الجمعة، 13 مايو 2011

الدولة الدينية و الدولة المدنية بين الحقيقة و الوهم


طالما أننا بدأنا فى النقاش حول المصطلحات التى تثير لغطاً فى الساحة السياسية المصرية, فلنتكلم هذه المرة عن مصطلحين مثيرين للجدل بصورة كبيرة, هما الدولة الدينية و الدولة المدنية.

لكن قبل أن نعود للكلام فى حرب المصطلحات التى تكلمنا عنها من قبل, لابد أن نلفت النظر لمبدأ هام جداً, و هو أنه من غير المنطقى و من غير المعقول أن تثار حروبٌ كلامية و مشاحنات و مشادات حول مصطلحات و شعارات عفى عليها الزمان, أو ليس لها تطبيق عملى فى الواقع المعاصر, أو حتى لم يكن لها تطبيقٌ عملى حقيقى فيما مضى, و هذا هو الجنون بعينه!!

نعود لموضوع اليوم و هو الدولة الدينية و الدولة المدنية.

يبدأ الحديث برفض كامل لما يسمى بالدولة الدينية من قبل التيارات العلمانية, فيرد عليهم أتباع المنهج الوسطى من الإسلاميين أنهم بدورهم يرفضون الدولة الدينية و أنه لا وجود لها فى الإسلام من الأساس و أن ما يريدونه هو دولة مدنية مرجعيتها الإسلام.فيشكك الفريق الأول فى كلامهم و كلما وقع حادث-حقيقى أو مكذوب-متورط فيه بعض المتطرفين أو منسوبٌ إلى الإسلاميين كذباً عليهم, يُتخذ هذا ذريعةً للتخويف أكثر من الدولة الدينية.ثم يخرج علينا بعد كل هذا بعض المتطرفين و ضيقى الأفق ليحذرونا من الدولة المدنية لأنها تعنى منع الحجاب و إباحة الزنا و الخمر و الشذوذ!!!!!

فما تعريف الدولة الدينية, و ما تعريف الدولة المدنية؟

الدولة الدينية أو الثيوقراطية نظام حكم تكون فيه السيادة فى الدولة لرجال الدين, فهم الذين يشرعون و يحركون مقاليد الأمور.و هو نظام شهدته أوروبا فى العصور الوسطى.

و جدير بالذكر أن ظهور العلمانية فى أوروبا كان رد فعل قوى على فساد رجال الدين و سطوتهم.و بدلاً من تطهير المؤسسة الدينية و وضع ضوابط تنظم العلاقة بين السياسة و الدين فقد تم إستبعاد الدين نهائياً و وضعه على الرف.و بذلك فإن العلمانية هى علاج أوروبى لعرضٍ أو مرضٍ أوروبى صرف و لم يشكُ منه العالم الإسلامى.لكن جهابذتنا رأوا أن أوروبا لم تتقدم إلا بعد أن أخذت طريق العلمانية التى هى فى أبسط و أكثر تعريفاتها إختزالاً(فصل الدين عن الدولة), و كان هذا بمباركة الإستعمار و تحت رعايته.

نكرر أن نموذج الدولة الدينية حسب التعريف المذكور لم يكن له وجودٌ فى تاريخ الدول الإسلامية و لم تعرفه أرض الإسلام.لذا فإنى أرى أنه لا معنى لطرح هذا المصطلح من الأساس كخيار نرفضه و نحذر منه, لأنه ليس هناك من يدعو له, حتى التيارات الإسلامية.

و عندما يسعى المعتدلون من الإسلاميين إلى توضيح فكرة خلو الإسلام من نظام الدولة الدينية, يُطرح أمامنا النموذج الإيرانى فى العصر الحديث.يرد الفريق الأول بأننا فى مصر نتبع المذهب السنى و ليس لدينا نظام ولاية الفقيه الذى رسخه الخمينى فى الفكر الشيعى و بالتالى لا يمكن تطبيقه فى مصر.مع الإعتراف بأن النموذج الإيرانى هو دولة دينية حسب التعريف الأول.

و عندما يُقدم إلى أحد المتخوفين من الدولة الدينية و نظام الحكم الإسلامى دولة السعودية نموذجاً أكاد أستلقى على قفاى من الضحك.لأنى لا أعتبر السعودية دولة إسلامية تطبق الشريعة من الأساس, و إنما يصح فيها قول رسول الله:إذا سرق فيهم الشريف تركوه, و إذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد.و من ينظر للدولة السعودية من الإسلاميين على أنها دولة تطبق شرع الله لكونها تقيم بعض الحدود فلديه فهم قاصرٌ للغاية لمفهوم تطبيق الشريعة.

الدولة المدنية من جهة أخرى ليس لها تعريف محدد, فهناك من يرى أن هذا المصطلح هو للتمييز بين هذه الدولة و بين الدولة التى يحكمها العسكر.و هناك من يضع هذه الدولة إزاء الدولة التى يحكمها رجال الدين, و هو المفهوم الموجود حالياً فى مصر.

و يضع دعاة الدولة المدنية حالياً هذه الدولة مقابل الدولة الدينية.و يصفونها بأنها الدولة التى تضمن الحريات للجميع و تنتظم العلاقات بين أفرادها حسب مبدأ المواطنة.و لا يتدخل رجال الدين فيها فى السياسة.بل و ينفصل الدين عن السياسة كليةً عند أغلب دعاتها.

و يسعى نفس الفريق المعتدل من الإسلاميين إلى طرح صيغة الدولة المدنية ذات المرجعية الإسلامية, و يوضحون الفكرة بأن الدولة الإسلامية قامت كدولة مدنية فى الأساس.و الرسول صلى الله عليه و سلم عندما أسس دولة المدينة وضع دستوراً من 42 مادة ينظم العلاقة بين أبناء هذا المجتمع:مسلمين(مهاجرين و أنصار),و مشركين, و يهود.و كان مبدأ المواطنة واضحاً فى وثيقة المدينة و ما تلاها من عهود من النبى و خلفائه لأهل الذمة فى البلدان المختلفة و التى لُخصت فى قاعدة(لهم ما لنا و عليهم ما علينا).

أما مبادىء الحريات العامة و الخاصة فهى ثابتة و واضحة فى الإسلام بطريقة لا لبس فيها.و بالتالى فإن النقطة الفاصلة بين دعاة الدولة المدنية من الإسلاميين و من العلمانيين هى نقطة المرجعية .

و نقطة المرجعية نقطة فاصلة, فالحريات التى ننادى بها لابد أن يكون لها حدود معينة حتى لا تتحول إلى فوضى أو تتخطى قيم و تقاليد المجتمع.هذه الحدود هى القوانين المنظمة للعلاقات فى المجتمع.و لا أعتقد أن هناك ما هو أفضل و أشمل من أن نلتزم بالقواعد و القوانين و الشرائع التى سنها لنا الله تعالى فى الدين بحيث تنظم هذه العلاقات و تؤطر هذه الحريات.و بالإلتزام بهذه الأطر نجد أننا لن نقع فى المنزلق الذى وقع فيه د.عمرو حمزاوى الذى رحب بفكرة زواج المسلمة من غير المسلم فى إطار الحرية التى يدعو لها مما يعطى فرصة لمن يتبنى خطاباً متشدداً مثل الشيخ حازم شومان لكى يبرر كلامه المغلوط حول مفهوم الليبرالية و أنها تعنى منع الحجاب و حرية الزنا و إباحة الشذوذ!!!!

و عندما نعود بأنظارنا للتاريخ, سواء تواريخ الخلفاء فى الإسلام-خلفاء الملك العضوض و ليس الراشدون بالطبع- أو ملوك أوروبا فى العصور الوسطى, سنجد من خلفاء المسلمين من يحكم بمبدأ(السلطان ظل الله على الأرض), و من ملوك أوروبا من يحكم بمبدأ(الحق الإلهى). و هذا نموذج من الهيمنة السياسية بإستخدام و إستغلال الدين, و هو أمر مرفوض بالطبع.و لكن دعونا نسأل المتخوفين منه:ما الإمكانات العملية لتطبيق هذه الأنظمة فى عالمنا المعاصر؟ و من يعطى الشرعية و السلطة لأى فرد و يمكنه من حكمه بهذه المبادىء؟

الإجابة العملية: لا يوجد.

و عندما نتساءل, و ما الضمانات التى تتيح ألا يصل للحكم من يحكمنا بإسم الدين و يقمعنا بإسم الدين و تتحول الدولة إلى دولة دينية حسب التعريف الأول؟

الإجابة العملية:الشعب المصرى هو الضمانة لهذا.و طبيعة فهم الدين فى مصر-سواء إسلام أو نصرانية-هو فهم و منهج وسطى لا يسمح بهذا الوضع.

إن الشعب المصرى شعب متدين بطبعه , يحتل الدين لديه مرتبة سامية-بغض النظر عن دينه-فلا يمكن تقديم مشروع فكرى و حياتى إليه ينادى بعض دعاته بتنحية الدين جانباً.

إن الفهم الخاطىء لبعض الناس للدين لا يعنى أن ننحى الدين جانباً خوفاً من هذا الفهم الخاطىء.و إنما تُواجه الأفكار بالأفكار, و التيارات المتشددة يجب أن تواجه بالحوار و عن طريق دعم التيارات الوسطية المعتدلة.لكن الخطاب الحاصل الآن و الذى يمتلىء بالسخرية من الإسلاميين بمختلف توجهاتهم يزيد المتشدد تشدداً بل و يعطى لبعض تصرفاته مبررات.و ربما ضم لفريقه متعاطفين أكثر. و المؤسف أن التيارات المتشددة فى الطرفين هى صاحبة الصوت الأعلى لأنها تحدث ضوضاء و (شوشرة)كبيرة, لكنها ليست بالضرورة الأكثر عدداً.بل إنها بالفعل ليست الأكثر عدداً.

و الواقع العملى يؤكد عدم إمكانية فصل الدين عن الدولة لأن الدين نظام عام و شامل للحياة و العلاقات و المعاملات و لا يقتصر على العلاقة بين الإنسان و ربه فحسب, بل ينظم العلاقات بين البشر.و هذا لب السياسة.

ففصل الدين عن السياسة غير ممكن....و إستغلال الدين فى السياسة مرفوض بشكلٍ قاطع.

الخلاصة:أننا يجب أن نتحرر من المصطلحات الغير قابلة للتطبيق العملى فى عصرنا الحالى و فى أرضنا, و أن نركز الحوار فيما يستحق أن نتحاور حوله.و الحقيقة أننى أرى أن الخلاف إذا حددناه و ركزناه سينحصر فى النهاية حول المرجعية و ذلك أمر منطقى لأن طرفى الخلاف ينطلقان من مرجعيتين مختلفيتين.و إذا زدنا التركيز و التحديد سنجد أن المساحة الإنسانية الواسعة المشتركة بين التيارين تشوبها بعض القضايا الخلافية على المستوى السياسى.هذه القضايا هى التى يحتاج كل ناخب أن ينظر إلى موقف مرشحه منها قبل أن يعطيه صوته و هى التى تميز أيديولوجية عن الأخرى فى الأساس.

و أعود لأكرر أن هذا الخطاب محاولة لفتح رؤوس مواضيع لحل إشكاليات بين المثقفين لكن رجل الشارع العادى لا يأبه لدولة دينية أو مدنية و إنما يريد دولة و حسب.و هو لن يصبر علينا طويلاً. فإما أن نحسم الحروب الكلامية التى لا تنتهى و التى لا طائل وراءها طالما أن المتشددين من الطرفين ليس لديهم إستعداد لتقبل فكر الآخر أو إستعداد لتغيير بعض المفاهيم إذا ثبت عدم صحتها.إستمروا فى بروجكم العاجية و حاربوا الطواحين و دعونا نبنى هذا البلد سوياً بمختلف أطيافنا.


الأحد، 8 مايو 2011

حدث فى محرم بك



لا أكتب هذا الكلام اليوم لنكأ جراح قديمة, لأن الجرح أصلاً لم يشفى و لم يندمل بعد.و لا أكتب لكى أزيد النار إشتعالاً, لكنى أكتب حتى لا ننسى بعض ما جرى –و يجرى, و سيجرى-بيننا و بين (أخوتنا)فى الوطن, و سياسة النظام السابق الحمقاء التى لا تتغير من القمع و الردم فوق الأمور فتظن أنها أطفأت النار و لكن تحت الرماد وميض جمر و يوشك أن يكون له ضِرامُ كما قلنا من قبل.

الأحداث التى أتكلم عنها عايشتها بنفسى و رأيتها بعينى, و كنت قد كتبت شهادتى على منتدى موقع عمرو خالد و لكن ضاعت هذه الشهادة و كل التعليقات القيمة عليها مع المنتدى القديم للأسف, و رغم مرور أكثر من خمس سنوات على الموضوع إلا أنى ما زلت أذكر تفاصيله كأنه حدث بالأمس.

لعلكم تذكرون قصة المسرحية المسيئة للإسلام التى تم تمثيلها و تصويرها من قبل بعض الشباب المسيحى فى كنيسة مار جرجس بمحرم بك بالإسكندرية, و تحت رعاية من إدارة هذه الكنيسة.تسربت أنباء هذه المسرحية-أو سُرِبَت-للمسلمين و شاهدها الكثير فغلى الدم فى العروق لما تضمنته من سخرية بالقرآن, تظاهر المسلمون من أهل المنطقة أمام الكنيسة, كان هذا فى شهر أكتوبر عام 2005, و كنا فى رمضان, ما طالب به المسلمون كان محاسبة هؤلاء الذين قاموا بعمل المسرحية, و تقديم الأنبا شنودة-بابا الأقباط-لإعتذار عما جاء فيها.لم يتم هذا و لا ذاك.زاد التوتر و الإحتقان و قام أحد العاطلين بطعن راهبة و هى تغادر الكنيسة.بدأت تنتشر إشاعات و مبالغات من قبيل أن المسيحيين يقومون بتخزين السلاح داخل الكنيسة تحسباً لقيام المسلمين(بالهجوم عليها).

قرر المسلمون من أهل المنطقة القيام بتظاهرة حاشدة أمام الكنيسة بعد صلاة الجمعة بعد إنتظارهم لإعتذار من الكنيسة طوال أسبوع كامل, و صرح بعضهم بأنهم إن لم يحصلوا على هذا الإعتذار قبل يوم الجمعة سيهاجمون الكنيسة.

كنت قد قررت أنا و أحد أعز أصدقائى-صلاح-أن نشارك فى التظاهرة رغم أننا لسنا من سكان المنطقة, لكننا فعلنا ذلك بنيتين, أولاهما:أن نكثر سواد المسلمين, و الثانية:أن نحاول أن نكون من أصوات العقل فى هذه المظاهرة التى لابد و أن يسود فيها الإنفعال.

ما كان أحد منا يرضى بأن تتطور الأمور لما لا يحمد عقباه فيخسر المسلمون و لا يكسبون.و الكل يعلم أن هناك بالخارج من يترصد لنا أقل غلطة حتى يشنع علينا و على ديننا, كما أن الكنيسة ملاصقة لمسجد كبير-مسجد أولاد الشيخ-و أى ضرر بالكنيسة سيؤثر على المسجد أيضاً.

تقابلنا و انطلقنا الى محرم بك, و حى محرم بك لمن لا يعرفه حى عريق-أشبه بحى شبرا بالقاهرة مع فرق الحجم-به مناطق راقية و شوارع تظللها الأشجار, و به كذلك مناطق بسيطة و شعبية جداً, و به كذلك تواجد مسيحى ملحوظ.

ذهبنا لنصلى الجمعة فى مسجد أولاد الشيخ بشارع محرم بك الرئيسى, كلما دخلنا من شارع جانبى يؤدى لشارع محرم بك وجدنا حاجزاً أمنياً, و المخبرون يطلبون منا-أو يأمروننا بمعنى أصح-أن نتجه للشارع التالى.تكرر هذا الأمر 3 مرات فتجمع عدد من المسلمين عند الحاجز الثالث و بدأت الأعصاب تفلت لأننا نمنع من الذهاب للمسجد و الصلاة, تدخل ضابط كبير يرتدى ملابس مدنية و فتح لنا الحاجز و طلب منا الصلاة فى جامع آخر فى نفس الشارع على بعد مائة متر من الجامع الأول.

كان المسجد يغص بالمصلين, و أطال الخطيب فى خطبته و الناس شوارد يفكرون فيما بعد الخطبة, و بعد الصلاة إعتلى الخطيب المنبر و طلب من المصلين الإنصراف راشدين إلى بيوتهم و عدم الإنجرار وراء الفتنة, و أن الأمر بيد الأمن الآن –الذى سيعيد إلينا حقنا-لم يكد الرجل ينهى كلامه حتى سمعنا الهتافات خارج المسجد.

خرجنا لنجد جموعاً من المسلمين-رجالاً و نساءا-متجهين صوب الكنيسة.كان يقف بعرض الشارع صفين من جنود الأمن المركزى مستعدين بالدروع و العصى و يتقدمهم عقيد معه شومة طويلة.و على الجانب الآخر من الشارع وقف صفان آخران ليتصدوا للمظاهرات القادمة من الجهة الأخرى ليشكلوا بذلك ساحة واسعة خالية أمام الكنيسة و المسجد.


بدأ الناس أولاً فى الهتافات, كان الملاحظ أن الهتافات عفوية و غير منظمة لأنه لم يكن هناك من يقود المظاهرة أصلاً.كانت الهتافات عبارة عن تهليل و تكبير و ترديد لسورة الإخلاص.وجدت أن بعض من تقدم لقيادة المظاهرة و الهتافات كانوا من الشباب(الصيع) الذين لا أظن أنهم يصلون من الأساس و ربما خرجوا حِميةً فقط, كان من الواضح أنه لا دراية لهم بأى شىء فقد وجدت أحدهم يهتف قائلاً:خيبر خيبر يا يهود,جيش محمد سوف يعود!!

بدأنا نجد بعض العقلاء يحاولون تهدئة الناس, و أغلب هؤلاء بالمناسبة كانوا من السلفيين, دعا أحدهم الناس لأن نجلس على الأرض فى صورة إعتصام لكن لم يسمع له أحد. كنت واقفاً مع آخرين و ظهرى للجنود و وجهى للمتظاهرين فى محاولة لترشيد غضب الناس لكن بدون فائدة.قام المتظاهرون بهجمة على الحاجز الأمنى فبدأت عصى الأمن تضرب و كان من نصيبى واحدة على رأسى. لعنت غباء العساكر و وقفت وسط الناس الذين كان من الواضح أن الشحنة بداخلهم تزداد مع رؤيتهم لجنود الأمن المركزى بهراواتهم. و الحق أن الأمر كله كان غير منطقى, فحتى لو حدث و وصل المتظاهرون للكنيسة, فماذا سيفعلون أمام هذه القلعة الحصينة؟و هل من المقبول أصلاً مهاجمة دار عبادة مهما حدث من أهلها؟لم يكن أحد فى غمار هذه الفتنة عنده إستعداد لسماع هذا الكلام.لم يكن أحد على إستعداد للتفكير فى التأثير السلبى لهذا على المسلمين. لم يكن أحد يريد أن يقتنع بأنه يكفى أن يرى هؤلاء الذين أخطأوا فى حقنا الأعداد التى تتظاهر, و أن تشق أسماعهم كلمات التوحيد حتى يفكروا ألف مرة قبل أن يعودوا لمثلها مرة أخرى-إن عادوا.

و لكن يا أسفى على ما حدث.

لدى صد الهجوم الأول, سرعان ما تدافع الناس محاولين الهجوم مرة أخرى, وجدت إمرأة ضئيلة الحجم فوق الأربعين من عمرها تدفع الرجال فى ظهورهم بأيديها حتى يتقدموا للأمام.وجدت شاباً يلقى بطوبة كبيرة جهة الكنيسة, و المسافة لا تسمح بأن يصيبها أصلاً.قلت له:طوبتك هذه ستقع على رؤوس الجنود و هم مسلمون مثلك.فلم يأبه لهذا.

إندفع عدد من المتظاهرين فى هجمة قوية و إستطاعوا رفع حاجز مرورى و كسر صف الجنود من جهة الميمنة, ساعتها سمعت فرقعة كبيرة, نظرنا إلى السماء فوجدنا قنبلة مسيلة للدموع, و سقطت هذه القنبلة فى الخلف عند آخر صفوف المتظاهرين.

لم أكن قد شممت رائحة هذا الغاز من قبل, كنت فى صغرى أتعجب من كون هذه القنابل تفرق الناس بهذا الشكل رغم أن تأثيرها لا يعدو(إسالة الدموع).لكن لكم كنت مخطئاً.

ألقى الجنود قنبلتين آخرتين أقرب لنا, و عندما وصلت رائحة الغاز النفاذة تفرق الناس بسرعة, أحسست بالغاز يملأ صدرى و بالدموع تنهمر من عيني-و أنا أصلاً مصاب بحساسية الصدر-جرى بعض الناس تجاه الأسبلة ليغسلوا وجوههم, آخرين دخلوا فى محلات و أغلقوا الأبواب عليهم, و دخل آخرون فى شوارع جانبية و أنا منهم.

عندما إستعدت قدرتى على التنفس, إتصلت بصديقى صلاح و التقينا بعد أن فرقتنا القنبلة التى كانت بداية لسيل من القنابل التى ألقيت بعشوائية, فسقط بعضها فى بلكونات الناس, و سقطت قنبلة على سطح المستشفى القبطى القريب من مسرح الأحداث.

لم أستطع العودة للشارع الرئيسى مرة أخرى بسبب رائحة الغاز, و لكن الموضوع تحول إلى كر و فر, بعض المتظاهرين يتجمعون ليحاولوا تكرار الهجوم, الجنود يقومون بصدهم, رأيت بعض الجرحى محمولين على الأكتاف يجرون بهم إلى المستشفى.عربات الإسعاف تتوالى.صيحات غاضبة تهتف:حكومة كافرة...حكومة كافرة.يقف بعض المسلمين أمام عمارة فيفاجئون بمياه غسيل تلقى عليهم من إمرأة مسيحية غاضبة.نار تشتعل فى سيارة فى الشارع المقابل.و أرى كل هذا من وسط دموع الغيظ و القهر لأن غيرنا يخطىء و نحن نُضرب, و فى النهاية سيخسر المسلمون و لن يكسبوا إلا الجراح و القهر.

فى وسط هذا الجنون رأيت أمامى عربة يخرج منا مذيع و طاقم تصوير تليفزيونى. قام الطاقم بتعليق الصفحة الأولى من إحدى الجرائد-الدستور على ما أذكر-ليصوروا المانشيت الرئيسى بها, و كانت العناوين مستفزة وردت بها كلمة(المتطرفين المسلمين), عرفت الرجل فهو مراسل قناة (الحرة).تجمع بعض الناس حوله و لما قرأوا المانشيتات ثار غضبهم و قالوا:دول بيقولوا إن إحنا السبب. منعوا الرجل من التصوير بل و حطم أحدهم الكاميرا أصلاً, و غادر الطاقم و هو يجر أذيال الخيبة.

إتصل بى أحد أصدقائى ليخبرنى أن جد صديق لنا قد توفى, تركنا هذه المعركة الخاسرة و ذهبنا لأداء صلاة الجنازة فى(شدس), ثم حضرنا الدفن فى منطقة(العمود).

فى أثناء ذهابنا للجنازة إتصلت بصديق لى على علاقة صداقة بنجل أحد قيادات الإخوان بالإسكندرية, أخبرته بأن الأمور خرجت عن نطاق العقل و يجب أن يكون هناك من يتدخل و يعيد الناس لرشدهم, و أن الإخوان يجب أن يتدخلوا للمساهمة فى الإحتواء, فوعدنى بأنه سيحاول توصيل الرسالة.

بعد الجنازة قررت و صديقى صلاح العودة لمحرم بك لمتابعة ما جرى بعد رحيلنا.بهتنا لما رأينا, فالشارع كان ممتلئاً بسيارات الأمن المركزى لدرجة أننا وجدنا قوات جاءت من محافظات مجاورة!!أما الشارع فملىء بكسر طوب كان مشوناً بمدرسة تحت الإنشاء بنفس الشارع فإستعان به المتظاهرون لرشق الجنود.و الهواء ما زال به رائحة الغاز النفاذة من كثرة ما ألقى من قنابل لدرجة أن عينك تدمع من مجرد المشى فى الطريق.أما المكان الذى كنا نقف به فى بداية اليوم فكان به سيارة متفحمة!!

عرفنا بعد ذلك أن بعض سكان المنطقة قد أصيبوا بطلقات الرش و هم يتابعون الأحداث من بلكوناتهم, غير الإصابات فى صفوف المتظاهرين و الجنود على السواء.هذا خلاف السيارات و المحلات التى تضررت.

بينما كنت فى خضم مشاعر الغضب أفكر فى أن أذهب بعد صلاة التراويح لمحرم بك للإنضمام لأى تظاهرة جاءنى إتصال من والدى يطلب منى أن أذهب إليه فى العمل ليلاً.ذهبت و بينما أنا فى مكانى وجدت أمامى مسيرة إنتخابية للإخوان, و وجدت القيادى الإخوانى الذى حاولت توصيل صوتى له صباحاً يمر من أمامى, توجهت للحديث معه, وضع الرجل يده على كتفى و أنصت إلى و أنا أقص عليه ما جرى صباح اليوم بإختصار, قلت له:ماذا سيفعل الإخوان؟

قال لى بكل هدوء:و لا حاجة.

رأى الرجل الإندهاش فى عينى, فقال لى:أن فى الإنضمام لمثل هذه الأحداث فخ و منزلق للإخوان لا يسمحون لأنفسهم بالإنزلاق فيه, لأنهم ساعتها سيتهمون بأنهم يذكون نيران الفتنة و ستكون ذريعة جديدة للتنكيل بهم, و أما بخصوص ما فعله النصارى, فهذا متكرر منهم طوال تاريخهم, فدعهم يشتمون, و دعنا نحن نعمل لإصلاح بلدنا و التغيير.

إحترمت موقف الرجل, ثم رأيت بعدها بيوم حدوث ما تخوف منه.

شاهدت فى اليوم التالى حلقة برنامج(البيت بيتك)الذى يقدمه المذيع السمج تامر أمين, كان ضيوف الحلقة ثلاثة, أولهم هانى عزيز, و هو رجل أعمال قبطى و عضو بالمجلس الملى و على علاقة قوية ببابا الأقباط, و الثانى الداعية خالد عبد الله, و الثالث شيخ أزهرى لست أذكر من هو.

بدأ تامر أمين سؤاله لهانى عزيز عما حصل, فأجاب بكل هدوء و بساطة:هناك مرشح قبطى فى الإنتخابات فى هذه الدائرة, و هناك مرشح مسلم منتمى لأحد الجماعات منافس له.قاطعه تامر أمين قائلاً:تقصد الإخوان المسلمين؟ قال هانى عزيز:نعم.و إتهم الإخوان بإثارة الفتنة لصرف أصوات المرشحين عن المرشح القبطى!!

إشترك الضيفان الآخران-للأسف-فى هذا الهذر, و تحولت الحلقة من الحديث عن الأزمة و سببها إلى الهجوم على الإخوان المسلمين و السخرية منهم, و الكلام المكرر عن الوحدة الوطنية و عنصرى الأمة.....إلخ.

و قبل أن نكمل أشير لشيئين:

الأول:أن الإخوان تم توريطهم إعلامياً حتى بالرغم من عدم إشتراكهم فى الأحداث من الأصل.

الثانى:أن دائرة محرم بك لم يكن بها مرشح إخوانى من الأساس.

لكن الكذب و البجاحة و الإستخفاف بالعقول ليس له حدود.

و لم تتمخض هذه الأزمة إلا عن بيان هزيل-ما زلت أحتفظ بنسخة منه-صدر عن البطريركية بالإسكندرية (تأسف)فيه لما جرى من أحداث, و تعلن أنها تستنكر إى مساس بمشاعر المسلمين, خالياً من أى إعتذار للعمل المسىء نفسه.

و هكذا تم الردم على الموضوع, و كان تصرف الحكومة هو نفس التصرف الأحمق المعتاد:حل سريع أمنى لإحتواء الموقف, و يكون الحل بالقمع فى حالة المسلمين, و بطول البال و النفس مع غيرهم, و فى النهاية لا يحل الموضوع و تبقى الحزازات و المرارة بالنفوس.

لماذا أتكلم عن هذا الموضوع اليوم؟

لأن الرابط المشترك هو الصمت من جهة الكنيسة, و إلقاء اللوم كله على المسلمين.و هذه المرة يتم تلبيس الأمر للسلفيين, مع العلم أننى أكرر التأكيد على أن من كان يحاول تهدئة الناس يوم محرم بك سواء أثناء المظاهرة أو بعدها هم السلفيون.

إن أى عاقل يعرف أن هذا البلد لا يُرادُ له أن يتقدم و لا أن يستعيد وضعه و مكانته أو يقوم بدوره فى المنطقة و العالم.و أن أعداءنا لن يتركونا فى حالنا.و علينا أن نتوقع المزيد و المزيد من هذه الحوادث.لكن أريد أن أشدد على أن مسئولية كبرى تقع على أبناء هذا الوطن لمنع وجود ما يسبب أى إحتكاكات أو يوفر مناخاً للفتنة و يسمح لأى عدو بالتدخل.و جدير بالذكر أن إلقاء الخطأ كله فى جانب واحد ليس من الإنصاف فى شىء.و تصوير طرف آخر فى صورة الحمل الوديع و الشهيد المظلوم ليس من العدل فى شىء.لا أدعو لتوزيع الأخطاء ليرتاح الجميع.لكن قبل أن نشير بأصابع الإتهام تجاه طرف فلننظر إلى أسباب وقوعه فى هذا الخطأ.

عندى تحفظات كثيرة على شريحة كبيرة من التيار السلفى و أختلف مع عدد من أتباع هذا التيار فى الفكر.لكنى أرفض الإختزال و تعميم الأحكام.و أرفض الشتائم القذرة التى توجه للسلفيين لدرجة أن أرى مسيحيين و مسلمين يتوحدون معاً فى سب الدين للسلفيين!!!! و أرفض الهوان و الخذلان و تسمية الأمور بغير مسمياتها كما قلنا من قبل.و أرفض التعالى على القانون و أرفض الإستقواء بالأجنبى و أرفض إستفزاز مشاعر غالبية هذا الشعب.

نحن نريد أن نبنى بلدنا سوياً و نعيش مستقبلنا معاً كما عشنا عمرنا كله معا.و الأيام المقبلة هى التى ستثبت من الذى سينتصر:الحق أم الباطل؟ العقل أم الغباء؟ البقاء أم الفناء؟

و الله المستعان. رب إحفظ مصر و المصريين.


الأحد، 1 مايو 2011

حرب المصطلحات

تحديث: تم نشر هذا المقال بموقع يقظة فكر بتاريخ 23 مايو2011

-------------------------------------------------------------------------


إنها حربٌ مجالها الصحف و المجلات و المناظرات و الفضاء الإلكترونى.حربٌ لا غالب فيها و لا مغلوب لأنها حربٌ وهمية.حربٌ تُستنزف فيها الأعصاب و تضيع الطاقات و الأوقات و يبقى بقية الشعب المسكين متفرجاً على هذا الهذر الذى لا يعنيه و لا يشغله.لكن هل سيظل صامتاً طويلاً؟

إنها الحرب الفكرية بين التيار الإسلامى و التيار العلمانى فى مصر.

يتخندق أتباع كل طرف داخل خنادق فكرية لا يرون منها الطرف الآخر, و بين الخندقين جبال من دخان و أوهام إذا نفخت فيها صارت هباءً منثوراً.

هذه الجبال هى مذاهب فكرية و مصطلحات و شعارات رنانة يسبب الجهل بمعانيها الحقيقية كثيراً من سوء الفهم, و يقوم الإختزال ببقية الدور.

نسمع تحذيرات من الدولة الدينية, و مطالبات بدولة مدنية.نجد بعدها تحذيرات من الدولة المدنية بدورها.و ذلك كله بسبب الفهم المغلوط للمصطلحين.

نجد هجوماً شرساً فى الإعلام على الإسلاميين ينال منه السلفيون نصيب الأسد, و فى المقابل تكفيراً للعلمانيين.علماً بأن من علم هؤلاء و هؤلاء لم يكن ليتصرف هكذا.لكنه الجهل و التدليس و الإختزال.

نجد جدلاً حول مصطلحات الليبرالية و الإشتراكية و الحل الإسلامى.و فى الوقت ذاته عدم توضيح آليات كل تيار و حلوله العملية للمشاكل التى يواجهها الوطن.و تظل الأمور فى أطر الخطب و التنظير المجرد.


و حتى نخرج من هذه الخنادق, أرى أن نضع فى إعتبارنا الآتى:

1-كل من حباه الله علماً و فكراً و قدرة على توصيل المعلومة لا يكتم هذا العلم بل يسعى لنشره من أى منبر حسب دائرة تأثيره.هذا واجب الوقت.

2-لابد من الخروج من فكرتى الإختزال و تعميم الأحكام.فمثلاً, يقع الإسلاميون و العلمانيون فى خطأ كبير حينما يختزلون الشريعة فى إطار تطبيق الحدود فقط و ينسون أنها أوسع و أشمل من هذا.و يقع فى خطأ شنيع من يعمم التطرف على طائفة بسبب غلو بعض أفرادها, أو من يكفر فريقاً بسبب شطط بعض المنتمين له. و أرجو قراءة هذا المقال القديم عن ثقافة الإختزال.

3-على من يعرض فكرة الحرص على عرضها بوضوح مع توضيح علاقة الفكرة بالواقع.اللعب على الوتر العاطفى قد يكون فعالاً لكن لفترة قصيرة.و حين أجد مشروعاً فكرياً جيداً له تطبيق عملى و جاهز للتطبيق سأضع مشروعك على أقرب رف.

4-من يسعى للمعرفة عليه أن يحسن إنتقاء المصدر, فليس من الممكن الحصول على رأى موضوعى عن الإخوان المسلمين من د.رفعت السعيد مثلاً.و فى الوقت ذاته يحاول تنويع المصادر حتى لا يكون أسيراً لوجهة نظر واحدة.و بعد هذا لك الخيار فالله أعطاك عقلاً و منحك حرية الإرادة.

5-ليس من المقبول قولبة الناس فى قوالب جامدة و تصنيفهم تصنيفات تجعلك تقبل من هؤلاء كل ما يقولون أو ترفض من هؤلاء كل ما يصدر عنهم, إفتح عقلك لكل الأفكار و من جديد إترك لعقلك الحكم.و أرجو قراءة هذا المقال عن ثقافة التصنيف.

6-لا يوجد شىء إسمه إنسان محايد.الإنسان قد يكون له موقف حيادى سلبى فقط فى قضية لا تخصه أو يجهل تفاصيلها لكن فور معرفته للتفاصيل ينحاز لرأى معين.لا يمكنك أن تكون حيادياً و لكن يمكنك-بل يجب عليك-أن تكون موضوعياً.

7-حوار النخب و المثقفين جميل و جيد, و لكن ماذا عن الغالبية العظمى من الشعب؟لا يمكن الإستمرار فى سياسة الإنعزال و الإستعلاء و التعامل بطريقة فوقية و النظر للناس على أنهم غنم.أفيقوا يا سادة.

8-إذا كنت تعتبر نفسك مقاتلاً فى معركة, فتعلم أن تقاتل بشرف.التدليس ينسف مصداقيتك قبل أن يشوه صورة منافسك.و فى بلادنا التى ما زالت تعانى من داء الإختزالية فإن الصورة السلبية قد تصيب تيارك بأكمله و لا تقتصر عليك وحدك.فليس من المقبول نشر الأخبار الكاذبة و الإشاعات للتخويف من السلفيين.و كذلك ليس مقبولاً إيهام الناس أن الدولة المدنية معناها إباحة الزنا و الخمر و المساواة فى الميراث ...إلخ!!!!

9-ليس من المعقول التركيز على المصطلحات دون قراءة آليات هذه المصطلحات, فمثلاً:ليس معقولاً أن نرى من يرفض كلمة الديمقراطية بسبب رفضه لتعريف المصطلح بدعوى أنها حكم الشعب للشعب فى حين أن الحاكمية لله عز و جل.و لو فهمنا آليات الديمقراطية سنرى أين ستوصلنا فى النهاية.

10-لابد أن نتذكر أن هناك سنن كونية منها التدرج.لا يمكن إصلاح كل شىء حالاً و فى نفس الوقت, لا يمكن المطالبة بإصلاح كل شىء الآن.هناك ما يعرف بفقه الموازنات و فقه الأولويات.و بالترتيب الصحيح للأولويات نمشى فى الطريق السليم لتحقيق الغاية الكبرى.

11-كل تيار فيه جانب متشدد و جانب وسطى.الجانب المتشدد هو الذى يثير ضوضاء أعلى رغم أنه قد يكون الأقل عدداً.لا يمكن أن نترك الساحة للمتشددين فى الجانب الدينى أو العلمانى ليقررا مستقبل الوطن.هذه مسئولية التيارات الوسطية المعتدلة داخل كل تيار.و على العاقل التمييز و معرفة مع من يتحاور و من يتهم.

12-الناظر لأهم ما تدعو إليه الإشتراكية مثلاً و هو مبدأ العدالة الإجتماعية.و إلى أهم ما تدعو له الليبرالية من التأكيد على الحريات و حقوق و المساواة و المواطنة سيجد أن كل هذه عوامل مشتركة بين هذين المذهبين و بين الإسلام.الإسلام ملىء بالنصوص و المواقف التى تؤكد هذه المبادىء و أكثر.و هذه مساحات مشتركة يجب أن تربط بين أتباع هذه التيارات و يمكن لكل تيار أن يعرض آلياته العملية لتحقيق هذه الشعارات و المبادىء, و التجربة وحدها هى التى ستثبت نجاح أى مشروع.

لا يتبادر لذهن أحد أنى بهذا الكلام أنفى الخلاف بين الفريقين أو أبسطه.لابالطبع, هناك خلاف جذرى لأن المرجعية مختلفة و نقطة الإنطلاق ليست واحدة.و لكن هل النظر يكون لنقطة البداية فقط أم للغاية التى يريد كل فريق أن نصل إليها؟و هل إذا لاحظنا أن الطرق تتقاطع من حين لآخر, ألا يدل هذا على وجود عوامل مشتركة و أرضية تمكن من عمل مجتمعى موحد كى نصل جميعاً للغاية المنشودة؟

إن نقطة الإنطلاق الخطأ و السير فى طريق خطأ لن يوصلنى للغاية التى أريدها مهما كان نبل هذه الغاية, فما العمل؟هل نساعد بعضنا البعض على السير فى طريق ممهد مشترك نواصل فيه العمل سوياً لبناء الوطن.أم يسير كل منا منفرداً بل و يحاول بعضنا قطع الطريق على الآخر؟

بعد إزالة غبار جبال الأوهام سنجد أن الأرضية المشتركة التى يمكن العمل عليها كبيرة.و حين نكتشف كبر هذه المساحة سيكون هذا دافعاً لنا للهدوء و الحوار بطريقة أكثر عقلانية و أكثر وداً.إن كثرة الروابط بينى و بينك تشجعنى أكثر على أن أتقبل كلامك, طالما أنى أجد منك فى المقابل أذناً مصغية و عقلاً متفتحاً قابلاً للنقد البناء.

دعونا نبنى سوياً, و دعونا من السفسطة و الجدل البيزنطى و الغلو فى التنظير و السخرية و التريقة على خلق الله.إما هذا أو فلتبقوا فى أبراجكم العاجية تصارعون الطواحين و تقذفون بعضكم البعض بالمصطلحات.أقول إبقوا فلن أبقى ساعتها معكم.


الأربعاء، 9 مارس 2011

مشاهد من الثورة المصرية-2-جمعة الغضب 28 يناير



حرصت فى هذا اليوم أن أصلى الفجر جماعةً حتى أكون فى ذمة الله حتى أُمسى.دعوت الله كثيراً بالثبات و أن ينزل علينا السكينة و أن يرزقنا الإخلاص حتى إذا ما جاء أجل أحدنا فى هذا اليوم لا يُحرم الأجر و ثواب الشهادة.نمت سويعات بعد الصلاة ثم إستيقظت لأفاجأ بإنقطاع الإتصالات على شبكة المحمول.بدا أن الأمن مستعد لحرب شاملة استخدم فيها كل الأسلحة.اتصلت بأعز صديقين لى على هواتفهم الأرضية كى نحدد أين نلتقى.تقابلنا فى سموحة و وجدت تواجداً مكثفاً لقوات الأمن بجوار جامع حاتم و أيقنت أن هذا المنظر سيتكرر بجوار كل مسجد كبير.إنطلقنا لسيدى جابر و وجدنا نفس المنظر, فاتفقنا على أن نصلى الجمعة فى المسجد الكائن بشارع سوتر خلف المكتبة حيث أنه أقرب مسجد من منطقة القائد إبراهيم.

جلسنا نستمع للخطبة, لم أنتبه لما قيل فيها.أخذت أتأمل فى الأعداد حولى و أتخيل الوضع لو خرجت مظاهرة من كل مسجد.بعد الصلاة سرت و أًصدقائى بحذاء سور أرض كوتة حتى وصلنا لشارع شامبليون و سرنا به حتى وجدنا مظاهرة تتكون عند تقاطع الشارع مع الترام.التحمنا بالمظاهرة و علت الهتافات بسقوط مبارك و هتفنا لأول مرة:الشعب يريد إسقاط النظام.كانت المعركة عند جامع القائد إبراهيم قد بدأت بأن قامت قوات الأمن بإلقاء القنابل المسيلة للدموع على المصلين فور الإنتهاء من الصلاة.كان هذا التصرف الأرعن مثيراً لحنق الناس جميعاً و لم يكن هناك مجال لأى سلمية فى المظاهرة إزاء هذا الهجوم الشرس, فالجامع لم يكن يبدو من كثافة الدخان الأبيض.تقدمنا للأمام و الكل يهتف و يصرخ و تحول الشارع إلى ميدان معركة حقيقية.بدأنا فى رجم قوات الأمن بالحجارة, أرى شابين يجريان بجانبى تجاه قوات الأمن و كل منهم يلقى عليهم حجراً و يهتف:من أجل السويس.القنابل تنهال علينا و رائحة الغاز تخنق الجميع.تحدث بعض حالات الإغماء و الإختناق.النساء و كبار السن من سكان المنطقة يلقون إلينا بالبصل و زجاجات المياه, و أحياناً يلقون المياه على القنابل مباشرةً لإخمادها.بعض الشباب يدحرج صناديق القمامة و كتل حجرية ليمنع عربات الأمن من التقدم نحونا.كلما تلفت حولك تجد شاباً يعرض عليك البصل أو الخل أو رش وجهك بزجاجة كولا, و يحذرك من دعك عينيك.كان معى نظارة غطس و كمامة و خل و لكن مع كثرة القنابل لم تجد هذه الأشياء نفعاً مع إصابتى بحساسية الصدر.فى وسط الكر و الفر افترقت عن صاحبى و وقفت فى شارع جانبى لإلتقاط الأنفاس.عدت إلى الشارع الرئيسى لأجد أخى الأصغر مع إثنين من أصدقائه-علماً بأن أى منهم لم يشارك فى اليوم الأول للثورة.يعانقنى أخى و نعود لإلتقاط حجارة للدفاع عن أنفسنا.نعود للكر و الفر من خلال هذا الشارع الموصل بين البحر و شارع الترام.يزداد القاء القنابل و نتابع كل قنبلة بأنظارنا لنرى أين تسقط لنبتعد عنها.الجنود الأغبياء يلقون القنابل بدون تمييز لدرجة أنى رأيت قنبلة تمر من فوق عمارة 5 أدوار و تعبر طريق الكورنيش لتنزل فى البحر مباشرةً.ألتقى بالصدفة أيضاً صديقى الذى كان معى فى اليوم الأول للثورة.كثرة الغاز يشعرنى بالإعياء الشديد و أحاول أن أشم هواء نقياً عند البحر لكن رائحة الغاز منتشرة فأضطر للإبتعاد, و أقسم بالله أننى عندما صليت الجمعة التالية فى جامع القائد إبراهيم-أى بعد هذه الجمعة بأسبوع كامل-كان بإمكانى أن أشم رائحة الغاز فى بعض الأماكن المتاخمة للمسجد من كثرة ما ألقى من قنابل!!

سرنا على البحر حتى وصلنا الى شارع سوتر.قررنا الوقوف هناك قليلاً لإلتقاط الأنفاس و التفكير فيم سنفعل.رأيت عربات أمن مركزى قادمة من البحر و تدخل الشارع.كنت واقفاً على مدخل شارع فرعى يؤدى فى النهاية لمنطقة جامع القائد.دعوت الناس للوقوف بجوارى لنسد الشارع بأجسادنا لنمنع العربات من المرور.مرت العربات من أمامنا بدون أن تدخل الشارع ثم توقفت و لم تبد منها نية للحركة.

رأيت مظاهرة على طريق الكورنيش قادمة من إتجاه القائد إبراهيم. ظننا أنها مكونة من فلول المتظاهرين فى محطة الرمل و المنشية-علمت فى نهاية اليوم أن المعركة كانت لا تزال مستمرة و هو ما سيظهر لاحقاً-و تحركنا مع هذه المظاهرة سائرين جهة الشرق.

كانت المظاهرة تزداد عدداً كلما تقدمت.كنا نهتف بسقوط النظام و سقوط حسنى مبارك و حاشيته الفاسدة, كنا ننظر إلى الأعلى فنجد الناس الواقفين ببلكوناتهم يشيرون لنا بإشارات التأييد و يلقون لنا بالبصل و زجاجات المياه.عادت المعنويات للإرتفاع مع هذا التلاحم بين أفراد شعبنا و الإجتماع على هدفٍ واحد و إرادة واحدة:الشعب يريد إسقاط النظام.

ظهرت عربات أمن مركزى وراءنا و بدأت فى تتبعنا بحذر.استمرت المظاهرة حتى وصلنا لمنطقة رشدى فوجدنا حوالى 8 عربات أمن مركزى مع سيارات مصفحة و سيارات بوكس و يقف بجوارها عدد كبير من ضباط الأمن المركزى و أمن الدولة يقفون بحذاء الرصيف من جهة البحر.ردد عدد من المتظاهرين هتاف:سلمية...سلمية, و أكملنا طريقنا.أذن العصر فقررنا أن نصلى فى ستانلى.

اصطففنا للصلاة و فاتتنى الركعة الأولى.قنت الإمام فى الركعة الأخيرة و أخذ يدعو على الظالمين و يسأل الله النصر.سلم الإمام و قمت لأداء الركعة التى فاتتنى و أحسست و أنا أصلى بهرج و سمعت مناد ينادى:لا تخافوا...لا تجروا.ظننت أنهم سيضربوننا و نحن نصلى فأكملت الركعة و أنا ألعنهم.حين أنهيت الصلاة نظرت تجاههم فوجدت منظراً لم أصدقه.عربات الأمن تقطع الطريق و تفر بسرعة الى شارع أبى قير و مظاهرة كبيرة قادمة من سيدى جابر تجرى قادمة فى إتجاهنا لتتحد معنا.علت الهتافات و التكبيرات و وجدنا أن الجبناء قد فروا و تركوا وراءهم عربة أمن مركزى يبدو أنها أُصيبت بعطل فتركوها و من بها من الجنود.جرى المئات الى هذه العربة و بدأوا فى الدق عليها بأياديهم و هزها ليقلبوها, فشكل عدد كبير من الشباب درعاً بشرياً حول العربة و هم يطلبون من البقية الإبتعاد و يصيحون:(سلمية..سلمية) و (هؤلاء عساكر مصريون).

قرر البعض العودة تجاه محطة الرمل, و أكملنا سيرنا تجاه الشرق.و أنا أمر من فوق كوبرى ستانلى شاهدت منظراً مستفزاً جداً:ثلاثة رجال يسبحون فى البحر بكل إطمئنان و لا كأن البلد فى حالة ثورة.مر بجوارى شاب نظر إليهم بحنق ثم قال: يا رب يطلع لكم تمساح :) .

تنادى بقية الشباب باللحاق بمن عاد إلى محطة الرمل فقررنا العودة.كان التعب قد بلغ منا مبلغاً كبيراً و توقفت عند أحد المحال لأشترى ماءً للشرب فشاهدت تغطية الجزيرة لما يحدث فى أماكن مختلفة من مصر.لم يكن المرء يدرى بما يحدث فى بقية المدينة ناهيك عن بقية البلد بسبب إنقطاع الإتصالات.أكملنا السير و إذا بنا نرى على البعد أعمدة من الدخان الأسود.كان هذا أمراً مثيراً للحيرة فالدخان المعتاد منذ الصباح كان الدخان الأبيض.لدى وصولى إلى منطقة الشبان المسلمين بدأت أرى مجموعات صغيرة من الشباب عائدة من جهة الغرب.رأيت أحدهم يحمل عصا أمن مركزى.رأيت سيارة يركب بها بعض الشباب و هم يصيحون بفرح و أحدهم ممسك بدرع من دروع جنود الأمن المركزى.شاهدت سيارتى أمن مركزى تجريان بسرعة و الزجاج الأمامى لهما مهشم و الجنود متكدسون بها و قمت و غيرى برجم السيارتين بالحجارة فرأيت الجنود يشيرون إلينا أن كفى و يرفعون أياديهم للأعلى كعلامة للإستسلام.استوقفت أحد الشباب لأسأله عن الوضع فقال:الشعب خلاص سيطر على وسط البلد.قلت له و أنا غير مصدق:الشعب؟!!استطرد قائلاً:المحافظة ولعت و قسم باب شرق ولع و الناس أخدوا السلاح من القسم و يمشون به فى الشارع.عند سماعى للعبارة الأخيرة نظرت إلى نهاية الشارع فرأيت من مكانى و أنا عند البحر ألسنة اللهب المتصاعدة من قسم باب شرقى.ساعتها أدركت أن الوقت قد حان للعودة لأن هذا ليس ما خرجنا من أجله.إصطحبت أخى لمنزل أهلى و علمت أن مبارك قد أمر الجيش بالنزول و أن حظراً للتجول سيبدأ.عدت لمنزلى و حاولت الإتصال بعدد من أصدقائى لأطمئن على عودتهم.قص على كل منهم ما يكمل الصورة.علمت أن بقية أقسام الشرطة-بما فيهم قسم شرطة سيدى جابر القريب منى-قد تم إحراقها.أخبرنى صديقى الذى افترقت عنه فى معركة القائد إبراهيم أن تشكيل الأمن المركزى الواقف أمام المسجد من جهة الترام قد إمتنع عن مواصلة إطلاق القنابل على المتظاهرين-و هو الخبر الذى كنت قرأته فى الجزيرة- فركز المتظاهرون على التشكيل الآخر المتمركز من جهة البحر و الذى استمر فى الضرب حتى نفدت القنابل نحو الساعة الثالثة و النصف.قام الضباط بركوب السيارة و هربوا و تركوا الجنود وراءهم فهم بعض الشباب بالفتك بهم لولا أن قام صديقى مع آخرين بعمل كردون بشرى لحماية الجنود.تنادى بعض الناس بالذهاب نحو المحافظة و عندما وصل صديقى هناك وجد أنها قد أُحرقت.

صديقى الآخر كان قد وصل مع مجموعة إلى مبنى أمن الدولة و شهد ضباطه و هم يغادرون المبنى و يطلقون السجناء منه.و لم يحدث شىء للمبنى!!

صديق ثالث صلى بجامع سيدى جابر.بعد الصلاة تجمع حوالى 500 مصل ليبدأوا فى التظاهر فاقترب منهم نقيب أمن مركزى ليخبرهم أن من يريد التظاهر فليذهب للقائد إبراهيم-كأن التظاهر هناك مسموح و لا توجد معركة هناك-و أن لديه أوامر بفض أى تجمع و أنه لا يريد ضرب أحد.عندما بدأت الهتافات قام الجنود بضرب الناس بكل قسوة و طاردوهم.إنضمت الفلول لمظاهرة كانت تسير على البحر و إستمرت حتى ستانلى حيث تعرضوا للضرب بالقنابل من قوات داهمتهم من الخلف.إستدار المتظاهرون للقوات و رشقوها بالحجارة إلى أن توقفت القوات عن الضرب و أشار ضابط للمتظاهرين أن كفى, فأشاروا إليه بنفس الإشارة, و إنطلقوا إلى أن وصلوا الى سيدى بشر.

فى الوقت ذاته كانت مسيرات ضخمة تقطع شارع أبى قير, و الخلاصة أن أكثر من نصف سكان المدينة كانوا فى الشارع يتظاهرون و يقاومون قمع الأمن حتى إنكسرت شوكته و إنسحب تماماً كما هو معروف.

رغم حظر التجوال الذى قيل عنه, فإن الأصوات لم تنقطع من الشارع.كل فترة تمر مجموعات من الشباب يعلو صوتها بالهتاف.رأيت النار المشتعلة أمام قسم سيدى جابر من شرفة منزلى.بعدها بقليل وجدت شباباً يقودون سيارة أمن مركزى قاموا بأسرها!!

رأيت عربات الجيش المصفحة و هى تنتشر فى الشارع.لا أنكر أنى قد تضايقت عندما سمعت نبأ نزول الجيش فى البداية, لأننا و إن كنا نواجه الشرطة الباغية فإن مواجهة الجيش شىء آخر.لكن الأيام التالية أظهرت معدن الجيش المصرى.

فى نهاية اليوم شاهدت خطاب مبارك الأول الذى كنا ننتظر فيه أن نسمعه و هو يعلن تنحيه عن الرئاسة إزاء هذه الثورة العارمة ضده, فإذا به يخرج لسانه لنا و يتصرف كأننا نتظاهر ضد شخص آخر.و لا يقوم إلا بتعيين عمر سليمان نائباً له, و أحمد شفيق كرئيس للحكومة الجديدة!!

و بتنا لنبدأ أسبوعاً جديداً من التحدى, و الصمود, و الثورة.

الاثنين، 28 فبراير 2011

مشاهد من الثورة المصرية-1-يوم 25 يناير:عندما نطق الأبكم





إثر نجاح الشعب التونسى الشقيق فى طرد الطاغية بن على, ظهرت الدعوة إلى الخروج فى مظاهرات سلمية فى مصر مطالبة بعدد من المطالب مثل إقالة وزير الداخلية و إلغاء الطوارىء و وضع حد أدنى للأجور 1200جنيه!!...إلخ.

و كان المصدر الرئيس لهذه الدعوة هو صفحة(كلنا خالد سعيد). و منذ ظهرت هذه الدعوة إلى يوم بداية الثورة تعددت التوجيهات والإرشادات و النصائح الخاصة بهذا اليوم, و وضعت قبل الموعد ببضعة أيام الأماكن التى ستنطلق منها المسيرات و كذلك ساعة التحرك, مع مجموعة من أرقام التليفون لمعرفة أى تعديلات.

قبل الموعد بيومين تم نشر أماكن التجمع بالإسكندرية, فى البداية كان المكان هو جامع القائد إبراهيم, لم يعجبنى الإختيار بسبب سهولة تطويق المكان بالكردونات الأمنية و ذلك من واقع حضور مظاهرة سابقة فى نفس المكان, بخلاف أن العقيد عمر عفيفى كان قد نصح بخروج المظاهرات من المناطق الشعبية المزدحمة حيث لا تستطيع تشكيلات الأمن المركزى المناورة بتشكيلاتها و لا حصار المتظاهرين.

فى ذات الليلة علمت أن سيارات الأمن المركزى تجمعت بجوار الجامع إستعداداً لما سيحدث بعد يومين!!فى اليوم التالى تغير المكان ليصبح ميدان المنشية و ميدان محطة مصر.تعجبت مرة أخرى, و قدرت أن أحد المكانين لابد و أن يتغير فى اللحظات الأخيرة ليصبح أحد الميادين فى شرق المدينة لفتح جبهه هناك لتشتيت الأمن, و هو ما جرى فعلاً حيث تم تغيير المكان قبل الموعد بساعة من محطة مصر إلى ميدان الساعة.

فى يوم 25 يناير إستيقظت و صليت و دعوت الله أن يحفظنا و أن ينزل علينا السكينة, لا أنكر أنه كان بداخلى بعض الخوف بطبيعة الحال لكنى أحسست بأن الله قد من على بالسكينة فعلاً.توجهت إلى موقع عملى ببرج العرب.لم يكن أحد من العاملين بالمشروع ينوى المشاركة إلا مهندس حديث التخرج, أما البقية فتنوعت مواقفهم بين السخرية و تكسير المقاديف, أو الجهل بالأمر أصلاً!!

قمت بالإتصال بالرقم الموضوع على الصفحة للتأكد من الأماكن النهائية, وجدت الهاتف مغلقاً لفترة, و حينما وصلت إليه أخيراً إعتذر بأن التليفون كان (يُشحن)!!و حينما سألت عن الأماكن طلب منى أن أتصل ثانيةً حينما أصل إلى الإسكندرية لأنه لا يعلم بعد!!

إتصلت بعدد من الأصدقاء و وجدت الأمر ضبابياً.بدأت أشعر بالقلق و أن الأمر غير منظم. سعيت للخروج مبكراً من العمل لكى أصل الإسكندرية فى الموعد.تحركت فى الواحدة و الربع تقريباً لأعلم فى طريقى أن تحركاً قد بدأ فى الشرابية, علمت بتغير مكان التجمع فى محطة مصر ليصبح ميدان الساعة.إتصلت بالصديق العزيز هشام علاء الذى كان فى طريقه للمحطة بالفعل فأخبرنى أنه قد عرف و أنه نزل ليعود أدراجه للساعة.إتصل بى صديق آخر يخبرنى أنه فى المنشية و قررت التوجه إلى هناك لأنها الأقرب.

الساعة الثانية و الربع:

وصلت المنشية لأقابل صديقى على الكورنيش أمام الجندى المجهول مع 3 من الرفاق الثائرين.نظرت حولى فوجدت على سور الكورنيش مجموعات صغيرة من الشباب كأنها كلها تنتظر شيئاً ما.إنتظرنا قليلاً ثم توجهنا إلى ميدان المنشية لنمر فى طريقنا بعربات الأمن المركزى.دخلنا فى الجزيرة التى بوسط الميدان لنجد مجموعات قليلة متفرقة من الشباب, و ضباط أمن الدولة و المخبرين.

إتصل بى هشام ليسألنى عن الوضع فأخبرته أنه لا شىء بعد, و كان الوضع فى الساعة مماثلاً.لم تكن الأعداد مشجعة على أى تحرك.تجمع حوالى 40 فى حلقة و توسطنا مناضل فى الأربعينيات من عمره-شوهد بعدها بيومين فى ميدان التحرير-بدأ فى ترديد النشيد الوطنى و أخذنا فى ترديده.بدأ آخرون فى الإنضمام و تحركت قوات الأمن لتنتشر أمام الجزيرة لمنعنا من النزول إلى الشارع.لم يطل هذا الوضع إلا دقيقتين فقد هتف هاتف أن إجروا إلى الجهة الأخرى فجرينا و نزلنا الشارع.رأيت شباب ينطلق إلينا و ينضم لنا من شوارع جانبية و كأنما إنشقت الأرض عنهم.حاول الأمن تطويقنا لكن كلما لمحنا محاولة للتطويق عدونا لنتقدم المظاهرة لكى نمنع أى كردون من التشكل أو حصارنا من أى شارع جانبى, لا أعلم كيف تحول الأربعون إلى ألفين فى خمس دقائق, ثم ألوف فيما بعد.

كلما عدوت و شعرت بثقل الحذاء السيفتى فى رجلى تذكرت نصيحة العقيد عمر عفيفى بإرتداء حذاء خفيف(كوتشى), لكن روح عامة جعلت كل المشاركين يتحركون بخفة و يتحركون سوياً بدون قائد أو منظم, إنها روح الثورة و إنها عناية الله.

كان الهتاف الغالب هو الهدف المشترك لنا جميعاً:يسقط يسقط حسنى مبارك.تقدمنا فى شوارع المنشية من شارع إلى شارع و كلما تقدمنا كلما زاد عددنا.حاول الأمن فرض كردون علينا قبل محطة الرمل و تم كسره بكل سهولة.كنت أشد جندى الأمن من ذراعه و كأنه يلين فى يدى.وصلنا إلى شارع فؤاد و توجهنا صوب المحافظة, هناك وجدنا مدير الأمن و مدير المرور و عدد من ضباط أمن الدولة.توقفنا قليلاً أمام مبنى المحافظة و علت الهتافات و حاول مدير الأمن تهدئتنا و إيهامنا بأنه سيتركنا نفعل ما نريد شريطة أن نفسح الطريق للمرور و نقف على الرصيف.من المؤكد أن أعدادنا كانت أكبر مما توقعوا و أن الأمور قد فلتت منهم حتى الآن.تحركت المظاهرة صوب محطة الرمل لتخترق شارع البطالسة ثم السلطان حسين وصولاً إلى صفية زغلول.حينما وصلنا إلى محطة الرمل وجدنا لافتات تأييد جمال مبارك التى تعلوها فجن جنوننا, صعد عدد من الشباب أعلى المحطة ليسقطوا و يمزقوا كل الصور.فى هذه اللحظة كبرت و من حولى و أنا أرى صور الفاسد إبن الطاغية الذى أراد أن يرثنا و هى تمزق و تداس بالأقدام, ثم أحسست بيد تجذب ذراعى فنظرت فإذا برجل أبكم يقف بجوارى و وجهه متهلل و هو يدير عينيه بينى و بين صور جمال مبارك و يشير لها و كأنه على وشك أن ينطق و يقول:أنظر ها هنا فقد سقط الطاغية الصغير.

شعرت أن لحظة الحرية قد دنت, و أن الأبكم الذى يقف بجوارى هو مثال للأبكم الكبير الذى قُطع لسانه فأُرغم على السكوت طويلاً.هذا الأبكم هو الشعب المصرى الذى يصرخ الآن مطالباً بحريته.

تباً لك يا مبارك, لقد عم ظلمك البلاد و العباد, حتى كاد الأبكم ينطق ببغضك.




وجدت بعض الشباب يحمل الأخشاب التى تحيط بالصور بنية الدفاع عن أنفسهم ضد أى إعتداء من الأمن, فقمت و عدد من الشباب بأخذ هذه الأخشاب منهم و وضعها بعيداً لأننا فى مسيرة سلمية, و كنا حريصين على سلمية المظاهرة حتى بعد تعرضنا للضرب فى نهاية اليوم.

و الحق أن سلوك أغلب المشاركين كان يعبر عن وعى و تحضر و رقى كامل.كلما إنفلتت أعصاب أحدهم سارع من حوله لتهدئته, كلما هم أحد بتحطيم شىء-عدا صور مبارك-منعه من حوله.كانت روح التعاون سائدة بين الجميع, طوال طريقك تجد من يعرض عليك الماء.كنا نشعر أن يد الله تجمعنا و لا تفرقنا, و سبحان من يسر لهذا الجمع أن يسير بهذا النظام دون قائد.و إلا فما التفسير لكون مظاهرات القاهرة تتجه بدون إتفاق سابق إلى ميدان التحرير من كل الجهات؟و ما الذى جعل مسيرتنا تمشى فى إنسجام كأنها جسد واحد رغم عدم وجود قيادة موحدة؟إن لم تكن إرادة الله فماذا تكون إذاً؟

رفض أغلبنا أن نتحرك جهة البحر-ربما من تجارب سلبية سابقة فى وقفات خالد سعيد-و سرنا بحذاء الترام متجهين إلى القائد إبراهيم.كان الأمن قد غاب عن ناظرنا تماماً و كنا قد جاوزنا الثلاثين ألفا.مررنا بصورتين كبيرتين لمبارك فتم تمزيقهما.أكملنا مسيرتنا و مررنا أمام جمعية الشبان المسيحيين و أشاروا لنا من النوافذ مؤيدين و هتفت الجموع:مسلم....مسيحى, و دعوناهم للنزول لكن لم ينزلوا و الأغلب أن هذا بسبب توجيهات باباهم الذى دعا الأقباط لعدم المشاركة فى التظاهرات, و إن كنت لا أشك أن مسيرتنا كانت تحتوى على مسيحيين.

تقدمنا صوب المكتبة, ثم عبرنا بجوار مستشفى الشاطبى.كان منظر العاملين بالمستشفى و أسر الأطفال المرضى و هم يشيرون لنا مؤيدين مؤثراً جداً.تذكرت رغبة سوزان مبارك فى هدم هذا المستشفى المخصص للغلابة لا لشىء إلا لأنه يحجب الرؤية عن المكتبة للقادم من الشرق!!ألا لعنة الله على الظلم و الظالمين.

دخلنا شارع بورسعيد.المشهد مهيب, صرت لا أرى بداية المظاهرة و لا آخرها.الناس فى بلكوناتهم يهتفون معنا و يلقون لنا بزجاجات المياه و الكل فى حالة معنوية مرتفعة و البعض ينزل و ينضم لمسيرتنا, أعتقد أن العدد قد اقترب من الخمسين ألفا.و سيارات الأمن تمشى وراءنا ببطء بدون أن يستطيعوا فعل شىء مع هذه الحشود بطبيعة الحال.

رأيت بيننا المستشار محمود الخضيرى-أمده الله بالصحة و العافية-و صافحته بحرارة.الشارع كله يهدر بصوت واحد:يسقط يسقط حسنى مبارك.ربما لأول مرة تشهد المدينة مظاهرة بهذا الحجم.كانت معنوياتى فى قمتها و شعرت أنى أتنسم عبير الحرية بحق و شعرت بالطمأنينة الكاملة و أنا وسط أبناء شعبى الأحرار و كلنا يد واحدة و هدف واحد.

نسمع أذان المغرب فتتوقف الهتافات.تُقام الصلاة فنصطف صفوفاً فى الشارع بينما استمر البعض فى السير, و هنا كان أول تفرق فى المسيرة.حين انتهينا من الصلاة وجدنا قوات الأمن تقف وراءنا لأننا قد سددنا الشارع بينما بقية المسيرة قد سبقتنا.تقدمنا لنلحق زملاءنا مع إستمرارنا فى الهتاف.عند ميدان كليوباترا تقريباً وجدت صفين من جنود الأمن المركزى على اليمين و اليسار.فى ظل النشوة التى كنت أشعر بها اتجهت نحوهم و سألت أحدهم:بذمتك مش مبسوطين ؟بوغت الجندى و أجفل لدخولى المفاجىء عليه و ظن أنى سأضربه فعاد للوراء بشكل دفاعى.داعبته بأن ضربته على ذراعه برفق و قلت له:اجمد كدة متبقاش خواف.فضحك و ضحك زملاؤه.كررت سؤالى عليه:بذمتك مش مبسوطين؟ فأجاب إجابة معبرة جداً.

قال:مش عارفين!!!

أكملت فى طريقى جهة سيدى جابر, يبدو أن أغلب المسيرة قد سبقتنا و ووجدت أمامى تكدس من حوالى 3000 شاب نتيجة وقوف صفوف من جنود الأمن المركزى أمامنا لمنعنا من المرور لسيدى جابر-ربما حتى لا نمر أمام المنطقة الشمالية العسكرية-علت الهتافات و رأيت بعض الشباب يهم بقذف الجنود بالحجارة فقمت و بعض الزملاء بمنعهم و أخذ الحجارة منهم.نادى بعض الشباب بالجلوس على الأرض فى شكل إعتصام فى حين حاول آخرين كسر الكردون.بدأ معظمنا فى الجلوس فعلاً.و فجأة وجدت الضابط الكلب الذى لن أنساه ما حييت يضرب بعصاه الغليظة الشباب أمامه و جنوده ينزلون بعصيهم على البقية و لا يتوقفون.سيارات الأمن المركزى و عرباته المصفحة الواقفة وراءنا بالإضافة لضيق الشارع لا يدع لنا مجالاً للمناورة.وجدت نفسى فى كتلة بشرية تتراجع على الرصيف و أنا أجاهد كى لا أسقط فأُدهس.العربات المصفحة تنعب بصوتها المشئوم الذى تطلقه لحظة الهجوم و ظننت أن بقيتهم سيهاجموننا من الخلف.

وجدت الكتلة البشرية متنفساً فى مدخل بين عمارتين فدخلنا فيه نلتقط أنفاسنا و شاهدت بعض الشباب محمولين على الأعناق.بعد قليل خرجت و صديقى و قررنا الالتفات من جهة البحر.عند وصولنا للبحر انضممنا لمظاهرة جمعت الفلول التى كُسرت فى سيدى جابر بالإضافة لآخرين أخذوا فى الإنضمام إليها تدريجياً.أيقنت أن طريق البحر هو الخيار الأمثل لإتساعه و إحتياج الأمن لحشود ضخمة جداً لكى يستطيع السيطرة عليه, فى حين إستغل الأمن الجبان فرصة قلة عددنا و ضيق شارع بورسعيد لضربنا.إستمرت مسيرتنا حتى شارع سوريا و قررنا دخوله لنصل إلى شارع أبى قير لكى يرانا عدد أكبر من المصريين و ينضمون لنا.كان البعض يحيوننا بأبواق سياراتهم, و آخرون يشيرون لنا بعلامة النصر.و وصلت المسيرة لشارع أبى قير حوالى الساعة الثامنة.إضطررت للعودة لمنزلى و أنا لا أشعر بساقى بعد هذا اليوم الطويل.علمت بعد ذلك أن مسيرة أخرى لا تقل عن مسيرتنا كانت قد انطلقت من سيدى بشر و تم كسرها أيضاً فى سيدى جابر. و أن الأمن قد ضرب المتظاهرين فى شارع أبى قير بالقنابل المسيلة للدموع و عند تراجع المتظاهرين إلى الوراء وجدوا جنود الأمن المركزى يركضون عليهم من الجانب الآخر لطحنهم!!!و شهدت المدينة مناوشات متفرقة بقية الليل.

عندما عدت لمنزلى و تابعت الأخبار سعدت لرؤيتى ما حدث فى القاهرة و بقية المحافظات.و تابعت قناة الجزيرة فأحسست بالغيظ لما وجدتهم يذكرون أن الأعداد فى الإسكندرية كانت 20ألف و هو رقم يقل بكثير عن الواقع الذى رأيته, و عزوت هذا لإتفاق بين مبارك و أمير قطر فى زيارته الأخيرة هناك.لكن لدى مطالعتى للعناوين الرئيسية للصحف القومية فى اليوم التالى و منها صحيفة الجمهورية التى ذكرت أن عدد المتظاهرين كان 200 أدركت ساعتها كم ظلمت الجزيرة.

لدى ذهابى للعمل فى اليوم التالى وجدت وجوه الأمس الساخرة تحولت إلى النقيض.الكل يتساءل عما حدث و ما هى الخطوة القادمة.كنت أجيب أن يوم الجمعة لابد و سيشهد مسيرات أقوى.كان أشد ما يغيظنى تمنى البعض (أن يحقق الشعب تغييراً للأفضل بخطوته هذه)و كأنه من شعب آخر و يعيش فى بلد آخر.و كنت أسألهم:و أين مشاركتكم أنتم؟

و شهد يوما 26 و 27 يناير تجمعات محدودة كان يتم قمعها بسرعة و بقسوة, مع تطور الأوضاع فى السويس بشكل متصاعد و سقوط العديد من الشهداء.بدأنا ننتظر يوم الجمعة بفارغ الصبر.كان من الواضح أن النظام قد أدرك مدى خطورة الأمر هذه المرة فبدأ فى سلسلة إعتقالات مع خطوات لمنع تواصل الثوار ببعضهم فبدأ بمحاولة حجب موقع الفيس بوك بعد أن حجب تويتر تماماً.و لما استطاع الكثير دخول الموقع من طرق بديلة قام بقطع النت تماماً مساء الخميس 27 يناير.و بدا أن يوم الجمعة لن يكون يوماً عادياً.

و بتنا لنصحوا على جمعة الغضب.

الخميس، 24 فبراير 2011

مشاهد من الثورة المصرية-مقدمة


لم أكن أظن أنى سأشهد ثورة وطنى و أكتب هذه السطور.كنت أحاول أن أظل متمسكاً بالتفاؤل مع يقين و إيمان بأن دوام الحال من المحال.لكنى كنت كلما تلفت حولى و رأيت حال وطنى و أهل وطنى و من يحكم وطنى, كلما رأيت أن الطريق ما زال طويلاً.

و لا أظن أن أحداً ممن خرج يوم 25 يناير كان يتخيل أن عدد المشاركين سيكون بهذه الكثرة, و لا أن الأمر يعدو مظاهرات لا نعلم إن كانت ستحقق مطالبها أم لا.ربما كان هذا الظن فى عقول من دعوا للخروج من الأساس, بدليل المطالب و الهتافات الهزيلة المقترحة وقتها مثل:عيش ..حرية...عدالة إجتماعية.

لكن التفسير الوحيد لكل ما حدث هو قول الله تعالى ((و ما رميت إذ رميت و لكن الله رمى))

لقد قدر الله لهذه النبتة أن تكبر و تترعرع و تثمر, و قال لهذه الثورة كونى, فكانت.

نبتت هذه النبتة طوال عقود من العسف و الظلم و القمع و الفساد, و سقت بماء الذل و التعذيب و البغى, و تحولت النبتة لشجرة عظيمة تضم أبناء الوطن الحزين كلهم إلى أن نضجت الثمار فنزلت من تلقاء نفسها كالحجارة وابلاً على رؤوس الظلمة, و الحمد لله رب العالمين.

و ما أحاول كتابته هنا هو المشاهد التى رأيتها بعينى و سمعتها بأذنى-ممن لا أتهم- بمدينتى الإسكندرية منذ اليوم الأول للثورة مروراً بجمعة الغضب و الإنفلات الأمنى و المظاهرات اليومية المنطلقة من جامع القائد إبراهيم, و الفتنة التى أثارها خطاب مبارك الثانى ليقسم المصريين بين ثابت على موقفه و منقلب على الثوار, و ثبات الثوار على موقفهم رغم الضغط النفسى الذى واجهوه من بقية المجتمع إلى أن تخلى الطاغية مبارك عن منصبه.

و أنا أكتب هذه السطور و الثورة لم تنته بعد, ما زال أمامنا الكثير, و ما زالت الثورة معرضة لأخطار داخلية ممثلة فى الثورة المضادة من أذناب النظام و فلول الأجهزة الأمنية, و أخطار خارجية من كل عدو لمصر يخشى أن تستعيد مكانتها من جديد.

أكتب هذه السطور حتى يقرأها من يأتى بعدنا.

أكتب هذه السطور لمن لم يشهد أحداثها.

أكتب هذه السطور و أدعو كل من شارك بنفسه أو بلسانه أو بقلمه أن يكتب ما رآه حتى يكون كل ما كُتب مادة لمن يتصدى لتأريخ هذه الثورة, و حتى تكون الصورة أعم و أشمل.

أكتب هذه السطور علها تساعد أحد أهل الفن فى أن يجد من بعض مشاهدها ما يستحق أن يخلد فى عمل فنى.

و لكن النهاية مفتوحة, لأن السطر الأخير لم يُكتب بعد.