الأحد، 29 يونيو، 2008

عاشوا فى خيالى-3-عمرو خالد- 2( صناع الحياة)

تكلمت فى الجزء الأول من هذه الخاطرة عن عمرو خالد الداعية المجدد, و أتكلم اليوم عن أهم نقلة فى حياته, و حياة من تأثروا به, أتكلم عن مشروع صناع الحياة.

بدأ عمرو خالد الدعوة لهذا المشروع فى ربيع عام 2004, و قسم المشروع لعدة مراحل, سمى أولاها :فك القيود, و لعل المرحلة الأولى هذه هى أهم مراحل العمل قاتبة.

فى هذه المرحلة تكلم عمرو عن العديد من القيود التى كبلنا أنفسنا بها, و استسلمنا لها, و لن نستطيع النهوض بأمتنا إلا بتحطيم هذه القيود, و التى من أهمها :السلبية, عدم إتقان العمل, عدم الإنتباه لقيمة الوقت, و فى الوقت ذاته نحتاج للتمسك بقيم مهمة مثل:الإيجابية, الأمل, التفاؤل.
و لا أكون مبالغاً إذا قلت أن محمداً-العبد لله-قبل هذا البرنامج يختلف عنه بعد مشاهدة هذه الحلقات, فقد كنت محبطاً, سلبياً, لا أرى أى أمل فى الإصلاح, لكن كان لهذه الحلقات مفعول مؤثر فى شخصى, و أحسب أننى قد صرت شخصاً أكثر إيجابية و تفاعلاً عن ذى قبل, لذا, عندما سمعت عن الدعوة لإستخراج البطاقة الانتخابية و المشاركة فى التصويت بإيجابية مهما كان الوضع, سارعت لإستخراجها(لم يكن الدستور قد تعدل وقتها,لكنى صممت على المشاركة فى استفتاء اختيار الرئيس لأقول رأيى).

أثناء إذاعة هذه الحلقات, بدأ تفاعل المشاهدين معها بشكل جميل و مؤثر جداً, و عرض بعضهم أفكاراً جميلة جداً كان من أهمها:مشروع تجميع الملابس المستعملة, و بدأ الشباب فى مصر فى مختلف المحافظات, و فى الوطن العربى بمختلف دوله, حتى المهاجرين العرب بالغرب, بدأوا فى تجميع أنفسهم و تكوين فرق عمل و إنشاء جمعيات.

فى صيف نفس العام, تعرفت على مجموعة الشباب التى كونت النواة الأولى لصناع الحياة بالأسكندرية, كان هذا من خلال معرض للملابس المستعملة أقيم بأرض كوتة بجوار مكتبة الأسكندرية, و استمر لمدة تقارب الشهر و نصف.

فى المرات القليلة التى قدر الله لى فيها المشاركة معهم, كنت فى حالة روحانية عالية للغاية, لأنى أعمل مع شباب اجتمعوا على طاعة الله, و يعملون لوجه الله, و يحبون بعضهم فى الله, نعم, كانت فترة من أجمل فترات عمرى, تعرفت على شباب صاروا فى ايام قليلة مثل أخوتى, فى حين أن بعض أصدقائى من ايام الطفولة لم يرتقوا لهذه المنزلة, لكن هذا هو الفرق بين الصداقة العادية, و الأخوة و الحب فى الله.

أذكر فى هذه الفترة أنى كنت أتلقى مكالمات من حوالى 7 أشخاص على الأقل يوقظونى لصلاة الفجر :) , الآن يوجد تليفون واحد فقط بيصحينى بالعافية.

عندما انتهى المعرض, أحب القائمون عليه ألا يكون هذا آخر عهدهم بالعمل الخيرى و التنموى, فتكونت عدة كيانات لصناع الحياة, عبارة عن جمعيات مشهرة بالشئون الاجتماعية ذات أسماء شتى و أهداف واحدة.

شهدت هذه الجمعيات فى بدايتها عدداً من العثرات و التخبطات نتيجة لنقص الخبرة من جهة, و الحماسة و عدم وضوح الرؤية لدى البعض من جهة أخرى, الى جانب بعض الأخطاء المتمثلة فى الاختلاط و عدم التنظيم و التنسيق فى بعض الأحيان, لكن أزعم أن المنتسبين لصناع الحياة قد ازدادوا نضجاً و خبرة بمرور الأيام, و صححوا العديد من الأخطاء قدر إمكانهم, كما قد أفرزت الأيام من لهم القدرة على التحمل و الاستمرار, و من عنده رغبة حقيقية فى العطاء, صحيح أن بعض السلبيات قد جعلت صناع الحياة يخسرون عدداً من الكفاءات و المهارات, و هذا من عمل الشيطان الذى يدخل بين الناس ليفسد أجمل ما بينهم, و نسأل الله السلامة.

و من خدع الشيطان أيضاً, عمله على تغيير النفوس و النوايا, و تشتيت العقول و ضبابية الرؤية, فمن الشباب من يعجب بكونه يعمل تحت اسم(صناع الحياة), و يتعلق بالإسم, و ينسى أنه مبدأ و مفهوم و روح اكثر من كونه إسماً.

لن نجد هذا العَرَض فى بعض شباب صناع الحياة فقط, سنجده فى أى تجمع سواء اسلامى أو غير اسلامى, ستجد مثلاً من بين الإخوان المسلمين من يختزل كل شىء فى إسم الجماعة و ينسى الروح, ينسى أن من خارج الجماعة هو من المسلمين أيضاً, و له نفس القدر الواجب من الأخوة و المحبة و إن لم يكن عضواً بالتنظيم, و بين أخوتنا من التيار السلفى سنجد من يكرر دوماً مع محدثيه أنه سلفى, لكنه تعلق بعبادات السلف و لم يتحلى بأخلاقهم و فكرهم.

من أجل هذا أدعو كل من يعمل من خلال إطار كبير, أن يراجع نفسه و يجدد نيته كل فترة, حتى لا يحبط عمله و يكون مجهوده بلا طائل, حتى لا يفقد الإخلاص و يصبح عمله رياءً, حتى لا يفقد الحماس و يكون عمله بصورة آلية, و حتى لا يفقد الروح الجميلة التى تبث فى المرء دافعاً للحياة و للعمل.
و صناعة الحياة -كما أفهمها-ليست مجرد الإنضمام لجمعية خيرية تنموية و العمل من خلالها فقط.
إنها روح تسرى فى الإنسان, و تحوله الى شخص آخر, تحوله الى شخص ايجابى,متقن لعمله,ناجح, متفائل, قوى,جاد, و كل هذا فى إطار الإيمان بالله و العلاقة الوثيقة معه.
صانع الحياة يعلم أننا قد خلقنا لغرضين:لعبادة الله, و لعمارة الأرض, لذا يجب عليه أن يسخر حياته كلها من أجل هذين الغرضين, و أول شىء أن يبدأ بنفسه أولاً,أن يصنع نفسه فيكون إنساناً ناجحاً.
و يجب عليه أيضاً أن يأخذ بأيدى إخوانه, أن يكون إيجابياً و يشارك فى الإصلاح, و فى توعية الناس, و فى خدمة مجتمعه, و وطنه, و أمته.
يجب عليه أن يكون كله تفاؤل و أمل فى الغد, أن يكون أقوى من الظروف, ألا يستسلم اليأس, و حتى إذا غمرته مشاعر الإحباط,فإن عنده القوة التى تعينه على أن يتخلص منها سريعاً, لأننا بكل بساطة ليس عندنا وقت نضيعه فى الإستسلام للإحباط.
يجب عليه أن ينشر روح الأمل و التفاؤل بين غيره, أن يرى الناس بعمله أن هناك أملاً فى الغد, فمن الناس من يتغير بسماع كلمة, و منهم من لا يتغير إلا بعد أن يرى معجزة تتحقق أمامه رأى العين, و علينا أن نصنع نحن المعجزات.
و أعتقد جازماً أن الشباب و الفتيات الذين تشربوا هذه الروح, سيكون لهم دور هام و مؤثر و إيجابى فى المشاركة فى عملية الإصلاح بهذا البلد و هذه الأمة, صحيح ان أكثرهم عازف عن السياسة و يركز جهده فى التنمية, لكن هذا فى حد ذاته مكسب للعمل التنوى, و ليس بخسارة للعمل السياسى ((و ما كان المؤمنين لينفروا كافة)).

إن الأخوة و الأخوات الذين تعرفت عليهم من خلال صناع الحياة لهم فى قلبى معزة خاصة, و كما قلت من قبل, إن المعرفة و الأخوة التى تنشأ فى طاعة الله لا تنفصم عراها, و تكون أخوة تستمر الى نهاية العمر بإذن الله.

و إن كنت قد تعرفت على هؤلاء الأخوة على أرض الواقع, فقد يسر لى منتدى عمرو خالد التعرف على أخوة آخرين, بعضهم عرفته على الطبيعة و أكثرهم لم ألقاه, و عسى أن أقابلهم فى الجنة إذا شاء الله.

نعم, فلفترة كنت مدمناً على ارتياد هذا المنتدى, فيه التقيت نفراً من أفضل العقول و القلوب, و استفدت على المستوى الشخصى-عقلياً و وجدانياً-من معظم الأشخاص الذين تعرفت عليهم و حاورتهم على صفحات المنتدى, و من أهم هؤلاء و أعزهم على قلبى أسرة الوريقات, التى سيكون لها تدوينة خاصة تتحدث عنها بإذن الله.

أعود للحديث عن عمرو خالد, فقد بدا لوهلة أن الرجل لم يكن يتوقع النجاح و الانتشار الذى حققه البرنامج, و تلقى الناس الفكرة بحماس و قبول حسن على مختلف أعمارهم, فكان من الواجب الإستفادة من هذه الطاقات فى أعمال ايجابية تعود بالنفع على الأمة, و لذا طرح عمرو على الناس سؤالاً: ما هى رؤيتكم لبلادنا بعد 20 سنة؟ و أرسل الناس أحلامهم و رؤاهم فى مختلف التخصصات, و تم فرز هذه الأحلام و انتقاء بعض المشروعات التى بإمكان المجتمع المدنى العمل فيها, و حقق بعضها نجاحاً قوياً و لا يزال, مثل :مشروع حماة المستقبل للتوعية من المخدرات, مشروع دار الترجمة, مشروع زراعة الأسطح, الصناعات الصغيرة...الخ.
لكن الظاهرة المؤسفة أنه عند توقف بث حلقات البرنامج من التليفزيون, فقد فتر حماس البعض, مما يعنى أن الفكرة و المبدأ لم يرسخا فى قلوبهم بشكل كامل, لكن على الجانب الآخر فقد استكمل صناع الحياة أنشطتهم و نشأ بينهم أنواع من التنسيق, مع وجود استقلالية داخلية لدى كل مجموعة.
و إذا كنت تظن أن مشروع صناع الحياة قد فشل و توقف فظنك ليس فى محله, ادخل على المنتدى و اقرأ باستمتاع كيف أن الشباب لا يزالون يعملون بحماس, كيف نضجوا و ازدادوا خبرة, و لعلنا جميعا قد سمعنا عن حملة حماية للتوعية ضد المخدرات و لعلاج المدمنين, و كل هذا من ثمرات صناع الحياة.
و المتابع لبرامج عمرو خالد التى تلت صناع الحياة, يجب عليه أن يربط بينها و بين هذا المشروع العظيم, فبرنامج على خطى الحبيب عن السيرة النبوية, كان عرضاً متميزاً لسيرة رسولنا الكريم, مبرزاً أهم المواقف التى يجب علينا أن نقتدى بها فى شخصية محمد صلى الله عليه و سلم, النبى و القائد و الإنسان.
أما برنامجه دعوة للتعايش فكان خطوة جيدة جداً على الطريق, و عرض جميل لخلق التسامح و أصول الإختلاف, و هو شىء يحتاج الكثير من الشباب أن يتعلمه, لأن الحماسة قد تذهب بصاحبها مبلغاً بعيداً يجعله يتجاوز فى الخصومة مع من يختلف معه فى الرأى, و لو كان من نفس المعسكر, فما بالك بمن يختلفون معه فى الرأى اختلافاً جذرياً؟!

غير أن هناك بعض الظواهر المؤسفة التى يجب ألا نغفلها,و هى أن من الشباب المتأثر بعمرو خالد من يتبعه بلا تفكير, قد غلبته روح الحب للرجل,و ستجد هذه الطائفة بين أتباع أى شيخ و أى مفكر, و الحب و التقدير شىء جميل, لكن عندما يتحول لشبه عبادة فهذا خطأ فادح, و تطرف فى المشاعر, و قد علمنا الإسلام أن نعرف الرجال بالحق, لا أن نعرف الحق بالرجال, و هذا ما سنناقشه بإذن الله فى الخاطرة الثالثة و الأخيرة عن عمرو خالد.

هناك تعليقان (2):

شــــمـس الديـن يقول...

السلام عليكم

جميل جدا ان تحكي عن هذه التجربة و عن عمق تأثير الاستاذ عمر عليك

للاسف الشديد هناك دائما من يتصيد الاخطاء للبعض - حتي و ان كانت النيه صادقة - و لكننا لم نتعلم ان نلتمس الاعذار و ان نؤاخذ بعضنا البعض برقي

فأقول قصتك هذه و قصة الكثيرين جدا ممن ينتقدون الرجل , و اقول لهم ان الكمال لله وحده اولا و العيب ليس في كلامه و لكن في تلقي الاخرين و تنفيذها بشكل خاطئ احيانا اخري , و لكني ايضا اقول انه رائد حقيقي - مع ايماني بتحفظات كثيرة عليه فنية من الناحية الاساسية فكلنا بشر في النهاية - و لكن الجديد الذي قدمه يكمن في نموذجة الذي لم يتكرر قبله

فازمة الشباب المسلم في رأي انهم معزولون عن دينهم , فان رأيت الشباب المسيحي في بلدنا سوف تري انه يعيش حياة ورحانية سليمة مع اننا نعرف ان دينهم تم تحريفة , من ذهاب و ترابط في الكنيسة و ان الكنيسة لا تمثل لهم دور ديني فقط و لكن تدعم الانشطة الاجتماعية و الثقافية و تخطط لهم الرحلات باختصار تمتص طاقة الشباب و تخرجها فيما يفيد

و لكن دولتنا المصونة حجمت دور الجوامع و المساجد , و زاد التحجيم عندما جعلتها تبع للاوقاف , فاصبح من يعملون بها يؤدون واجب حتي يتقاضون اجر عليه و لم يعودوا اصحاب رسالة اجتماعية كما كان في الماضي و الكبت هو ما يولد العنف في رأيي ... عدم وجود نموذج يمتص الشباب و طاقاتهم يجعلهم في حاله ضياع و لان الانسان بطبعة يريد ان ينتمي الي شئ ما , فان نزعت هذا الشئ منه اصبح بلا اي هوية او انتماء او مثل اعلي و بحث عنه في اشياء مغلوطة مثل نجوم الفن الساقط بكل القيم المنحرفة و ما الي ذلك

اعود الي استاذ عمر و اقول انه كسر الصورة التقليدية للداعية في ان يكون محاضر فقط دون ان يشعر بمن حوله بكل مشاكلهم المعاصرة , و استطاع ان يجمع الشباب الخير -بفتح الخاء و تشديد الياء - حولة و الذي كان يفتقد الي الواء الذي يتجمع حوله ... و اخرج طاقاتهم في شئ مفيد

حقاً تجربة جيدة جدا ما حكيت و افضل شئ تذييلك بقول ان الرجال يعرفوا بالحق و لا نعرف الحق بالرجال (فالاساس هي الفكرة و ليس الشخص )

خالص التحية و انتظر المزيد

مسلم من مصر يقول...

و عليكم السلام و رحمة الله
الإمام الشافعى رحمه الله له بيت شعر يقول فيه:و عين الرضا عن كل عيب كليلة ......و لكن عين السخط تبدى المساويا
و المثل الشعبى : حبيبك يبلع لك الزلط, و عدوك يتمنى لك الغلط
و ما أتمناه, أن يخرج المسلمون من هذه الدائرة, أن يروا جانباً واحداً من الانسان, اما الجانب الحلو فقط -فيرون كل الأفعال صواب, و أى خطأ يوجدون له المبرر)
و إما يرون الجانب السىء فقط, فتتحول كل الأخطاء الى خطايا, و يتم قلب معنى الأفعال الحسنى, و اساءة تفسير النوايا على طول الخط.
ربما كان الجانب المشترك فى أغلب من تكلمت, و سأتكلم عنهم بإذن الله فيما بعد, أنهم لم يسلموا من انتقاد طرفين على جانب كبير من الاختلاف:تيار الغلو الاسلامى, و تيار الغلو العلمانى
ان ما يجمعهما فقط هو الغلو و أحادية التفكير, لكن المعسكرات متباينة,و لن يسلم أى مصلح من انتقاد هؤلاء و هؤلاء, و لن نجد من يجتمع عليه الناس كلهم, اذا كان الناس قد اختلفوا حول الخالق عز و جل, فما بالنا بالبشر؟
إن الرجل(عمرو خالد) دعا لمشروع معين, و اجتهد فأصاب أحيانا و أخطأ أحيانا أخرى, لكن رأيى دائما فى من ينسى الجانب الحلو و لا يتذكر الا العورات و الكبوات, أنه مثل المرأة التى تكفر العشير, و تقول لزوجها اذا رأت منه ما يضايقها:ما رأيت منك خيرا قط!!!
شكرا يا شمس على تعليقك الذى أستمتع به دوماً, و ان شاء الله فى خاطرتى المقبلة عن عمرو خالد أتعرض للإنتقادات التى توجه له, و من ثم أكمل السلسلة عن غيره من المصلحين الذين عاشوا فى خيالى
جزاك الله خيرا, و خالص تحياتى