الخميس، 28 يونيو 2012

رسالة إلى الوالي

هذه مجموعة من الرسائل القصيرة أتمنى أن تصل للرئيس المنتخب أعانه الله و أعاننا على المضي بهذا البلد للأمام

بعد التحية و السلام،

أتمنى أن تنتهى من عملية تحديد فريقك الرئاسي و رئيس الوزراء و أعضاء الحكومة في أقرب وقت .. تثار مشكلة سخيفة بخصوص أداءك اليمين الذي أرى أنه مسألة شكلية فشرعيتك الأساسية تأتي من الملايين التي انتخبتك و أوصلتك لمقعدك في الأساس, لكن درءاً لأي صداع فأعتقد أنه من أفضل الإقتراحات التي طُرحت في الفترة الأخيرة أن تحلف اليمين أمام مجلس الشورى في حضور أعضاء المحكمة الدستورية. و سيكون للقسم رمزية أعمق لو خرجت بعدها إلى التحرير و حلفت أمام حشود الشعب هناك.

لو كنت مكانك فإن ما سأفعله في ثاني يوم من تسلمي السلطة رسمياً هو إصدار قرار بإلغاء الإعلان الدستوري المكبل حيث أنه لا شرعية للمجلس العسكري و لا حق له في التشريع من الأساس حتى يشرع أو يسحب التشريع .. المجلس العسكري أدار المرحلة الإنتقالية بناءً على تكليف المخلوع له و عليهم الآن أن يتبعوا تكليفاتك أنت, أما أنت فصاحب الشرعية من الشعب الذي سيلتف وراءك لو وجد منك هذه الخطوة. و بالمناسبة, تذكر أنك قد صرت فعلياً رئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة بتسلمك السلطة.

و طالما أن هناك حكم محكمة منتظر بخصوص البرلمان في 10 يوليو فأقترح أن تصدر قراراً بالدعوة لإستفتاء عام للشعب بقبول أو رفض قرار حل البرلمان في حال إستمر الوضع على ما هو عليه.

تذكر أن المعتصمين في التحرير و المتظاهرين في المحافظات تحت الشمس الحارقة قد تملك أنت إراحتهم من هذا العناء بجرة قلم .. نعم ستواجه حرباً ربما لن تكون علنية من المجلس العسكري و سيخوضها بالوكالة عنه في العلن – و للأسف – العديد من أفراد النخبة من كتاب و صحفيين و إعلاميين و يصدعوا أدمغتنا بمدى دستورية قرارك و أنك ستتحول لديكتاتور يتولى كل السلطات في غياب دستور و برلمان و يتناسون أن المجلس العسكري ظل يحكمنا لعام و نصف بهذه الصورة. لا تشغل بالك بكل هذه الترهات و امضِ في طريق الحق بقوة بلا مهادنات و لا مساومات, و حين يلمس الشعب فيك القوة و الصلابة في الحق سيلتف وراءك.

إياك أن تنسى و أنت تنام في فراشك كل ليلة أن هناك ألوفاً ينامون على البورش .. لا تنس معتقلي العباسية و مجلس الوزراء و كل من تم اعتقاله سياسياً خلال الثورة...لا تنس ضباط 8 أبريل و من بعدهم. اصدر قراراً جمهورياً بالعفو عن هؤلاء.

أراك تسعى لإرسال رسائل طمأنينة إلى مختلف أركان الدولة، هذا حسن، لكن لا تسمح أبداً بأن يستمر الوضع المعوج للمجلس العسكري الذي سيستمر في التصرف كأنه كيان مستقل.

إذا كنت ذا رأيٍ فكن ذا عزيمةٍ .. فإن فسادَ الرأي أن تترددا .. لا تسوف و لا تؤجل القضايا الحاسمة فإنك كلما تأخرت و أجلت لن تجد الزخم الشعبي المتنوع القادر على مساندتك في الشارع .. أنت محتاج لهذا الدعم بقوة و خصوصاً في المرحلة الأولى إلى أن تنتزع صلاحياتك بشكلٍ كامل..نعم فالصلاحيات و السلطة لا تُسَلَم و إنما تُنتَزَع...و ما نيلُ المطالبِ بالتمني..و صدقني أنك إذا أجلت المعارك و المواجهات الحاسمة لن تجد أحداً يساندك في الشارع سوى الإخوان فقط في نهاية المطاف.

إعلم أن كافة أجهزة الدولة تحاربك حرباً قذرة سواء في الإعلام المأجور أو بنشر الأكاذيب و إشاعة الرعب لدى الناس .. قرأت أن رجلاً تحرش بفتاة مسيحية قائلاً لها أنها ستجبر غداً على النقاب و لما صرخت و تجمع عليه الناس وجدوا أنه أمين شرطة. قف بحزم و أوئد أي فتنة في مهدها و لا تستهن و لا تتهاون.فمعظم النار من مستصغر الشرر.

استعد لكثير من المشاكل المفتعلة من قبيل أزمات البنزين و السولار و ربما الخبز و ربما مشاكل خارجية أيضاً. أركان الدولة لا زالت تدار بأيدي أتباع النظام السابق و كلما تأخرت في التطهير إنفجرت المشاكل.

لو علمت الآمال التي يعلقها عليك ملايين البسطاء ما نمت الليل. هناك كثيرون يحلمون أن تتحسن أحوالهم للأفضل في يومٍ و ليلة و هو ما لا تملكه أنت و لا غيرك...كن صادقاً و شفافاً معهم و لا تعدهم إلا بما تملك .. ثم ابذل قصارى جهدك لتحقيق ما وعدت.

إحذر أن تتحول لنموذج عصام شرف الذي حمله الناس على أعناقهم ثم لعنوه بعدها ببضعة شهور. شعبنا عاطفي و سهل التأثير عليه و لو وقعت في الشراك التي سينصبها أعداؤك لك فسينقلب عليك شعبك.

ليكن في علمك أني لم أنتخبك إلا لأنك من تبقى أمام شفيق، و أني لم أكن أتصور أني سأصوت لك يوماً و لكن من أجل الصالح العام اخترتك..و لأجل الصالح العام سأستمر في دعمك طالما أحسنت السيرة و لم تحد عن طريق الثورة. أسأل الله أن يهديك لبطانة الخير و يبعد عندك مستشاري السوء...و إياك ثم إياك أن تنكث بأيٍ من وعودك...و أعانك الله على ما أنت مقبلٌ عليه, و أنا متفائل خيراً بإذن الله...الله أكبر و الثورة ستنتصر في النهاية سواء بك أو من غيرك فكن على قدر المسئولية أمام الله..و أمام شعبك..و أمام التاريخ.

--------------------------------------------------
تم نشر المقال بموقع رصد

السبت، 23 يونيو 2012

عندما يصبح الحياد خطيئة


بدايةً لا أؤمن أن هناك ما يسمى بحياد إيجابي أو حيادٍ سلبي. فالتطبيق العملي لسياسة الحياد الإيجابي على المستوى السياسي مثلاً تضمن في نهاية المطاف بصورةٍ أو بأخرى قدراً من الإنحياز, مما يتنافى أساساً مع مفهوم الحياد. لذا فالحياد هو أخذ موقف سلبي في الأساس. لكن متى يصبح الإنسان محايداً؟
أزعم أن الإنسان يكون محايداً في قضية ليس له علمٌ بها, أو ليس له مصلحةٌ فيها...فإذا توافر العلم إنحاز بعقله إلى طرفٍ من الأطراف, و إذا توفرت المصلحة إنحاز بعقله و عمله لتحقيق هذه المصلحة.
و الآن أسأل كل من يقف على الحياد في هذه اللحظات الدقيقة التي نعيشها: أليس لك مصلحة في هذا الصراع؟ أليس هذا الصراع متعلقاً بالأساس بمستقبل الوطن؟
إلى كل من فضل خيار المقاطعة أو إبطال الصوت في الإنتخابات, هل لا زلت ترى أن الخيارين سواء؟
ألا ترى أن الأمر هو صراعٌ بين عسكرة كاملة للدولة, و بين دولة مدنية حتى لو كنت معارضاً لرأسها الآن؟
إذا كنت ما زلت ترى أن الأمر برمته هو صراع على السلطة بين العسكر و الإخوان و لنتركهم يقضي أحدهما على الآخر فدعني أسألك: ثم ماذا؟ ثم ستستطيع أنت منفرداً هزيمة العسكر؟ لا يا عزيزي هذه معركة لا يستطيع أحد حسمها بشكل منفرد, لا أنت و لا حتى الإخوان .
ألا تستحق مصر أن تتخطى خلافك الأيديولوجي مع الإخوان و يكون حبك للثورة أكبر من كرهك لهم؟ و إذا لم تستطع تجاوز هذا الخلاف الآن من أجل مصر و من أجلك أنت, فمتى إذاً ؟
ألا ترى أن هناك من إستطاع بالفعل تجاوز هذا الخلاف الأيديولوجي و وقف في نفس الصف مع الإخوان رغم عميق الخلاف معهم؟
هل تصدق – أو تريد أن تصدق -  أن الميدان مقتصر على الإخوان و أنصارهم فقط كما يروج الإعلام؟
ألا ترى أننا قد عدنا لنقطة البداية و أن الإعلام يلعب نفس الدور, بل و يكرر نفس ما كان يقوله في الأيام الأولى للثورة؟
إذا سألتني : و هل كان الإخوان سيقفون نفس الموقف لو كان المرشح الذي ينافس شفيق ليس منهم؟ فصراحةً ليس لدي نية للمزايدة و لندع هذه الإجابة للإخوان أنفسهم لكن إذا كنت ترى أنهم لم يكونوا لينزلوا فدعني أنا أسألك: أليس هذا هو عين ما تفعله الآن؟
إذا كنت تنقم على الإخوان عدم مشاركتهم في عدد من المواقف الحاسمة فلم تكرر نفس ما نقمته أنت عليهم؟ لم لا تكون أفضل منهم لأجل هذا الوطن؟
كل ثائر عنده كل الحق في الغضب من الإخوان لمواقف عديدة أبرزها محمد محمود و مجلس الوزراء و غيرها, لكني إن كنت ترجع هذه المواقف للخيانة فإني أرجعها للغباء و سوء التقدير من قيادة الإخوان. و أحسب أن الإخوان بتحركاتهم الحالية قد أدركوا سوء تقديراتهم السابقة و اختاروا الخيار الصحيح هذه المرة. فماذا تنتظر منهم بعد؟ و إلى متى ستنتظر؟
كثيراً ما كنت أردد أن هناك ما يسمى بالترمومتر الثوري لدى كل ثائر يحدد له الوقت المناسب الذي ينبغي فيه النزول. و ما كنت أنتظر أن يكون في وقتنا هذا مساحة للإنتظار و للتردد لدى أي ثائر.
هناك أوقات لا تملك فيها أن تمسك العصا من المنتصف. و هناك من يفعل هذا إنتظاراً لرؤية الطرف الغالب ثم يعلن إنحيازه له في النهاية. و نجد من بين أفراد من يسمون بالنخبة كثيراً من هذا الصنف, لكن هذا بعيدٌ كل البعد عن أي ثائر.
إننا ربما نكون في آخر معركة كبرى للثورة و هى معركة إستقلال الإرادة و كسر هيمنة العسكر. لا أظن أن أحداً يرضى بأن يضربنا العسكر على أقفيتنا و يدعون أنهم سلموا السلطة و قد تركوا لنا رئيساً منزوع الصلاحيات و إحتفظوا هم بسلطة التشريع و فرضوا كذلك لجنة لتشكل الدستور على هواهم. و يخطىء من يرى أنها معركة تنتهي بإعلان مرسي رئيساً. و يخطىء كذلك من يظن أننا لن نعارض مرسي و نقف له بالمرصاد إذا وجدنا منه إنحرافاً عن الصواب. و يبدو أن قدرنا أن نظل معارضين.
خطوط المعركة و أهدافها محددة: لا للإنقلاب العسكري المسمى بالإعلان الدستوري المكمل.
لا لحل مجلس الشعب.
لا لتشكيل هيئة تأسيسية للدستور بخلاف الهيئة المنتخبة.
لا للضبطية القضائية.
لا لمجلس الدفاع الوطني كما شكله العسكر.
أرجو من كل ثائر أن يضع هذه الأهداف نصب عينيه إلى أن نحققها بعون الله تعالى....و أدعو كل متردد أو من يتخذ موقف الحياد حتى هذه اللحظة أن يراجع نفسه و يدرك اللحظة الفارقة..فلا مجال للتردد و لا للحياد في اللحظات الحاسمة.
 (إن أسوأ مكان في الجحيم محجوز لهؤلاء الذين يبقون على الحيادفي أوقات المعارك الأخلاقية العظيمة) مارتن لوثر كنج
و مصر تستحق أن نسمو فوق أي خلاف و نبتلع المر من أجلها, و كي لا يضيع كل تعبنا هباءاً...و الله ناصرنا..و الله المستعان .

الجمعة، 15 يونيو 2012

مراجعة ليلة الإمتحان: للمقاطعين و المبطلين



هذه النقاط موجهة بالأساس للأخوة المقاطعين و المبطلين بإختلاف أسبابهم:
إذا كنت قد شاركت في الجولة الأولى و ستبطل صوتك الآن لأنك ترى أنه من العبث أن تشارك في مهزلة أو مسرحية  فأود أن أذكرك أن هذا القرار متأخر جداً..مشاركة أحمد شفيق من البداية هى مهزلة في حد ذاتها...و وصوله إلى كرسي الرئاسة سيكون إكمالاً لهذه المهزلة. و مقاطعتك لن تمنع هذه المهزلة من الحدوث..لكن مشاركتك ربما تمنعها.
إذا كنت ترى أن فوز شفيق هو أمر محسوم و تحصيل حاصل لأن الإنتخابات لابد ستزور فاعلم أن حتى التزوير له حدود, إذا كان فارق الأصوات بين الطرفين كبيراً لن يستطيعوا أن يزوروا لشفيق. و إذا فعلوها و زوروا رغم كل شىء فساعتها سيكون الأمر مفضوحاً و ذريعة لقلب الطاولة عليهم
إذا كنت ما زلت ترى أن المشاركة غباء لن العسكر لن يقوموا بكل ما قاموا به لتمرير شفيق ثم ينتظرون هل سينجح أم لا في النهاية فاعلموا أن من يظن أنه ليس للعسكر خطة بديلة في حال فشل مخططهم لأى سبب فهو واهم,  و يكفي ما حدث بالأمس من إخصاء للرئيس المقبل بحل مجلس الشعب ثم ربما بإعلان دستوري مكمل قريباً يشل يديه, و هذا السيناريو هو الأوقع في حال خسر شفيق.
إذا كنت ترى أن المقاطعة ستنزع الشرعية عن الإنتخابات فاعلم أن النظام الصفيق لا يأبه لهذا و كذلك لن يشعر المواطنون العاديون بهذا و سيقتصر الأمر عليك وحدك... مبارك كان ينجح بالتزوير و الحزب الوطني كان يكتسح الإنتخابات بالتزوير و آخرها 2010 و لم يمنعه هذا من الحديث بكل بجاحة عن الشرعية...و بالنسبة لي فحتى لو فاز شفيق فهو غير شرعي لأن وجوده في الإنتخابات من البداية غير شرعي.
إذا كنت تنوي المقاطعة لعدم إقتناعك بمرسي و نفورك من كلامه و من سلوكيات الإخوان و تصريحاتهم و مواقفهم فصدقني أني ألتمس لك العذر, لكني بشكل شخصي لا أنظر لهذه الإنتخابات على أساس أني أنتخب مرسي و لكن على أساس أني أصوت ضد شفيق.
إنتخاب مرسي ليس هو الإنتصار الحقيقي للثورة و لكن منع شفيق من الوصول هو محاولة لمنعه هو و من وراؤه من الإجهاز على الثورة.
و من يظن أن هذه الإنتخابات هى نهاية المطاف أياً كانت نتيجتها فهو واهمٌ و مخطىء.
إذا كنت قد حصنت نفسك من الإحباط و اليأس ففكر في موجة الإحباط و الإنكسار لدى ألوفٍ غيرك التي ستحدث لو فاز شفيق
فكر في إخواننا في سوريا و في فلسطين و في كل بلد ثائر و هم يتطلعون بأعينهم لمصر و يدعون من أجلنا..فكر في مدى الآمال التي يعلقونها علينا و مدى الإنتكاسة التي سيصابون بها لو عاد النظام القديم
و إذا كنت مقاطعاً و ترى أن الثورة هى الحل فمعك كل الحق, لكن إذا كانت الثورة في نظرك هى المليونيات التي تنتهي بنهاية اليوم فراجع نفسك و اقرأ هذا المقال
إذا كانت الثورة في رأيك ليس لها إلا هذا الشكل النمطي فمقاطعتك مراهنةً على الحل الثوري بالشكل النمطي هو مقامرة
و في النهاية...إذا أصررت على المقاطعة فمن الأفضل أن تكون مبطلاً لا مقاطعاً حتى لا يكون هناك مجال لإستخدام صوتك
و إذا أصررت على المقاطعة ففضلاً لا تروج لها إلا بين من ينوي التصويت لشفيق و من المستحيل أن يصوت لمرسي, فتحييد هؤلاء هو مكسب
و خلاصة الكلام: فات أوان الإنسحاب و لا معنى له الآن...أي كلام يقال الآن حول الإنتخابات و نزاهتها كان يتقال من شهرين...ليس بالمشاركة أو المقاطعة سنعطي أو ننزع الشرعية عن الرئيس المقبل لأن هذه الشرعية في عيوننا نحن فقط و لن تكون لها علاقة بما سيردده شفيق و من حوله...ما زلت أرى أن حتى التزوير له حدود و لو كان الفارق كبيراً ما استطاعوا التزوير...ما حدث بالأمس سيزيد من عدد المقاطعين و لكني لا زلت أرى أن المقاطعة ليست الحل طالما لا يوجد مجال لتحرك ثوري حقيقي و فاعل (الآن)...من يظن أن الحل الوحيد لدى العسكر هو نجاح شفيق فهو مخطىء مثل من يظن أن الإنتخابات و إنجاح مرسي هو الحل الوحيد...العسكر بكل إجراءاتهم السابقة قاموا بإخصاء الرئيس المقبل و تقييد حركته إلى حين. و الرهان الآن ما زال على دفع الضرر الأكبر و لكن الإنتخابات حتى لو أتت في النهاية بمرسي لن تكون نهاية المطاف و لا نهاية المعركة و لن نجد الوقت لنتنفس الصعداء.
و الله غالبٌ على أمره و لكن أكثر الناس لا يعلمون
-----------------------------------------
تم نشر المقال في موقع رصد

الاثنين، 11 يونيو 2012

هل ستحدث ثورة حال فوز شفيق؟


بعد إنحصار المنافسة بين مرسي و شفيق إنقسم المصريون بين مؤيد لمرسي -إقتناعاً أو إضطراراً- و بين مؤيدٍ لشفيق -إقتناعاً أو نكايةً أو وهماً- و بين حائر حتى هذه اللحظة بين هذا و ذاك!! و بين مقرر للمقاطعة.

و يرى كثيرٌ ممن يتبنى خيار المقاطعة أن الأمر محسوم سلفاً لصالح شفيق و أن الإنتخابات برمتها مسرحية هزلية لن يشاركوا بها و لن يعطوا لها شرعية, و أن شفيق حال فوزه ستنفجر ثورة شعبية ضده سيشاركون بها و ستستمر حتى يسقط...و الآن دعونا نناقش هذه الفكرة.

للأسف, و بعد عام و نصف من إنطلاق الثورة فإن أغلبنا ما زال يستعيد صورة إحتلال ميدان التحرير و الإعتصام به كصورة لما يجب أن تكون عليه الثورة, لكن هل هذا هو السبب الوحيد لنجاح الثورة؟

بعد توفيق الله و تأييده للثوار و ربطه على قلوبهم و تثبيته لأهل الميدان فإن جزءاً كبيراً من أسباب نجاح الثورة في البداية كان يعود لسلسلة من الأخطاء وقع فيها النظام السابق و من أهمها القمع و سفك الدماء بدايةً من يوم 25 يناير نفسه و مروراً بالسويس ثم جمعة الغضب ثم موقعة الجمل...نعم فالدماء هي الوقود الذي يصب على نيران الغضب فتستعر و تنتشر.

أنظر إلى الإعتصام الذي بدأ بعد ذلك بشهور في 8 يوليو, لجأ النظام لأسلوب آخر و هو الإحتواء, تُرِكَ الميدان لأهله يفعلون به ما يشاءون و لم تظهر القوات النظامية في المشهد و اكتفي بالمندسين الذين يثيرون المشاكل أو يقودون بعض المتحمسين لما يستفز المواطن العادي فتزداد كراهيته للثورة. و تدريجياً تناقصت الأعداد إلى الحد الذي قامت فيه قوات الشرطة العسكرية بإخلاء الميدان بكل سهولة و يسر في أول رمضان دون أن يأبه أحد لهذا.

في أحداث محمد محمود وقع النظام في نفس الخطأ القديم, حاول إخلاء الميدان و ضرب أهالي الشهداء و المصابين بقسوة و لما زادت الأعداد استمر في القسوة و لم يحتوِ الموقف فسالت الدماء من جديد و إشتعل الغضب حتى كاد يتحول لثورة أخرىربما كان لها أن تغير الواقع لو كانت كل القوى - و بالأخص الإسلاميين- قد شاركت, و لو لم يتفرق الثوار.

في أحداث مجلس الوزراء إنفلتت الأمور من أيدي النظام مرة أخرى, لكن لم يكن للثورة الزخم الكافي لتحريك الأمور لصالحها.

الملاحظ لأي تحرك ثوري طوال الفترة اللاحقة يجد أنه عبارة عن مليوينات أو إعتصامات في التحرير فقدت بريقها و قوتها و قدرتها, فالمليونية هي تجمع لعدد كبير من المتظاهرين في نفس المساحة كل مرة لإيصال رسالة محددة ثم العودة لمنازلهم في نهاية اليوم, و إذا كان الأمر يمثل صدمة للنظام في بداية الأمر بعد عقود تعود فيها على شعبٍ مطيعٍ هادىء مشغولٌ بقوت يومه و إذا به فجأة ينتفض, فإن النظام الآن قد اكتسب مناعة ضد الصدمات و تعلم من أخطائه و أدرك أن إحتواء الغضب أفضل من صب الزيت عليه. و لأنه يدرك طبيعة الخلافات بين القوى السياسية و تفرقها و خروج مليونيات خاصة بالتيارات العلمانية مرة و أخرى خاصة بالإسلامية مرة أخرى, فهو يعلم جيداً أن الميدان غير متوحد, أو على الأقل أن السهام لا توجه إليه بقدر ما يوجهها الفرقاء إلى بعضهم البعض.

قرر مجموعة من الثوار - ثوار بلا تيار - تغيير قواعد اللعبة و كسر النمطية فنقلوا مسرح الأحداث إلى المكان الذي يجب أن توجه إليه السهام بحق - وزارة الدفاع -  و بدأوا الإعتصام هناك. كان يمكن للنظام أن يحتويهم بأن يتجاهل وجودهم فترة حتى تقل الأعداد تدريجياً ثم يزيحهم بسهولة و خصوصاً أن الشارع لم يكن متعاطفاً معهم بالمرة و بقية التيارات تخلت عنهم و ادعى الجميع أنهم أنصار أبو إسماعيل و قاموا بهذا من أجله, لكن يبدو أن الصدمة الجديدة أربكت النظام من جديد فجعلته يقع في نفس الخطأ فأرسل بلطجيته ليسفكوا الدماء بشكلٍ بات معه واضحاً أن الإعتصام في هذا المكان يوجعه و يشعره بالخطر و لا يريد لهذا الإعتصام أن يزيد عن هذا الحد. و لكن للأسف الدماء هذه المرة لم تشعل ما يكفي من الغضب و ظل الكثير ينظرون للمشهد بلا مبالاة إلى أن أخلى العسكر المكان بالقوة بشكل يجعل الكثير يفكر قبل أن يخطو بالقرب من هذا المكان مرة أخرى.

في الوقت الحالي فإن ما يجري هو من جديد عودة النظام لأسلوب الإحتواء, لأن الإعتصام في التحرير نعم سيوصل رسالة أن هناك حشودٌ غاضبة, لكن تكرار الإعتصام في هذا المكان قد ابتذله و لم يعد له نفس الأثر. أضف إلى هذا إفتقار الثورة لقيادة مسئولة تقود المشهد, فنحن للأسف مبتلون بمجموعة من أشباه الرجال كل منهم يقدم مصلحته الشخصية و مركزه السياسي على المصلحة العامة, و هم بتفرقهم الذين أوصلونا لهذا الوضع المزري.

و إذا نجح شفيق فماذا سيحدث؟ سينزل الآلاف إلى الميدان - لكنهم أمام الجميع هذه المرة منقلبون على العملية الديمقراطية - و لن يستخدم معهم شفيق العنف كما هدد من قبل بقوله أن العباسية كانت بروفة طالما أنهم ظلوا في التحرير. شفيق منذ كان رئيساً للوزراء و هو يتحدث عن البونبوني الذي سيلقيه للثوار و عن عدم ممانعته في كون التحرير ساحة للإعتراض مثل هايد بارك بلندن. و الآن عاد ليكرر هذا الكلام. يعني بإختصار هو يقول لنا: تجمعوا في التحرير كيفما شئتم, و قولوا ما تشاءون , و سأفعل ما أشاء.

في بداية الثورة كانت الأعداد المعتصمة في التحرير و المظاهرات المؤيدة لها في المحافظات من الكثافة بحيث لم يكن هناك مفر من الرضوخ لإرادتها, و في لحظة قرر ألوف تغيير المسرح فتحركت مظاهرات الإسكندرية إلى رأس التين و تحرك ألوف من التحرير لمحاصرة القصر الجمهوري و اختفى مبارك من المشهد...و ليس هذا هو الواقع الآن و لا المحتمل مستقبلاً.

لا أقول هذا الكلام كي أوهن العزائم أو أدعو رفاقي الثوار للإستسلام و إلقاء السلاح, بالقطع لا...لكن اعلموا أن ثورة بلا وحدة لا سبيل لها للنجاح, و في الوقت نفسه فإن النمطية في الأداء تفقدك هيبتك في عين عدوك, و تخيل نفسك تلعب شطرنج و في كل مرة تبدأ بنفس الحركات حتى حفظك خصمك, ألن يستعد لك و يغلبك؟

في ظل عدم وجود قيادة موحدة للثورة حتى الآن فإن وجود فريق من الشباب يكسر النمطية و يغير قواعد اللعبة و يغير من جغرافيتها بإحتلال أماكن و مساحات في عمق العدو لم يكن قد حسب لها حساباً من قبل قد يكون رأس الحربة التي لن تكون مؤثرة إلا إذا صار الباقي جسماً لها..و كسر النمطية ليس مقصوراً على تغيير الأماكن فقط لأنه من جديد يمكن إحتواءها, و لكن تغيير الأساليب و هو المطلوب من كل منا أن يفكر فيه للمرحلة المقبلة.

و لكي نكون واقعيين, فإن كل هذا الكلام هو حتى الآن خطط و سيناريوهات إفتراضية لا نملكها بأيدينا. و المقاطعة ظناً بأن ثورة جديدة ستحدث هو مقامرة لأنها إن حدثت بالأسلوب النمطي فلن تكون مؤثرة كما وضحنا الآن.

حتى الآن الحل برأيي هو السير على التوازي في المسار الثوري و المسار الإنتخابي..أدعم أي عمل ثوري حقيقي على الأرض إن وُجد - و حسبنا الله في القيادات الغير مسئولة و الغير قادرة على إنتزاع لعبة من يد طفل بلة إنتزاع السلطة من أيدي العسكر -  و في الوقت ذاته سأشارك في الإنتخابات و لو كانت فرصة خسارة شفيق فيها 1%. و صدقوني يا رفاقي الثوار ممن قرر المقاطعة أن مقاطعتكم لن تؤثر إلا في صالح شفيق لأن إيمانكم أن الأمر محسوم له هو عين ما يريده النظام منكم. و إذا جلستم في بيوتكم فإن العدو يحشد لأنها مسألة بقاء بالنسبة له, و إذا آمنتم أنه من الغباء أن نظن بأن العسكر سيفعل كل ما فعل لدعم شفيق ثم من الممكن أن يخسر فأقول لكم لا تظنوا أن العسكر ليس له خطة بديلة في حال سير الأمور في عكس الإتجاه الذي يريده, و المعركة لن تنتهي إذا خسر شفيق لأن هناك دولة عميقة لا تزال تحارب لتبقى.

يا من قررتم المقاطعة أنظروا إلى فارق الأصوات بين مرسي و شفيق في الخارج و قارنوا هذه النتائج بنتائج المرحلة الأولى و ستعلمون كيف أن المقاطعة لا تؤثر إلا في تضييق الفارق بين مرسي و شفيق, و لكن في الداخل سيكون الوضع أسوأ.

إذا كان فارق الأصوات بين مرسي و شفيق ضعيفاً فسيسهل التزوير لصالح شفيق, أما إذا كان فارق الأصوات كبيراً فلن يستطيعوا, و إذا فعلوا بشكلٍ فاضح فساعتها سيكونوا بأنفسهم من أشعل فتيل الغضب.

و لا أحد يعلم ما سيحدث في الأيام القادمة فكل يوم نشهد ما يجعل الحليم حيراناً, و أهم شىء ألا نصاب بالوهن في حال فوز شفيق, لا تفقدوا ثقتكم بأنفسكم و لنفكر كيف سندير المعركة في المستقبل.

و الله غالبٌ على أمره....و الله المستعان على ما يصفون


----------------------------

تم نشر المقال على موقع رصد

السبت، 26 مايو 2012

أدركوا اللحظة الفارقة...بهدوء


نعم..بهدوء...فلا مجال للطم و الندب و تبادل الإتهامات و التفاخر بالمحافظات التي أسقطت الفلول, و في الوقت نفسه سب المحافظات التي حظوا فيها بنتائج متقدمة.

انظروا إلى النصف المليء من الكوب..أغلب الشعب أعطى أصواته للمرشحين المحسوبين على الثورة, و المأساة كمنت في تفتت الأصوات بينهم, لكن هذا لم يكن ذنبنا كناخبين.

في الوقت نفسه, لم يكن ذنبنا أن تم السماح لموسى و شفيق بالترشح من البداية...لكننا في معركة لم نختر ميدانها, و إنما اضطررنا لها..و لا مجال للإستسلام لأن البديل مروع.

ما علينا...الجدل في الماضي صار تحصيل حاصل...لو لم نخرج بدروس مستفادة و تفادينا الأخطاء إذاً فلا لوم إلا لأنفسنا.

جزء كبير من المسئولية الآن تقع على عاتق الإخوان..عليهم واجب إحتواء بقية القوى السياسية و الشعب بوجهٍ عام من خلال خطاب تطميني جامع ليس به ذرة من تكبر أوتعالٍ أو صلف أو غرور. و أراهن على العقلاء من داخل الجماعة في ضبط الأداء الإخواني في هذه النقطة لأن الإعلام لن يرحمهم, فعليهم ألا يمدوه بما يُحسب عليهم. و سامح الله الإخوان فقد جعلوا المهمة صعبة علينا.

و جزء كبير أيضاً من المسئولية تتحمله القوى السياسية.على الجميع أن ينضج و يتجاوز الخلاف الأيديولوجي...المسألة ليست معركة بين إسلاميين و علمانيين بل ثورة أو لا ثورة.

هناك من يعلن أنه سيقاطع و سيتفرج على اللعبة بين العسكر و الإخوان من خارج و كأنه يقف على أرض محايدة, و هناك من لا يرى فرقاً بين الإخوان و الفلول..ما هذا المنطق بالله عليكم؟ قولوا على الإخوان ما تشاءون و من يتابعني يرى كم هاجمتهم و انتقدتهم و انتقدت أداءهم من قبل, لكني أعلم يقيناً أن الإخوان ليسوا لصوصاً و ليسوا قتلة..بعكس شفيق.

هناك من يرى أن وصول شفيق للرئاسة أفضل لأنه يتخيل أن مع شفيق ستحدث ثورة ثانية تطيح به, بينما إذا وصل الإخوان فلن يتركوا الرئاسة أبداً, بل و سيكفرون كل من يعارضهم!!!

إلى الرفاق الثوريين الذين يرون هذا الرأى...أفيقوا و تحركوا من خلف الشاشات و اختلطوا بالناس في الشارع...لم تنجح الثورة بدايةً في إزاحة مبارك إلا عندما تحركت الكتلة الحرجة من الشعب و انتفضت ضد مبارك و أسقطت شرعيته الزائفة..أما شفيق إذا جاء-لا قدر الله- فستصاحبه شرعية الصناديق التي أتت به, و سيكون سلاحه لا فقط الجيش الذي هدد بإستخدامه ضد معارضيه, بل المواطنين الشرفاء الذين صوتوا له, و بقية الشعب الذي سيرى فينا رافضين للديمقراطية و لخيارات الصناديق.

لا تخاطر بمستقبل مصر بسيناريو تخيلي منبت الصلة عن الواقع, و تذكر الموقف السلبي للشعب في العباسية.

و المضحك المبكي أن تجد من يقول أن شفيق مرشح (مدني) و هو أفضل من الدولة الدينية التي سيأتي بها الإخوان!! ماذا نقول لمن يقول هذا الهراء؟!! هداكم الله...شفيق العسكري هو الذي سيحافظ على مدنية الدولة؟ لا حول و لا قوة إلا بالله.

أما من يرى أن الإخوان سيكونون أسوأ من شفيق و أنهم سيكفرون مخالفيهم, فهب أن سفيهاً قد رماك بالكفر لمخالفتك إياه, فهل الحل أن تنزوي و تبكي و تولول و تقول لقد كفرني؟ لماذا لا تضع إصبعك في عينه و ترد عليه و تفحمه؟ الحق أبلج و الباطل لجلج و ليس هناك من يحتكر هذا الدين لصالحه.

الإخوان مهما كان سوء أدائهم في الفترة الأخيرة إلا أننا نقلل من أنفسنا كثيراً إذا ظننا أنهم إذا جاءوا لن يتركوا أماكنهم و سيستحوذون على كل شىء.

من أتى بالإخوان بدايةً؟ و لماذا تتعاملون مع الإسلاميين عموماً و كأنهم مخلوقات جاءت من الفضاء الخارجي؟ ألم تأت بهم الصناديق؟ ألم يخترهم الشعب؟

حسناً, راجعوا الآن النتائج في الإنتخابات الأخيرة, و لأضرب لكم مثلاً بمحافظتي الإسكندرية.

في الإنتخابات البرلمانية حاز الإخوان أغلبية الأصوات و فاز نوابهم في 3 دوائر من أصل 4, في حين أن أغلب الأصوات في انتخابات الرئاسة كانت لحمدين صباحي...و كان محمد مرسي مرشح الإخوان في المرتبة الرابعة.

ألا تعطي هذه النتيجة مؤشراً لكم, و للإخوان أيضاً؟

الناخبون الذين ساءهم أداء الإخوان في الآونة الأخيرة استطاعوا إزاحة مرشحهم للمرتبة الرابعة في مدينة إسلامية الهوى, فهى معقل الدعوة السلفية و عاصمة الإخوان حسب ما يقولون.

لو أساء الإخوان الأداء في المستقبل سنقوم أداؤهم...كونوا على ثقة من هذا و لا تستهينوا بقوتكم...و تذكروا أن الإخوان ليسوا بقتلة.و مرة أخرى...لا تستهينوا بقوتكم و كونوا على ثقة من قدرتكم على عدم السماح للإخوان بالإستبداد.

أما شفيق, فهو رجلٌ قد عاد لينتقم, و لا مجال للمقارنة بين هذا و ذاك...لا مجال للمقارنة على الإطلاق.

لم أكن مؤيداً لمرسي, و لم أكن أحب للإخوان أن يحوزوا الرئاسة, لكن من جديد لا نملك رفاهية الإختيار...و المسألة ليس بها هزار, فالطرف الآخر لا يمزح و هو يحشد بكل قوة لأن المسألة مسألة بقاء له أيضاً.

و أرجو أن يراجع المقاطعون أنفسهم, ليس هذا وقت نخبوية و تعالي و إتخاذ مواقف بطولية في العالم الإفتراضي...و هذه ليست بطولة من الأساس. و المقاطعة هي تصويت سلبي لصالح شفيق, لأنه مرة أخرى الطرف الثاني لا يمزح. نحن في حرب مع الدولة العميقة التي تصارع للبقاء.

لا تركنوا لليأس و لا للإحباط..ليس لدينا وقت لهذا و لا لذاك...علينا أن نكثف من عملنا على الأرض و نوحد الصف. مصر فوق الجميع.

و كما قلنا أكثر من مرة, أن هذه الإنتخابات ليست نهاية المطاف, و الفكرة أن المسار سيطول قليلاً و ستكون به الكثير من الكثير من المناوشات و المعارك الجانبية حتى يتم تصحيحه, لكن هذا بأي حال أفضل من قطع المسار تماماً إذا جاء شفيق. أدركوا اللحظة الفارقة. و بإذن الله لن نرى شفيق يحلف اليمين, و لن ننتكس للوراء, و لن يعود هذا النظام السابق, و لن نسمح للإخوان بالتحول لحزب وطني جديد كما يقال عنهم.

و الله غالبٌ على أمره و لكن أكثر الناس لا يعلمون

و إن غداً لناظره قريب.
------------------------------------
تم نشر المقال على موقع رصد

الثلاثاء، 22 مايو 2012

إنتخابات الرئاسة و حرق الدم


لابد أن أي ثائر يشعر بقدر كبير من الحنق و الغيظ  و حرق الدم بكل ما يتعلق بإنتخابات الرئاسة التي أسأل الله أن يخيب ظننا و لا يحدث بها تزوير.
-         أولى أسباب حرق الدم هو تفتيت الأصوات بين المرشحين المحسوبين على الثورة, و لا أقول مرشحي الثورة, لأننا لم نجد من هؤلاء المرشحين التجرد الكافي و الإحساس بالمسئولية الذي يجعلهم يوحدون الصفوف إزاء الفلول..فمن يتحمل مسئولية التفتيت في المقام الأول هم المرشحون لا الناخبين.
-         و ربما لم تكن لتوجد مشكلة من الأساس لو خلت الإنتخابات من الفلول, و هذا هو ثاني أسباب حرق الدم, فالبرلمان الذي سمي (برلمان الثورة) و لم يكن له نصيبٌ من إسمه كان من الواجب عليه أن يصدر قانون العزل السياسي منذ وقت مبكر بحيث يشمل كل من عمل مع النظام السابق, و ليس هذا بدعاً من الأمر فهذا ما قامت به تونس قبل إنتخاباتها. و لكن البرلمان للأسف كانت أولوياته معكوسة و إنشغل بمعارك جانبية و صبيانية و حتى القرارات الحاسمة التي اتخذها صدرت في وقتٍ متأخر و لم يستكمل السعي في تحقيقها بعد أن تم عرقلتها. و جديرٌ بالذكر أن نسبة كبيرة من المواطنين العاديين الذين يقولون أنهم سيصوتون لموسى يتبعون قولهم بأنهم أعطوا فرصة للإخوان و السلفيين في البرلمان فماذا فعلوا؟
و الحق أن الحكم على أداء المجلس من خلال 4 شهور هو حكم غير دقيق, إلى جانب الحملة الإعلامية على الإسلاميين عموماً و تسليط الضوء على إخفاقاتهم و غض الطرف عن أي عمل إيجابي. هذا إلى جانب تقاعس الحكومة عن تنفيذ أي من قرارات البرلمان مستندة إلى دعم المجلس العسكري لها. لكن من جهة أخرى نعود و نقول أن الأداء السيء للإسلاميين سواء في البرلمان أو في تأسيسية الدستور و في المواجهة مع العسكر بوجهٍ عام لم يجعل لأحدٍ من سبيل في الدفاع عنهم.
-         نأتي بعد هذا للتلميع الإعلامي المبالغ فيه للفلول و الذي نراه سواء في الشوارع و أعلى الكباري و في الصحف و في برامج التليفزيون التي تعرض إستطلاعات الرأي المضروبة التي نجد فيها شفيق في المركز الأول!! و شفيق بالذات من الواضح أن دولة بأكملها تمول حملته..هذه الدولة هي الدولة العميقة التي تحاربنا و نحاربها.
-         في الوقت ذاته تكاد تتميز من الغيظ و أنت تجد أنصار المرشحين الذين يعيشون في كذبة كبرى و نسوا أنفسهم فانشغلوا بأن يطعن كل منهم في مرشح الآخر..لقد نسوا أن هناك فرق بين المنافس و بين العدو و لا حول و لا قوة إلا بالله.
-         من المقرف أن تجد من يدعي الثورية و في الوقت نفسه سينتخب الفلول في الإعادة إذا كان المنافس إسلامي, و من الأكثر قرفاً أن تجد من سينتخب الفلول من البداية بغضاً في الإسلاميين.
-         نعود لمأساة تفتيت الأصوات و نلقي نظرة على أصوات المصريين بالخارج...أقوم بجمع أصوات المرشحين المنسوبين للثورة و أتخيل لو كانت كلها في جبهة واحدة وراء مرشح واحد..أما كنا ارتحنا من كل وجع القلب هذا؟
-         في نفس السياق نجد من المضحك المبكي أنصار كل مرشح يبرزون جداول مقارنة لأصوات المصريين بالخارج توضح أن مرشحهم في المقدمة...أين الموضوعية يا سادة؟ و من قال أن الوضع بالداخل سيكون بالضرورة مماثلاً أو مقارباً للوضع في الخارج؟ عموماً سوف نرى.
-         نشرُ لي على صفحة رصد مقال أثناء الإنتخابات البرلمانية إسمه (المصريون و البحث الدائم عن بديل) ناقشت فيه فكرة التصويت للمبدأ مهما كانت فرصه في الفوز ضعيفة. من جهتي هذا ما قمت به في هذه الانتخابات فقد صوت لقائمة الوسط و رغم أنها لم تفز بمقعد في دائرتي إلا أني راضٍ عن أداء هذا الحزب و نوابه في البرلمان. إلا أنني ذكرت في نهاية المقال أن إنتخابات الرئاسة قد تختلف فيها المعادلة التي تتم فيها المنافسة على مقعد واحد, و قد يكون البديل مريعاً لذا نضطر لإختيار أخف الأضرار و أهون الشرور.
الحقيقة أن هذا هو الوضع في الحالة الراهنة..الوضع جد خطير و التلميع الجاري للفلول مقلق. دعكم من إستطلاعات الرأي على النت و آراء الناس على الفيس و اسمعوا كلام الناس في الشارع و المواصلات. هناك أعداد لا يستهان بها تفكر في الفلول. و في موقف مثل هذا تصبح حرية الإختيار ترفاً و رفاهية لا نمتلكها. مع تفتت الأصوات هناك إضطرار للتكتل وراء مرشح يحشد الأصوات ضد الفلول. و الواقع أن المعادلة رباعية تضم (أبو الفتوح و مرسي و موسى و شفيق) إثنان منهما سيصلا للإعادة و خماسية إذا ضممنا إليهم صباحي. و أي صوت خارج هذه المعادلة صوت ضائع برأيي.
بشكل شخصي كنت قد قررت أن أعطي صوتي للمرشح الذي اقتنعت به رغم ضعف فرص فوزه. لكن مع تعاظم إحساسي بالخطر قررت أن العقل يقتضي دعم المرشح الأفضل في المعادلة. و معيار التفضيل هنا هو أنه أحسن من غيره و ليس معناه إقتناعي الشخصي به. و بشكل شخصي مرة أخرى لا أحب أن أرى في الإعادة أى من الفلول لكن هذا ما سيحدث على الأرجح, و لا أحب أن يكون من يعيد أمامهم هو مرسي.
-         كما قلنا مراراً و تكراراً أن مشاكلنا لن تحل بمجرد إنتخاب الرئيس, و لا حكم العسكر و سطوة الدولة العميقة ستنتهي بمجرد تقلده مقاليد الحكم. المعركة ربما تستمر لسنوات و لن يستطيع هذا الرئيس وحده أن يصمد في وجه العاصفة ما لم ندعمه و نقف وراؤه. المهم هو أن يكون لدى هذا الرئيس روح ثورية و إرادة صادقة للتحرر..عدا هذا لن نكون قد كسبنا رئيساً..بل لبسنا طرطوراً.
و على أية حال فإن هذه الإنتخابات مهما كانت نتيجتها لن تكون نهاية المطاف, فلن يرضى أي ثائر بأن تضيع دماء الشهداء هدراً أو أن تصبح كل المعاناة السابقة بلا نتيجة. من العار أن نخلع رئيساً ليحكمنا وزراؤه.
و إن غداً لناظره قريب.
اللهم ول علينا من يصلح...اللهم ول علينا خيارنا و لا تول علينا شرارنا....اللهم عاملنا بما أنت أهلٌ له و لا تعاملنا بما نستحق.
 ------------------------------
نشر هذا المقال على موقع رصد


الخميس، 17 مايو 2012

خواطر حول الإنتخابات


تختلف آراء و مواقف المصريين تجاه إنتخابات الرئاسة بشكلٍ كبير, فمن مستغرق في المشاركة في الدعاية لمرشحه بحماس و مشتبك مع أنصار المرشحين المنافسين و كأنها معركة حياة أو موت, إلى مقاطع لهذه الإنتخابات بالكلية لأنه يراها مسرحية هزلية, إلى متفرج حائر لم يقرر حتى الآن لمن سيصوت, و من الأصلح.
و هناك من يعتقد أنه بإنتهاء هذه الإنتخابات ستستقر الأوضاع و يتم حل جميع المشاكل التي إنفجرت في المرحلة الإنتقالية و ينسحب العسكر تماماً من المشهد, و هناك من يظن أن الرئيس لديه عصا سحرية سيحل بها كل المشاكل وصولاً إلى مشاكله الشخصية!! كم أنت واهمٌ يا صديقي.
يا ليت الأمور كانت بهذه البساطة, و دعونا نعرض الأمر في مجموعة من الرسائل البسيطة:
-المجلس العسكري سينسحب من صدارة المشهد, لكنه يقاتل كي يظل محتفظاً بنفوذه و يحرك الأمور من وراء الستار بما يضمن عدم المساس بمصالحه و عدم ملاحقة أعضاؤه و معاقبتهم على جرائمهم في الفترة الإنتقامية, أعني الإنتقالية.
-تكلمنا من قبل في آخر مقالين عن الحرب النفسية التي يشنها النظام الحاكم علينا, و على الزن على الودان و كمية الأكاذيب و التسريبات و إستطلاعات الرأى المضروبة و الإلحاح الإعلامي و الإعلاني للترويج للفلول, بحيث تصبح النفوس متقبلة لفكرة و إحتمال فوزهم. و أعتقد أن هذا مشاهد بشكل واضح للجميع الآن.
- ما زلت أقول أن تزوير الإنتخابات لصالح أحد الفلول هو أمرٌ مقدر بنسبة 99% و خصوصاً في وجود لجنة الإنتخابات هذه. و في الوقت نفسه فإن التزوير ربما لا يكون فجاً, فكل ما يجري الآن من حرب إعلامية على بقية المرشحين و تلميع للفلول هو توجيه نفسي للناخب المصري ليضع بنفسه في الصندوق ما يريده العسكر.و مع هذا سأشارك في الإنتخابات لأن هناك إحتمال 1% أن يفشل هذا التزوير.
- مع كل ما حدث مع أحمد شفيق من تجاوز لقانون العزل السياسي مرتين و الطرمخة حالياً على البلاغ المقدم ضده من عصام سلطان في الوقت الذي نجد فيه شفيق يتكلم بثقة و يصرف ببذخ و يملأ الدنيا إعلانات..مع كل هذا قد لا يكون شفيق هو المرشح الأساسي للمجلس العسكري و يرى بعض المغفلين أن موسى أخف ضرراً من الأول و كأن قضا أخف من قضا..و الحقيقة أن كليهما خطر محقق علينا و على الثورة.
- هناك من يريد إنتخاب شفيق لمجرد أنه جدد مطار القاهرة !! , و هناك من يرى أنه رجل المرحلة و أن مصر تحتاج لرجل عسكري!!و هناك من يريده لأنه يرى أنه رجل شيك و مهذب!! و كل هذه الأصناف  لديها خلل في المفاهيم يحتاج حوار هادىء و مقنع ليصرف نظرهم عن هذه الفكرة, و الأمر يستحق بل يجب فيه المحاولة لأن البديل مريع.
- هناك من يريد شفيق لأنه يرى أنه لا مؤاخذة رجل عسكري صارم و أن هذا الشعب لا ينفع معه غير الكرباج و الجزمة, و صاحب هذا الرأى هو أول من يجب ضربه بالجزمة.
-هناك من يريد إنتخاب عمرو موسى لأنه يرى لديه كاريزما و تاريخ و خبرة في العمل السياسي و الديبلوماسي. بهدوء اجعله يذكر لك هذه النجاحات و عندما يفشل في تذكر شىء ليس له وجود ذكره أنت بدور موسى السلبي خلال حكم مبارك و خلال الثورة ذاتها و سيتكفل موسى بتعاليه و عجرفته بالباقي.
- هناك من يريد موسى لأن له علاقات خارجية و هو أمرٌ أهم لدى البعض من أن يكون لدى الرئيس المرتقب علاقة بشعبه أولاً, و هناك من يحب موسى بعجرفته و تعاليه و سيجاره, و هذا يستحق الضرب بالجزمة مثل الصنف قبل الماضي.
- هناك أصناف أخرى تستحق الضرب بالجزمة و بالنار أيضاً, و هم من يدعون الثورية و في الوقت ذاته ليس عندهم مشكلة في إنتخاب الفلول و إعادة نظام مبارك في مقابل ألا يصل أحد الإسلاميين للرئاسة. مع أني شخصياً لا أري إسلامياً بين المرشحين!!
- في الوقت الذي يجب أن تكون فيه المعركة موحدة بين المرشحين المحسوبين على الثورة و بين الفلول تجد مساخر و معارك وهمية بين أنصار المرشحين. ألا يكفي أن المرشحين لم يترك أي منهم السباق إلا قهراً و تمسكوا جميعاً مع أن أصواتنا قد بحت من خطورة تفتيت الأصوات, حتى نجد أنصارهم يقتتلون في معارك وهمية و لا أدري متى سيفيقون من غفلتهم و من الكذبة الكبيرة التي يعيشون فيها.
- قبل الإستفتاء كان من يدخل على الفيس يظن أن مصر كلها ستقول لا, و قالت الصناديق نعم...انزلوا من أبراجكم العاجية و ساحات الحرب الإفتراضية و تابعوا بأنفسكم حركة الشارع. و هذا الشارع ليس في المدن الكبيرة فقط بالمناسبة.
- على الإسلاميين قبل غيرهم – و بالأخص الإخوان - أن يتذكروا قول الله ((و يوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم)) و كذلك أن يتذكروا أن هناك سنة إلهية هي سنة الإستبدال ((و إن تتولوا يستبدل قوماً غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم))...فأفيقوا.
- إذا فاز أحد الفلول بالرئاسة فقد فرطنا جميعاً في دماء الشهداء و جعلنا مصر أضحوكةً بين الأمم..و إذا سكتنا على هذا فقد ضاعت هذه الدماء إلى الأبد..و ضعنا معها.
- أتفهم بعض أسباب من ينوي المقاطعة لكني لا أحبذ لا المقاطعة و لا إبطال الصوت.
- المرشحين الموجودين لا يملأ أي منهم عيني, لم أستشعر الصدق و الثورية الحقة إلا في أقلهم فرصاً في النجاح, و على أية حال فالوضع الحالي لا يعطينا الكثير من الرفاهية في الإختيار, علينا أن نرضى بأحسن الوحشين. و إن لم يتقبل ضميرك التصويت له فصوت لمن يقبله ضميرك و عقلك..و لو أن ضميرك سيرتاح مع المقاطعة فافعل ما بدا لك.
- يمكنني أن أتكلم عن كل مرشح و أسلخه إنتقاداً على مواقف له أو آراؤه أو..أو..., لكن في الوضع الراهن أى جهد من هذا القبيل يجب توفيره للفلول, أما المحسوبين على الثورة فمع وجود أضرار من إنتخاب بعضهم إلا أنها لن تقارن بالمصائب التي ستحدث مع نجاح أي من الفلول.
- نحن مقبلون على مستقبل شديد الغموض, و على مزيد من المعارك و الإختلافات. معركة الرئاسة لو خرجنا منها سالمين ستكون الخناقة المقبلة على الدستور. و الرئيس المقبل سيرث تركة مليئة بالخوازيق لتكبله و تقيد حركته و مساره و لو كان هذا الرئيس من المحسوبين على الثورة فلن ينجح إلا إذا تكاتفنا وراءه و دعمناه إلى أن نقضي على الدولة العميقة...أما إذا كان من الفلول فإن الخوازيق لن تكون في طريقه بل هو الذي سيرغب في وضعنا على الخوازيق.
- قد نتندر و نحن نتكلم عن المستقبل و كأن فوز أحد الفلول قد صار محتماً ثم نتكلم عن السجون و المعتقلات التي سندخلها. لا أحب أن يتحول الكلام بهذه النغمة المحبطة من تندر و سخرية مريرة إلى واقع...الحقيقة التي يجب أن نؤمن بها جميعاً أن رجل مثل شفيق هو الذي يجب أن يكون مكانه في السجن, لا نحن.
- تذكروا دماء الشهداء منذ بدأت الثورة مروراً بكل مواقعها الكبرى من موقعة الجمل و ماسبيرو و محمد محمود و مجلس الوزراء و بورسعيد و منصور و أخيراً العباسية...هذه الدماء في رقبتنا و ستلعننا إذا تخاذلنا عن أخذ حقها..ليبرىء كل منا ذمته و يفعل ما بوسعه حتى لا يتحقق الكابوس و تموت هذه الثورة...هذه الإنتخابات ليست نهاية العالم..و من ذاق طعم الحرية لن يقبل بالخنوع و الإستعباد مرة أخرى.. و سننتصر بإذن الله.
و إن غداً لناظره قريب.
----------------------------------------
تم نشر المقال على موقع رصد 

الجمعة، 11 مايو 2012

الزن على الودان


الإعلام سلاح خطير تستخدمه الأنظمة الحاكمة في توجيه و تشكيل الرأى العام بالطريقة التي تحلو لهم, و أهم إستراتيجية يلجأ لها الإعلام هي إستراتيجية (الإلحاح) و التي نطلق عليها في هذا المقال (الزن) الذي هو أمر من السحر كما يقول المثل الشعبي.
فعندما يريد النظام منا أن نقتنع بفكرة معينة أو برأى معين تراه مقروءًا شا في الصحف و مرئيًا في التلفاز و تجده مسموعًا في الراديو حتى تكاد تتذوقه بلسانك أو تبتلعه رغمًا عنك كلفافة البانجو. و يجد النظام مجالاً لدس هذه الأفكار في العقول التي بها مساحات كثيرة فارغة و ليس بها أفكار مضادة للطرح الذي يطرحه.
و قد يكون هذا الإلحاح متخذًا لصورة تدفعك في الطريق الذي يريد منك النظام أن تسير فيه, و نسميه هنا الإلحاح الإيجابي..و كلمة إيجابي ليست بمعنى أنه جيد بل بمعنى أن الإلحاح يجعلك تتخذ موقفًا حركيًا بغض النظر عن كون الفعل خيرًًا أم شرًا..و غني عن الذكر أن أنظمتنا لا يأتي من ورائها الخير.
و قد يكون الإلحاح غرضه أن تتبني موقفًا سلبيًا, و هذا الإلحاح السلبي هو نشر لفكرة أو في الأغلب لروح إنهزامية الغرض منها تهيئة النفوس لتقبل فكرة معينة و الإستسلام لها كأمرٍ حتمي الحدوث.
و حتى تكون الأمور أوضح سندلل بأمثلة..فمن أمثلة الإلحاح السلبي موقف النظام مع الشعب في مسألة التوريث.
كان بزوغ نجم جمال مبارك و تداخله - أو تدخله - في أجهزة الدولة و سياستها دليلاً للأعمى أنه يتم إعداده ليرث إدارة العزبة بعد والده, و في الوقت نفسه كان مسئولو النظام ينفون وجود هذه النية, و حتى مبارك كان قد صرح هازئاً بأن مصر ليست سوريا (لأنه كان يؤمن في داخله أنها أقذر من سوريا).
كل فترة كان يخرج ديوث من أتباع النظام (و كلمة ديوث هنا بدلاً من سبة عامية بنفس المعنى لا بديل عنها في هذا الموضع) ليطرح سؤالاً: و ما العيب في أن يترشح جمال للرئاسة في المستقبل؟ لماذا نحجر على حق من حقوقه كمواطن مصري لمجرد أنه إبن رئيس الجمهورية؟!!
و مع تغول نفوذ جمال مبارك و تلميعه الإعلاني, و تكرار النفي من نظامٍ لم يُعرف بالصدق, و خروج (ديوث) كل فترة بمقال أو تصريح من العينة السابقة, أصبحت شرائح واسعة من الشعب مهيئة نفسياً لفكرة أن جمال هو الرئيس المقبل..حتى إذا ما قرر مبارك عدم الترشح و نزل جمال مرشحاً عن الحزب الواطي لا يكون في هذا مفاجأة للشعب, فقد أخذ الشعب جرعة مسكنة لمدة سنوات جعلت نفسيته متقبلة بإستسلام لهذه الفكرة و كأن حدوثها تحصيل حاصل..و يحاول إقناع نفسه بأن: من تعرفه أحسن ممن لا تعرفه, و أنه لا بديل...حتى عندما فكر البعض في بديل كان البديل هو علاء مبارك حينما داعب مشاعر عدد من المصريين بتصريحاته أيام أزمة الجزائر!!
و لولا الثورة لكان جمال على الأرجح يؤدي اليمين الدستورية رئيساً في سبتمبر الماضي.
بعد الثورة كان لابد للنظام - الذي هو إمتداد لما قبل الثورة -  أن يتخلص من الصداع الذي تسببه له الحركات الثورية, فكانت الحرب الإعلامية الممنهجة عليهم و الربط بينهم و بين البلطجة كتهمة مطاطة, و إثارة مسألة التمويل الأجنبي...و لامس هذا الزن إستعداداً في نفوس و عقول طائفة كبيرة من الشعب الذي ينشد الإستقرار و آمن أن هؤلاء عقبة في طريقه...لذا وجدنا المواطنين الشرفاء الذين يتعرضون للمظاهرات بأنفسهم, و يخطىء كل من يظن من الثوار أن من يتهجم على المظاهرة بلطجي..فبعضهم مواطنون مصريون شرفاء قاموا من الكنبة لا ليثوروا على الظالم بل ليضربوا من ثار عليه!! و لم لا و قد وجدت أكاذيب النظام مساحات خالية في عقولهم فملأتها بالنفايات. و من لم يفهم من 6 أشهر رغم كل ما رآه فلن يفهم أبداً..أبداً.
من أمثلة الإلحاح أيضاً الحملة الكبيرة على الإسلاميين في وسائل الإعلام المختلفة من إعلام مقروء و مرئي. فكمية الأخبار الكاذبة و التصريحات المحرفة و الشائعات حولهم غير طبيعية و ممنهجة, و للأسف فإن الأداء المزري لهم في البرلمان و تخاذلهم بشكل رسمي في الميدان مع الكثير من الزن و الحشو و اللغو يجعل الأكاذيب مصدقة عند طوائف من عموم الشعب و التي قررت أنها لن تعطي صوتها للإسلاميين في الإنتخابات المقبلة, و أحد آخر الأمثلة هو تصديق البعض للإشاعة البلهاء بخصوص أن البرلمان يناقش قانون يتيح للزوج مضاجعة زوجته بعد موتها!! فأي عبث.
من جهةٍ أخرى فإن الإعلام تناول قضية حازم أبو إسماعيل بشكل فج, و في الوقت الذي كانت قضيته لا تزال تبحث كان الحكم قد صدر عليه في الإعلام بأنه كاذب و أصبحت هذه قناعة لدى الكثيرين حتى قبل أن يصدر أى قرار من لجنة الإنتخابات (النزيهة)...و بغض النظر عن سوء إدارته لقضيته فإن الإعلام لم يكن محايداً في هذه القضية من البداية...و السبب مفهوم.
نأتي لنوع آخر من الإلحاح مرتبط بالإنتخابات, و هو أن تجد صورة المرشح تطاردك في كل مكان, إذا فتحت نافذتك, و أنت في المصعد, و أنت في طريقك للعمل, أحد زملاءك يوزع عليك ورق دعاية له, عندما تفتح التليفزيون, و ربما عندما تفتح الثلاجة!!
هذا النوع من الإلحاح تسويقي بدرجة عالية, و هو يجعل النفس بشكل لا إرادي تعتقد أن هذا المرشح له حظٌ أوفر في الفوز, و بالنسبة لفئة كبيرة من شعبنا المصري العظيم فإن المراهنة تكون على الجواد الرابح - أو من يُظن أنه الجواد الرابح -  و ليس بالضرورة على من تؤمن أنه الأصلح, و إن لم تصدق فاعلم أن هناك من يقرر لمن سيصوت من خلال ورق الدعاية الذي يوزع عليه و هو واقف في الطابور أمام لجنة الإنتخابات, و يمكنك أن تتأكد بنفسك.
و غني عن الذكر أن الدعاية التي ستصاحب حملتي موسى و شفيق لن تنافسها في هذا الصدد إلا حملة مرسي, لكن حملات الفلول سيصاحبها تلميع إعلامي بشكل مكثف في البرامج و الصحف في مقابل الغمز و اللمز في البقية.
و الأثر النفسي الذي تصاحبه حملة التلميع لفل مثل شفيق أو موسى هو تهيئة النفوس لتقبل فكرة أن أحدهما سيصبح رئيساً للجمهورية, و في ظل الإنقسام و تفتت الأصوات بين عدد من المرشحين الآخرين يرى كل منهم نفسه مرشحاً للثورة ! فإن النتيجة ستجد لها تبريراً منطقياً, فالأرجح أن تكون النتيجة إعادة بين موسى و مرسي أو أبو الفتوح, و في جولة الإعادة يمكن بتزوير طفيف مع إستمرار حملة التلميع و بعض إستطلاعات الرأى المضروبة أن تستقر النتيجة لموسى, و خصوصاً إذا كان مرسي هو من يعيد أمامه. و كل شىء ممكن مع لجنة الإنتخابات (النزيهة) التي تدير هذه الإنتخابات !! و إني لأعجب من أنصار المرشحين و كل منهم يطعن في الآخر و كأنهم في معركة إنتخابية حقيقية, في الوقت الذي يتم فيه تشحيم الخازوق لنا ( و ربما لن يتم تشحيمه)!!
لا أقول هذا من قبيل أن تزوير الإنتخابات أمر تحصيل حاصل و بالتالي لا تشاركوا فيها, لدي إحتمال و لو 1% أنها لن تزور, لهذا سأشارك لأبرىء ذمتي و أختار (أحسن الوحشين) لأن أياً منهم ليس بمقبولٍ لدي...لكني لن أنساق للعبث الدائر و المهاترات بين أتباع المرشحين الذين أعلى كل منهم أيديولوجيته و نفسه فوق المصلحة العامة, و لم نر أحدهم معترضاً على تجاوزات لجنة الإنتخابات طالما أنها لم تمسه بسوء...و لا حول و لا قوة إلا بالله.
و لله الأمر من قبل و من بعد.
----------------------------------------
تم نشر المقال في موقع رصد