أسد، وأن أمر الإلغاء صدر يوم 25 مايو بعد اجتماع القمة العسكري بمكتب المشير والذي حضره عبد الناصر، وفي نهاية الاجتماع انفرد ناصر بعامر نصف ساعة ليخرج المشير بعدها ويصدر أمراً بإلغاء الضربة.

ويخصص فوزي فصلاً للحديث عن أمرٍ مجمعٍ عليه في مذكرات جميع القادة وهو إخفاقات المخابرات الحربية ومعلوماتها الخاطئة فيما يتعلق بقدرات العدو وتمركز قواته ومدى طيرانه، وكلها أثرت على متخذ القرار، والعجيب أن قائد المخابرات الفريق صادق ظل في موقعه بعد كل هذا، وبمتابعة تقارير المخابرات اليومية نجد أنها كلها خطأ منذ اليوم الأول، وأنها تكرر أسطورة الحشود على الجبهة السورية، ثم تتحدث عن حشود للعدو جهة المحور الجنوبي، وهو ما أدى لاتخاذ قرار نقل أغلب القوات المصرية لمواجهة هذه الحشود المزعومة، ليبقى المحور الشمالي الذي تم منه الهجوم الفعلي مخلخلاً وضعيفاً، وكان التقرير الوحيد الصحيح بتاريخ 3 يونيو بعد استطلاع جوي للجبهة تبين منه عدم وجود حشود بالمحور الجنوبي، ومع هذا لم تغير القيادة وضع القوات التي كانت قد أُنهكت بالفعل من كثرة التحركات في كل الاتجاهات. وأجب أن أنقل هنا تقرير المخابرات يوم 2/6/1967 والذي يقول بالنص: "إن إسرائيل لن تُقدم على عمل عسكري تعرضي، وإن الصلابة العربية الراهنة ستجبر العدو بلا شك على أن يُقدر العواقب المختلفة المترتبة على اندلاع شرارة الحرب في المنطقة"، وكما نرى، فإن هذا التقرير لا يعدو كونه كلاماً إنشائياً وخطابياً، بخلاف كونه عارياً عن الصحة، ومما يثير الأسى تأثيره المدمر على القوات المسلحة، فيذكر فوزي أن المشير أمر بتوزيعه على جميع القوات حتى مستوى القادة الأدنى، ومن الواضح أن هذا الأمر زاد من حالة الاسترخاء في صفوف الجيش وإيمانهم بأن الحرب مستبعدة، والعجيب أنه في نفس اليوم كان الاجتماع الشهير الذي حضره عبد الناصر وأخبر فيه الحضور أن العدو سيهاجم في الأغلب يوم 5 يونيو، ولم يُبلغ هذا التحذير لأحدٍ خارج القاعة!

بقى في هذا الفصل أن أشير لطريقة انتقال المعلومة من مركز المعلومات الأمامي للمخابرات الحربية على الجبهة، فهي تُبلغ لمكتب وزير الحربية شمس بدران للإطلاع عليها، ثم تُرسل للقوات الأمامية في سيناء، وهو أسلوب عقيم وغير سليم وقت الحرب ويؤدي لتأخير وصول المعلومة لمن يحتاجها في وقتها.

بعد ذلك انتقل لوصف تفاصيل المعركة، وتحدث عن الإنذار الأول من محطة مخابرات العريش الذي وصل لمكتب المخابرات بوزارة الحربية ولم يُبلغ في حينه للوزير لأنه لم يكن موجوداً، والإنذار الثاني  هو الإنذار الشهير من الفريق عبد المنعم رياض (عنب عنب عنب)، ولا نقول أن مجرى التاريخ كان سيتغير إذا وصلت المعلومات في وقتها، ولكن ربما لم تكن الهزيمة لتكون بهذا الإذلال، وربما لم يكن سلاحنا الجوي ليتدمر كليةً.

يذكر فوزي أن العدو تدرب لمدة 10 سنوات على خطة ضرب الطيران (الخطة كولمب)!، وأن طيران العدو هاجم منطلقاً من 5 مطارات رئيسية بكامل قاذفاته (164 طائرة) على نسقين، وفي حين يذكر الفريق مرتجي أن العدو هاجمنا بكامل قواته الجوية وترك 12 طائرة فقط للدفاع عن إسرائيل، ينفرد الفريق فوزي ليحدد الطائرات الموجودة للدفاع ويذكر أنها كانت طائرات أمريكية قامت بعمل مظلة جوية فوق الأرض المحتلة، كما يذكر أن محطة عجلون رصدت طلعات جوية من حاملة الطائرات الأمريكية، وهي معلومات هامة وتحتاج للتدقيق، وبخلاف ذلك، يُفصل فوزي دور السفينة ليبرتي في التشويش على اتصالاتنا اللاسلكية، ودورها كذلك في مساعدة وتوجيه طائرات العدو للوصول لأهدافها.

ينفرد فوزي كذلك في مذكراته بجزء من خلفيات قرار الانسحاب،  فيذكر أن عامر استدعاه مع رئيس هيئة عمليات القوات المسلحة بعد ظهر يوم 6 يونيو طالباً إعداد خطة انسحاب في 20 دقيقة! وبدون مناقشة هرعوا لإعداد الخطة وعادوا إليه ليخبروه بالخطوط العريضة للخطة، والتي تلخصت بالانسحاب التدريجي للقوات بشكل تبادلي خلال أربعة أيام، فتهكم عليهم المشير وأخبرهم أنه أصدر أمر الانسحاب بالفعل. ومع وصف عشوائية الانسحاب، ورغم أن هذه المذكرات كُتبت بعد أكثر من 10 سنوات على هذه الأحداث، فإن فوزي يذكر أنه لا يعلم لمن أبلغ المشير قرار الانسحاب، ومن الذي بلغه للقادة في سيناء، وهذا أمر مستغرب أن يكون هذا الحدث الجلل الذي بالقطع خضع أطرافه لمئات الساعات من التحقيقات، وتظل العديد من أحداثه مجهولة، وستظل مجهولة طالما أننا لا نجد مصدراً لمعلوماتنا سوى المذكرات، في حين لا يملك مؤرخ أن يطلع على السجلات العسكرية ليكمل الصورة!

لا نجد تفاصيل كثيرة بعد ذلك فيما يخص المعركة في سيناء، والتفاصيل الأكثر نجدها في مذكرات بقية القادة، ولكن فوزي يدعي – والله أعلم – أن عامر اتخذ قرار الانسحاب الأول دون أخذ رأي عبد الناصر. ويخبرنا فوزي بأن عامر غادر القيادة إلى الأبد يوم 8 يونيو وطلب منه أن (ياخد باله من القوات المسلحة)، ثم أخبره شمس بدران أنه وعامر سيستقيلا وكذلك كل كبار القادة، ليتركوا للقيادة السياسية حرية الحركة في المرحلة القادمة، وتخبرنا مذكرات قادة آخرين كالفريق مرتجي أن فوزي كان مهتماً بجمع استقالاتهم لكنه لم يقدم استقالته  وأنه كان على تواصل مستمر بسامي شرف بما يوحي بوضعٍ تآمري، ونجد أن فوزي مر بالأمر في مذكراته بطريقة الاستعباط، فلماذا لم يقدم استقالته بصفته هو أيضاً من كبار القادة، بل ثاني رتبة في هرم القيادة العسكرية، وكأن وصية عامر له كتكليف بالبقاء مثلاً!

بعد ذلك يخبرنا عن تكليف ناصر له بمهام القائد العام للقوات المسلحة، ثم نهاية مرحلة الصراع على السلطة بين ناصر وعامر، والدعم العربي والسوفييتي عقب الحرب مباشرةً، والتوجيه الاستراتيجي من عبد الناصر أن هدف المرحلة القادمة هو إعادة بناء القوات المسلحة بحيث تصبح قادرة على استعادة الأرض والوصول لخط الحدود، مع تحديد فترة 3 سنوات لتحقيق هذا الهدف. وأعتقد أن هذه المرحلة هي المرحلة الحقيقية التي تستحق الفخر في مسيرة فوزي المهنية، وفي مسيرة كل الرجال الذين بذلوا الجهد والعرق والدم في سبيل إعادة بناء الجيش، والصمود في وجه العدو المتغطرس، والإعداد لحرب التحرير، ويستغرق الجزء الذي عرض فيه تفاصيل إعادة بناء الجيش وبعض أحداث حرب الاستنزاف أكثر من نصف الكتاب، مع وجود بعض التكرار لبعض الأحداث من حينٍ لآخر.

تكرر في الكتاب الحديث عن الدعم السوفييتي لمصر، ويخبرنا فوزي أن الاتحاد السوفييتي بدأ جسراً جوياً لتعويض مصر عن خسائرها في الحرب من قبل وقف إطلاق النار، وأن هذه الأسلحة كانت بلا مقابل!، ثم يتحدث عن تعاونهم أيضاً في توفير احتياجات القوات المسلحة من الأسلحة المتقدمة وصواريخ سام للدفاع الجوي، ودور الخبراء والمستشارين الروس، وتواجد الأطقم السوفييتية من الطيران والدفاع الجوي للدفاع عن العمق لحين إكمال حائط الصواريخ الذي اكتمل الجزء الأساسي منه ونقل للجيهة قبل سريان هدنة مبادرة روجرز بسويعات، وفوزي في حديثه عن الدعم السوفييتي ينقل الإحساس للقاريء بعدم وجود أي مشاكل أو صعوبات، وهو ما يتناقض مع رحلات ناصر المتكررة لهم ومن بعده السادات طلباً للسلاح.

وتكررت في شهادة فوزي الإشارة إلى أن القوات المسلحة في عام 1970 كانت قد استكملت الاستعدادات التدريبية ولديها السلاح والقوة البشرية الكافية لبدء العمليات العسكرية وتحرير سيناء بالكامل، وأنه كان من المخطط أن تبدأ الحرب في نوفمبر 1970 بعد انتهاء سريان الهدنة، ولكن وفاة عبد الناصر أجلت القرار، ويشير كذلك إلى مشروع الحرب (المناورات) الشاملة المقررة في سبتمبر 1970، والتي نُفذت فعلياً في مارس 1971، لاختبار قدرة القوات المسلحة على تنفيذ الخطة (جرانيت)، وكانت نتيجتها إثبات هذه القدرة، وننقل هنا بالنص الفقرة التالية من كتابه:

"إن قياس قدرات قواتنا مع قوات العدو في ذلك الوقت أواخر ۱۹۷۰ وأوائل ۱۹۷۱ كانت لصالح قواتنا عدداً وتسليحاً وكفاءة من قوات العدو في كل أفرع القوات المسلحة، وإن توقيت معركة التحرير وتنفيذ الخطط الموضوعة والتي تم التدريب عملياً عليها وهي الخطة جرانيت واستكمالها بالخطة ٢٠٠ الشاملة كان توقيتاً مخططاً وسليمًا .

وتبين لإسرائيل أن ميزان القوى في ذلك الوقت تحول إلى جانب مصر، فبدأت تعزز قواتها عام ۱۹۷۲ ، ۱۹۷۳ بتسليح أمريكي إضافي خاصة في قواتها الجوية والمدرعة كما ثبت ذلك في التقارير التي نشرت في أوائل عام ١٩٧٤ عن لجنة الكونجرس الأمريكي والتي زارت مصر وإسرائيل جاء فيه: (إن القوات الإسرائيلية دعمت بتسليح أمريكي خلال عام ۱۹۷۲، ۱۹۷۳ بمقدار يساوي - ٣٣٪ من قواتها العسكرية عام ۱۹۷۱، وكانت حصيلة المعونة العسكرية التي تلقتها إسرائيل عام ۱۹۷۲ فقط تساوي ٦٠٠ مليون دولار، وهي قيمة أكبر مما قدمه الرئيس نيكسون لإسرائيل خلال مدة رئاسته كلها، ومعظمها من طائرات الفانتوم والسكاي هوك وصواريخ شرياك وتوي وطائرات هليوكوبتر ضد الدبابات وأجهزة الكترونية متطورة)، وبذا تحول ميزان القوى لصالح إسرائيل ابتداءً من عام ۱۹۷۳، وهذا دليل آخر يؤكد أن توقيت المعركة مع إسرائيل في أواخر ۱۹۷۰ أو أوائل ۱۹۷۱ كان توقيتاً سليماً."

والحقيقة أن هذا الكلام ليس مستغرباً من صاحب غرض مثل الفريق فوزي، وهو يتناقض عقلاً مع حقيقة أن رئيس الأركان الذي عينه شخصياً ثم خلفه كوزير دفاع – الفريق محمد صادق – كان سبب خلافه الأساسي مع السادات رفضه لفكرة الحرب المحدودة، وإصراره على عدم بدء أي عمليات حربية قبل حصول مصر على العتاد العسكري اللازم لذلك، ويتناقض مع استمرار السادات في طلب السلاح من الاتحاد السوفييتي لاستكمال متطلبات القوات المسلحة، أضف إلى ذلك أنه لو كانت لدينا الإمكانية للتحرير الشامل منذ 1970، فلم انتظرنا حتى عام 1973، ولم خضنا حرباً محدودة لتحرير شريط بعرض 15 كم شرق القناة، ولم نحرر سيناء بالكامل؟! أضف إلى ذلك أن الفريق الشاذلي في شهادته ذكر أنه لم يجد عند توليه منصبه خطة تفصيلية لتحرير سيناء.

لهذا أعتقد أن هذا التصريح من فوزي أساسه الغرض لأسبابٍ مفهومة مرتبطة بالعلاقة مع السادات، ولكن من المستبعد كذلك أن يكون الكلام كله لا أساس له، لذا فإنه بجانب الحاجة إلى تدقيقه من خلال مراجعة مذكرات بقية قادة حرب أكتوبر 1973، فإنه من المقبول عقلاً وجود خطة تحرير ذات إطار عام، وهذه الخطة هي التي تتحدد على أساسها احتياجات القوات المسلحة لإمكانية تنفيذها، ومن المستبعد في الوقت ذاته أن تكون مصر كانت جاهزة فعلاً للحرب الشاملة في عام 1970، وخصوصاً ونحن لا نرى في هذه الفترة شواهد عن أي تنسيق مع سوريا أو بقية الدول العربية، ويبدو أن فوزي كان يريد أيضاً الاثبات أنه كان جاهزاً في الإطار الزمني الذي حدده له عبد الناصر، فكأنه نفذ الأوامر بدون مناقشة، كما نفذ أمر عامر حينما طلب منه إعداد خطة للانسحاب، بدون مناقشة كذلك!

وتبقى هذه المذكرات إحدى الوثائق الهامة التي تعرض مرحلة الهزيمة وحرب الاستنزاف من منظور أحد أهم المسئولين العسكريين في حينها، وعلى ما بها من تفاصيل، فإنه لا غنى للقاريء وللباحث عن مقارنة شهادة الفريق فوزي بشهادات غيره من القادة، والانتباه لدور الغرض وحظ النفس في هذه المذكرات، ومن الجدير بالذكر أن فوزي في الجزء المتعلق بتوليه مسئولية القوات المسلحة كان يعدد الانجازات وينسب أغلبها لقراراته وتوجيهاته، بعكس وضعه لنفسه في إطار الشاهد والمتفرج في مرحلة الهزيمة، وحقاً، فالنصر له ألف أب، أما الهزيمة فيتيمة!

الاثنين، 26 مايو 2025

قراءة لكتاب (الفريق مرتجي يروي الحقائق)


يعتبر هذا الكتاب من أكثر المذكرات التي قرأتها عن هزيمة يونيو تفصيلاً من وجهة النظر العسكرية، مع عرض الظرف السياسي العام المصاحب للحرب والمؤثر عليها، لا يكاد يباريه في ذلك سوى كتاب الفريق صلاح الدين الحديدي (شاهد على هزيمة 67)، مع كون الأخير أهدأ أسلوباً ونبرة، بسبب اختلاف موقع الكاتبين من الأحداث، فالأول كان في قلبها، وكان ممن تلطخ اسمه بعار الهزيمة وتحمل وزرها، حتى مع كونه ليس المسؤول المباشر عنها، لذا يجدر بالقاريء أن يعذر الكاتب وأن ينتبه لبعض الشطط الذي يُولده الشعور بالغبن، بالإضافة إلى رد فعل البشري الطبيعي الدافع لتبرئة النفس ودفع عار الهزيمة، فالنصر له ألف أب، والهزيمة يتيمة.

ولقد مررت بتفاصيل الهزيمة المؤلمة في كتابات العديد من القادة والضباط والجنود على السواء، ووصف كل منهم من موقعه مشهداً من مشاهدها. مررت بذلك في مذكرات بعض القادة كالشاذلي وعبد المنعم خليل وكمال حسن علي وطه المجدوب وغيرهم، كما اطلعت على شهادات الضباط والجنود، ككتاب الناس والحرب (لأسامة علي الصادق)، و(خطوات على الأرض المحبوسة) لمحمد حسين يونس، و(الأسرى يقيمون المتاريس) لفؤاد حجازي، وكان القاسم المشترك بينهم جميعاً هو وصف حالة الفوضى والتخبط وتضارب الأوامر والتحركات شمالاً وجنوباً وشرقاً وغرباً بما أنهك المعدات والجنود، إلى أن صدر قرار الانسحاب الكارثي!

تتميز هذه المذكرات بالتفاصيل التي عرضها الفريق مرتجي من موقعه كقائد للجبهة، والتي تضمنت عرض للأحداث بشكل يومي منذ اندلاع الأزمة في منتصف مايو 1967، وصولاً للعدوان والهزيمة وما جرى بعدها من أحداث، ويشمل هذا العرض الأحداث السياسية العامة وتفاصيل الأوضاع والتحركات العسكرية، مع ملخص تقارير المخابرات الحربية عن هذا اليوم.

يبدأ الكتاب بعرض وضع القوات المسلحة قبيل الحرب، حيث كانت أفضل وحدات الجيش بما يقارب ثلث قوة الجيش تقريباً متورطة في حرب اليمن التي أنهكت الجيش ولم تضف له خبرات جديدة، بل بالعكس خفضت من مستواه، فنمط المعارك أساسه حروب عصابات في مناطق جبلية بدون التعامل مع طيران معادي أو دفاع جوي أو مدرعات، وكل هذا عكس مسرح العمليات في سيناء تجاه عدونا الأساسي. وفي الوقت ذاته، عانى الجيش بشكل عام من تدني مستوى التدريب من المستويات الدنيا وصولاً للقيادات، وسوء الحالة الفنية للعديد من المعدات، وتخلف المعدات الواردة من الاتحاد السوفييتي عن مثيلتها المتواجدة مع العدو، وعدم توفر الكثير من قطع الغيار، مع تأثر الجيش سلباً من تراجع الوضع الاقتصادي العام للبلاد، والذي أدى للتوجه لتقليص حجم الاحتياطي العام للقوات المسلحة، كما أدى لعدم إمكانية تنفيذ العديد من المتطلبات الدفاعية، ومن أهمها طلبات القوات الجوية التي كانت في احتياج لتجهيز دشم ووسائل حماية للطائرات بالإضافة لحاجتها لزيادة عدد المطارات لمنع تكدس الطائرات، بالإضافة لتخفيض ميزانية القوات المسلحة في العام السابق للحرب، وكل هذه ظروف فنية تحد من فاعلية الجيش وقدرته.
وبخلاف المشاكل الفنية، فقد تعرض لمشكلاتٍ خطيرة أخرى، تتلخص في الوضع العام للمؤسسة العسكرية التي قادها عامر لمدة 15 عاماً بدون أن يكون مؤهلاً لهذا المنصب، وقد أشار للحقيقة المعروفة لتقديم الولاء على الكفاءة والتي أدت لغياب الضبط والربط داخل القوات المسلحة اعتماداً على كون الضابط – حتى لو صغرت رتبته – على صلة بالمشير أو بأحد المنتفعين المحيطين به، وبالتالي كان من الطبيعي أن تجد بعض القيادات والرتب العليا تتزلف لرتبٍ أدنى منها لقربها من مراكز القوى، أضف إلى ذلك أن الجيش كان إحدى ساحات صراع القوى بين عبد الناصر وعامر، وفي حين أصر ناصر على تعيين محمد فوزي رئيساً لأركان حرب القوات المسلحة على غير رغبة عامر، فقد عمد عامر إلى اختراع قيادة جديدة باسم (القيادة العامة للقوات البرية) تحت قيادة الفريق مرتجى، الذي كان في الوقت ذاته قائداً عسكرياً وسياسياً لجبهة اليمن، وقد كانت الأسلحة الأخرى (القوات البحرية والجوية) تعيش وكأنها ممالك مستقلة بغير سيطرة حقيقية من قيادة الأركان، الذي سعى – حسب قول مرتجي -  لبسط سيطرته المباشرة على قيادة القوات البرية ليصبح مرتجي بلا صلاحيات حقيقية، ويجدر بنا أن نذكر أن الفريق فوزي في مذكراته يذكر رواية عكسية، وهي أنه منذ تعيينه رئيساً للأركان على غير هوى من المشيرالذي عين مرتجي قائداً للقوات البرية، واستحدث منصب (مدير الأركان) وعين به اللواء علي عبد الخبير، وجد فوزي نفسه بدون صلاحيات!

وليست كل هذه الأجواء ببعيدة عن كون عبد الناصر بطبيعته التآمرية ووصوله للسلطة من خلال انقلاب، متخوفاً بدوره من حدوث انقلاب الجيش عليه، وقد كانت الحرب بين ناصر وعامر حرباً في انتزاع السلطات والصلاحيات، لم تؤثر على القوات المسلحة فقط، بل على البلد ككل. وفي المجمل، فإن مرتجي يؤكد أن السلطة السياسية لم توفر العوامل التي تسمح للجيش بتحقيق أي نصر.

بخلاف العوامل الداخلية، يمر مرتجي بالوضع الدولي العام، ويشير إلى سوء علاقة مصر ببقية الدول العربية وحتى مع الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة، وكلها عوامل تؤثر بالسلب على الوضع السياسي والاقتصادي وبالتالي الوضع العسكري. وكل العرض السابق للأوضاع الداخلية والخارجية هو بغرض بيان أن إقدام القيادة السياسية على المغامرة واتخاذ قرارات تدفع الأمور دفعاً في اتجاه الحرب، بينما القوات المسلحة في وضعها هذا غير مؤهلة لخوضها، هو خطأ لا يُغتفر.

يبدأ الفريق مرتجي بعد ذلك في عرض الأحداث بدايةً من 14 مايو 1967، حين دار الحديث عن الحشود الإسرائيلية المزعومة على الحدود السورية، والتي كانت كرة الثلج التي تسارعت بعدها الأحداث لتصل لنهايتها المأساوية.

لقد كان مصدر المعلومة المغلوطة هو الاتحاد السوفييتي، بجوار النظام السوري نفسه، وقيل في تفسير ذلك أن النظام السوري كان بحاجة للتلويح بوجود تهديد خارجي للتغلب على اضطرابات داخلية بسوريا تهدد النظام، أما الاتحاد السوفييتي، فقد كان يراقب تهديدات إسرائيل للنظام السوري وأنها لن تقف مكتوفة الأيدي طويلاً أمام العمليات الفدائية الفلسطينية المنطلقة من الأراضي السورية، وبالتالي أراد السوفييت حماية النظام الحليف لهم من السقوط من خلال دفع مصر لتحريك قواتها بشكل يردع إسرائيل!

بالرغم من تفقد الفريق فوزي للجبهة السورية بنفسه وعدم رؤيته لأي حشود وإبلاغه القيادة السياسية والعسكرية بذلك، إلا أن النظام أصر على المضي في طريقه بدعوى دعم سوريا، فبدأ تدفق القوات والمعدات إلى سيناء، واستدعي الاحتياطي على عجل وبدون ترتيب، لدرجة أن منهم من وصل لمواقعه بثيابه المدنية. وكان تفسير هذا الاندفاع هو رغبة نظام عبد الناصر في تغيير الأوضاع السارية في سيناء والبحر الأحمر منذ نهاية العدوان الثلاثي عام 1956.

وأنتقل هنا لاستطراد مستقى من كتاب (تحطيم الآلهة) لعبد العظيم رمضان لكي نتناول وضع هذه المنطقة منذ نكبة 1948، فخلال النكبة، سارع اليهود لاحتلال أم الرشراش وتحويلها إلى ميناء سمته إيلات ليكون لهم منفذ على خليج العقبة، ولكن حكومة الوفد عام 1950 قد وجهت القوات المصرية للتمركز في جزيرتي تيران وصنافير، بالإضافة لتواجد قوات عسكرية في رأس نصراني للتحكم في المضيق بشكلٍ كامل، ثم أمرت بإغلاق مضيق تيران في وجه الملاحة والتجارة الإسرائيلية لتفرض عليها حصاراً بحرياً في البحر الأحمر يجعل اغتصابها لأم الرشراش بدون فائدة. وظل هذا الحصار مفروضاً حتى عام 1956، وبعد انتهاء الحرب وبدء ترتيبات انسحاب القوات الإسرائيلية من سيناء، وتواجد القوات الدولية التابعة للأمم المتحدة على خطوط الهدنة وفي شرم الشيخ، اشترط العدو السماح لسفنه بعبور خليج العقبة، وقد قبل النظام المصري بهذه التسوية – التي لم يعلم عنها الشعب المصري شيئاً – لعجزه عن إخراج العدو من سيناء بالقوة، وقد صرحت جولدا مائير بأن أي إغلاق لخليج العقبة في وجه إسرائيل سيكون بمثابة إعلان للحرب، وظل هذا هو الوضع حتى عام 1967، والذي كانت إذاعات الدول العربية المعادية لعبد الناصر تسخر منه، بما مثل عبئاً عليه لأنه يمس صورته كزعيم!

لذلك وجدت القيادة السياسية في حشد القوات المصرية في سيناء وسيلة لتغيير هذا الوضع، لكن التحركات العسكرية استدعت أن تطلب مصر من القوات الدولية سحب بعض قواتها من مواقعها، لتجيب الأمم المتحدة بأن القوات الدولية إما أن تؤدي مهامها بشكلٍ كامل أو تنسحب بشكلٍ كامل، فيطلب النظام المصري سحب القوات، ثم يشعر أنه قد تسرع فيطلب بقاءها لكن بعد أن يكون السهم قد انطلق بالفعل، فتنسحب القوات الدولية وتتجه القوات المصرية لاحتلال مواقعها، ومن ضمنها شرم الشيخ، لتتطور الأحداث من جديد لغلق مضيق العقبة في وجه سفن العدو.

عندما بدأ حشد القوات عُين الفريق مرتجي قائداً للجبهة، ومع ذلك فإنه طوال المذكرات أكد أنه كان قائداً بالإسم فقط، فمع وجوده داخل مركز القيادة المتقدم داخل سيناء، إلا أن كل تحركات القوات كانت بيد القيادة العامة في القاهرة، وحتى قيادة الجيش الميداني في سيناء كانت تتلقى تعليماتها من القاهرة رأساً من قيادة غير متواجدة بمسرح الأحداث، ويتضح من خلال السرد للأحداث اليومية مدى تخبط وارتجال القيادة، وبالرغم من وجود خطة مُعدة للدفاع عن سيناء باسم (قاهر)، إلا أن القيادة أخذت في تحريك الفرق والألوية من الشمال والجنوب، ومن الشرق إلى الغرب، بما يخالف هذه الخطة تماماً، بل وسحبت وحدات من بعض الألوية لتدعم بها ألوية في أماكن أخرى، تاركة وحداتها الأصلية بدون فاعلية، هذا إلى جانب ضعف المخابرات الحربية وعدم قدرتها على الحصول على معلومات دقيقة عن قدرات العدو وحشوده، وينتقدها مرتجي انتقاداً مريراً ويصرح بأن جهدها الرئيس كان موجهاً للتجسس على الضباط ومراقبتهم لضمان أمن النظام، وأن المخابرات فشلت في تحديد موعد هجوم العدو، ولم تعلم بشأن القنابل التي أعدها العدو لتدمير ممرات المطارات، وأعطت معلومات خاطئة عن مدى طيران العدو، فلم يضع الجيش في حسبانه أن طيران العدو قادر على تخطي محور القناة ومهاجمة بقية مطارات الجمهورية. أما القيادة، فقد انساقت وراء خطة الخداع والمعلومات المغلوطة التي سربها إليه العدو، فصار على عقيدة بأنه لو حدث هجوم من العدو، فإنه سيكون بشكل رئيسي في اتجاه المحور الجنوبي، وبالرغم من أن الاستطلاع الجوي بين أن قوات العدو المتواجدة إزاء المحور الجنوبي أضعف من أن تمثل خطراً، فقد ظل المشير مصراً على قناعته، ولهذا عمد على التركيز على سحب قوات من الشمال لدعم هذا المحور، ليُفاجأ في النهاية بأن العدو ركز هجومه على الشمال والوسط!

وفي إطار انتقاده للقيادة السياسية وتدخلها في تفاصيل الشأن العسكري على حد قوله، يشير إلى أنه كان من المقرر عمل ضربة جوية استباقية لمطارات العدو يوم 27 مايو، لكن أُلغي الأمر، ولكن بمراجعة الروايات الأخرى عن هذه الضربة، نجد أن عبد الناصر قد أمر بإيقافها بعد أن جاءته تحذيرات مباشرة من الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة من مغبة هذا العمل الذي كانت إسرائيل قد علمته بالفعل من أحد مصادرها، والمدهش أن عبد الناصر لم يكن على دراية بها أصلاً! وهو ما يعني أن عامر كان سيبدأ الحرب بضربة جوية، بينما قواته البرية ليست عندها خطة هجومية أصلاً، ولم تستكمل بعد انتشارها في مواقعها الدفاعية!


أشار مرتجي إلى أنه رغم أن طبول الحرب كانت تدق بقوة، إلا أنه إلى أن وقعت الواقعة، كان الظن المسيطر على جميع القيادات هو أن العدو لن يجرؤ على الهجوم، وإن هجم فإن هجومه لن يكون أكثر من عملية محدودة! وبالطبع فقد كان لهذا التصور أثره السلبي على مدى الجدية والقدرة على التصرف العسكري السليم، كما ذكر الرواية المعروفة لاجتماع عبد الناصر بالقادة في 2 يونيو، وتصريحه بأنه يتوقع أن ينفذ العدو ضربة جوية يوم 5 يونيو، وطلبه من قائد القوات الجوية أن يستعد لهذه الضربة، واعتراض قائد القوات الجوية وطلبه أن تكون مصر هي المبادرة للهجوم، لكن ناصر وعامر أصرا على أن مقتضيات السياسة تمنع أن تكون مصر المبادرة، وأكد ناصر على أن على الجيش أن ينفذ طبقاً لمقتضيات السياسة، وهو ما انتقده مرتجي في كتابه حيث أشار أن التوجيه بالاستعداد لمواجهة الضربة وامتصاصها لا معنى له في ظل عدم وجود استعدادات من دشم للطيارات ووسائل إنذار ودفاع جوي كافية أصلاً، بالإضافة لنقص عدد الطيارين المصريين، علماً بأن القوات الجوية للعدو كانت تفوق قواتنا في عدد المطارات والطيارين، ناهيك عن قدرات طائراتها الفانتوم والسوبر ميستير في مقابل الميج والسوخوي. ويذكر مرتجي أنه لم يحضر هذا الاجتماع، وأن ما دار به لم يخرج عن حدود الحاضرين، ولم يُبلغ القادة الميدانيين، ولم تُتخذ بناءً عليه أي استعدادات خاصة!

وقعت الواقعة بتفاصيلها المعروفة، وتسببت الضربة الجوية للعدو في تدمير 90% من القوة الجوية المصرية، بالإضافة لتدمير ممرات المطارات، واستشهد بعض الطيارين المصريين الذين قاموا بعمليات انتحارية ضد العدو. أما القوات المحتشدة في سيناء، فقد فوجئت بأن الهجوم الرئيسي قد جاء من الشمال والوسط، وكانت أغلب القوات المتمركزة هناك من قوات الاحتياط ضعيفة التدريب. قاومت القوات قدر استطاعتها، كما قاومت القوات القليلة الموجودة في قطاع غزة وقاتلت حتى آخر طلقة، وسقطت دير البلح وغزة وخان يونس ورفح، وكانت القوات تحارب تحت سماء مكشوفة يصول ويجول فيها طيران العدو دون أن يجد من يردعه.


ويقول الفريق مرتجي: "بعد الحرب سألت المشير عامر عن سبب عدم الأخذ بوجهة نظر الجمهورية بميعاد نشوب القتال...وكان رده بأنه لا يعرف في عبد الناصر أنه كاهن أو أن الوحي ينزل عليه، أو أن عنده من صفاء الروح والشفافية ما يجعله يتنبأ مستقبلاً بالأحداث، وأنه سبق وتنبأ في عام 1956 وبعد تأميم قناة السويس بأن الموقف الدولي لن يسمح للإنجليز والفرنسيين أن يشنوا هجوماً على مصر بسبب هذا التأميم، وكان هذا التنبؤ ضد رأي المخابرات الحربية التي تجمع لديها من المعلومات عن تحركات الإنجليز والفرنسيين ما يوحي بأن الهجوم على مصر مرجح جداً بل أنه مؤكد" ثم يضيف عامر "وهل يُعقل إن كان الرئيس عبد الناصر واثقاً من وقوع الحرب يوم 5 يونيو أن يسمح للوفد العراقي برئاسة رئيس الوزراء العراقي ومعهم حسين الشافعي بزيارة القوات العراقية على الجبهة معرضاً حياتهم للخطر؟ وهل يُعقل إذا أخذت رأي الرئيس بأنه حقيقة أن أطلب من جميع القادة في سيناء أن ينتظروني في مركز القيادة المتقدم في سيناء يوم 5 يونيو وأن أعرض أنا الآخر حياتي ومعي قائد الطيران والقادة الآخرين للخطر؟!"

وهنا ننتقل لنتكلم عن الموقف السوري، فبالرغم من التصعيد الحادث منذ منتصف مايو بسبب دعوى وجود حشود للعدو على الحدود السورية أساساً، وعلى الرغم من استدعاء الاحتياط وحشد الجيوش في مصر وإسرائيل، فإن النظام السوري كان رد فعله على النقيض، وعندما حلت الكارثة في الساعة التاسعة من صباح 5 يونيو، يذكر الفريق مرتجي أن "مصر والأردن اتصلتا بالسوريين طالبة مساعدة الطيران السوري في المعركة، وكان الرد السوري من أغرب الردود التي يمكن أن يتوقعها الإنسان من دولة ترى أن هناك خطراً يقف على أبوابها ويتطلب إعداد قوات بصفة دائمة لمقابلة اندلاع هذا الخطر في أي وقت، فقد ردوا بأنهم بوغتوا بالأحداث، وأن مطاراتهم ليست مستعدة، وأن طائراتهم تقوم برحلة تدريبية، وطلبوا مهلة نصف ساعة، ثم طلبوا ساعة، وفي العاشرة والدقيقة الخامسة والأربعين كرروا نفس الطلب، وكان من نتيجة الاستمهال المتكرر من جانب السوريين أن أضاع تدخل الطيران السوري فرصة ذهبية كان يمكن أن تنتهز لقلب الموقف لمصلحة العرب، إذ كان من الممكن اعتراض الطائرات الإسرائيلية وهي في طريق عودتها إلى قواعدها بعد قصف القواعد المصرية، وقد فرغت خزاناتها من الوقود ونفدت ذخيرتها، أو مهاجمة هذه الطائرات وهي جاثمة في مطاراتها تملأ خزاناتها استعداداً لشن هجمات جديدة". ويؤكد الفريق مرتجي على أنها كانت فرصة ذهبية بالفعل لأن العدو اتخذ قراراً في منتهى الجسارة، فقد خصص كامل قواته الجوية تقريباً للضربة الجوية التي دمر بها الطيران المصري، وترك 12 طائرة فقط للدفاع عن إسرائيل!

وقد استمر تقاعس النظام السوري على الجبهة الأردنية أيضاً، فقد كان الفريق عبد المنعم رياض موفداً هناك لقيادة القوات العربية المشتركة، ليجد نفسه في النهاية قائداً للقوات الأردنية فقط، وبنى خطته الدفاعية عن الضفة الغربية بتحريك لواء أردني من شمال الضفة لجنوبها للدفاع عن الخليل، وتثبيت لواء للدفاع عن القدس، والدفاع عن شمال الضفة من خلال لواء سوري، والذي لم يصل حتى بداية الحرب، ولما استعجل الفريق تحرك اللواء، تحرك اللواء ببطء بدعوى التجهيز واستكشاف الموقع، إلى أن اجتاح العدو الضفة وسقطت بالفعل، فعاد اللواء دون أن يفعل شيئاً!

أما الأنكى فهو موقف القوات السورية على جبهتها نفسها، فلم تحدث عمليات هجومية من جانب القوات إلا عمليات محدودة على مستوطنة للعدو، وعندما انتهى العدو من جبهتي سيناء والضفة، استدار للجولان، ورغم كون الخطوط الدفاعية السورية في الجولان من أقوى الخطوط الدفاعية، فقد انهار الدفاع السوري وانسحب بسرعة، وأذاعت إذاعة دمشق سقوط مدينة القنيطرة قبل وصول العدو لها بالفعل بأكثر من ساعتين!، ولما وصلت هذه الأخبار لبقية القوات انهارت وانسحبت تاركة وراءها معداتها وآلياتها ومحركاتها لا زالت تدور!

ونعود لسيناء، فعلي الرغم من الخسائر في الأرواح والمعدات، والهرج والمرج وتقدم العدو وتراجع بعض الوحدات، فقد صمدت وحدات أخرى في أماكنها وقاتلوا حتى الاستشهاد، أما في القيادة العامة في القاهرة، فقد كانت المعركة تُدار بواسطة المشير والمجموعة المحيطة به، وهم ليسوا فقط بعيدين عن مسرح الأحداث، بل أيضاً مفتقدين للخبرة والكفاءة التخطيطية، بل وحتى قوة وثبات الأعصاب.

ويذكر الفريق مرتجي أنه تواصل مع المشير يوم 6 يونيو وأخبره بأنه بالرغم من فقدان القوة الجوية وبالرغم من خسارة ما يقرب من خُمس القوات البرية، فإن الموقف لا يزال مطمئناً، وأنه من خلال المناورة بالقوات والتمركز عند خط الدفاع الثاني وتجنب المساحات المكشوفة المعرضة لخطر طيران العدو، يمكن لقواتنا أن تثبت وتوقف تقدم العدو، لحين وصول طيارات من الدول الصديقة، وخصوصاً أن أغلب الطيارين المصريين ما زالوا أحياء، وعرض عليه مقترح التحركات تفصيلياً فوافق عليه المشير، وأُبلغ قائد الجيش الميداني بهذا القرار واتفق معه بأن هذا أفضل ما يمكن عمله في الوضع الحالي. ومع ذلك، انهار المشير عامر مرةً أخرى، وأصدر أمر الانسحاب، والذي يذكر الفريق مرتجي بكل مرارة أنه علم بهذا الأمر بالصدفة، وبعد أن بدأ الانسحاب بالفعل، حيث فوجيء بمدير الشرطة العسكرية يصل لمركز القيادة المتقدم داخل سيناء ويسأل الفريق والقادة المتواجدين معه عن سبب وجودهم بالمقر حتى الآن، في حين أن الأوامر صدرت بالانسحاب وبقية القادة عبروا القناة بالفعل!

وعن كواليس قرار الانسحاب، ننتقل لكتاب (تحطيم الآلهة)، حيث يخبرنا نقلاً عن مذكرات الفريق فوزي بأن عامر استدعاه مع مدير عمليات القوات المسلحة بعد ظهر يوم 6 يونيو طالباً إعداد خطة انسحاب في 20 دقيقة! وبدون مناقشة هرعوا لإعداد الخطة وعادوا إليه ليخبروه بالخطوط العريضة للخطة، والتي تلخصت بالانسحاب التدريجي للقوات بشكل تبادلي خلال أربعة أيام، فتهكم عليهم المشير وأخبرهم أنه أصدر أمر الانسحاب بالفعل. أما مهمة الابلاغ للقادة في سيناء، فقد تمت بشكل عشوائي من خلال مجموعة الضباط المحيطة بالمشير كشمس بدران وعلي شفيق، وبدون أي مراعاة لأي تدرج قيادي، وكما ذكرنا سابقاً، فإن قائد الجبهة نفسه لم يُخطر بالقرار في حينه، غالباً لأنه كان سيعترض عليه.

ويؤكد مرتجي بأن قراراً بحجم قرار الانسحاب لا يمكن أن يكون صادراً من القيادة العسكرية بشكلٍ منفرد، وأنه لابد من موافقة القيادة السياسية، ويذكر الروايات المختلفة في هذا الصدد وحديثه مع عبد الناصر وعامر بعد الحرب، وتأكده من أن القرار عُرض على عبد الناصر قبل تنفيذه. لكن حتى هذا التأكيد لا ينفي حقيقة أن التنفيذ الكارثي للقرار هي مسؤولية عامر وحده.

ويذكر الفريق مرتجي أنه بعد الحرب سأل المشير عامر عن سبب العدول عن فكرة الدفاع والصمود في المضايق حسب الاتفاق، وأنه كان بإمكاننا الثبات لأسابيع يمكن خلالها تدخل المحافل الدولية للحل بدلاً من ضياع سيناء كلها. وأجاب المشير بأنه بعد تدمير قواتنا الجوية وتقدم العدو على المحورين الشمالي والأوسط، خشي أن تُحاصر قواتنا المسلحة وتُعزل ويُقضى عليها تماماً، ولذلك أصدر أمر الانسحاب بالأسلحة الشخصية الخفيفة، فالمعدات يمكن تعويضها، أما الفرد المقاتل فيحتاج سنوات طويلة لتعويضه، وأما الأرض، فلابد لنا من جولة أخرى مع العدو. فكرر عليه الفريق مرتجي بأن الموقف لم يكن بهذه الصورة القاتمة، وكان من الممكن إعادة تعديل وضع قواتنا والمناورة بها كما ذكرنا سابقاً، ثم أخبره بأدب بأن الصورة التي وُضعت أمامه كانت مشوهة، وأن زحاماً من المعلومات كان يصله بدون تقييم ودون تعليق، ولم تُقدم مشورة سليمة من هيئة الأركان المحيطة به...إلخ، وقابل عامر هذا الكلام كله بالصمت، وكأنه يقر التحليل الصادر من مرتجي.

يذكر الفريق مرتجي بكل مرارة أن قرار الانسحاب كلفنا 90% من معداتنا، بخلاف خسائر الأفراد من شهداء وأسرى، ثم يتحدث عن كارثة الفرقة الرابعة المدرعة أفضل الفرق والمسماة بجوهرة الجيش، التي شملها قرار الانسحاب، ثم أُمرت بعبور القناة مرة أخرى والعودة لسيناء للدفاع عن المضايق كما كان مقرراً لها طبقاً لتعليمات عبد الناصر الذي غضب من انسحاب هذه الفرقة، وفي طريق عودتها هذه دمرها طيران العدو. وفي حين يحلل عبد العظيم رمضان في كتابه هذه النقطة ويستنتج أن عبد الناصر حين أمر بثبات الفرقة في موقعها للدفاع عن المضايق لم يكن يعلم أنها غادرت سيناء بالفعل، ولم يخبره عامر بذلك ولم يناقشه بل أصدر الأمر بعودتها، فوقعت الكارثة!





وفي حين يلاحظ المطلع على كتاب عبد العظيم رمضان أنه في تحليله للأمور ومع تحميله عبد الناصر المسؤولية، إلا أنه كثيراً ما يلتمس له العذر، بينما يصب جام انتقاداته على عامر، فإن الفريق مرتجي في كتابه يصب جام غضبه على الاثنين، مع تحميل عبد الناصر النصيب الأكبر، والحديث عن عامر بشكل أكثر أدباً، ومع الاثنين، يوجه سهام الانتقاد ل(مراكز القوى) دون أن يحددهم، ويُفهم من سياق الحديث أنهم نفس مراكز القوى التي أطاح بها السادات، أي المجموعة التي كانت محيطة بعبد الناصر ومحسوبة عليه، في حين أن المجموعة المحيطة بالمشير عامر وعلى رأسها شمس بدران كانت في حد ذاتها مراكز قوى وسبباً مباشراً من أسباب الكارثة. وقد انتقد مرتجي شمس بدران بشكلٍ عابر وتحدث عن قلة خبرته وسوء تقديره وضرب مثلاً بعدم تمييزه بين الحقائق والمجاملة في اجتماعه مع السوفييت قبيل الحرب، ومخازي شمس بدران معروفة ولا تحتاج لمزيدٍ من التفصيل، وهنا أستطرد لأشير لمشهد معبر من كتاب (كنت نائباً لمدير المخابرات) لعبد الفتاح أبو الفضل لنبين مدى التأثير السلبي لهذه القيادة البائسة على عموم الضباط، فقد ذكر أبو الفضل أنه عند مقابلته أحد الضباط المنسحبين من سيناء، سأله  "لماذا لم تلتحموا مع القوات الإسرائيلية فيصعب على طيرانهم أن يضربكم؟" فأجابه  "لم يكن لدى أحدٌ منا لا النفسية و لا الرغبة لبذل مجهود لتحقيق انتصار يتحول بعده رجل كشمس بدران إلى رئيس للجمهورية. وكل من أوقعه سوء حظه من كبار قادة الجيش أو الضباط ليواجه شمس بدران بأي معارضة كان مصيره التعذيب والاضطهاد والإذلال، فلماذا نبذل جهداً تكون نتيجته وصول الإنتهازيين لأعلى المراكز؟"!

وقد فصل الفريق مرتجي رأيه في المشير عامر بمنتهى الصراحة، والذي يتلخص في كونه لم يكن صالحاً لشغل المنصب بسبب عدم حصوله على الخبرة المتراكمة اللازمة لموقعه، بالإضافة لانشغاله بالعديد من المسؤوليات المدنية بجوار عمله الأساسي، والحقيقة التي ينبغي التأكيد عليها أنه بخلاف مسؤولية ناصر عن تصعيد عامر لمنصب اللواء ثم لمنصب المشير وإبقائه في مكانه رغم فشله في 56 ثم في سوريا، وعجز ناصر عن إزاحته من موقعه، فإن عامر نفسه مسؤول عن تشتته وتشتت العديد من كبار الضباط في المسؤوليات المدنية التي اقتنص أغلبها في ضوء حرب إثبات السيادة والنفوذ والسيطرة، وقد وصل التداخل في الحياة المدنية لدرجة أن جعل عامر من نفسه راعياً لنادي الزمالك، وعين الفريق مرتجي رئيساً للنادي الأهلي، بجوار عمله قائداً لجبهة اليمن وللقوات البرية!

ولأن كتاب الفريق مرتجي يحمل الكثير من المرارة والشعور بالغبن والرغبة في تبرئة ساحة القوات المسلحة من الاتهامات التي لطخت سمعتها وسمعة قادتها، في مقابل تحميل القيادة السياسية المسؤولية الأكبر عن وصول الأمور لهذا الحد وتوريط الجيش في حرب غير مستعد لها (وهو على حقٍ في ذلك)، فإنه في هجومه على مراكز القوى كثيراً ما يشتط، ويكاد يصرح أن التعليمات الصادرة بتحرك القوات على مسرح سيناء المكشوف لطيران العدو – وخصوصاً الفرقة المدرعة الرابعة -  كان الغرض منه تدمير القوات المسلحة في إطار الصراع بين عبد الناصر وعامر! وهو ما لا يقبله عقلٌ ولا منطق، ولا يُتصور حدوثه إلا في حالة العمالة والخيانة، بالإضافة إلى أن المسؤول المباشر عن التحركات هو المشير عامر والمحيطين به، لكن يُلتمس للفريق مرتجي العذر لأن كافة الأوامر والتحركات في تلك الفترة كانت بدورها تفتقر إلى المنطق السليم.

ويشير الفريق مرتجي مرة أخرى لعلو حسابات السياسة عن المصلحة العامة، ففي حين دُفعت كتيبة دبابات تابعة للحرس الجمهوري تجاه الاسماعيلية للدفاع عنها، فقد سُحبت مرة أخرى يوم 11 يونيو لتأمين الموقف في القاهرة ضد ما ظهر من اعتراض الضباط على تنحي المشير عامر، وقد ذكر مرتجي أن عبد الناصر قال (مدام عاوزين يحاربونا في الداخل فسأريهم كيف تكون الحرب ولا يهم ما الذي سيفعله اليهود)، وهي عبارة أخرى تحتاج للتدقيق، فمصدر العبارة إما أن يكون عبد الناصر، أو قائد الحرس الجمهوري، أو سامي شرف، ومن غير المعقول أن يذكر أي من الثلاثة عبارة كهذه يدين بها نفسه، وإن كانت قيلت في الحقيقة فهي ليست أكثر من انفلات أعصاب تحت ضغط محاولة انقلاب المشير، وبالتالي فإن ذكرها في الكتاب هو بدوره من قبيل الشطط.

وفي ختام كتابه، عقد الفريق مرتجي مقارنةً بين حربي 67 و73، لخص فيها الخطايا السياسية والعسكرية في 67، بينما أشاد بالسادات وبأحمد إسماعيل وهيئة الأركان المحترفة التي تولت القيادة في 73. ثم أنهى الكتاب بابتهال لله عز وجل يستحق أن يُنقل،  قال فيه

"ضعف إيماننا، وتأله من صفوتنا من تأله وامتنع عن ذكر اسم الجلالة، وفي غمرةٍ من العظمة البشرية الزائفة طلب من كبار المفكرين البحث في صحة وجود رب العالمين.

حق علينا العقاب، وحل في صورة هزيمة سياسية عسكرية نكراء، حكمة من الحكم الإلهية، وعظة سماوية، وآية من الآيات الكريمة التي شاءت إرادتكم أن نكتوي بها، لعل المخلصين من أهل هذه البلاد والمؤمنين من شعبنا يتنبهوا لها ويستفيدوا منها ويعملوا بها، ليرفعوا من شأن مصر الحبيبة، موطن الإيمان والأصالة ومنبع الحضارة".

وإلى هنا أنهي هذا العرض لكتابٍ من أهم الكتب التي كُتبت عن هزيمة 67 لما به من تفاصيل ومعلوماتٍ غزيرة، ولكن هذه المعلومات لا يمكن بطبيعة الحال أن تؤخذ بشكلٍ مسلم به دون مقارنتها بغيرها من الروايات، وخصوصاً أن الكتاب مليء بتساؤلاتٍ من الفريق مرتجي نفسه لأحداثٍ وقعت لم يجد لها تفسيراً، وتركها للمؤرخين ولجان تقصي الحقائق ليتحروا حقيقتها، ولأن الكتابات العسكرية في بلادنا تخضع دائماً للتقييد والمنع بدعوى الأمن، حتى لو كان الحدث قد مر على حدوثه أكثر من خمسين عاماً، وحتى لو كان كل صانعيه قد واراهم الثرى، فإن المكتبة العربية فقيرة جداً للأسف في هذا الجانب، ولا نجد سوى كتب القادة الآخرين، والتي وإن وجدت بها روايات تعضد بعضها البعض، ستجد أيضاً على النقيض من ذلك روايات متضاربة ولا يخلو بعضها من الهوى وحظ النفس وربما الكذب والتدليس، ولدينا أيضاً كتابات المؤرخين القائمة على جمع الروايات المختلفة والترجيح بينها ونقدها والتعليق عليها، مع أهمية الانتباه لخلفية المؤرخ وتوجهه للانتباه لانحيازاته التي قد تطغى على موضوعيته. وفي هذا الصدد، يمكن قراءة كتاب (تحطيم الآلهة) لعبد العظيم رمضان، وكتاب (الطريق إلى النكسة: مذكرات قادة العسكرية 1967) لمحمد الجوادي، وكتاب (شاهد على حرب 1967) للفريق صلاح الدين الحديدي، وهو مكتوب بأسلوب هاديء ورصين من عسكري محترف. ونجد حديثاً جهد معتبر من د. خالد فهمي في السلسلة التي أعدها على اليوتيوب بعنوان (هزيمة يونيو المستمرة)، أو البحوث المشتركة المجموعة بكتاب (في تشريح الهزيمة)، كما لا يمكننا تجاهل ما كتبه العدو نفسه!

أما أحداث النكسة ذاتها، فمطالعة كل ما كُتب عنها تؤكد أننا حتى الآن لدينا أسئلة لا إجابات عنها، لأنها إما أُخفيت أو ذهبت مع أصحابها إلى القبور. وإن المرء ليعجب من اجتماع كل العوامل التي أدت لهذه الهزيمة الكاسحة، ويتساءل: هل من المعقول أن هذا الحدث كان مجرد صدفة؟ أو ذاك القرار كان مجرد نتيجة لإهمال وسوء تقدير أم نتيجة خيانة؟ لكن وضع الأمور في سياقها وتأمل كيف كانت أمور الأمة تُدار وبمن كانت تحكم، يؤكد أنه لم تكن الهزيمة لتحدث سوى كنتيجة مباشرة للاستبداد، أو بكلماتٍ أخرى، يمكننا أن نذكر العبارة التي يدندن بها د. وليد سيف في كتاباته، بأن (الطغاة هم شرط الغزاة)، ووضع الأمور في سياقها أيضاً يورث اليقين أن هذه الطغمة الفاسدة لم تكن لتحقق أي نصر في معركة فاصلة، ويُلخص ذلك قول الله تعالى "إن الله لا يُصلح عمل المفسدين".


وما زلنا نعيش في آثار هذه الهزيمة حتى اليوم، وما زلنا نعيش في ظل الاستبداد، مع ظروفٍ لا تختلف كثيراً عن ستين عاماً مضت، مما يعبر عن مدى بلاغة عبارة (هزيمة يونيو المستمرة).

الأحد، 25 مايو 2025

سقوط الجولان


 

كُتب هذا الكتاب بيد ضابط سابق بالجيش العربي السوري، وباالرغم من أنه لم يكن شاهد عيان على الحرب، حيث تم تسريحه من الجيش قبل الحرب بأعوام، لكن يستمد الكتاب أهميته من معرفة الكاتب الدقيقة بالجولان، لكونه قد تولى قيادة الاستطلاع على الجبهة.

بدأ الكتاب بسرد موجز لتاريخ سوريا الحديث بعد مرحلة الانتداب وما شابه من كثرة الانقلابات العسكرية وتذبذب الوضع السياسي، وما استتبعه من تأثير سلبي على الجيش، لكون كل إنقلاب يعمد إلى تصفية خصومه وتسريح أنصارهم من الجيش، وقد صاحب وصول البعث للسلطة في انقلاب عام 1963 تسريح الكثير من الضباط ومن ضمنهم الكاتب نفسه، والذي يذكر أنه "بحلول مايو 1967 كان عدد الضباط المسرحين لا يقل عن ألفي ضابط، مع عدد لا يقل عن ضعفه من ضباط الصف والجنود المتطوعين الذين يمثلون القوة الفعلية لمختلف التخصصات بالجيش، وحل محلهم عدد من ضباط الاحتياط جلهم من البعثيين، وأكثريتهم من العلويين تحديداً، وبذلك أصبح الجيش مؤسسة بوليسية لقمع الحريات والتنكيل بالشعب، لا جيشاً قادراً على صون الحدود والدفاع عن أرض الوطن. وقد رافق ذلك كله عمليات مجرمة، شملت حل بعض الوحدات المقاتلة، وتشكيل وحدات غيرها على أسس طائفية بحتة – تماماً كما فعل الفرنسيون أيام الاحتلال – وبذلك أصبح الجيش عبئاً كريهاً على عاتق الشعب، بدل أن يكون درعاً وحصناً يصون بلاده.

وقد تميزت تلك المرحلة من تصفية الجيش بصورة من العنف والتنكيل كان منها القتل والسجن والأحكام الاعتباطية والإعدام، ومصادرة الأموال والممتلكات وتضييق سبل العيش على الناس، حتى أصبح المواطن يمسي فلا يصدق أنه سيصبح بخير، أو يصبح فلا يصدق أنه سيمسي بدون أن يصيبه سوء".

بعد ذلك أفرد الكاتب فصلاً لوصف جغرافية الجولان وطبيعة أرضها ومناخها ومدى تميز موقعها وأهميتها السياسية والعسطرية، ثم أسهب في سرد الخطوط الدفاعية التي أُعدت لتجعل من الجولان حصناً يعوق أي محاولة لاختراقه، هذا بالإضافة للتحصينات الطبيعية المتمثلة في الطرق الوعرة، والتفاصيل التي عرضها تدمي القلب لأنها توضح الثمن الفادح الذي كان العدو سيتكبده لو لم تنسحب القوات المنوط بها الدفاع، لتترك الجولان لقمة سائغة للعدو.

ثم انتقل الكاتب لعرض الوضع العسكري للقوات السورية بشكل يومي منذ بداية العدوان في 5 يونيو، فذكر أن القوات السورية لم تشارك في اليوم الأول للحرب رغم نداءات مصر والأردن واتخذت وضع المراقب دون أن تحرك ساكناً رغم أن سوريا كانت السبب الأساسي لاندلاع الحرب، ومنذ صباح 6 يونيو قامت المدفعية السورية بقصف مركز استمر حتى 8 يونيو على شريط المستوطنات المقابل للجبهة السورية. وأن القوات الإسرائيلية المشغولة على الجبهات الأخرى لم تتفرغ للجبهة السورية بشكلٍ فعلي إلا في 8 يونيو، مما يؤكد أن الهزيمة الثقيلة لم تكن حتمية لو تحركت القوات السورية بشكلٍ جدي. ثم سرد تفاصيل التحركات للقوات السورية بعد ذلك والتي توحي للقاريء بأنه إما أن متخذي القرارات هم مجموعة من الحمقى منعدمي الكفاءة، وإما أنهم تعمدوا القضاء على القوات المسلحة السورية وتسليم الجولان!، والقاريء سيجد أن الكاتب يؤمن بالفرضية الثانية، ويعتبر أن ما حدث من تحريك للقوات خلال الحرب كان مسرحية هزلية للتغطية على التخلي عن الجولان وتسليمها للعدو!

من ضمن ما ذكره الكاتب هو أن الأوامر صدرت لقوات الاحتياطي للتقدم واحتلال بعض مستوطنات الشمال ومدينة صفد، ولكي تتمكن القوات المهاجمة من التقدم، صدرت الأوامر للقوات المرابطة للدفاع عن الجولان بالانسحاب!، وكانت النتيجة اختلاط الحابل بالنابل، وتسلى طيران العدو بقصف القوتين، "وكانت كارثة أفرغت المواقف الدفاعية من حماتها، وتركت الأرض عراءً أمام العدو تغطيها الجثث وهياكل الآليات!" أما الطيران السوري، فلم يظهر في سماء المعركة أبداً! ويؤكد الكاتب على أن الخطة الهجومية كانت تمثيلية الغرض منها فقط إخلاء المواقع الدفاعية من القوات.

ومنذ مساء 8 يونيو انتشرت الشائعات بصدور أوامر بالانسحاب، وبدأ بعض القادة والضباط الانسحاب بالفعل، ومنهم قائد الجيش، وقائد الجبهة الذي فر على ظهر حمار! وابعض ادعى الانسحاب إلى دمشق لحماية الثورة! ومن بقي حاول الاتصال بقيادة الجبهة التي خلت من أي مسئول، فانفرط عقد القيادة، و هرب الكثيرين، وبلغت ذروة تفاقم الأمر يوم السبت 10 يونيو بعد إذاعة بيان سقوط القنيطرة، والتي وصلها العدو بعد 17 ساعة من إذاعة البيان الكاذب!، وغصت الطرق بحشود الزاحفين هرباً من الموت سواء من الجيش أو المدنيين، بينما صمد القلائل – من غير البعثيين – وقاتلوا.

بعد العرض ليوميات الحرب، عرض الكاتب يوميات الفترة السابقة للحرب فيما يخص أهم الأحداث والتصريحات، فبدأ منذ 12 مايو بتصريحات العدو باستخدام القوة ضد سوريا، ثم ردود الأفعال في الأيام اللاحقة من تصريحات عنترية مضادة، وسفر رئيس الأركان المصري لسوريا لمعاينة الحشود الإسرائيلية المزعومة، والكثير من الكلام الحنجوري المكرر بأن القوات المسلحة في تمام الجاهزية والاستعداد وفي انتظار ساعة الحسم لهزيمة إسرائيل وتحرير فلسطين! ومنذ بداية الحرب، نجد سيل من البيانات العسكرية الكاذبة التي تدعي اسقاط عشرات الطائرات، وأن القوات السورية تتقدم داخل الأراضي المحتلة، وأن الاستعمار الأنجلوأميركي مشارك بقواته في المعركة، وهي صورة مشابهة للبيانات الكاذبة الصادرة من مصر. كما عرض تصريحات العدو، وكان من المؤلم فيها أن أجد تحليلاً واقعياً لأحد جنرالات العدو يتكلم فيه عن الجيش السوري وأن تعداده 65 ألفاً وهو رقم ضئيل بالنسبة لمساحة سورية، وأن الانقلابات التي تعاني منها سورية وينتج عنها تغيير دائم في صفوف الضباط وترفيعات مفاجئة لا تستند للخبرة ولكن للانتماء السياسي، كل هذا أضعف الجيش السوري كثيراً، أما قائد سلاح الجو، فقد صرح أن ثلثي سلاح الطيران السوري دُمر خلال ساعة واحدة، والثلث الباقي نُقل إلى مطارات خارج نطاق القتال!

بعد ذلك عدد الكاتب العديد من أوجه القصور في الاستعداد العسكري، وهي تتنوع ما بين عدم تفجير الملاغم في قوات العدو، والتي كانت ستمنعه من التقدم وتوقع به خسائر فادحة، مروراً بالفوضى في توزيع الأسلحة وتأخير توصيل الذخائر بحالة مناسبة للجبهة، وعدم وصول الطعام وماء الشرب للجبهة، والفوضى في توزيع الأفراد على أسلحة أو تكليفهم بمهام لم يتدربوا عليها من قبل، كما نفاجأ بأن النظام لم  يعلن التعبئة العامة أصلاً! وعرض صورة لأسبقية الولاء الحزبي على الهرمية العسكرية، وتحسر على الوثائق والأسلحة التي تركها المنسحبون هدية للعدو دون أن يعنوا بنسفها، ثم عرض أعمال العدو خلال الحرب والتي كان أساسها القصف الجوي، ثم تقدم المدرعات الحذر، والذي ووجه بمقاومة ضعيفة إثر انسحاب أغلب القوات المدافعة، ولقي العدو خسائر ضعيفة، كانت لتكون ضخمة لو صمدت القوات في مراكزها الدفاعية، ويحكي الكاتب أن إحدى الدبابات السورية المنسحبة تعطلت، ولم يكن أمام قائدها إلا أن يقاتل، فأدار مدفع الدبابة تجاه الدبابات الإسرائيلية المتقدمة وتمكن من تدمير ستة منها، ولم يتمكن العدو من القضاء عليه إلا بعد الاستعانة بالطيران، وعدد الكاتب العديد من البطولات الفردية لمن ثبتوا في مواقعهم، وحتى بعض أبناء الجولان ممن قاوموا بما وجدوه من أسلحة الجنود الفارين، وتمكنهم من قتل العديد من جنود العدو وتدمير العشرات من مدرعاته، فلنا أن نتخيل كيف سيكون الحال لو لم تنسحب القوات!

أشار الكاتب عدة مرات في كتابه لحزب البعث بكونه حزباً طائفياً مسيطراً عليه من الطائفة العلوية، وأن العدو يعتبر وجود هذا الحزب في السلطة ضمانة لأمن إسرائيل، وأن الحزب هو السبب الرئيس في إضعاف الجيش للأسباب التي سبق ذكرها من تسريحات واعتقالات واضطهاد وخلافه، وأن الحزب كذلك كان حريصاً على سحب المنتمين له من الجبهة، وترك ما سوى ذلك لمصيرهم، بالإضافة للقصة التي حكاها عن طلب استدعاء الشباب من أربع مدن معروف أنها ذات أغلبية سنية للزج بهم في المعارك، وتجاهل مناطق الأقليات، وكأن الهدف هو إفناء أهل السنة!

عدد الكاتب بالتفصيل مرة أخرى كل صور القصور العسكري ليدلل بها أن الهزيمة العسكرية وسقوط الجولان كان نتيجة خيانة وتدبير مسبق من حكومة البعث، والحقيقة أني قبل أن أطلع على ما كتبه كنت أعتبر الحديث عن الخيانة الصريحة من قبيل المبالغة، ولكن بعد قراءة التفاصيل فإني لا أصدق ولا أكذب، فالطغمة التي حكمت – وظلت تحكم – سوريا وقادتها لهذه الهزيمة المخزية يُتوقَع منها أي شيء، ولقد تعددت تصريحاتهم البلهاء من قبيل (أن هدف العدو كان إسقاط النظام الثوري التقدمي في سوريا، وأنه طالما لم يُفلح في هذا، فإنه لم ينتصر) و(ليس مهماً أن يحتل العدو دمشق أو حمص أو حلب، فكلها أراضٍ يمكن تعويضها، أما إذا قضى على حزب البعث، فكيف يمكن تعويضه وهو أمل الأمة العربية!)، وبعيداً عن هذا الهراء، فقد حكى الكاتب مرة عن اتفاق بين البعث والعدو بحيث يمنع القوات السورية من المشاركة الفعلية في الأيام الأولى للحرب، بما يسمح للعدو بالانفراد بالجبهتين المصرية والأردنية، مقابل عدم التعرض للقوات السورية، وأن البعث التزم بالاتفاق وكان تحريكه للقوات مجرد تمثيلية، لكن العدو في النهاية لم يلتزم بجانبه، وهذه الحكاية أرفضها عقلاً ومنطقاً، وإن كانت الشهادات الأخرى كشهادة الفريق مرتجي قائد جبهة سيناء  تؤكد على أن العدو اتخذ قراراً في منتهى الجسارة، فقد خصص كامل قواته الجوية تقريباً للضربة الجوية التي دمر بها الطيران المصري، وترك 12 طائرة فقط للدفاع عن إسرائيل، ولو شارك الطيران السوري لاستطاع تدمير طيران العدو على الأرض بعد أن يعود من ضربته لمصر والأردن، ولتغير مجرى المعركة، والحقيقة أن هذا القرار من العدو قد يكون اتخذ استناداً إلى توقع ردود أفعال النظام السوري وأنها ستكون متأخرة، وهي في هذه الحال قد تكون مقامرة أكثر من كونها جسارة، أو أن تكون نتيجة التأكد من خيانة النظام السوري بالفعل!

 وفي مرةٍ أخرى حكى الكاتب عن رسالة من العدو للقيادة السورية يوم 9 يونيو، يُحذر العدو فيها من أنه إن لم تنسحب القوات السورية من الجولان، فإن العدو لن يتوقف حتى يصل دمشق، وكانت النتيجة أنه في صباح اليوم التالي أذاع النظام السوري نبأ سقوط القنيطرة من قبل أن تسقط. وهذه الرواية يمكن قبولها عقلاً ومنطقاً، فإنه لا يُستبعد على البعثيين وعلى رأسهم الأسد أن يضحوا بالعالم كله طالما أنهم باقون على كراسيهم، حتى لو كان ما تبقى لهم ليحكموه هو مجرد خرابة.

وهكذا ينتهي هذا الكتاب الهام الذي يعطي الفرصة للمهتمين بهزيمة 1967 لاستكمال الصورة، والاطلاع على الموقف على الجبهة السورية، ولئن كانت الشهادات على الهزيمة من جانب مصر والأردن تؤكد على أن تأخر التدخل السوري وعدم مشاركة سلاح طيرانه كان لها عامل حاسم على قدرة العدو على الانفراد بالساحة، فإن المرء لا يملك إلا أن يرصد أوجه التشابه بين الجبهتين المصرية والسورية، فيما يتعلق بالفوضى، وانعدام الكفاءة، وسوء التخطيط، وحشد القوات غير المدربة، وإضاعة الفرص، والانسحاب غير المنظم، ولكن التشابه والتماثل الأعظم يكمن في (الاستبداد)، وهو ما يذكرنا مرة أخرى بالعبارة التي يدندن بها د. وليد سيف في كتاباته، بأن (الطغاة هم شرط الغزاة)، ووضع الأمور في سياقها أيضاً يورث اليقين أن هذه الطغمة الفاسدة لم تكن لتحقق أي نصر في معركة فاصلة، ويُلخص ذلك قول الله تعالى "إن الله لا يُصلح عمل المفسدين".