الخميس، 19 يونيو، 2008

عند مفترق الطرق-لست وحدك




فى أحيان كثيرة يكون المرء منا فى أمس الحاجة للمساعدة, ليس بالضرورة لمساعدة مادية, و لا لعون عملى مباشر, بل ربما كان جل ما يتمناه المرء نصيحة تساعده على اتخاذ القرار السليم, خصوصاً اذا كان المرء منا يقف فى مفترق الطرق فى حياته.
و كم هى المحطات فى حياة كل منا التى يتفرع العمر عندها الى مسارات عدة, فمن قرارك باختيار القسم العلمى أو الأدبى فى الثانوى, ثم اختيارك التخصص داخل القسم العلمى, ثم اختيارك للكلية(اذا كان لك الخيار), ثم اختيارك للقسم داخل الكلية.
بعد ذلك تخرج من الكلية و تتعلق بأول وظيفة, و بعد قليل تجد منعطفات أخرى عندما تجد عروضاً أخرى, ربما يتضمن بعضها تغييراً كاملاً لتخصصك الوظيفى , و تكون فى قمة درجات التردد و الحيرة.

مرة أخرى تجد نفسك أمام مفترق طرق جديد, عندما تبدأ فى التفكير فى الزواج, و تعلم جيداً أن اختيارك سيحدد الطريق الذى ستكمل به حياتك, و هو اما طريق أغلبه ورود أو أغلبه أشواك و العياذ بالله.

و لا تنتهى أبداً المنعطفات فى حياتك, التى هى أشبه بنهر له عشرات الفروع, و مئات الروافد, و و آلاف القنوات, و على حسب الفرع الذى ستدخله, سيكون المصب الذى ستصل اليه فى نهاية المطاف.

اذاً, قلنا أنه عند هذه المنعطفات الرئيسية فى الحياة نحتاج لإتخاذ قرار سليم, و هذا القرار قرارك فى النهاية, و ستتخذه بنفسك و تتحمل عواقبه بنفسك طالما أنك إنسان حر و لك رأى, و ستفكر فيه بروية و هدوء و تعقل حتى تصل الى أفضل التصورات الممكنة, و ستستشير من تثق بإخلاصهم و رجاحة عقولهم من أهلك و معارفك و أصدقائك, و فى مقدمتهم والديك.
فإذا حُرمت من كل هؤلاء, فتذكر ساعتها أنك رغم كل شىء لست وحدك.
لست وحدك طالما أنك فى معية الله تعالى, و من كان الله معه, فمن عليه؟!
لست وحدك لأنك تسلم الأمر لصاحب الأمر, ترجع شأنك كله لمقدر المقادير, و مصرف الأمور.
لست وحدك لأنك تركن الى ركن شديد, لأنك تستند الى العظمة, و العزة, و القوة, و القدرة, و الغنى, كما تستند الى الرحمة, و السلام, و المغفرة, و العفو.
لست وحدك لأن الله معك, و غاية منى العبد ساعة فى معية مولاه و هو راض عنه.
حتى اذا كنت عاصياً, حتى اذا كنت بعيداً عنه, حتى اذا كنت غافلاً و مشغولاً بدنياك, فإنه أرحم بك من والديك, قد يدير أبوك وجهه و يعرض عنك إذا عصيته, لكن الله لا يعرض عنك أبدا, و إلا ما استمر يرزقك و أنت تعصاه, و يعطيك و أنت تعرض عنه.
ليس منا من لم يشرد و يحد و يغفل لفترة أو لفترات, و ربما ننسى الله فى لحظات الرخاء, و لا نذكره الا فى الشدائد (فإذا مس الإنسان ضر دعانا ثم اذا خولناه نعمة منا قال إنما أوتيته على علم بل هى فتنة و لكن أكثرهم لا يعلمون)
لكن اذا دعوت الله مخلصاً و بصدق, و أظهرت له أنه لا حول و لا قوة لك الا به, و أنك الفقير اليه, و أنك الضعيف بين يديه, و أنك لا تدرى ماذا تفعل, و تغرق فى بحار من الحيرة و التفكير, و أنك توكل الأمر اليه, فإن الله لن يضيعك أبداً أيها المؤمن.
ألم يقل رسول الله صلى الله عليه و سلم ( لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير:تغدو خماصا, و تعود بطانا)
ليس كل الرزق المال الذى ستكسبه من عملك و تعود به لبيتك, بل ربما كان الرزق فى دفع مكروه, أو إنارة بصيرة, أو سكينة و طمأنينة, أو صحة و رضا و قناعة.
و ليس التوكل باللفظ فقط, ليس التوكل أن تقول (توكلت على الله) بصورة آلية, بل التوكل الحق أن تقدم على العمل و أنت مسلم أمورك كلها لله, أن تأخذ بالأسباب, و تعمل كل ما بوسعك, و تسأل الله العون و الوسيلة و النصح و التوفيق و السداد, و توكل الله عنك فى قضاء أمرك , و هو نعم الوكيل.
و لو أنك استشرت أهل الأرض كلهم, فلن تجد النصيحة الكاملة التى بها كل الخير لك, الا اذا أجراها الله على لسان من ينصحك, فإن كل من ينصحك إنما يحكم بالجزء الضئيل الذى يراه و يعرفه, و هو لا يرى الغيب و لا يعلم تأثير نصيحته على مستقبلك, كما أنه ليس كل من ينصحك يتمنى لك الخير فى أعماقه, و لن تجد من يتمنى لك كل الخير و يعرف أين مصلحتك الحقيقية غير صاحب القضاء و القدر, الله سبحانه و تعالى.
للأسف يتكاسل الكثير منا عن الاستخارة, رغم أنها بيان عملى لتسليمنا لحكم الله, و توكلنا عليه, و استعانتنا به, و هذا راجع لقلة وعى منا, مع عدم فهم لطبيعة الاستخارة.
فليست الاستخارة فى أن تسأل ربك أن يوفقك لإختيار شىء تميل له من بين أشياء أخرى فقط, بل الأصل أن تستخير قبل أن تقدم على أى خطوة, و قد ربى رسول الله الصحابة على الاستخارة فى الأمور كلها, حتى فى أبسط الأمور, و لو كان مجرد شراء قطعة ملابس, فما بالك بما هو أعظم من هذا من القرارات المصيرية التى تحدثنا عنها فى البداية.
كنت لفترة ليست بالبعيدة أحمل مفهوماً قاصراً عن الاستخارة, الى أن قابلت شاباً أكبر منى بسنوات قليلة, و دار بيننا حوار ذكر خلاله الاستخارة, فسألته سؤالاً بخصوصها فسألنى مندهشاً: الاستخارة؟ اوعى تعمل أى شىء قبل ما تستخير, ثم قص على حكايته معها فى شأن الزواج:
قال:تعودت على الاستخارة فى كل الأمور منذ صغرى, و عندما عزمت على الزواج استعنت بالله و استخرت و تقدمت لخطبة فتاة, و واظبت عليها الى أن وجدت الفتاة تعرض عنى بلا سبب واضح, ثم تطلب فسخ الخطبة, فحمدت الله أن الأمر جاء من طرفها.
ثم استخرت الله و تقدمت لخطبة أخرى, و تزامن ذلك مع دخولى الجيش لأداء الخدمة العسكرية, و فى ذلك الوقت جاءتنى رؤيا عدة مرات فى منامى, أنى كلما ألبست الفتاة الدبلة سقطت من إصبعها, و مع أول أجازة اكتشفت أنها قد تركتنى و خطبت لشاب آخر!!!
مرت الأيام ثم قابلت فتاة أخرى و استخرت الله, و اذا بالأمور كلها تمشى بيسر و سهولة, و الأهل يساعدونا, و النقود تتدفق علينا, حتى تم الزواج فى موعده منذ شهر, و الحمد لله على كل حال.
لم أنس كلمات الشاب المؤمن, و جزاه الله كل الخير و جعل ما وصانى به فى ميزان حسناته, و من يومها أحرص على الاستخارة, و قد رأيت بنفسى أثرها فى حياتى, و لابد أنك سترى أثرها فى حياتك أيضاً.
ليس بالضرورة أن تكون نتيجة الاستخارة أن يتحقق ما تتمناه, فربما كان ما تتمناه شراً لك, فاحمد الله أنه قد صرفه عنك.
و ليس بالضرورة أن ترى نتيجة الاستخارة بعد أول صلاة, فالله يحب العبد اللحوح الذى يكثر من سؤاله و دعائه.
و ليس بالضرورة أن تأتى لك الاستخارة فى شكل رؤيا فى المنام, فلربما قذف الله فى قلبك الحق و أنت فى كامل اليقظة, و لربما جاءك الرد فى صورة نصيحة من ناصح أمين, أو مشير مخلص.
لربما حبب الله لك الأمر أو بغضه, و لربما يسر الله لك الشأن أو صعبه.
و لربما كان فى الأمر خير لك و حققه الآن, أو كان الأفضل أن يتحقق فى المستقبل, فوجدته يعود اليك بعد حين.
لربما كانت كل الظواهر و الشواهد العقلية تشير الى أنه ليس فى الدنيا افضل من هذا الذى تسعى اليه, لكنك تراه بعينك القاصرة و تحسبها بعقلك المجرد القاصر أيها المسكين, فإذا استخرت و أخذت بالأسباب و وجدت مع ذلك أن الأمر لم يتحقق لك, فإياك أن تحزن, و إياك أن تندم, فهذا قدر الله و قضاؤه الذى يجب عليك أن تؤمن به كى يكتمل ايمانك, و هذا هو الخير الذى قدره الله لك أيها المحظوظ, نعم, إنك المحظوظ السعيد لأنك توكلت على الله, و هو نعم الوكيل.
قال الله تعالى ((و عسى أن تكرهوا شيئاً و هو خير لكم و عسى أن تحبوا شيئاً و هو شر لكم و الله يعلم و أنتم لا تعلمون))
و قال رسول الله(عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله خير ، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن ؛ إن أصابته سرّاء شكر ؛ فكان خيراً له ، وإن أصابته ضرّاء صبر ؛ فكان خيراً له)و صدق الصادق المصدوق.
و قد علمنا رسول الله كيفية الاستخارة فى الحديث الذى رواه جابر بن عبد الله (إذا همَّ أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب. اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر – يسمي حاجته – خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري، أو قال: عاجل أمري وآجله، فاقدره لي ويسره لي ثم بارك لي فيه، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شرٌ لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري، أو قال: عاجل أمري وآجله؛ فاصرفه عني واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان، ثم ارضني به) صدق رسول الله.
و بعد أيها المؤمن
أما زلت فى حيرة من أمرك؟
أما زلت مهموماً مغرقاً فى التفكير, تتلطم بين أمواج الفكر, و آراء الناس المختلفة؟
أما زلت تقف عند مفترق الطرق, تخشى أن تخطو خطوتك, و لا تدرى أى طريق تسلك؟
إذا كان هذا شأنك, اذا كنت عند مفترق الطرق, فأرجو أن تتذكر الآن أنك لست وحدك.
و أرجو اذا نفعك الله بكلمة مما سبق, أن تدعو لى, و أن تسأل الله أن يرزقنى الهداية و الإخلاص.
و جزاكم الله خيرا.






هناك 4 تعليقات:

ِِAdem El-Mahdy يقول...

الاستخارة دى شىء جميل فعلا

الواحد لما بيكون مهموم فى امر مش بيحلها الا الاستخارة

واحد من المسلمين يقول...

السلام عليكم

أخويا مسلم من مصر

جميلة جدا التدوينة وجزاك الله خيرا ... ولأكنى أرى ان أفضل ما فى الإستخارة حتى أفضل من توفيقك للخير هو راحة البال ... الكلمة التى ذكرتها فى التدوينة ... أنك مطمئن أنك تأوى إلى ركن شديد ... هذا الإطمئنان وحده قد يدفع بعض الناس ثمنه بالآلالف بل الملايين ... فلله الحمد أن جعلنا عبادا له.

أخوك .. واحد من المسلمين

بالمناسبة ... دعواتى ليك ربنا يكرمك بالزوجة الصالحة ... دائما كنت أشبه الزواج بطاحونة الهواء ... والزوجة هى ريشة من ريشات هذه الطاحونة .. إما أن تسقط على ريشة تدفعك بقوة للأعلى ... أو تسقط على أخرى تقذف بك لأسفل .. أو تسقط على أخرى تقذف بك فى اتجاه ليس علوى -فيه نصر للأمة وطاعة لله- وليس سفلى -فيه ذنوب ومعاصى- ولكن تشغلك بهموم الدنيا فتظل بها مهموما لا ترى فرصة للإهتمام بمعالى الأمور .. فأدعو الله ان يرزقك الزوجة الصالحة.
وطبعا هاتدعينى على الخطوبة :)

سلام عليكم

شــــمـس الديـن يقول...

الواحد طالما كان في معية الله يسر الله له امره و رزقة من حيث لا يحتسب

و الاستخارة مهمة جدا فعلا في الحياة

علي العموم انا عندي كنز اخر , هو الاستغفار و فيه حديث و ايه مذكورين عن فضلة

من لزم الاستغفار جعل الله له من كل ضيق مخرجا و من كل هم فرج و رزقة الله من حيث لا يحتسب

و قيل في حق الاستغفار ايضاً استغفروا ربكم انه كان غفارا , يرسل السماء عليكم مدرارا و يمددكم باموال و بنين و يجعل لكم جنات و يجعل لكم انهارا

يعني عليك بالاستخارة و الاستغفار و ربنا ييسر ان شاء الله

و ان شاء الله الواحد بس بيكون قلقان عندما لا يعلم الغيب و لكن عندما تمر الايام و يهتك حاجز الغيب هذا و ينظر المرء للوراء و يتأمل كيف كانت حالته ان ذاك سوف يتعجب من لطف الله به :)

خالص التحية و ام شاء الله نسمع عنك اخبار كويسة قريب :)

مسلم من مصر يقول...

السلام عليكم

أخى آدم المهدى
نعم الاستخارة-و الدعاء عموماً-من أجمل الأشياء,لما تبعثه فينا من اطمئنان,و لأنها تطبيق عملى لتوكلنا على الله, و لتسليمنا الأمور له,و من هذا نستحق أن نسمى:مسلمين
جزاك الله خيرا على التعقيب, و نورت المدونة



أخى واحد من المسلمين
جزانا الله و إياكم يا أخى, و حلو التشبيه بتاع الطاحونة و الريش :) , جزاك الله خيرا على الدعاء, و طبعا يشرفنى أن أراك يومها:), بس قبلها نفرح بيك الفرحة الكبيرة


أختى الكريمة شمس الدين
الاستغفار هو الجناح الثانى الذى نحتاجه مع الدعاء كما تفضلتى, و هو من أهم ابواب سعة الرزق كما هو واضح فى الآيات و الأحاديث التى تفضلتى بعرضها.
المشكلة فينا كبشر منا أننا سريعو النسيان,و كذلك دوما على عجلة(إن الإنسان خلق هلوعا, اذا مسه الخير منوعا, و اذا مسه الشر جزوعا,الا المصلين...)
من أجل هذا, نحتاج دوماً أن نذكر بعضنا البعض,لكى نظل دوماً على صلة بالله, لأن العلاقة الايمانية للأسف لا تسير على وتيرة واحدة, فالإيمان يزيد و ينقص,شبيه بمنحنى الجيبsin curve.
جزاك الله خيرا على تعليقك